أخبار عاجلة

فصل من رواية أحلام الهروب

الذي يحدد مصيره بالفوز أو الموت قلما يواجه الموت

كوديني..

يا إلهي، إنني أهتز بكاملي, تعتريني رجفة حادة في لحل مكان, جسدي بأكمله يبدو كأنه يتضخم وكأن الشيطان الذي كان يسكنني يتسلل خارجا مني.. فأستعيد من جديد حالة الهزال. في رأسي مشات الأفكار المطوية تبعث نفسها من قبور منسية طفلة في ركن قصي، بدار بلون الليل.. سجن بدواعي البلوغ..

والنظرات الزاجرة أشباح متمايلة في كل حدب.. لفترة عشت مرة أخرى.. ولدت وأنا في الثلاثين.. ثلاثون عاما ضاعت جزافا.. وهاهو حلم الهروب يحدوني… يرسم لي بعثا وحياة أخرى خلف هذه الحدود والأسوار..

لا أريد العودة الى الجبل لا أريد زفافي الموعود لكن الحلم الجميل تكسر.. حمل ثورة جذلى اعترتني وجعلني أعيش الواقع المر مرة أخرى..

آه يا " سالم " لو رأيتني قبل لحظات.. ما عدت وقتها أهتم لشيء كنت أخطو خلفك لأرى الحياة.. خلف هذي الحدود يا " سالم" كما قلت – هناك أناس يعيشون أيضا وآفاق أوسع. كنت.. وهو الماضي الآن كما صوت أنت..

أما الآن فها أنا أعود للنزل.. من يدري بعد ساعة أو أكثر قليلا سأعود للجبل.. وسأدفن كل الثورات في حظيرة البقرات أو سأسعد بها جلبه  قت(1).

– هل صدقت كلامي يا سيدتي.. إنه رجل ماسخ وقليل التهذيب !

– إإش.. هوذا النزل قد أقبل خذ نقودك واصمت.

–  سيؤذن للعصر بعد قليل.. أظنك يا سيدتي ستقابلين الكثير من المشاكل !

دق قلبي بشدة عندما وقفت على عتبة النزل.

 هل استيقظ الرجال وصدموا بغيابي،

هل سأجد خنجرهم في وجهي وهم يزأرون من الغضب وماذا سيكون حال الخادم عندما يعرفون إنه أخذني إلى ذلك الرجل الذي لا يطيقه أحد على هذه الأرض.

هه.. وماذا يفرق الخنجر الآن !

عموما سيوفرون علي حياة سقيمة بجانب " عبود" واخوته أغمضت عينيك مبسلة وشكمت خاصرتي ألما وأنا أخطو للداخل أكثر فأكثر، وابتلعت ريقي وسرت بشجاعة كاذبة.. توقفت في منتصف الطريق لم أقدر على الادعاء لم أعش بعد عمري الذي أريده.

ناديت على الخادم هامسة , تردد في مكانه وتنقلت محاجره في كل الأرجاء

– اذهب وتفقد المكان

– لماذا أنا؟ أذهبي أنت !!

-اذهب, لا تخف..

– اذهب انت !

قفز قلبي من مكانه عندما سمعت صوت حركة ما.. كان ذلك وقع قدمين قادمتين حيث كنت أنا والخادم بقرب المدخل. سمعت صوتا غريبا ينادي على الخادم فأطلقت ساقي نحو حجرتي أصخت السمع علني أسمع صوت أحد ما بداخلها. أتراهم ينتظرونني والخنجر مترصد إياي في ركن ما. لكن الغرفة صامتة. دفعت الباب بهدوء.. دارت عيوني في كل الأطراف… هل هناك أحد ما يتنفس خلف الباب أم هي أنفاسي تخلط علي الأمر..

أمسكت على موضع قلبي لكيلا تفضحني ضرباته المتسارعة كنت مبللة عرقا.. وبشرة وجهي ساخنة ملتهبة..

كم أنا جبانة.. فلأدخل وليحصل ما يحصل.

 ولم يحصل شيء مما توقعت كان الباب بريئا مما الصقت به والغرفة كانت تبتسم بصمت.

أطلقت نفسا طويلا.. خلعت برقعتي وجلست أحدق في وجهي المسود رعبا وهلعا.

مغامرتي الفاشلة.. انتهت على خير والحمد لله..

 أظنني بحاجة لحمام بارد وجلسة طويلة أفكر فيما فعلت وما أنا مقلة علمه.

– تعالت أصوات في الخارج, سيد النزل يشتم خادمه ويسأله عن غيابه.. والأخير يعالج الموقف بصبر، أتراه سيخبر سيده عني؟ لا لقد نقدته جيدا.. لا أظنه سيفعل.

ما أن انتهيت من الحمام حتى أحسست بالانتعاش, سرت الى حجرتي ورأسي مشتعل بخطط شيطانية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

ماذا بي لا أهدأ؟؛ لماذا أصبحت أركض خلف الموت نوا لمستحيل ماذا بيدي لأفرض وضعي هذا؟ ماذا بيدي بعد الآن؟

 هل أحمل صرة ثيابي القليلة هذه وأمضي بعيدا؟ الى أين؟ وامرأة وحيدة أشرد هكذا؟ ابنة شيوخ؟ أيكون هربي عارا علي قبل أن يكون على قومي؟

ولكنني لا أريد " عبود" زوجا..

لا أشتهيه لا أطيق أبدا أن يكون هذا الطفل هو من يقترب مني..ويلمس شعري ويقبل وجهي.. هذا يثير اشمئزازي.. أتمنى الموت عوضا عن هذا القرف..

لا.. لا..لن أرجع أبدا لأتزوج " عبود"…

ليس بعد الآن..

أعادني طرق الباب الى الواقع الجاف.. -زلحرة

هوذا "علي ".. أتراه علم بأمري؟

تأملت وجهه الأبيض مليا.. تهيأ لي أن هناك تكشيرة على جبينه.. وغضبا مكبوتا في عينيه..

– هل نمت؟

– أنا؟ لم.. لم أقدر لم أتعود أنت تعرف..

 دار في الحجرة يتأملها, توقف امام المنظرة (2)، عدل من كمته.. كان يريد أن يقول شيئا ما..

– طبعا, ستبقين هنا، رأى عمي أن مجيئك معنا كان بلا داع, سنذهب لشراء الفضة والذهب لعروسة الجبل, التفت مناجيا مبتسما واستطرد.

– عروسة "عبود" الحبوب..!!

لم أحس بالغيظ هذه المرة, لأن الحديث بأكمله لا يمت لي بصلة,

– ولماذا أتيت معكم إذن:

– أرادوا أن بيعدوك عن مضايقات صويحباتك ربما جعلك هذا تغيرين من رأيك !

– أغير من رأيي؟ هل سيمنع ذلك زواجي بأي حال؟ – لا طبعا.. لكنك ستضايقين أمنا!

– اه؟؟

أيضا.. أخبر وني أنهم ينوون شراء أو استئجار بعض العبيد. فعبيدنا لا يكفون لحفل العرس الكبير الذي يريده عمي لوحيده المدلل !

– عبيد؟ ألم تقولوا أن شراء العبيد محظور وأن من يتاجر بهم نذل؟ ألم يقل أبوك هذا ووافقته:؟؟

– وما شأنك أنت. اشغلي نفسك بفرحة عمرك.

وألقى عبارته الأخيرة وهو يغمزني خارجا.

– طال انتظارك لفرحة عمرك !! لا تخافي سيوهي أبي صاحب النزل وخادمه بحراستك.

– جئت للسجن إذن..

ولم يسمعني.. كأنه قد خرج.

" اذهبوا أنتم الثلاثة الى الجحيم…" هذي عيشة لا تطاق.. حدود أربعة في كل مكان, العيب.. العيب.. كرهت لحل شيء عيب.. فما من شيء تفعله المرأة هنا إلا أطلقوا عليه العيب.. تبا!

يجب أن أرحل سأرحل من هنا بأية طريقة, لم أعد أطيق العيش هكذا.. ضاع عمري سدي.

قلبت الأمر في رأسي من كل الوجوه..

تطرأ الأفكار, مئات منها, فأقتلها واحدة تلو الأخرى بدأ الوقت يضغط على رأسي معلنا النهاية…

ستبدأ ربما بعد قليل رحلة العودة للجبل..

 تتالت صور الحياة المقبلة في ذهني, تخيلت " عبدالله " بشاربه الخفيف وزغب لحيته المتناثر، قاومت التقيؤ عندما تخيلت أن يفعل معي ما يفعله الزوج بامراته.

يثبت رجولته الناشئة في أنا العجوز الراضخة؟

 هذه مهزلة..

وما كان لـ " سالم " يصير لـ " عبدالله "؟

وأنا متاع يتناقله جيل بعد جيل.

ماذا عني أنا ما أريد أنا؟

العيب…العيب.

المرأة لا تقول ما تريد.. ذاك عيب..

أنا محصورة بالعيب.. ابنة الشيوخ, محصورة بالعيب. هززت رامي محاولة أن أمحو صورة " عبدالله " من رأسي هل أرضخ مرة أخرى لقومي.

هل أرفه رأسهم من جديد على حساب نفسي. هل سأدفع بقية العمر القليل لأصلي الطيب ولكرامة شيوخي؟

 ألست.. قدوة لكل بنا ت الجبل..

الا يجب علي أن أعلي من كلمة رجال العائلة

 على حسابي كما اعتدت..؟

لا.. لا.. لا

أريد أن أعيش كما أريد أنا..

أريد أن أرحل.. أرحل الى حيث تنكسر كل القيود.

 تبعثرت كل أفكاري، عجزت عن تنظيمها بمرور الوقت.. والوقت سيف هل أذهب لذاك الرجل من جديد؟

 لكنه رفض تماما ما طلبته منه, أهانني وردني خائبة..

 ماذا أفعل والوقت يخنقني..

سيعودون الآن… سيمضون نحو سجني الأخير..

توترت أعصابي.. قبعت عاجزة عن التفكير.. لملمت ثيابي في

 الصرة ونظرت الى وجهي في المنظرة المعلقة على الجدار الطيني.. سأجن لو بقيت هكذا! لا أعرف الى أين أرمي بنفسي.

 هل أتوسل للنوخذة؟

وكرامتي؟؟ لا…لا

كان المغرب يجثم على أنفاس العصر الراحل..

 الوقت الآن يعلن موعد القرار الوحيد الذي سآخذه بنفسي..

نعم..

سأمضي.. وليعتبرونني ما يشاؤون.

نعم لن أتحمل أبدا فكرة وجودي مع "عبود"

وليسقطوني وليحملوني عارا مدى العمر.

فليعيشوا مرة واحدة ذلا عشته منذ ولدت. فلتذهب كرامة الشيوخ والعيب للز وال..

أمسكت بصرة ثيابي وترددت طويلا أمام الباب

 ماذا لو أحبطت كل هذه الأفكار؟

ووقفت أمام ما هو ألعن من زواجي بعبود..

مشكلة أكبر مسا وأصعب..

هل سأعيش لوحدي دون تلك الحماية التي وفرها لي قومي؟

رجال العائلة؟

فجأة دق الباب دقا خفيفا..

تأوهت مذعورة وخبأت صرة ثيابي

قد قضي الأمر.. ها هم قد عادوا..

سمعت همهمة قصيرة ثم صوت عمي الخشن..

" زهره"؟؟

نعم, لقد قضي الأمر تماما

رأيت الباب ينفتح ووجه عمي المنتفخ يقفز في الفراغ, يملأ الحجرة الضيقة ويشفط الهواء النقي.

 أمامي مارد جبار يثير الرعب بنظراته الصلبة التي لا تقبل التفاوض.

– ألم تعرفي عمك يا " زهره"..

" آه.. هذه الرقة الكاذبة التي ترسمها على وجهك وتبثها في صوتك إنما هي نذير خطر.. كم أشعر بالاحباط.."

– " عبدالله " ابني يا «زهرة ".. يتيم..

اقترب مني وربت على رأسي..

– وستكونين أنت بمثابة أمه.

" تماما يا عمي.. هوذا الكلام الذي تجيد به سرقة العواطف " وقف قبالة المرآة ونظر الى صورتي المنعكسة.

– حافظي عليه وارشديه فالمرأة مثلك أعقل وأرزن.

" ماذا بعد ليتك تختصر الطريق."

– "عبدالله " طيب جدا لكنه خجول..

" ألست أنت أباه؟ ومن يكون أنت أباه:؟ يمسخ تماما!!"

– ما بالك صامتة؟ خجلي يا بنتي؟  نعم العروس وخاصة ابنة الأصل والنسب لا تتكلم في حضرة رجال العائلة.

" اشتريت صمتي بكلامك المعسول.."

– تعرفين, " سالم " كان عاقا… أخطأنا بأن جعلناك تنتظرينه, لكن أنت يا " زهرة, ستظلين ابنتي وغالية علي, سيعزك " عبدالله"  كثيرا ولن تندمي أبدا على قبولك له.

«قبلته أنا؟؟ ما أكثر تلاعبك بالحقيقة.."

_- سنكرمك كما كنت في بيت والديك.. أعدك يا ابنتي أنت بمثابة ابنتي " مريم".

" خادمة بناتك, قلها، فما باليد حيلة بعد الآن. والرابح الأول والأخير أنت " سعيد"  لمريم وأنا لعبدالله والبقية تأتي.

 والحقل والبيت لن يبعدا أبدا عن كفيك."

سلمني الصرة بكل أدب.. كان يجيد افتعال التهذيب.. لم يكن مضطرا لكل هذه التمثيلية المضحكة, لكنه كان يبتز العواطف يعلم كيف يشتري الطاعة, مني ومن أهلي جميعهم. يشتري الرضى والطاعة. بأقل الأثمان بحلو اللسان.

– هذا ذهب عرسك يا «زهرة"  اشتريناه لتصيري أجمل وأغنى عروس على الجبل بأسره. غوص وشمبر (3) وبنا جري (4) وأيضا مصوغات فضة لرأسك وأذنيك المهم أن ترضي عنا يا ابنتي هل أنت راضية عني يا" زهرة".

أحسست بقرصة في داخلي وأنا أومئ تلقائيا كان منظر الذهب اللامع كافيا لأي امرأة أخرى لتعلن الرضى والطاعة. الآن وهذه الرزمة بين يدي.

فقدت كل الأمل بالهرب من مصيري الأسود. كل الأمل. الأن.. سنعود للجبل أحمل نعش هروبي.. ونعش حريتي.. وجه " سالم " المضبب في الناكرة يزداد، في رأسي وضوحا واتساعا لا تجعليهم يستغلون ضعفك يا " زهرة " بإمكان الحرمة أن تكون الأقوى إذا شاءت.

" أي أقوى الله يهديك يا " سالم " ! حتى لو أردت القوة.. تحاصوني موروثات كثيرة أقوى مني.. غرسوا في صدري كل الهموم.. كل الخوف والخضوع هذه أقوى من تسلطهم علي… أقوى بكثير ".

لماذا تركتني؟ كنت تعلم أنهم وضعوني لك وبانتظار عودتك كنت ستعفيني من كل هذا العذاب وقتها كنا سنرحل معا حيث نعيش كلانا بدون عذاب وتسلط, وسنوبي بنانتا وأولادنا بطريقة أخرى.. مرفوعي الرأس صبيانا وبناتا. لكنك مضيت.. آثرت أن تهرب وحدك.

واليوم وقد تركتني وحدي لا يحق لك أن تتكلم عن القوة والكرامة !

– " زهرة "ألم تسمعي ما قلته:

–  ماذا..؟

–  ضحك ضحكة مقتضبة.

– هل بدأت بالسرحان يا ابنتي؟

-……….

–  قلت الليلة سنبات هنا وغدا بعد صلاة الفجر سنقفل عائدين للجبل هل أنت راضية بهذا؟

–        راضية بكل شيء يا عمي.. الله يطول لنا عمرك !

 في صدري انفعالات شتى.

إحباطات وغم وفير.. إني تعيسة وحظي مقطوع.

قطع الأذان تأملاتي كلها… لقد حضر وقت العشاء سريعا. قعدت أنصت لكلمات الأذان علني أستمد منه قوة تقودني للتفكير السليم هل أنت غاضب مني ما ربي؟

أتراك غاضبا لتفعل بي كل هذا..؟

ولكنني مظلومة يا الله.. مهضومة..

 والمعلم " أحمد" الذي قرأت على يديه الفاتحة… كان يقول إنك تساعد المظلوم, المقهور.. أعرف أنك تحبني.. فلماذا تزج بي في

كل هذي المصائب والهموم.

المعلم " أحمد بن مالك "؟؟

ماذا ذكرني به الآن؟

وبشجرة الغاف الكبيرة بجانب مز رعتنا.

وأنا وجميع أبناء عمومتي وعماتي.. نتقي الشمس بفروع الشجرة الكثيفة, يعترينا الخوف من سوط المعلم كبير السن وزوجته الشمطاء، في أحضاننا جزء عم… نتابع قراءة المعلم

بانتباه نخاف الخطأ لئلا نذوق طعم السوط اللاذع من جديد. أما" سالم" فكان أفضلنا، ترتيله مهيب وجميل. ويحفظ بسهولة واتقان.. لهذا لم يذق السوط.. بينما ضربت أنا على قدمي مشات المرات..

لكنني كنت أحب معلمي، أحب قراءة القرآن, لم أتذمر من ضرب السوط من تعنيف المرأة الشمطاء.. كنت أحب ذلك المكان لذلك لم يبقوني طويلا تحت شجرة الغاف.

جاء أبي ليأخذني من وسط ذلك الجو المهيب.. قال إن أمي تحتاج من يساعدعها في العجين.. وقال أيضا بأني كبرت. لكن بنات عمي بذات العمر بقين.. وكذلك بقي كل البنين. ألم يأخذن تويمينتهن (5) وفخرت بهن نساء العائلة لكن أمي لم تبال أو لعلها كانت تكبت الغيظ وتفرج عنه في ساعة أن لسعتني حديدة الخبز الحارقة.. فصرخت مولولة.. ألم تمسك بيدي وتبقيها فوق الحديدة المخترقة؟

ألم تتجاهل صراخي وتضف علي؟

قالت إني بذلك أعتاد على سخونة الحديد.. لكنها كانت تعبر عن غمها لأن "مريم " ختمت المصحف !

ولم أر المعلم " أحمد" بعدها.

إنما كنت أمسك المصحف وأقرأ ما أستطيع.. وأبكي عندما تعصى علي كلمة أو كلمتان أو حتى سورة بأكملها. هكذا. أخذت دائما أقل من بنات أعمامي الأخريات كنت أقلهن حظا..

علمت فيما بعد أن لعمي يدا في كل ذلك.

 لا أدري ك ذد كان يكرهني أنا من بين كل البنات أتراه كان يرى الكراهية في عيني؟

وهذه الصرة..

وكل هذا الذهب بداخلها..:

وتلك النقود التي نقدها لأبي في غيابي؟

لقد اشتراني عمي والآن سيستعبدني بدون جدال طرق خفيف على الباب..

من ترده هذا الذي يدق علي ويخرجني من كل هذا الأسى ذهب الرجال للصلاة. أتراه يكون خادم النزل؟

 – من؟؟

لم أسمع ردا على سؤالي فانتابني القلق.

– من هناك؟؟

– افتحي الباب..

كان الصوت الهامس مألوفا..

أسرعت بلهفة غريبة وفتحت الباب… نعم… كأن هو..

–        ماذا تريد… ألم تطردني وعملت نفسك شهما..؟

 أحسست بالفرح.. لقد راودني الأمل من جديد..

هذا الوجه الأسمر الجميل.. عندي هنا.. ليقول شيئا يطيب من خاطري الحزين..

– أريني الذهب.

هكذا بدون أية مقدمات.. كان يرتدي " فانيلة " بيضاء قصيرة

الأكمام أما إزاره المخطط فكان قصيرا يظهر جزءا من ساقيه السمراوين الطويلتين.

–        اذهب من هنا… سيأتي الرجال بعد قليل.

–        لا تخافي لم يرني أحد.. كان النزل خاليا إلا من ذاك الخادم الغافي على الباب !

ذراعاه العاريتان في ضوء السراج الباهت بدتا سوداوين بلون القهوة قرصت نفسي خفية علي أحلم بالفرج, لكنه كان هناك يتأمل الحجرة بعين فاحصة:

– هل أنت خائفة مني؟ ماذا بك؟ تجمدت؟

–        ما الذي جعلك تغيررأيك.. هل أ،ت محتاج للنقود؟

–        نعم.. بحاجة ماسة للنقود.

– هكذا؟ غيرت رأيك بين ليلة وضحاها؟! لا أصدق ما تقول التفت الي.. تأملني كعادته من قمة رأسي الى أطراف قدمي تلكأ في النظرة الى عبر البرقع, تلكأ كثيرا فأحسست بالدم ينفجر في عروقي دون سبب أميزه. كان هذا الرجل يخلق في دون أن أدري اضطرابا ملموسا, توترا قبيحا يهزني تماما. – – سأذهب إذن.. وصدقي ما شئت.

سار بخطوات بطيئة للباب, تسمرت مكاني دون أن أتحرك خلفه. كان حدسي يخبرني أنه يلعب معي لعبة قذرة ليذلني.

توقف عند الباب قليلا وقال بصوت ضاحك.

– يا ابنة الـ.. ماذا.. صرت تفهمين ما أريد من يوم واحد لكنني أحتاج للمال حقا.

نعم صدق حدسي.

هو يجري خلف المال كما سمعت عنه, بإمكاني أن أشتريه ببضع بيسات حقيرة.. أشتري حريتي بنقودي.. بنقودي التي دفعت ثمنها ثلاثين سنة من عمري.

ما أزال لا أصدق أنني ولأول مرة أنفرد برجل غريب في حجرة ضيقة كهذه بل لا أصدق أنني أخطط بداخلي وبكامل وعيي لمغامرة هروب حمقاء قد تنتهي بموتي ودفني في جانب مظلم من سفح الجبل.

–        ألم تعد تخاف من المشاكل من.. شيوخنا؟

–        مركبي بحاجة ماسة للتصليح.. وغدا نرحل من هنا ولم نبع ما كنا نتوقعه لنصلح المركب.. من أجل المال.. سأدفع بعضا من راحتي ! ربما بعضا من أمني.

ابتعد من الباب, ودار دورة حول نفسه:

– هل أنت متأكدة من الخطوة التي ستفعلينها:؟ أعني ألن تسببي لي مشاكل الحنين والحزن وما الى  ذلك.

،لا أعرف الحنين أو الحزن؟ لا شيء أتحسر عليه أو أندم.

– الى أين تذهبين؟

– " لبمبا" حيث هي زوجة "سالم".

ابتسم..

– رائحة ابن عمك الحبيب؟؟

– ذاك لا يخصك فلا تتذأكى علي !

هز كتفيه وقال بصوت حاد:

–        نعم ما يهمني هو أن أر الى أرى مدى ستدفعين لي؟!

–        دأخرجت له بحذر صرة الذهب والفضة..

–        عمي أراد أن يتباهى أمامي بالطيبة فوضعها هنا بقربي..

 اتسعت عيناه بشدة عندما وقع نظره على الذهب أمامه:

–        ويحك, هذا أكثر مما تستأهله أي عروس !

–        هذا هو ثمن بقية السنوات الباقية من عمري يا هذا..

–         اسمحي لي أنت تغامرين بحياة مرفهة.. كل هذا ولا تريدينه؟

 تفضلين السفر وحيدة مشردة على كل هذا؟؟

 بدا مترددا للحظة لكنني قلت له مؤكدة.

–        أريد الرحيل من هنا.. حياتي هنا لا تطاق.

–        أنت لا تعرفين ما هو السفر.. إنه ليس نعمة بأية حال. أثار حديثه غضبي.

–        هل جئت الى هنا لتنصحني؟ لماذا طلبت رؤية الذهب إذن.

–        مهلا.. مهلا.. لا تطلقين شرارك علي, إنما أردت أن أنبهك. أنت بنت مدللة, " حرمة يعني", صعب عليك الذهاب وحدك وسط الرجال.. إنما قصدت خيرا.

– ألست بحاجة للمال فقط؟ خذه واصمت تماما ! ضحك فجأة:

–        الله يلعنك ! هل تريدهم أن يسمعوك فيقتلونا معا.

–        أتخافين؟ إذن لم كل تلك المكابرة !!

تلفت كمن يخاف أن ينقض عليه عدو متربص:

– اذهب.. اذهب.. غيرت رأيي.. اذهب..

-…..

–  ما بك تنظر الي, جئت لترى الذهب وها أنت قد صرت ناصحا وطيبا وخائفا على مصلحتي.

– أنا ناصح وخائف على مصلحتك أنت؟ إنما يهمني الا تسببي لي مشاكل ووجع رأس عموما.. يا امرأة أعطني هذا الذهب !

– لا…….

–  حسنا نصفه !

–        ولا رائحته.. هل تعتقدني مغفلة؟ سمعتك تحذر كل الناس من أن يامنوا

اليك.

– اه……….

قالها بصوت ساخر.

–        قلت سمعت؟ هل سألت عني كثيرا كما تحاولين الادعاء

–         لست محتاجة للسؤال عن لص مثلك ! مثلك إنما سبقتك أخبارك. حرك رأسه دلالة التحسر، كانت جميع سكناته تند عن سخرية ورياء.

– الله يسامحك ألست هنا لأساعدك وأنقذك من مصيبة زواج محتوم.. الله يسامحك.

لم أتمالك نفسي من مسايرته لكن الوقت كان يعلن عودة الرجال من الصلاة.

– اذهب.. سأعطيك الذهب عندما تعود لتأخذني.. اذهب الآن. وقف برهة ساخرا:

–  هل تأمنين نفسك مع لص مثلي يا بنت الشيوخ: هل علموك أن تصدقي كل رجل يمنيك بأماني براقة؟

– لا أظنك ستغدر بي.

-لم لا….؟

له نظرة تخترق العظام, وأصابع طويلة نحيفة في منتهى الكمال. كل حركة يتحركها, كل سكنة.. هي بذاتها مختلفة عن حركات أي رجل آخر.. هذا الرجل يخيفني حقا.. توقعت أن يكون " وخذه " أي قارب على وجه الأرض.. له طابع أبوي, طابع قاس ولكنه أبوي أما هذا..فلا.. إن له طابعا آخر.

– لا… لا تخافي.." سالم " ابن عمك كان صديقا لي اعتدت الا أخون الأصدقاء.

– وبقية أعوانك ا؟:؟

– سأخبرهم انك طلقت من زوجك… وأنك ابنة خالتي…و… ما رأيك بزيارة ابنة أبيك في زنجبار؟

– إبنة أبي:؟؟ هن هذه؟ أختي يعني؟

–        امرأة أعرفها..لا عليك.. لن يسألوك وان فعلوا لا تردي عليهم راودتني ضحكة فقلت له وبجسدي رعشة الخطر:

–        لماذا طلقتني من زوجي يا رجل؟

–        لأنه لا يوجد رجل يطيق امرأة تحب الهروب مثلك ! ثم تأمل نفسه في المرآة وعلى وجهه تعبير الحذر.

–        ابقي جاهزة والذهب معك.. سأمر عليك في وقت ما هذه الليلة.

      وخرج متسللا بهدوء..

   إني خائفة كثيرا..

خائفة من نفسي كثيرا

كان"علي " ثرثارا هذه المرة على غير عادته..

 جلس في الغرفة بقربي يحكي لي وللمرة الأول عن حزنه لفراقي.. كان شبه مؤكد انه كان يسخر مني بطريقته الخاصة, فتلك النبرة المفرقة بالأسى ما هي الا غشوة واهية لضحكه هزء ضاجة..الوقت يزحف زحفا على أنفاسي..

لقد بدأت أحس بالذنب والخوف معا

.. إنه الشعور الذي توخيته طويلا.. واليوم أجدني مسكونة به و" علي" لا يفتا يتحدث عما اشتراه من ملبس لعرسي.. ماذا لو كذب " النوخذة " علي "؟ ماذا لو انه تردد في لحظة قاتلة فتركني للفا أسافر من جديد للمشوار الأخير من عمري..:بعد الأمل كله يتردد؟ أبعد خلق كل هذه الجرأة والخطط..؟

الشيطان برأسي يعبث بكل شيء..

لا أستطيع الآن التركيز في حديث «علي " أو السيطرة على حركات يدي المتوترة… لا أستطيع إيقاف حركة عيني المترددة على الباب وعلى الكوة الصغيرة المطلة على الظلمة..

– ماذا بك؟ هل أنت خائفة من شيء

– لعنة الله على من يثق بالحريم أنائمة أنت؟

– لا……

خرجت سريعة كالطلقة من فوهة بندقية..

لقد بدأت أفضح نفسي.. بدأت أثير الريبة في.. ماذا بي لا أقدر

على السيطرة على نفسي..

ماذا جرى ل بحق الله…؟ أتراه سيخذلني..

أتراه سيتركني ويدعني لقدري المحتوم..

 أكاد أجن..

والليل يجثم على الأنفاس معلنا سيادته..

 ترى لماذا قرر "علي" التحدث الآن فقط..؟

لماذا صمت كل تلك السنوات وتحدث معي الآن فقط؟

 لماذا تكون كل الظروف.. كل الظروف ضدي دومأ.

–        هل تريدينني أن أنام هنا؟ هل تخافين هذا النزل؟

–         لا..لا أبدا..

– إذن ما بك؟

ليتك تتركني الآن قريبا سأبكي من فرط ارتباكي وترقبي ليتك تمضي يا «أعلي ".. إنني لا أستطيع أن أتماسك أو أرسم مظهر زهرة القديمة.. إنني أنتفض الآن.. أنتفض توجسا وخوفا. ترى لماذا تأخر ذلك القرصان البغيض ! وأخيرا قرر " علي " الذهاب للنوم..

ربت على رأسي بقوة وتأملني كمن يشاهد عزيزا سيموت قريبا

–  سنشتاق لك يا " زهرة"..

هوذا لشعور البغيض الذي لا أتمناه أبدا..

 أين كانت كل هذي الكلمات الجميلة مخبأة كل تلك السنين

أين كانت عبارات المحبة الأخوية النابعة من القلب

هاهي قدماي الآن ترتجفان.. هل بدأت أتخاذل عن الخطوة الحمقاء التي يتملكني خطرها؟

لكن…

ماذا ترده سيصنع الشوق لي؟

ماذا تراما ستصنع لي عبارات المحبة تلك؟

 سأتزوج " عبود" شئت أم أبيت ولتركن الأشواق لرف الذكرى البليد.. ماذا تواني سأجني لو تخاذلت..

بل إنني الآن مصممة أكثر من ذي قبل… فلتمض يا " علي " من أمامي الآن وليأخذ النصيب طريقه.

لا أمل البتة

لقد مضت كل ساعات الليل الثمينة

 لقد خدعت بوسوسة شيطان ماهر

وهذا المساء القادم سيحمل زغاريد نعشي لبيت عمي المنتصر..

هاهي عيناي تخبوان شيئا فشيئا..

 إني مجنونة كبيرة..

وكل شيء الآن لا يستأهل العيش له

هل هي وكزة علي لايقاظي للرحيل نحو الجبل من جديد.. دعكت عيني لأتبين سحنة محدثي القاتمة في الظلام..

– يا ربي !!

– إإش.. إإش !

وأمسك علي فمي بيده الضخمة.

– ألم أطلب منك انتظاري؟ لماذا نمت؟

كان يتحدث بصوت خفيض جدا.

لم أتمالك نفسي من ابتسام الفرح, لقد جاءني كما وعد.

–        لقد تأخرت.. إنني فقدت الأمل تماما..

–        لا أخلف وعودا كثيرة يا حلوة.. هيا هيا… اجمعي أغراضك وسيري معي..

– نخرج من هنا معا كيف؟؟

– الخادم بالخارج مقيد ومكمم.. كممه بعض رجال.. لا أظنهم كشفوا عن أنفسهم أمامه أما صاحب النزل فهو نائم في غرفته.. منعت نفسي من التوقف عن نيتي.. هؤلاء الرجال حفنة لصوص حقيقية.. هل آمن على نفسي وسط لصوص وقطاع طرق كما هؤلاء..

– هل أنت خائفة؟ لا مجال للتردد الآن كما قلت لك قبل الآن يا حلوة:

– والرجال…؟

– آه؟ شيوخك.. المبجلين؟ إنهم في سبات عميق.. أطللت عليهم قبل قليل.. هيا يا بنت الحلال.. خلصيني وتعال معي جرني فجأة من ذراعي بأصابع من حديد.

قطعنا الطريق الى الخارج وأنا أحاول إسكات ضجيج قلبي المتعالي الذي كاد يفضحني..

– ماذا بك.. هل جبنت؟؟

– لا أريد.. الذهاب !!

لمعت عيناه بشرارة لم أعلم كنهها.. ضغط على زندي بأظافره فآلمني..

– لا مجال الآن للتخاذل.. إنني ورطت نفسي من أجلك ستذهبين معنا ورجلك فوق رأسك !

– لا…لا..

توقعته سيشدني من يدي للخارج لكنه ترن ذراعي وسار قائلا….

–  فلينهشك الموت.. ومالي أنا بك ما هو مصيرك غير ما كنت تخافين… عبودية وزوج قاصر!

ساعتها فقط ابتلعت خوفي ومضيت خلفه لا ألوي على شيء كان الظلام

 داجيا مهيمنا على السطوح والأزقة..

سار بي في زقاق ضيق مرعب وتبعته مجبرة بعد ما أحسست أن لا شيء سيعيدني لتلك الغرفة.

كان الزقاق طويلا محثسوا بالحصى وعلب صفيح فارغة.. كنت أسير متعثرة فأرتطم بعلبة صفيح سرعان ما تصدر صوتا عاليا فتثير تحفظ وغيظ مرافقي.

– امشي بهدوء يا ابنة الـ..

ويبتلع بقية جملته ليرطن بلغة سرية مع نفسه آيات الشتائم ويلي ماذا فعلت؟

ويلي الى ماذا سيؤدي بي كل هذا الجنون؟

أبعد أن بلغت الثلاثين جننت؟ هل أنا الآن في كابوس مخيف هل لو قرصت نفسي لوجدتني بعد, طفلة غريرة؟

 ولكن القرص أيقظني على الكابوس..

والرجل أمامي في ضوء النجوم الشحيح يلتفت مرارا نحوي آه

.. ها قد وصلنا لنهاية الممر..

توقف الرجل أمامي وأشار لي بالتوقف..

 اختلس النظر يمنة ويسرة.. كان الظلام صامتا اللهم إلا من صياحات ديكة بعيدة..

سار بخفة فتبعته وكلي خوف من أن يطل وجه أحد الرجال أمامي معلنا نهاية كل هذه المغامرة.. لكن أي شيء من زان لم يحصل.

لحان الطريق خاليا من أي حركة.. وكنا نسير في الظلام تماما كاللصوص بداخلي خوف ولكن بالمقابل كنت أحس بالانتشاء والإثارة سرنا طريقا طويلا سهلا.. ولم يعترضنا مخلوق. بعدها بدأ رفيقي بإبطاء سيره.

–        سنصل بعد قليل, إنهم ينظروننا في الموتر

–        وأنا:؟

    – أنت ماذا:؟

وانتزقت فجأة عندما سمعت حركة بالجوار

– ماذا بك؟ إنها قطة..

-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. أعوذ بالله.. إنها جنية !!

– جنية؟!

_نعم… الجن يمشون في الليل ويتخفون.

– يتخفون بثوب القطط؟!

– بثوب كل شيء حتى بني آدم !

–        هل يمكن أن تكوني أنت مثلا جنية !

–        هل تسخر مني؟ الآ تصدقني؟ الى أين نحن ذاهبون؟

–        للسيح ! (6)

كانت كلمته تحمل شتى أنواع التهويل برغم قصرها..

–        يا ربي السيح هو مكان المغيبين والجن !

–        هل سيخطفنا الجن كما تعتقدين:؟

–        ربما لماذا نذهب للسيح.. لماذا لا يأتي الموتر الى هنا؟

–        لكيلا يعرفوا إنك ذهبت معي فنتورط جميعنا!

–        من سيرانا؟ من سيعرف؟

– الجن !:

واستغرق في ضحكة مجلجلة كريهة أذابت كل حذرا القديم.
هوامش

1 – جلبة القت: أي قطعة الأرض الصغيرة التي يزرع فيها البرسيم.

2 – المنظرة: المرأة.

3-  الغرص والشمبر: زينة ذهبية لمقدمة الرأس والجبين.

4 – البناجري: أساور.

5- التويمينة: نقود يحصل عليها مكمل قراءة المصحف من الأطفال.

6- السيح: الأرض الخالية, الصحراء.

7- المغيبون: بشر يختطفهم الجن فيصبحون مسلوبي الإرادة: (خرافة محلية ).

 
 
 
بدية الشحي (كاتبة من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …