أخبار عاجلة

فواخت و عصافير

تبلبلت بغداد رغم كل نقوشها وكتاباتها، وجلس الخلفاء الذين سملت عيونهم مثل طيور بلهاء، متجاورين على مقعد أمام ساحة الكوخ الخالية من الناس. قبل ايام التهم الحريق عددا لا يحصى من الحوانيت والبيوت والبشر، وكف ابن الموفق عن موافاة شغب في بستانها، لانه اكتشف فجأة انها ميتة منذ ثلاثين سنة أو أكثر، لا يصل اليها من كلماته سوى أصداء خاوية. من يفرق في الماضي لا يفهم ما تقوله أطراف الرياحين والمسرات المنتظرة والمياه الجارية، وابن الموفق ماء يجري وليس بركة في الماضي. هو حفيف أوراق شجيرات الحناء حين يتلمس طريقه اليها في الطرف القاصي من البستان، وهو ندى الهزيع الأخير من الليل، وهي تلك اللحظة التي سكنت منذ رحيل ابن فضلان، وواصلت السكون في بيتها وراء الباب تنتظر الليل لتفتحه، وتأخذ ابن فضلان في أحضانها. تتكرر هذه الصورة ليلة بعد ليلة، بينما تتطاير كلمات ابن الموفق خالية، من الرنين حولها، وبين يديها، وعلى أطراف ديباج ثوبها السابغ، وفوق الحشايا الباذخة، ولا يمنعها سوى الخجل ربما من نفضها بعيدا عنها. حين يتساقط المطر، لا يكون الا ذلك المطر القديم نفسه وحين يجيء الليل، لا يكون الا ذلك الليل نفسه الذي جاء وليضع يده لأول مرة على جسدها. وليضع يده لأول مرة على قلبه أيضا، ويمازج في خيالاته بين ثلاث نساء اجتمعن في واحدة: تلك النجدية المأهولة بأشجار الرند، وتلك الساحرة الشهية ذات الطلاسم. وتلك المجهولة التي تفتح بابها ليلا وتختفي في ضوء المصباح. ميتة منذ ثلاثين سنة، ومع ذلك تتحدث وتضحك وتسابقه إلى رواية بيت من الشعر، أو نادرة، أو ملحة ماجنة، كأنها تهرب إلى صورتها في ذهن ابن فضلان الغائب، لا إلى صورتها في أرق ابن الموفق الحاضر. تبلبلت بغداد أناسا ولغات، وتقلصت بعد اتساع، وتبلبل ابن الموفق فجأة أمام اكتشافه، وتلعثمت كلماته، وأبياته لم تعد تواتيه، وتوقف عن المجيء في موعده، وتوقف عن إرسال رقعة اعتاد أن يحشد فيها آخر أخبار رفاق الحانات وأصدقاء الدنات والفياض والدفاتر والقيان. وفكر أن يذهب في هذه الليلة إلى شعلة بجوار قنطرة اليهود، أو إلى الهندية ذات الخلخال في محلة الشماسية، ووجد نفسه، كأنما بنداء داخلي، يتجه شرقا، تاركا على التوالي، ماضي شغب الساكن مثل نافذة مضاءة في جدار معتم، وحاضر شعلة الذي تختلط فيه رائحة عرار نجد بريا حين أصحاب القاضي ابن جريج. أن تتجه شرقا، يعني أن تسمع رنينا وطبلا وخلخالا، وترى امرأة صافية السمرة تتحول الى عرافة مرة، ومرة مغنية، وضجيعة فراش مبتهجة مرات. امرأة تقول نقلا عن اله تحمل له كل يوم ورودا حمراء، إن عناق الرجل للمرأة نعمة، والتفاف الساق بالساق رقصة تحفظ للكون ديمومته، وإلا سقط علينا، وانشقت سماؤه، وانتثرت نجومه. وابن الموفق نصف، بل انصاف موزعة. لا تجتمع إلا حين ترقص الهندية. ليبق لضجيعة الماضي ما تفعله في دن استحمامها، فتهبط وتغتسل، وتنشر شعرها يوميا تحت أشعة شمس بعيدة، ولتبق له مسرته في هذه الانهار الجارية تحت كل نهار.

xxx

قال أول من سملوا عينيه من الخلفاء، وهو ملتف بقطن جبة، وفي قدميه قبقاب خشب:

– أترون ما أرى؟

فقال الثاني الذي سملت عينيه الجارية حسن الشيرازية بدبوس شعرها:

– بل قل أتسمعون ما اسمع.

وعلق الثالث المسمول على يد خادمه الصقلبي:

– الرؤيا والسمع لا يلتقيان، وكذلك البصيرة والبصر، يسأل ابن اخيك عن البصيرة. ولاذ الثلاثة بالصمت صاغين إلى أصوات مشية الفواخت والعصافير في الساحة انتصاف النهار. آمنين، محلقين في الظلمة حتى قبل أن تقترب الظلمة وينسحب النهار، فاختار ابن الموفق الجلوس بينهم، ومراقبة الطيور التي لا يرون، ودخان الحرائق المتصاعد من بقايا البيوت المخترقة، والجثث المسلوبة العباءات والسراويل، مفكرا بالماضي أيضا. الماضي الذي لم يزره إلا في أوراق الوراقين وحلقات الدرس، وها هو يجلس إلى يمينه وشماله، ثقيل الانقاس، مرهف الاسماع، يتسقط نامة من هنا ونامة من هناك. الماضي القريب والبعيد والآتي ربما. وحسد ابن فضلان على خلاصه من الأشنات المتشبثة بجناحيه فوق المياه، وطيرانه وارتفاعه، وأساطيره التي اختفى في متاهاتها، ونبوءته العجيبة بهذه الانقاض التي ينهال بعضها فوق بعض. هو وحده الذي أطلق خيوله وقال: "لكل أن يفعل ما يطيب له، ما إم يشرب من ماء النبع ذاته، ويأكل من عشب الحقل نفسه ". شعب في بستانها حتى انتصاف الليل. ومع انتصافه انتبهت إلى صوت فاختة هاربة. وتذكرت، وقليلا ما تتذكر، إن ابن الموفق لم يأت بعد، ولا وصلها منه شيء منذ أيام عديدة. فتساءلت عن سر هذا الطائر الذي قضى سنوات إلى جانب دن استحمامها، من دون أن يسأل ماذا تفعل بليلها، وتحت حفيف أية أشجار تغتسل، وأية شمس تتخلل شعرها بخيوطها، وأية نسائم تهبط عليها، وما تزال تعبق بأطراف ثوبها، ربما وقف متهيبا أمام بوابة الماضي، وسباتها العميق تحت أفيائه، مدركا انه لن يتمنى له مشاركتها فيه حتى لو أرادت أو أراد، وحتى لو تحول إلى غابة واصطادها بين ظلاله، مفضلا أن يتحدث عن هندياته وجرجياته وقصائد" الغريبة في مدير الحانات على الشواطئ النائية، وغابات الصنوبر، والسماوات ذات الزرقة العميقة، ما الذي يأمله؟ ابن فضلان يؤمن بأحلامه، ويقص عليها كل يوم حلما، ولا يتركها ليلة واحدة من دون افتضاض، ومن دون أن يأخذها من الحاضر، ويعيدها الى تلك اللحظة التي يحف بها نثيث فوارات لا نهاية لعددها، واقفا دائما، متأهبا كلما فتحت باب المقصورة، وأخذته إلى الداخل أعمق فأعمق، كم هي شاسعة المسافة بين الاثنين: ذلك العارف الذي كتبها في تميمة، وهذا الشاعر الخجول الذي يخش أن يلمس طرفا من أطرافها، يقدمها؟ ربما ورث هذا الهراء من عقيدته الصابئة القديمة قدم آدم كما يقال، فرفعها من جارية صينية إلى جارية بابلية لا يزورها في غرفتها الملكية في الأعالي ولا يتفخذها الا اله. مضحك هذا الاعرابي أحيانا، حامل الانهار الجارية من دون ان يدري، وعالم أسرار النجوم والبروق  وهو لا يعرف، هي سالت وأبرقت وومضت، وما زالت، ولكن في ذلك المشهد الذي خلقه ابن فضلان قبل أن يلتقيا في يثرب وبغداد، في سيراه وسيره، وفي غيبته بين خيام البلغار. فلم يعد للبدوي نصيب في هذا المشهد، هل يتطيع طائر الطيران الى الماضي؟ انه يراقبه ولا يلمسه. يتوجد ولا يقاربه. يتحدث ويتحدث، ولكنه يظل نائيا بين هندياته وجرجياته وألهته التي لا سيبل اليها.

xxx

أسئلة غريبة يسألها العامة في هذه الأيام، أمثلة مثل: أين تقع غابة الحجر؟ أي طائر يستطيع الكلام؟ لماذا ظل المحتسب حزينا حتى بعد أن هبطت عليه نعمة الخلود؟ أسئلة من النوع الذي لا يقال بحثا عن جواب، بل لطمس أي سؤال وجواب ممكن. وسبقت ذلك أيام خلع فيها العوام بعض شبابيك دار الخلافة، وجاسوا بين البساتين، وطاردوا الجواري، وانتهبوا ما استطاعوا نهبه من كنوز بني العباس، إلا أن كل هذا لم يكن إلا حلما رف فوق بغداد مثل غيمة، وتغلغل في أطرافها، واقتحم أزقتها ومحلاتها الخربة. أما دار الخلافة، فقد أحكمت إغلاق المداخل والمخارج، ولم يعد

مسموحا إن يفتح باب، أو تطل نافذة، حتى لو كان الطارق هارون الرشيد نفسه أو بقية الأسلاف.

الأساطير وحدها لم تتوقف عن طرق الابواب، والتجوال بين خرائب الأسواق، والقفز بين أحجار القناطر المهدمة، متحدثة عن الاولياء الذين يسندون أعمدة السماء حتى لا تقع على الخلق، والسائرين فوق المياه، والماثلين في الهواء، يقدمون للمكروبين الناجين فوق حطام السميرات أكوابا ذهبية لذة للشاربين. وحده بختيار لم يؤمن بالأساطير، ولا أضاع وقته في الرد على أحاجي الفقهاء حين جاءوا  يسألون عن غابة الحجر والطائر المتكلم وعدد الأبدال الذين يحفظون الأرض من أن تميد بالناس، بل أجبر الخليفة الخائف على بيع أملاكه وأثاث بيوته وعباءاته الثمينة ورصاص قبابه، ليصرف أموالها في ردع الخيول الروحية، ولكن ما إن أخذ الفقهاء والعامة والفلاسفة والنحاة والمتكلمون برقاب بعضهم بعضا، واجتاحت الفتنة ساحات الكوخ، وامتدت إلى محلات الرصافة، حتى صرف بختيار نظره عن الأمر كله، وخرج لاصطياد الأرانب والحباري في الفلوات.

xxx

– تعب يا هنديتي.. تعب.. ذهب الجميع ولم يبق أحد في هذا الكون. ردد ابن الموفق هذه الكلمات بينه وبين نفسه حين كانت الهندية تعد مجلس الشراب. وتستدعي العازفين والمغني الأعمى الوحيد الذي ظل في دارها، من دون أن يعرف ما إذا كانت الهندية ستسخر من هذه الصورة الهائلة لكون شاسع لم يبق فيه إلا إنسان وحيد، أم ستدرك إن الأمر هذه المرة أثقل من أن تحمله طيور كلماتها حتى لو بلغت الآلاف عددا؟ هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها نفسه بوجود الهندية الجميلة، وقد غاب عن حسه حتى صوت خلخالها الذي كان ينقله دائما الى أفياء، ما إن تبدأ الرقص، حتى ينطلق في أرجائها مثل ماعز يشبقه حتى رفيف الاعشاب، وأريج أشجار المانجو، ورؤية ذلك الاله شيفا وهو يطوي اليه شاكتي العارية منتشيا.. هذه هي المرة الاولي التي يقف فيها شيء بينه وبين مسراته. هل هي شغب؟

– أنت مبالية ومشغولة بالماضي فقط، لا يعنيك الحاضر، وأنا الحاضر، لذا أظل خارج ثوب ماضيك الذهبي دائما منفردا في ليلي.

– هل مددت يدك يوما وانتشلتني؟ أنا بانتظار هذه اليد، وبي

توق عنيف لمن يأخذني من الماضي.

– مددت يدي، وانتظرت، أنت لا ترين الحاضر الا أوهاما تمد

أيديها اليك. ماضيك هو الحقيقي، متى تستيقظين؟

– من يدري حتى نكون ايقاظا؟ لا أعرف ان كنت حاضرا يحلم

بالماضي، أم ماضيا يحلم بالحاضر؟

هل هو ابن فضلان؟

– ما الذي تفعله بكل هذه الأوراق والاحتمالات؟

عصفور وحيد

في الظل يشرب ماء

وأنا متكئ على صمتي

 -يقال انك لم ترحل، وانما شبهت لهم؟

– يا لهذا النحيب الطويل

واحدة بعد أخرى

تتساقط أوراق شجر الكستناء

– أين أنت من هذا الخراب؟

– يتناول ضيفي كأسه

ظله يحرسه

على ستال الخيمة

–       لماذا لا تعود؟

– أنا والليل والنجوم

والسكر

يأخذ مني كل مأخذ.

 -أيهما أحب إليك: الجنة أم الخمرة ام النساء؟

 -أغنية تفرق

في حجر الليل

يا لهذا البلبل العابث

 -خذ بيدي يا شيخي، ذهب الجميع الا هذا الدن الخاوي.

 -أسمع الستيار

في الليالي الموحشة

وأفكر بالمشنوقين على الاشجار

– هل جننت يا شيخي؟

حين تطفئ شغب مصباحها فجرا، تتهاوى فراشة أو فراشتان في الظلمة المنسحبة، ويواصل اصطفاقه صوت المياه الواهن، وتعلو غمغمات الفواخت الهادية المتكاثرة منذ أن بدأ الليل يستقر بين أغصان الأشجار، وتتضح أطراف الرياحين في أحواض الزهور تحت ضوء شفقي غائم يتسلل منتشرا ويصل إلى أهدابها فخديها فشفتيها. انها تهيئ الآن كل ما يلزم لأحلامها من فوارات تظل تنفث ماءها في السكون، من نغمات تعزفها الريح على أوتار لا مرئية، لا شيء يرى الآن حيث يواصل ابن الموفق رحلته في صحرائها حتى يقارب السراب فتضحك، لا شيء يرى الآن حيث ترى نفسها في سفينة، تارة أو هودج تارة أخرى، فتبتهج مستسلمة لنسيم هادئ يجيء من تلك الايام. في هذه الساعة نفسها، ينهض الخلفاء الثلاثة عن مقعدهم أمام ساحة الكوخ، ويسيرون صامتين، يمسك كل واحد منهم بكتف الآخر، يتقدمهم ذو قطن الجبة والقبقاب الخشبي، فتبدو أشباحهم ابعد ما تكون عن أشباح الطيور البلهاء التي كانوها نهارا، وأقرب الى أشباح الخفافيش، وهم يمسكون بالعصي ويقرعون حصى الطريق، يراقبهم عدد من الأولياء الصامتين من الهواء، ومن جنبات الطريق، ومن النوافذ المعتمة.

– يا هنديتي.. أصيب شيخي بالجنون، لا بالعمى كما يقولون. وطائر مجنون يبدو لي أكثر شاعرية، من طائر أعمى يرفرف بجناحيه في الهواء، يصطدم بالأشجار واوتاد الخيام، ويسقط في أعماق الوديان من صخرة الى صخرة. بالجنون يستطيع أن يرسم مسارات على الاقل، ويطلق صرخات نحيب أو غناء يحار في تفسيرها المفسرون. ينطق ابن الموفق هذه الكلمات بصوت مسموع، وكأنه كف عن محادثة نفسه، فتلتفت اليه الهندية، وقد قاربت الانتهاء من استعداداتها، وتعلق:

–       أخيرا خرجت من ليلك يا صاحبي، خذ كأسك، وانظر في هذا النهار المجنون. كانت تعني أيضا ذلك الحلم الذي أصاب الناس بالجنون، فتدافعوا فوق السميرات والجسور، بعضهم الى الغرب وبعضهم الى الشرق، وبعضهم لا يدري الى أين. كلهم لا يلوي على شيء، ولا تتوقف سيولهم، حتى بدا لشاعر لم يفق من سكرة الأمس أطل من طاقة مشرفة، انهم لا يتحركون على وجه الحقيقة، أو بدا له انهم يتبادلون أما كنهم فقط على مسرح لا يخرج منه أحد ولا يدخله أحد. "تعالي.." قال ابن الموفق "اتركي النهار لأصحابه، نحن كائنات الليل أكثر عفة " من هذه العباءات المشتبكة والعمائم المتطايرة.. واقتربت الهندية، وجلست مسندة ظهرها الى صدره، ومدت ساقيها الممتلئتين أمامها، فضمها اليه بيساره وكأسه بيمينه، مقسما هذه المرة على أن هذا الشذى الذي يصله نديا من شعرها لن تنساه بغداد حتى لو تحولت الى تراب.

–       ما الذي يشغل هذا الذي لا يود أن يتركنا بسلام؟

لم يدر هل اشارت الى رأسه أم الى عمامته المحلولة المائلة، الا انه واثق انها لا تعني أيا منهما، بل شيئا ثالثا اعتدنا ان نسميه الفكر، بينما القلب هو المقصود.

– بالطبع أقصد قلبك، اليس القلب شبكتنا، دعة خاليا متأهبا يا سيدي، أسماك الامس ماتت منذ زمن طويل. ذكاء الهندية هذا، وشفافية لمحاتها التي أصبح يقسم بها، هما ما لون به قصائده بأشكال شتى: مدن مسحورة، معابد مزدحمة بمتعبدين أمام تماثيل ذهبية صامتة، موانئ تقيم لنا حجرات تطل على بحار واسعة، منحدرات جبلية بكهوف تعد بالمئات، ترقص على مداخلها شبيهات الهندية، وتسمع لخلاخيلهن ضجة تملأ المروج والغابات، الا انه الآن أكثر قلقا من أن يكتفي بالقصائد والخيالات التي تبهج الاهته الصغيرة هذه. هكذا كان يفكر، بينما هي تفكر بشغب صاحبة ابن فضلان، وزياراته لها، قلقة أيضا من هذه الصحراء التي تدفقت فيها أنهار كثيرة، ولم تحتشد الا بالظلال، والظلال وحدها.

– مع شاكتي وحدها، مع أتحادك بها، ستظل قويا قادرا على الرقص مثل شيفا، وعلى حفظ دورة الكون مثله، وعلى قول العشر مثله أيضا. أتعرف إن شيفا شاعر أيضا؟ حافظ ومدمر أيضا؟ من دون ذلك ستعجز عن الحركة، ويتوقف دوران الكون ويتقوض، ولن تقول شعرا.

– أفكر بكلماتها، كلمات يخيل لي انني سمعتها قبل ألف عام، عن الفراشات التي لا تملك الا ان تتوق لمعانقة المصباح والاحتراق. لم أفهم من كانت تعني بالفراشات، ومن كانت تعني بالمصباح. ظننت آنذاك إنها ترى نفسها فراشة، فحدثتها عن الفراشات التي لا تذهب الى المصباح لتحترق، بل مأخوذة بالنور.

– لا يا سيدي، أنت كنت الفراشة في كلماتها، فاومأت وأشارت الى خرابك، ساخرة ربما.

شيء ما في العبارة الأخيرة أيقظ فيه إحساسا بالضالة والمهانة، وشعرت الهندية بما استيقظ في ذهنه، فاستدارت وطوقت رقبته بذراعيها:

– مهما كان المقصود، في كل الاحوال سيحترق الكون بالنار في نهاية دهر من الدهور، وبالنار سيخلق من جديد لا بالرماد، وستكون يا سيدي شيئا من هذه النار، أو ومضة منها، أتعرف؟ ربما كانت شغب هذه عرافة في دورة من أدوار حياتها، وتذكرت فجأة، وأطلقت نبوءة هي ذاتها لا تفهمها.

– ولكنها ميتة يا هنديتي الجميلة، ساكنة في ماض لا تغادره عن أية أدوار تتحدثين؟

– بل أي موت تتحدث عنه أنت؟ ليس السكون الا وهما من أوهامنا. لا شيء ميت أو يموت في هذا الكون، كل شيء يتحدث ويتغير ويتحول. عد الى صاحبتك الميتة. هي ليست ميتة، بل عقلك هو المضطرب، هات عقلك هنا، وسأهدئه، هل ترده الآن؟ لا ترده.. حسنا، لا تراه .. حسنا، هو قد هدأ أخيرا. مع كلماتها الأخيرة أخذت الهندية رأس ابن الموفق بين يديها، وضمته الى صدرها، فغاب وجهه بين نهديها مثل وجه طفل رضيع هادئ، فأحنت رأسها فوقه وجللته بشعرها الندي، وربتت بيديها على ظهره بحنو يماثل حنو الأمهات. شغب ليست وحدها من أطفأ مصباحه فجر تلك الليلة التي سيتذكرها ابن الموفق طويلا، بل انطفأت في بغداد آلاف المصابيح، وانتظر الناس أن تمر شرارة أو شرارات تشعل أعوادهم اليابسة. وتذكر ابن الموفق عبارة من عبارات شيخه ابن فضلان خاطبه بها وهو يهم بالرحيل مواسيا على الأرجح: "يجيء النور من الداخل يا صاحبي. كن مصباحا لا عودا يابسا ينتظر شرارة عابرة تشعله ". وأثارت فيه هذه العبارة، ووجهه مغمور بين نهدين دافئين. شعورا بالحنان حد البكاء.. فكر بانتصاف النهار، والظهيرة، والظهيرات القادمة من دون أن يستطيع الاستمتاع بمروج هادئة، وود لو يقول قصائد يترنح فيها فرسان في غبار المدن المخترقة والسهول الجافة، فرسان يمزقهم الحنين إلى مضارب طمرتها الرمال. وفكر بالحديث عن مملكة تتلاش، مملكة تتراءى في البوادي والسهول والجبال مرتجفة ممزقة، بينما يعبر عائدون إلى حصونهم الخربة، وأفنية بيوتهم التي غطتها الأعشاب، وتساقط رخام فواراتها الملون، ولم يعد يسمع فيها الانثيث الماء المتصاعد من منابع خفية. ورأى فيما يشبه الغيبوبة ظلال الأشجار تمتد شرقا، وزرياب في مكان ما عبر الأنهار والبحار، يغني مع عوده أغنية بهجة أخيرة بين تصفيق غانيات طليطلة وصقالبة، الغولنا وبرابرة الأطلس وبداة الجزيرة، ولكن يا لهدوء هذا الخراب! أو أي خراب!. وغمغم ابن الموفق كأنه يحدث نفسه في طفولة نائية: "في مثل هذا الخراب. يؤلمني ان أكون الشاهد الأخير يا هنديتي. ها هم رفاق الحانات يشربون: ابن العلوي وابن فضلان، وابن الحجاج وابن العودي وابن جلاء وابن عطاء، ويتشاجرون بين ضجيج الغناء، ونحيب الستيار، وأنين العود، وصنوج الاندلسيات، فيمزقون ثيابهم طربا، أو يتأوهون متذكرين خلفاءهم المقتولين، أما أنا، فحلمي شيء مختلف، شيء غريب يشتعل على مرأى من الأرض وفيافيها، لا القلب يعبره بكلمة، ولا أحد يعرف له اسما، ولا أحد يبصر الدخان ". فصل من رواية "شجرة المسرات: سيرة ابن فضلان الممنوعة " ينشرها المؤلف لاثبات حقه فيها مقدما قبل أن يرسلها الى دار نشر في الايام القادمة، خشية أن تقع بيد أحد قد يقوم بانتحالها.
 
محمد الأسعد  (شاعر من فلسطين)

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …