في البحث الأبدي عمَّا وراء التخوم – اللامتناهي يؤجج شرارة الإبداع والفلسفة

رشيد المومني


الكتابة بين حدّ التطلع وحدّ التعّرف
إن الذهاب إلى “ما يدوم” في تجربة الكتابة، هو استجابة ذات القول، لنداءات الأصوات العميقة والهادرة في دواخلها. فكلما تضاعف تطلُّع الذات إلى معرفة أسرار اللامرئي؛ إلا وتعالى إيقاعُ هذه النداءات، باتجاه ما لا تراه العين المجرّدة، وما لا تتناهى أصداؤه إلى الأسماع المختومة بشمع المألوف والمعتاد. وهي التجربة التي تحتلّ فيها تلك الحلقة الواصلة بين حدّ التطلع وحدّ التعرف مكانتها الاستثنائية.
إنها الحلقة الوسيط، والمتميزة بأهميتها في ذاتها، فضلا عن أهميتها في تحقيق خاصية الانتقال إلى الحدّ الذي يليها. ويمكن إدراج هذه الحلقة، فيما يتعارف عليه تقليديا بـ “التيمة” التي يعتمدها دعاة الأدب الموضوعاتي في قراءتهم للنصوص. حيث يمكن إلى حدٍّ ما اعتبارها الإطارَ العام، الذي تندرج فيه كافة المواضيع الموظفة من قبل الكتابة الإبداعية؛ شعرا كانت أم نثرا.
وإذا ما اقتصرنا في هذا السياق على الشعر، فيمكن الاستئناس بتصنيف قواعده/تيماته الواردة في كتاب “العمدة ” لابن رشيق، وهي الرّغبة والرّهبة، والطرب، والغضب. ودون أن نتقيّد برؤيته لـ “لأغراض” المنضوية تحت كل قاعدة على حدة؛ فإننا سنعتبر أن العشقَ هو مركز تقاطع كل القواعد، بما يندرج فيها من أغراض، وذلك على ضوء ما تتميز به مقاماته من طاقات جسدية وروحية. وتوخيًا منّا لقليلٍ من الدقة، سنُشير إلى أنّ التيمة/الحلقة، حينما تكون قصدًا في ذاتها، تقترن أولا وأخيرا بالمتناهي، غير أنها وبمجرد أن تتحول إلى وسيط/ يتطلع إلى معرفة ما يحتمل أن تفضي إليه إشاراتها؛ فإنها وتبعا لذلك، سوف تتجاوز ذاتها لتقترن باللامتناهي، بما هو تجربة التخوم.
وفي هذا السياق يمكن القول إن نص “نشيد الإنشاد” للنبي سليمان، يعتبر من وجهة نظرنا، أول نصٍّ تأسيسي لتيمة العشق، الذي تجاوز أبعاده البسيطة، كي ينصهر بامتياز في استشراف لازمنية التخوم. وبالتالي، فإن تلالًا كاملة من قصائد الحب المتوزّعة على الأمكنة والأزمنة واللغات، تظلّ أسيرة دلالتها الذاتية، دون أن ترقى إلى الأفق المستشرف من قبيل النشيد. بما في ذلك القصائد التي سعتْ عبثًا إلى تقمّص روح النصوص الصوفية الكبيرة، دون أن يكون لها قليل من العلم، أنّ هذه النصوص هي وليدة تجارب شعرية فكريّة، وروحية، تتمثل خصوصيتها أولا وأخيرا، في عدم قابليتها للتكرار أو الاستنساخ. كما أنها تتمثل أساسا في ملامستها دون غيرها لتخوم اللامتناهي.
شعرية الحضور
من هنا يمكن القول بأن التجارب العشقيّة المنتمية لهذه المدونة التي تندرج فيها تلك الرموز الاستثنائية تظل جدّ نادرة . من ذلك مثلا، تجربة العشق الاستثنائية، التي خاضها الشاعر الألماني ريلكه مع صفيّته سالومي، ولعل أهم ما يعنينا في هذه التجربة، هو رؤية الشاعر لسالومي باعتبارها العتبة التي قادته إلى مسكن اللامتناهي . يقول :-
شخصك كان الباب الحقيقي الذي وصلت من خلاله.
وفي مجموع ما خطّه ريلكه لسالومي من رسائل وقصائد، يمكن معايشة جوهر الأحوال النفسية والروحية بأبعادها الذاتية والبشرية، وخاصة منها أحوال العشق التي تشير دلالاتها باتجاه اللامتناهي. إن العشق هنا، يكشف عن حضور آخر. أكثر حياة. أكثر اضطراما، وأكثر صفاء. حضور، يشمل التفاصيل الجزئية والعابرة، كما لو أنّ الأمر يتعلّق باستعادة العناصر لخيميائها، ولزمن تشكّلها البدئي عبر السند الشعري، خاصّة وأن العنف التداولي للعناصر، غالبا ما يؤدي إلى تغييب حياتها الرمزية؛ كي تقف هناك بانتظار التّجربة الشعريّة التي تعدّ وحدها المهيَّأة أكثر من غيرها لاستعادة مقومات هاته الحياة، كي تحظى من جديد بامتلاك حضورها.
وجوهر الحضور هنا، يكمن في تلفّظها بما لم يكن من قبل واردًا على لسان اللغة. علما بأنّ ظهور ما “لم يكن من قبل واردًا “، يعبر عن الديناميّة الحيّة، الثاوية في عمق الأشياء، وطيّ ما تؤسسه من علاقات فيما بينها. علاقات قوامها تلك الديمومة المتوثبة التي هي من طبيعة الجوهر الذي تتناقض طبيعته مع بؤس الابتذال. ما يجعله مدعوًّا لممارسة فعل التخفّي. فالفضاء الأثير لاشتغال سلطة الابتذال، هو الوهم. أي اعتقادها الواهم بأنها تتصرف في “الحقيقي” الذي يكون في واقع الأمر متخفّيا تمامًا، وبعيًدا عن أنظار من لا يرى بعين البصيرة .
أيضا، ينبغي التذكير بأن الحضور لا يتحقق جزافًا، أو بفعل صدفة مبيتة أو غير مبيتة، بقدر ما يستند على توافر إواليات المعرفة. البحث والمخاطرة باختراق قشرة المرئي إلى ما عداه وبتعبير ريلكه “أستهوي ما وراء المرايا” مجددًا بذلك إمكانية اكتشافنا للطاقات الحسيّة، والعشقية التي يتمتع بها الكائن، والمؤهلة لتمثل الوجود بما يشمله من موجودات. هذه الطاقات التي غالبا ما تكون معطّلة، إلى أن يبادر الشعر بإعادة تفعيلها، عبر مسالك مختلفة، غير تلك التي تمليها علينا العقيدة. وهي مسالك الأشياء التي يلحّ الشاعر ريلكه ومعه الفيلسوف هيدغر، على أن تظل من وجهة نظر ظاهراتية محتفظة بهويتها، وفارغة من المعنى.
جمالية ركوب الخطر
غياب المعنى هنا، يفيد غياب سلبية التراكم الدلالي الذي يتحول مع الزمن إلى كفن يغري الشيء بالموت وإجهاض ما يمتلكه من حمولة. كما أن فرصة تخليص الأشياء من عبء التراكم الدلالي، لن يتحقق إلا بالعودة بها إلى طبيعتها الأولى. أي عبر الرجوع إلى الطبيعة؛ لأنّ الطبيعة هي نقطة تلاقي شعرية ريلكه بظاهرية هيدغر. أي النقطة التي ينتفي فيها المعنى القبلي للشيء، فيظل محتفظا بفراغه الدلالي، وبانفتاحه على لا تناهيه؛ أي على ما يدوم. كما يقول “إنني أحمل قطعة من الأبدية في صدري” ومن المؤكد أن الاقتناع بهذا التصور هو اقتناع بأهمية الوجود في قلب الخطر. أي خطر الاستغناء عن المعنى، بوصفه ضرورة حيوية للتفاعلات المشتركة و العامّة.
تبعا لذلك سوف يكون من الطبيعي للتوجه الريلكي أن يُعلي من شأن المغامرة بركوب هذا النوع من المخاطر :-“أحب ساعات وجودي المظلمة؛ ففيها تزداد بصيرتي عمقا” ومن المنطلق ذاته، رأى هيدغر في الخطير صنو العظيم. وربما بسبب ذلك؛ اتّخذ موقفًا مضادًّا من كل نزوع إلى التأسيس الفلسفي، مدرجا تأسيسية “ما يدوم” ضمن اختصاصات الشعراء دون غيرهم.
ولعل ذهاب هيدغر إلى الشعر، يكمن في اعتباره المجال الملائم لتحيين ما تعجز الفلسفة عنه. حيث يعود الفضل في ذلك لبنيته المجازية؛ لأنّ المجاز هو فضاء المجهول، أي اللامتناهي الذي يتعذّر سجنه في المعنى الثابت؛ أي النهائي والمطلق. والدور الأساسي والمركزي الذي يضطلع به المجاز، هو تنظيف الشيء من غبار المعاني المتراكمة عليه. فهو لا يقول ما ينبغي للآخرين أن يعولوا عليه. لذلك ليس من شأنه أن يؤسس لما يكون المبتذل بحاجة إليه. إن تأسيسه يتمثل في إشعارك بحضور ما يدوم وما يتبقى. وذلك هو التأسيس المختلف الذي يميل الشعراء إلى إنجازه. فما من شيء يمكن تأسيسه في قلب الدائرة، ما دامت هناك الحركية الدائمة، التي يتحقق معها الهدم الدائم للعناصر وللغات.
ظاهرة الاستسلام لغواية ركوب الخطر، يمكن معاينتها لدى بودلير أيضا، الذي وجد في الدعوى القضائية المرفوعة ضد ديوانه “أزهار الشر” وفي إهانة المحكمة له “هبة إلهية” لأنها بذلك أقرت بعمق انزياحه عن مسالك المعاني المطروقة، بما هي متناهية. وهي الفكرة التي أكدها “والتر بنيامين “حينما قال بأن “لا شيء شاخ في شعره” محيلًا بذلك على امتلاكه لحقائق ما يدوم ، وما يحتفظ أبدا بحيويته و شبابه، وأيضا محيلًا على فكرة “الحياة اللاحقة للشيء” التي انتبه إليها غريم غيلوتش في كتابه “تراكيب نقدية”.
وفي سياق الحديث عن متعة ركوب خطر اكتشاف التخوم، بما هو تنصّل تامٌّ من بؤس الإقامة في المتناهي، سيكون من الضروري التلميحُ لتجربة نتشه، الذي غامر بتصفية كل من الحقيقة والمعنى عبر قوله بموت الإله، وعبر بحثه عن اللامتناهي خارج فضاء اللآهوت. ومحرضا على هدم الغيب الإلهي بالغيب البشري، واضعًا بذلك سلطة المطلق في قلب الفرد الذي اتخذ سمة الإنسان المتفوق.
الغريب في الأمر أن نتشه كان مناوئا لميل الشعراء للتأسيس، الذي يتضمّن من وجهة نظره قولا بفكرة تخليد الروح. و هي فكرة يعارضها “زارا” الذي لا يؤمن بأي شيء آخر يوجد خارج نطاق الجسد، باعتبار أنّ الجسد هو بامتياز سيّد هدم القيم السائدة والمعاني المألوفة.
لا تناهي التخوم من منظور زمني
ولربما سيكون من الضروري الإشارة إلى اللامتناهي من المنظور الزمني؛ لأنه سيساهم حتما في تقديم المزيد من الإضاءات على ما يتخفّى من إشكاليات التخوم. ففي مقدمته لمقالته حول الزمن، يستشهد بورخيس بقولة القديس بولس “في كل يوم أموت”، فالزمن بالنسبة له هو وحده “الأزلي” و “الحقيقي” . أما باقي القضايا فهي مندرجة حتمًا ضمن الميتافيزيقا . ” الزمن هو الأزلية. ماضي الكون، حاضره ، ومستقبله” نحن نهرٌ يجري بلا انقطاع. وهي في الواقع وجهة نظر طريفة حول الزمن، لكنّها في الوقت نفسه جدّ تراجيدية. حيث ما كان لنا لنكون، بدون هذه البنية التتابعية لنهر الزمن، ما يجعلنا نقول بأنها “فكرة الاستمرارية في الزائل”. بمعنى، أن كلّ واحد منا، هو نسخة زمنيّة وفانية للنموذج البشري.
اللامتناهي في ضيافة النص الصوفي
هكذا إذن، تتعدد مسارات السؤال، بما هي مستويات البحث والقول، ليجد السالك ذاته، على بعد خطى من أرض التصوف العربي الإسلامي. هناك حيث تنهمك أرواح “أهل الحقائق” في البحث عن السبل الكفيلة بتحقيق حظوة الحلول في اللامتناهي. ولأن الصوفية – ربما – هي أكثر واقعية، فإنها تطمئن إلى غرقها الكامل في بحيرة الوهم، بما تحفل به من جماليات الإيهام والاستيهام. وإذا ما كان ثمّة أملٌ في تلطيف جموحِ العقل؛ فإنّ الكلمة الفصلَ ستكون حتمًا لسلطة الإيهام التي يحدث أن تُشرع الأبواب كليّة أمام اللامتوقع. وتلك إشكالية أخرى. فالتصوّف هو أفق المنفتح على التخوم بما هي أفق متفرّد لاستشراف اللامتناهي. الأرض المؤجلة التي تحلم بإدراك خباياها العلوم، تجريبية كانت أو إنسانية، والتي ستظل باستمرار مؤجلة. باعتبار أن التقدّم العلمي، كلما خطا بخطواته العملاقة إلى الأمام، إلا وتأكّد أكثر من أي وقت آخر، بأنّه يشقّ مساراته وسبله باتجاه الاستحالة، بما هي ترجمة صريحة للعجز عن تملّك الحقيقة. كما لو أنّ العلم، هو سجين دائم لمرحلة ما قبل التهجّي، أي مرحلة ما قبل الوعي الدقيق بخبايا الشيء. على النقيض من ذلك، تعمد النصوص الصوفية -العميقة ، وليس المبتذلة -على فك ارتباطاتها بالزمن البشري، تجريبيا كان أو نظريا، كي تجترح طرقات لا قبل للعلوم التجريبية بها، التي لا تتجاوز مجالات بحثها حدود المتناهي، المؤطر بحيثياته العملية، المادية والملموسة.
إنها تتجاوز مستويات التواصل والحوار الذرائعي مع أشياء العالم، كي تتجه بشكلٍ مباشرٍ إلى الأصل، متوسّلة في ذلك، حذفَ كافّة الوسائط النحوية المؤدّية إلى توسيع الهوّة بين المتناهي واللامتناهي. فبقوّة هذا الحذف ترقى إلى مستوى تحقيق امتلاء حضورها هناك. تماما حيث “هو” ، مندرجة بذلك في أفق كينونة مختلفة، لا طاقة لظاهريّة هيدغر بها.
من هنا تأخذ الكتابة الصوفية شكلَ نسقٍ متكاملٍ الخصائص والمقوّمات. ففضلا عن كونها رؤية، هي إلى جانب ذلك منهج وأفق، يستند على منهج تخييلي وتذاوتيّ، مفارق جذريّا للخطابات الفلسفية والعلميّة. وبالتالي، يُمكن تصنيفها ضمن الخانة الإبداعية التي تتيح للكائن فرصة انصهاره في تجربة التخوم. وهي خانة انفتاح الأديان على بعضها، بعيدًا عن أي تعصّب عقديّ لهوى الخصوصية المنغلقة على ذاتها. ثم هي استجابة فعليّة لنداء القلب قبل الشرع، ولنداء الكشف قبل البرهان . مع جرعةٍ ملائمة من جنون عشقٍ ملتبس، يُساعد الّذات أو بالأحرى النصّ الصوفي، على بلوغ أقصى درجات الفراغ الحارق، لكلّ المعاني الجاهزة والسائدة؛ ذلك أنّ السائد هو في حكم المتناهي، وعاجز عن تحمّل ثقل الفراغ العظيم، الذي يعد وحده بإمكانية الدنوّ من جوهر اللامتناهي و الحلول فيه.
إننا نجد أنفسنا لا محالة أمام تجربة تخاطر بارتكاب المحظور، الذي يتمثل في ادعاء حظوة القرب؛ لأنّ من يتأتى له ذلك، يجوز له حق ممارسة كل شكلٍ من أشكال التجديف التي بفضلها يتمظهر اللامتناهي من وراء حجاب اللغة، ومن وراء حجاب القول. وسيكون للإشراق المنبثق عن نور القلب دور كبير في هذا التمظهر. وبالنظر للطبيعة المعرفية التي يتميّز بها القلب الصوفي فإنه يأخذ شكل المرآة المصقولة، كما يأخذ شكل اللوح المحفوظ، نكاية في تبجح العقل، وفي ادّعاء هيمنته على المجال المعرفي دون منازع. ولنا في نصوص الإمام شهاب الدين السهروردي القتيل، أرقى مثال على تجربة الإشراق الصوفي القائمة على الذوق، وعلى حدوسات الذات العارفة التي ترى في الباحث عن الحقيقة بالبرهان، شبيها بمن يبحث عن الشمس بالمصباح. و حينما يقول :-
لا تظنوني بأني ميت
ليس ذا الميت و الله أنا
فإنه يستثني صيرورة زمانه من صيرورة الزمن البشريّ المقيّدة بثنائية الميلاد والموت، كي ينتمي إلى تخوم ما “يدوم”، وما “لا ينتهي”، حيث يلعب المخيال دورًا أساسيًّا في هندسة هذا المعطى. إنّه يمتدُّ إلى مرحلة ما بعد موت جسد السهروردي،كي يقوم بتصحيح الصورة. فجثّته المسجّاة أمامنا الآن، لا علاقة لها بهويّة السهروردي المتعارف عليها عند العامّة. ذلك أنّ هويّته الفعلية والحقيقية، مندمجة في ذات ما يدوم، ما يبقى وما لا يتناهى. وهي الوضعيّة التي عبّر عنها “هنري كوربان” بوضعية الحكيم المتألّه، الذي تتكامل فيه حياة العقل مع حياة القلب. بموازاة ذلك سوف تستفحل ضراوة الخطر، على إثر إعلان الذات عن اندماجها في ذات ما يدوم. الشيء الذي يعتبر من وجهة النظر التقليدية ضربًا من التجديف، وضربا من التطاول على حرمة الذات اللامتناهية، التي هي متفردة بحضورها وبوحدانيّتها التي لا تحتمل أيّة مزاحمة من أيٍّ كان. يقول السهروردي في قصيدته المشهورة ” أبدًا تحنّ إليكم الأرواح”.

لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى
كتمانهم فنما الغرام فباحوا
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم
وكذا دماء البائحين تباح

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك؛ فنحن غير معنيين في هذا السياق بالخوض في متاهات التجارب الصوفيّة بحقها أو باطلها، وفي تقليب ما يتوزّع فيها من إشكاليات لا تني تتشعب وتتفرع. نحن هنا فقط معنيّون بالإشارة اللمّاحة إلى ما له صلة وثيقة، ومباشرة بالنسق الذي نحن بصدد بلورته، والمتعلق بحرص النصّ على اختراق تخوم اللامرئي واللامتناهي. وضمن هذا التوجه تحضرنا تجربة أبي يزيد البسطامي الذي اعتبره المستشرق “رينولد ألين نيكلسن” في كتابه “مقدمة في التصوف الإسلامي” أول من قال بفكرة الفناء أو الاتحاد، عبر امتلاك مقومات الأنا الفردية، والخالصة. وانسجامًا مع النهج الذي اختطته مقاربتنا؛ فإنّنا لن نتردد في وضع هذه الاختيارات و هذه المواقف ضمن جمالية التوليد اللغوي، التي تعتبر في نظرنا بوصفها منظومة متكاملة تتبادل عناصرها الإضاءة في ما بينها. وفي خضمِّ هذه الإضاءات المتبادلة والمتكاملة، تتهيكل مصائر وأقدار، كما تنحفر ممرات و مسالك . فراديس و محارق
وفي حالة احتكامنا لهذا القانون؛ فإننا سنسلّم بأن مفهوم الوحدة لغويًّا، سيكون عاملا أساسيا من عوامل دمج المتناهي في اللامتناهي، لتنهدم بذلك الهوّة المؤرقة الفاصلة بينهما. وهو ما نلمس حضوره عند ابن عربي بمساواته لـ “لخالق المنزّه بالخلق المشبّه” ما يؤدي إلى توليد بنياتٍ لغويّة توحدية من قبيل “الخالق المخلوق ” و”الخلق الخالق.” وسيكون من الطبيعي أن تتفتق هذه البنيات عن كتابات مختلفة ومغايرة، من شأنها وضع الحجر الأساس لرؤية معرفية جديدة مستقلة بقوانينها. حيث “الطبيعة صورة واحدة في مرايا متعددة” وحيث ” يتعدد الحق في المجلّى فتتنوع الأحكام عليه ” و حيث:-
جمع و فرق و إن العين واحدة
و هي الكثير ما تبقي ولا تذر

وعبر ذلك تنفتح وتتشكل منعطفات غير مسبوقة للقول والتأويل. وهي المنعطفات ذاتها التي كان أرسطو قد أرجعها لإكسانوفان، ونفس الشيء بالنسبة للرواقية والأفلاطونية الجديدة. فكما يقول ابن الفارض:-
تراه إن غاب عنّي في كل جارحة
وفي كل معنى لطيف رائق به

كما يحدث أن تتخذ منحى آخر أكثر تطرفًا، حيث لا تكتفي الذات المتصوفة بتبنّي فكرة التوحيد؛ بل تتجاوز ذلك إلى اعتبار ذاتها محلًّا لحلول الذات الأولى. كما هو وارد في منطوق الحلاج “أنا الحق”. وفي السياق ذاته، يظل النفريّ في نظرنا الصوت المتفرّد من بين أهم الأصوات المسكونة بفكرة التخوم اللامتناهية؛ ذلك أنّه استطاع أن يحيط بكافة التفاصيل الروحية، العقلية واللغوية والإشارية التي تسمح بإقامة هذه العلاقة المستحيلة، بالرغم من الحضور القدري التي يتميز به “السوى” في حياة الصوفي بوصفه حجابًا دائم الحضور بين الذات الرائية وذات ما يدوم.
أيضا سيكون بوسع المهتّم أن يوسّع دائرة البحث، فيتردّد على مسكن “إخوان الصفا” كي يتعرّف على رؤيتهم لمنطقِ التدرّج الذي يشمل المقامات المنحدرة عن مقام الخالق الأول. وهي كالتالي: الله> العقل> النفس> المادة الأولى> الأجسام > الأفلاك > المعادن> النبات > الحيوان، حيث يعتبر الإنسان جزءًا من النفس الكلية. وهو مسارٌ يمكن من خلاله رصد تفاوت حركية النصوص الإبداعية والفنية، في محاولتها الرمزية تجاوز المقامات الدنيا، باتجاه أخرى أكثر تقدما. وطبعا، انسجامًا مع رؤيتها الفكرية والنظرية لتراتبيّة مكونات الوجود. ولعلّ اهتمام الخطاب الفلسفي الإسلامي من مرتكزه الصوفي بمسألة المقامات، هو الذي أفضى إلى إثارة إشكالية الإنسان الكامل. كما هو الشأن بالنسبة للكندي والفارابي وابن سينا. باعتبار أن تجاوز المقامات البسيطة، إلى ما يليها من مقامات روحية مشمولة بتعاليها وقداستها، يستدعي من السالك تجاوز كل النقائص الأرضية. الشيء الذي لن يتحقق -من وجهة نظرهم – إلا عبر الإحاطة بالعلوم “الوهبية” التي تتحصل عن طريق الذوق والكشف و’الإمدادات” الروحية، فضلا عن العلوم الكسبية، الكفيلة بتنظيف الشريعة مما يطالها من تشويه.
والحال، أننا هنا بصدد فعل إبداعي، وقد تحول إلى قلق وجوديٍّ تشمل عدواه اللغة، والفكر والروح، ليصبح في نهاية المطاف، طقسًا متكاملا تتخذ منه العقيدة المتحرّرة من سكونية التعاليم المشتركة سكنها الأثير. أي السكن ذاته الذي يعلن فيه القول المختلف عن حضوره الاستثنائي. مع التأكيد على أنّ الإبداع الذي يعنينا في هذا السياق، يشتغل خارج الخطاطات الجاهزة، بل إنه إلى جانب ذلك، يشتغل ضد ذاته. إنه ينأى بها عن القناعات المسكوكة، الحريصة على بناء المسكن المشترك، والموجه بسلطة واضعي الحجر الأساس. كما ينأى عن تلك الطمأنينة الباردة، السعيدة بوجودها داخل خانة المعنى.
تجربة التخوم بين الشعريّ والفلسفي
ولعل أهم منجز يحسب للفينومولوجيا، هو تخلّصها من سلطة المشترك، من خلال تكريس عنف السؤال الذي يضاعف من الغربة المولدة للقلق، واضعًا بذلك الكينونة في سياقها الطبيعي. أي سياق الخروج من كل شيءٍ، بلغة ما بعد الحداثة، من خلال الانتماء إلى اللامتناهي.
ومن جديد، سنجد أنفسنا في ضيافة التجربة الاستثنائية، التي يتوحّد فيها الفلسفي بالشعريّ. وأعني بها تجربة الفيلسوف هيدغر، والشاعر هيلدرلين، التي تحولت إلى قبلة يقصدها الباحثون المعنيون بالكشف عن أسرار تفاعل الخطابين، ودورهما المركزي في تحقيق حظوة الحضور.
وفي اعتقادنا أن احتفاء الفيلسوف بالشاعر، قابل لأن يؤول بحلوله الصوفي في لامتناه بشريٍّ، تهتف قصائده بلغات القدسيّ، دون أن يأخذ الشاعر بالضرورة صفة الوسيط، الذي ينتقل بالفيلسوف من زمن البرهنة والاستدلال، إلى زمن التأمّل الذوقي.
إن الشعرية الهولدرلينية هنا، هي غاية في ذاتها. وهي الأفق الذي يشير إليه الخطاب الفلسفي دون أن يطمح إلى الحديث باسمه؛ حيث نجد أنفسنا إزاء تلك الحالة التي لا تنفع معها أي مبادرة بديل؛ عدا متعة حلول الفلسفي في الشعري، أسوة بالرؤية الصوفية التي تحلّ بمقتضاها الذات الإلهية في الذات البشرية. و العكس بالعكس. إنها الحالة التي يفجر فيها السؤال حدوساته، بوصفها تعبيرًا عن “الحضور الكليّ للوجود” الذي يطمح الدازاين الهيدغيري إلى تحقيقه.
إنها التّرياق الأخير، للتخلص من رهاب العدم الذي عمّق نتشه إحساسنا به، من خلال نفيه لكل شيء، والإبقاء فقط على الإرادة. ثم ماذا بوسع الإرادة أن تفعل أمام سطوة اللامتناهي؟.
في الحضور الكلي للوجود، تأخذ اللحظة الاستيهامية زينتها كاملة. تتخلّى التناقضات والاختلالات عن شراستها قليلا، فيما توحي بارقة أمل باحتمال انسحاب ليل القلق، تمهيدًا لانبلاج شمس الطمأنينة. ثم هكذا نوشك أن نقول:- هو ذا التجلي الباذخ لوجهة اللامتناهي. علمًا بأنّ الوجود، لا يمكن أن يُعلن عن حضوره، عبر تمثّل ساذج وبسيط للنص الهولدرليني، أو الهيدغيري، ما لم يكن ثمة ذلك التواطؤ العصيّ على التوصيف الناتج عن تملك الشفرة المشتركة بين النص وقراءاته. إن الأمر يتعلق بتوافر قوانين الاستجابة؛ حتى بالنسبة لهيدغر، وضمن كبرياء السؤال، كان من الطبيعي أن يبحث في الأراضي البكر، التي لم يفسدها الفضول المعرفي عن إمكانية محتملة لحلول ما. إمكانية البحث عن الحضور الكامل للوجود المتخفي فيما ليس هو . أي في عمق ذلك الوجود المنسيّ، الذي لم يتم الانتباه إليه من قبل الميتافيزيقا. الحلول الذي يختلف عن الحلول الصوفي، الذي لا يتقيد بولاء أو بعبودية.
إن الحضور الهولدرليني كما تبناه هيدغر، يتجاوز الحضور القدسي بالمفهوم الصوفي للكلمة. بمعنى تجاوز اللامتناهي المشترك بوصفه متعاليًا مشمولا بقداسته. هنا فقط يمكن العودة للشعر، أي منبع القلق الكبير الذي لا يلتزم بشيء، وبتعبير آخر الإقامة في المابين. بين الفلسفة والشعر ، أو بتعبير آخر بين الحيرتين .
وفي حالة ما إذا كان المقدّس المشترك، هو فضاء التعاقدات العامّة، فإنّ المقدّس الذاتيّ /الشعري، هو فضاء الحرية الذاتيّة، والمتميز بالتحرر التام من كل التعاقدات. ذلك أنّ الشعر حينما يتجاوز سقف اللامتناهي، المعبر عنه بالخالق الأول، يخرج من ظلمات أزمنة، تفوح منها حرائق مدونات وخطابات. ومتخلصا بذاك من تعاقدات ومن دوامات، مصابة بكل العاهات الفكرية واللغوية، الغارقة في تناحراتها الدموية التي تنعدم معها إمكانية التعرف المحتمل على الإله. وبالتالي؛ فإن المقدس المنزّه عن التوصيفات الدينيّة، وحده يظل قابلا للتماهي مع الحضور الكامل للوجود. إن هذا المقدّس يقترح علينا قوانينه التي لا علاقة لها مطلقا بذاكرة القوانين الميتافيزيقية.
ومع ذلك، فإن القول باستشراف التخوم بما هي الحضور الفعلي للشيء، سيظل هو الاختيار الممهور بخطورته، كما سبقت الإشارة لذلك، حيث تعاني الذات من وجلها الكبير في المغامرة بالذهاب إلى مقدسها الفردي؛ في حين تكون الطريق إلى حدٍّ ما، معبدة أو تكاد، باتجاه المقدس المشترك.
يقول هيلدرلين:-
“لكن ها هو النهار ينبثق
لقد انتظرت و رأيته قادما و ما رأيته،
ليكن المقدس كلمتي

وسيكون من الضروري التساؤل عن سر هذا التعلق الهيدغيري بهيلدرلين؟ هل هي مجرد صداقة تضليلية؟ أم يتعلق الأمر بالتهيب من الجهر والبوح، حيث يوظف الشاعر / الآخر كذريعة. ولن يفوتنا ضمن هذه التعالقات ذات الطابع الإشكالي العلاقة ذاتها، التي أقامها هيلدرلين روحيا مع الفيلسوف، والشاعر الوثني “أمبيدوقليس”( ق 5 ق.م) بسيرته الذاتية ذات الطابع الأسطوري، من فرط ما تخللها من غريب الأطوار، خاصة منها رواية ارتمائه في نيران بركان إيتنا تأكيدا منه على “حقيقة” ألوهيته التي دأب على ادعائها. وهي النهاية التي كانت موضوع تأويلات متعددة ومتنوعة من قبل فلاسفة العصور الحديثة، لعلاقة الذات المفكرة و الشعرية بالمابعد، و بما يدوم.
وإذا كان أبو العلاء المعري قد اتهم بالزندقة، جراء مبالغته في الإعلاء من قيمة العقل، ورفضه لأي تهويم روحي ينأى به عن الزمن المادي.

” كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيرا في صبحه والمساء”

فإنّ مفهوم العمل والعقل والإرادة التي رافقت المسار البشري، بما أنتجته من نظريات معرفية وإبداعية وفكرية وتقنية، ترتبط بثنائية المتناهي واللامتناهي. ليس من أجل الفهم في ذاته، وليس فقط من أجل تدبير السير الطبيعي لإيقاعات الحياة ؛ بل أساسا من أجل إضرام نار الاختلاف في الرؤية المتناهي أو اللامتناهي.
إن هذا العالم الصعب والمعقد، كان بحاجة إلى من يفكر فيه، من يشعر به، ومن يعاني من نوائبه وكوارثه. العالم ككل، هو أيضا له بنية الكائن على طريقته الخاصة به. ولا يتحمل العزلة والوحدة. إنه محتاج لأن يتواصل، كما هو بحاجة ماسّة لمن يعترف به. ولربما كان الكون هو أيضا، يستفيد من شر ومن خير الكائن؛ ذلك أنّ أفق الكائن، موغلٌ في غموضه. ولا أحد يستطيع أن يتكهّن بجديد ما يطرحه من إشكاليات. الوجود هو أيضا، معنيّ بأن يكون حذرا من المقالب المنتظرة لهذا الكائن. إن الكائن ينتقم من تناهيه بالإبداع، بالكراهية، و بالقتل ، إن استدعى الأمر ذلك.
وبالتالي، فإن حركيّة المتناهي قد تكون باتجاه الفناء وللتلاشي، وقد تكون باتجاه التحوّل. وهما معا قانونان من قوانين الامتداد الكوني؛ ذلك أن الطبيعة تجدد ذاتها من خلال عمليات التحويل والتغيير، وهو المجال الذي يشتغل عليه التاريخ الطبيعي والبشري بكل تخصصاته. حيث يكون الفناء منعطفا من منعطفات التحوّل والتغيير. فالتحوّل هو في الأصل عملية خيميائية، من شأنها إجراء تغييرات على الشكل وعلى الوظيفة. وإذا كان من الممكن التحقق من هذا المسار على مستوى بعض الظواهر الطبيعية والرمزية، أي على مستوى البنيات الجزئية؛ فإنَّ الأمر يختلف جذريا بالنسبة للأجزاء المنتمية إلى المقولات الكبرى، أو الكليات.
إنّ تخوم المتناهي قد تكون أيضا توصيفًا مرحليًّا لتخوم اللامتناهي، أو باعتباره منفلتا ومتناهيا من حيث الظهور، بما لا يتيح أية إمكانية للتجلي. أي للإعلان عن جوهره، من أجل أن يكون موضوع تعرف تامّ يقيني، وخالٍ من شوائب الشك. بمعنى أن اللامتناهي، قابلٌ لأن يتحقق عبر اتخاذه شكل المتناهي، مع العلم أن لكلٍّ أرضيته المعرفية التي يؤسس عليها مفهومه للمتناهي واللامتناهي.
سلطة المرئي و دورها في الإيماء للتخوم
مرجعية تخوم اللامتناهي قد تكون هي اللامرئي؛ أي في شقّه المجرد المنزّه عن أيّ توصيف مستندٍ على القياس التشبيه أو المقارنة. كما قد تكون أيضا في سياق المرئي المؤطر بالديمومة؛ بمعنى إن القول بالمرئي لا يعني القول بتناهيه باعتباره مادة، وباعتبار أنّ مصير المادة هو التناهي، في حين ما يتناهى من المادة هو زوائدها. تلاشي الزوائد هو ما يتيح للمادة إمكانية البقاء، فهناك المادة العابرة وفي الوقت نفسه المادة الدائمة.
إن إشكاليات المتناهي واللامتناهي في تنابذ دائم فيما بينها؛ إن بعضها يُلغي بعضها الآخر؛ ينفيه أو يثبته. هناك حرب دائمة بين الرؤى، بين المسارات التي يمرّ بها المفهوم الواحد؛ إذ في كل مرحلة يطغى، ويهيمن تصور معيّن دون الآخر للمفهوم، فيما يستمتع اللامتناهي كجوهر بهذه المفارقات؛ كي يحتفظ بتخفّيه الكامل أو النسبي.
وهي الإشكاليات التي تحضر في خلفية الأعمال الكبيرة، بما يتفرّع عنها من أسئلة، ومن تناقضات، من اختلافات واختلالات، أيضا ثمّة ذلك التوجّس الكبير المقيم في أجواء كل طمأنينة.
النصوص الفكريّة والإبداعيّة تستند على قناعاتها وتأويلاتها ورؤيتها لتخوم المتناهي أو اللامتناهي، انسجامًا مع طبيعة اللحظة التاريخية الفاعلة في إنتاجها، بما هي لحظة مجتمعيّة، و حضارية، و ثقافية.
إن التباس اللامتناهي يجعل طبيعته متعدّدة؛ فقد يكون مصدرًا للشرّ، كما يمكن أن يكون مصدرًا للخير؛ حيث تزدوج علاقة الكائن به، مراوحة بين الرغبة والرهبة.
إنه لا يحضر دائما بثقله الدلالي المباشر والمركزي؛ إلا في حالة الرجّات الكبرى التي يحدث أن تصاب بها الجماعات في ظرفيّة تاريخيّة معيّنة. عدا ذلك، فما يحضر فيه هو أطيافه، تداعياته. وكل لحظات الضيق أو الفرح التي يمكن أن تعتري الكائن، تهب أصداؤها من مراكزه.
المعرفة و القداسة
إن المعرفة قد تعمق لدى الكائن الوعي بالمقدس، كما يمكن أن تعمّق لديه الوعي بنقيضه؛ لذلك فإن “الإنسان الكامل” هو الذي يستطيع -في حالة وجوده – أن يخرج من الثنائيات، من قبيل فيزياء الجزء والكل، وقوانين التقسيم والانقسام. كما يتعذر فصله عن إيقاعات البتر، القطع، التفكيك، الثابت والمتحرك، المطلق والنسبي، الوحدة والكثرة، المركزي والهامشي، التنوع والوحدة، الدال والمدلول، الذات والآخر، الوعي واللاوعي، الذاتي والموضوعي، الممكن و المستحيل، الحسيّ والعقلي، الظاهر والباطن.
لذلك فاللامتناهي في نظري، هو النواة الدلالية المركزية التي تنطوي عليها أهم التعريفات النظرية التي تشتغل بها العلوم والآداب، ما حفّز غاليليو على القول، بأنّ الفلسفة الطبيعية مدوّنة في كتاب الكون المفتوح بصورة دائمة أمام أعين الجميع، مضيفًا بأنّ قراءته تقتضي التمكّن من لغة الرياضيات، وهو ما يجعلنا نطرح سؤالا إشكاليًّا حول مفهوم اللغة الجديرة باستنطاق كتاب الكون، الأشكال الهندسية بدل الأرقام، فعبر هذه اللغة يمكن ضبط العلاقات القائمة بين الظواهر، التي هي أهم من الأسباب الميتافيزيقية.
لكن ذلك، لن يمنعنا حتما من التساؤل عن حدود المعقولية والنظام التي اشتغل بها كل من غاليليو وكوبرن كوس. ثمّة أيضا إشكالية القسمة التي تبدو جدّ مستحيلة تبعًا لمقولة جيوردانو برونو ” كل شيٍء متضمن في كل شيء”.
إن هؤلاء وغيرهم من علماء وفلاسفة، يتقمّصون أصوات الملائكة والأنبياء المجندين في جيش الرحمن، وهم يتحدثون دون ملل عن خلق العالم، كما لو أنّهم كانوا طرفا مباشرا في الموضوع. وهو شيء جدّ موضوعي، مادام الكائن بطبعه مسكون بهاجس تسمية أشياء الكون، وبهاجس تقييد الأحوال. ما هو مرئي منها، أو غير مرئي. هكذا إذن، وتبعا لذلك، نحتاج إلى أبدية كاملة من البحث والتحري.
وهي إشكالات واقعية معيشة، قبل أن تكون نظرية. إن التفكيك لا يقع خارج دائرة الكائن. إن الكائن هو الذي يشتغل به، بإيعاز من اللامتناهي الذي يسكنه. و هو ما يؤدي إلى ضياع المعنى، إلى ضياع الحقيقة؛ حيث ليس لك سوى أن تظل حيث أنت. مراوحا مكانك حيا وميتا.
غير أنّ منهجيّة الشعر، ليست معنيّة بالبث في مثل هذه الحقائق، على غرار منهجية الفلسفة أو العلوم التجريبية. إن منهجيته تبدو منفصلة إلى حدٍّ ما، ومتصلة في الآن نفسه، باعتبار أنّ سؤال الهندسة هو الذي يُمسك بتلابيب الشعر. مجسدًا في نزوع المجاز إلى إيجاد هندسة دلالية مختلفة، ومغايرة لتلك التي ترومها اللغة.
بمعنى أن اللامتناهي وبصرف النظر عن الأشكال التي يتقمصها ضمن دائرة المجرّد، أو بلغة أخرى، أن يكون هيولى أو مادة. صورة أو حالة؛ إلا أنه يسكن جسد الكائن، الذي يستحضره فيه بشكل من الأشكال.
إن مجرد التفكير في تجلٍّ رمزيٍّ ما من تجليات اللامتناهي، يسهم في حلوله داخل الذات. إن لعبة الاتحاد هذه تكون متبادلة؛ لأنّ اللامتناهي هو أيضا لا يمكن أن يكون كذلك، إلا إذا استطاع أن يكون موضع تأمّل وتفكير من قبل الكائن.
وبالتالي، فإنّ تبادل الاتحاد، لا يمكن إلا أنّ يكلّل بالدم، على شاكلة الحلاج والسهروردي. ثم عبر قانون القتل فقط، يمكن للسهروردي – بوصفه قولا لا زمنيا- أن يستمر. ولا أحد يستطيع انتزاع اللامتناهي من جسد الحلاج، أو من جسد السهروردي، من وقفة النفري، أو من شطحات البسطامي.
لقد ذهبوا باللامتناهي حيث هم الآن، بعد أن تملّكوه تماما، و لو في فسحة الوهم.
الكائن يمتلك الحق في تقليب النظر ضمن حدود الحرية المتاحة، أن يثبت قدرته على التحرك في قلب هذا اللامتناهي دون التحكم فيه.
الحيرة المتجذرة في السرديات الفلسفية، تعكس ذلك التخبط المعرفيّ الذي ليس لنا إلا أن نتعاطف معه، حيث ينتصب ذلك التعارض الكبير بين الرؤية الأفلاطونية الأرسطية، وحيث تتألق بمحاذاة هذا وذاك، شطحات الرؤية الفيتاغورية المتوزعة بين جلال الرقم وجلال العقيدة ، فضلا عن جلال الموسيقى. ما يدعونا للقول بأن اللامتناهي لا يمكن أن يكون مرئيا. إنه خارج الكائن وخارج الكينونة.
إنّه التضاد كلّه، الأرض الخطرة التي يقيم فيها الشعر. ولأنّ قانون التجزيء هو الذي يعصف بتفاصيل الصورة؛ فإنّ الشعر يسعى إلى معرفة الروح الثاوية في الجزء، من أجل إعادة تركيب التفاصيل الواقعة خارج الإطار.
المتناهي يتجسد في الحوار القائم بين الجسد وبين المرئيات. والمرئيات مهما تضاعفت قوتها، يحدث أن تتحول إلى سجن مصادق عليه. هناك مستوى اللامتناهي المتمحور حول المرئي البعيد، الغائب ماديا عن الأبصار، بفعل وجوده خارج المساحات والمسافات الموضوعة تحت قدراتنا المعرفية والبصرية. وهناك مستوى آخر للامتناهي المجرد المتخفي خلف المرئي. لا يتعلق الأمر بالمسافات ذات الطبيعة المادية والملموسة مهما كانت لا مرئية، إن اللامرئي الذي يستمد لا مرئيته من خلال احتجابه خلف المسافة، مهما كانت لا متناهية، لا علاقة له باللامتناهي. يتعلق الأمر أيضا حتى بالمرئي بعين المتخيل. أي بما هو مقيم خارج الجنة وخارج النار. خارج الإيقاع وخارج الهندسة. وعي النص بهذه التفاصيل، هو الذي يجعل منه كائنا حيّا داخل الزمن وخارجه.
ربما بسبب ذلك، كان الجميل يحيل على الجانب المضيء من اللآمتناهي والمرعب أيضا؛ ذلك أن فضاءات اللامتناهي محاطة بالأمر والنهي والمحظور، وغالبا ما يتم استدراج نهر اللامتناهي، كي يصبّ في ذلك الحوض الآمن المشترك، المعروض على الأنظار الوصيّة؛ لذلك، فإن حضوره الخجول، يظل يراوح بين كواليس القول الفلسفي والإبداعي. إنه وخلافا للمطلق، يظل محتفظا ببعض سمات المتناهي. يبقى على بعد خطى منه، أي من المعلوم. لكنّه في جميع الأحوال قابل في أية لحظة للإحالة على المطلق ومرادفاته. إنه السؤال المسكون بأضداده. نداء يتطلع لتجريب لعبة الفقد. أي التطويح بما تمدك به تجربة المتناهي بوصفه مسكنا للطمأنينة، وبوصفه عمى اختياريا، الاختيار القلق. إنه الاستحالة القابلة لأن تكون ممكنة، ولعلّ القول باللامتناهي، هو اعتراف بالحدود المعرفيّة للكائن، في الآن نفسه تعبير عن الحاجة الدائمة للمعرفة.
اللامتناهي كواقع مهيمن ومستبدّ باهتمام الكائن، هو الذي يؤجج شرارة الإبداع والفلسفة.
إن عتبة اللامتناهي هي عتبة الجهة الخفية من قرص المعرفة ، وبما أن القرص في حركية دائمة فإن المعلوم الآن قابل لأن يتحول إلى مجهول أي إلى لا متناهٍ، هناك حيث يمثل أمامنا سؤال المواجهة الكبرى، بين تناهي الكائن، وبين اللامتناهي بوصفه فكرة مجردة بالكامل، و غير قابلة للتحيين إلا في واقع الكتابة ومتخيلها.

شاهد أيضاً

العربية وفلسفة الجمال: قراءة جمالية في « لسان العرب»

سعد الدين كليب تقديم: بالرغم من اعتباطية العلاقة بين الدالّ والمدلول في العلامة اللغوية، فإنّ …