أخبار عاجلة

في البنية الايقاعية للشعر العربي وفي اللابنية أيضا قصيدة النثر وجماليات الخروج والانقطاع

في كتابي في البنية الايقاعية للشعر العربي ( 1974). وردت بضعة مقاطع لم يتنبه الى خطورتها أحد رغم كثرة الباحثين الذين تناولوا هذا الكتاب بالدراسة وكانت تلك المقاطع تستند بعمق الى فهمي الشخصي لمكونات البنية الايقاعية للشعر العربي، وتتكهن باحتمالات مستقبلية تخرج عليها وتؤسس نمطا جديدا من التشكيل الايقاعي، هي ذي المقاطع المعنية.

هكذا يقال. لا يتصور حدوث تحول جذري في بنية الايقاع الى أن تتغير بنية العقل: البنية الفكر _ نفسية ذاتها، والتغير، فيما يبدو، كان محالا قبل العقدين الأخيرين. وهاهي علائمه. لكنها لم تزل علائم. واذ يقال هذا لا يقصد التغير بما هو حدث جزئي، وانما بما هو فعل كامل على صعيد الثقافة كلها:، أي ولادة بنية جديدة. أي أن حدوث تغيرات جزئية, ضمن مجال الثبات, لا ينكر: في نماذج من الشعر الصوف في النثر – الشعر ملامح تغير جزئي. لكن البنية الفكر- نفسية ظلت ذاتها. نحن نبدأ الآن.

وملامح التغير تنجلي في البنية ذاتها: إخماد الحركة, والبحث عن السكون أو بالدقة الهدوء، في قصيدة النثر توجد الكلمة لا جسدا صوتيا من الحركة المستمرة والسكون اللحظي، بل بنية السكون فيها مكون أساسي, حين نقرأ الكلمات نحاول أن نخمد الحركة الى أقصى حد، والعلامة المطلقة لذلك هي القراءة دون حركات على أواخر الكلمات. وهذا مظهر شيق للبنية الجديدة, لأنه يحتضن فيما يحتضن تتابعات مثل (55) واحتضان هذا التتابع هو النقيض المطلق لايقاع شعر التراث. وهو أيضا ليس حدثا عابرا. الشكوى التي تسمع من طنين شعر التراث وحدته, والدعوة الى شعر هاديء مهموس, أو شعر نبر، هما، جوهريا، قول بسيط: ثمة شي ء يبزغ في حياتنا جديد. بنية جديدة يعجز الايقاع التراثي عن بلورتها وتجسيدها. بل انه ليشكل نقيضها المباشر: الكتابة بايقاع تراثي هي, في الواقع, إدخال لبنية مغايرة وتأكيد لهذا البنية في الضمير العربي الحديث. لذلك قد يشعر المتلقي بالقلق واللاتوازن, بأن شيئا يحدث منفصلا عنا، متحركا في مجال غريب على الذات.

خلق إيقاع شعري حديث, إذن ليس عملا مفتعلا، إنه حتمية تاريخية. ولقد جاء حتميا ودور المؤثرات الخارجية يجب أن يحدد من جديد، أن يكون لها أكثر من فعل اللفت الى مجالات ممكنة, شيء يكاد يناقض حركة الثقافة كلها، يناقض إيقاع التطور التاريخي.

وتقبل السكون تقبل التتابع (-55) في بنية الكلمة والتشكل, ليس فعلا خارجيا. إنه ثمرة لتقبل في الجذور, لأنه يستقي من لغة الحديث اليومي, اللغة المحكية ومن الشعر المؤلف بهذه اللغة. وليس بعيدا أن تكون اللغة المحكية بايقاعها الخاص المتن ثر الأقوى في تغيير ايقاع الحركة الدائبة لقرون.وإذ نلتصق بالذات الحية, دون تعال عليها، لابد أن ينعكس هذا التعبير على لغتنا الفوقية: لغة الفكر المنفصل المتعال يمكن التكهن دون ادعاء للنبوة, بأن تعميق الالتصاق باللغة المحكية, بالذات الحية, والفولكلور, سيؤدي الى اتخاذ بنية ايقاعها بنية لايقاع الشعر المكتوب بالفصحى، أو يقرب, على الأقل البنيتين ليخلق بنية ايقاعية وسيطة, هكذا يبدآ التوفيق الضروري بين اللغة الفوقية وبين الذات ويبدأ زوال الازدواجية التي تترك آثارها على الفكر العربي في غيبوبته وضبا بيته وضعف تركيبه المنطقي.

في الشعر الذي يكتب الأن بندرة, والذي لابد اذا استمر التطور الطبيعي, من أن يكتب بوفرة, تصبح شخصية الكلمة شيئا غير جسدها الصوتي شيئا يتحدد بدورها التكويني في التجربة الشعرية وبنية القصيدة. الكلمة في الشعر التراثي توجد صلبة حادة لا يغيرها شي ء تفرض نفسها على التشكل الايقاعي،وحولها يتأطر الايقاع, يمط جسده ليتكون. التغيير الجذري الذي نحتاجه هو أن نحد من طغيان الكلمة وقسرها للايقاع كله: بأن نحيلها الى جزء بنيوي يتحدد هو بطبيعة الايقاع والتجربة الشعرية, أي نكسبها مرانة داخلية فيكون لها في سياق. ما الدور الايقاعي (X) وف سياق آخر الدور (Y), وهكذا يتم ذلك بأن نعطي أنفسنا القدرة على قراءة الكلمة كما نحتاجها أن تكون في السياق, محركة أو ساكنة, منبورة أو غير منبورة _ ضمن شروط تنبع من طبيعة الكلمة ذاتها – بإرادة مطلقة تقريبا.

كلمة (حالم) لها في الشعر التراثي دور مطلق هو (-5–5)، عبر عنه الخليل بتمثيل جسدها الصوتي, لا بشيء داخلي فيها أو بدور بنيوي لها. في الشعر الآن, يجب أن نستطيع إعطاء هذه الكلمة الدور (-5-5) أو (-5–5) وأن ننبرها هكذا (-5—5) أو نتجاوز عن نبرها أحيانا، بإرادة تستقي تسويفها من السياق الشعري الكلي والجزئي. ثم ينبغي أن نحدد دور الكلمة الايقاعي على أساس النبر الذي تحمله لا على أساس جسدها الصوتي.

بهذا يكون في مقدورنا استغلال إمكانية إيقاعية في الكلمة العربية لم يستغلها التراث إلا في مراحل نعرف عنها القليل القليل، لأن ثقافة التراث وبنيته الفكر- نفسية فرضتا اختيارا لامكانيات دون أخرى في الكلمة العربية. وجاء هذا الاختيار مخلصا إخلاصا مطلقا في تجيره عن البنية. وان لم نجار ثقافة التراث وشعراءه في إخلاصنا للبنية الفكر – نفسية لثقافتنا فإننا نخون الروح الفاعلة في التراث, لنتمسك بقشوره. التراث يعلمنا الاخلاص لذواتنا لفكرنا فلماذا نصر على خيانته بالاخلاص له, ولفكره "؟.

وقد سبق هذه المقاطع بحث ذو بعد تاريخي اقترحت فيه أطروحة هي التالية:

"ثمة مرحلة في تطور الشعر العربي، سبقت عصر الخليل… كان الشعر فيها قائما على النبر.. ثم استمر الشعر بعد دخوله مرحلة الايقاع النووي، ابتداء من الشنفرى وامريء القيس يستقي انتظامه من المكونات الوتد – سببية بالدرجة الأولى, خمسة عشر قرنا على الأقل. ورغم بروز حركة تجديد واعية قاصدة في العصر العباسي، لم تتغير مفاهيم الفواعل الايقاعية في الشعر. ورغم انفجار حركة ثورة فعلية في العقود الثلاثة الأخيرة, فإن ماطرا من تغيير, على هذا الصعيد لا يزال طفيفا لا تناول البنية الايقاعية بشكل جذري، هل ينبغي إذن آن نعيد كتابة تاريخ الشعر العربي على ضوء ما يقال هنا، باحثين عن النماذج التي قد تكون سلمت من "تصحيح " الرواة ؟ آو لم يصدق أبو عمر بن العلاء حين قال إن أكثر ما قالته العرب من الشعر ضاع؟

على صعيد أخر… أليس من الطبيعي, والممكن أن نعيد للشعر العربي بعضا من حيويته الأساسية وحيويته الجوهرية بأن نعيد خلق إيقاعه النابع من النبر ونفكه من اسار صيغ التركيب الصوتي والتتابعات الوتد _ سببته الصارمة في تطلبها للتعادل الحركي؟ سؤال جذري ثالث لباحثين يأتون, لكنما هو، بالدرجة الأولى سؤال لشعراء يأتون "(1).

أما خطورة هذا الكلام فإنها تنبع من كونه يقر مشروعية نمط إيقاعي جديد ينشأ من التعامل مع التركيب الصوتي والايقاعي للكلمة العربية بطريقة جديدة خارجة على طريقة التعامل معها في تحديد الشعرية في العربية القديمة. وحين يتحقق هذا التعامل تخرج المكونات المتوارثة للايقاع من إطار  الكم والنبر الممتزجين الى إطار النبر الخالص, ويصبا الانتظام الايقاعي, من جهة أمرا عارضا، ومن جهة أخرى مكونا داخليا، أي نصيا قد يتحقق بشكل ما في النص الواحد لكنه لا يقدم قالبا نظريا ينبغي أن يتحقق في نصوص أخرى وبالصيغة نفسها، أق أنه لا يعود شرطا من شروط تحديد الشعرية خارجيا وبصورة مستقلة عن التحقق في نص متعين.

ولقد جاءت الاجابات على أسئلتي فصيحة بليغة, لا من النقاد وحسب بل من قبل الشعراء أيضا فانتشر ما نسميه قصيدة النثر انتشارا سريعا, وتنامى بقوة وحيوية فضاء إيقاعي (يصعب تحديد نقطة هدايته لكنه يعود على الأقل الى جبران والريحاني والترجمة العربية للكتاب المقدس, وربما ضربت جذوره في القرأن الكريم والنثر الصوفي) انضاف الى النمط الايقاعي التقليدي النابع من البنية الايقاعية للشعر العربي. ومن الجلي أن عبارتي هذه تتضمن أن النمط الجديد ليس نابعا من البنية الايقاعية للشعر العربي، بل هو انبثاق مغاير يجسد عملية انقطاع عنها وتدشين فضاء مستقل عن مدارها وفي ذلك كله تجل لانبثاق حساسية جديدة وتصورات جديدة وشعريات جديدة وفي نهاية المطاف انبثاق عالم جديد. إن العالم الذي انتشرت فيه قصيدة النثر غير العالم الذي سادت فيه الايقاعات النابغة من البنية الايقاعية للشعر العربي, أما ما هي وجوه هذه المغايرة فذلك ما لا طاقة لي على اكتناهه وتحديدا بعد. وان كانت دراساتي تزدحم بإشارات كثيرة لبعض معالمه. بيد أنني أود إيراد أكثر وجوه الاختلاف جذرية وحدة: إن البنية الايقاعية للشعر العربي تتشكل بكلمات تبسيطية مؤقتا من العلاقات التي تنشأ بين نواتين ايقاعيتين (أو ثلاث نوى أحيانا) تشكلان ثنائية ضدية, هما فا (-5) وطن (–5) حين تنتظمان على محور الترتيب أو التراصف الافقي لتنتجا وحدات إيقاعية تتوالى أو تتكرر أو تتناوب بدرجة عالية من الانتظام تمثل فيها (علن) المكون اللامتغير و(فا) المكون المتغير, وتحمل الوحدات الايقاعية واللغوية والدلالية نبرا يلعب دورا أساسيا في تكوين الايقاع, أما في قصيدة النثر فإن الايقاع لا يستند الى علاقات التراتب بين نواتين ايقاعيتين متعارضتين والى تكرارهما على مسافات منتظمة تختلف ويؤدي اختلافهما الى تكوين بحر أو آخر، بل يتنامى الايقاع من نوى ايقاعية ليس بينها علاقات محددة من حيث تركيبها الصوتي، من جهة وترد في السطر الشعري ورودا اعتباطيا (بالمعنى الدقيق المحايد للكلمة) لا يحكمه مبدأ منظم, من جهة أخرى. ولقد أظهرت في كتابي المشار اليه أعلاه الفروق التي تنشأ بين الأنظمة الايقاعية التي لا تستند الى ثنائية ضدية (ومنها النظام الفرنسي)وبين الأنظمة التي تستند الى ثنائية ضدية (ونموذجها النظامان العربي واليوناني). ويوسعنا القول هنا إن قصيدة النثر تولد ايقاعات لا تستند الى ثنائية ضدية من جهة, ولا تلجأ الى نظام بديل مثل عدد المقاطع المشكلة للبيت الشعري، كما يفعل الشعر الفرنسي, من جهة أخرى.

ما أقوله, إذن هو – ببساطة قد تبدو صادمة – ان قصيدة النثر لا ايقاع لها سوى الايقاع النابع من النبر والتركيب الصوتي للغة النص والأبعاد الدلالية للنظم, أي من المكونات ذاتها التي تمنح النثر بكل أشكاله وتشكيلاته إيقاعا ما، ولا تولد وحدها إيقاعا شعريا بالتحديد العربي للايقاع الذي يقوم على التكرار المنتظم لمكونات معينة وفي تشكيلات وزنية محددة قصيدة النثر بهذا المعنى لا وزن لها، لكن لكل نص منها إيقاعا. كما أن لكل نص لفري أيا كان إيقاعا (فاللغة ظاهرة صوتية. والصوت في حركته يشكل إيقاعات) لا يحقق نموذجا نظريا مسبق التصور, ولا يشكل قاعدة لتشكيل نموذج نظري قابل للتقليد في المستقبل كل ادعاء آخر لا يستند له. وذلك بالضبط مصدر أهمية قصيدة النثر ومعنى كونها ثورية. فهي تكسر حدود النص الشعري وتخرج على تحديد الشعرية في العربية إذ ترفض الايقاع المنتظم بكل أشكاله وحين تولد درجة ما من الانتظام فإن انتظامها يعني شيئا واحدا. انتظام الظواهر الايقاعية داخل النص نفسه, كا لتكرار والتوازي وعدد النبرات الخ, لكنه لا يعني قابليتها للقياس بمقياس خارجي منتظم يمكن صياغة هذا الكلام بصورة أخرى باستخدام المصطلحات الخليلية تسهيلا بالقول: قصيدة النثر لا تملك وزنا خليليا ولا تصاغ أو تتشكل على بحر من بحور الخليل المستعملة أو المهملة, كما أنها لا تبتكر لنفسها بحورا جديدة خاصة بها _ كما ابتكر الموشح والرجل والرباعي والدوبيت والمواليا والعتابا والميجنا في تاريخنا الابداعي بحورا متميزة خاصة بها, أي أن قصيدة النثر لا بحر لها _ فالبحر هو القالب النظري المنتظم الذي يوجد خارج النص ومستقلا عنه والذي يمكن أن يتحقق – في نصوص كثيرة, أما قصيدة النثر فإن لكل نص منها إيقاعه الفردي المتعين, والايقاع هنا يسرح في واد متغير المسارات والانعطافات وليس بحرا هادئا منتظم الحركة متكررها. وفي اعتقادي أن الخليل استخدم علمة البحر من أجل أن يدل على هذا الطبيعة المستقرة المنتظمة المتكررة المحدودة بشواطيء لا تخرج عليها والتي تحدث فيها مع ذلك تغيرات موجية طفيفة, فهي بهذا المعنى ثابتة جوهريا متغيرة عرضيا في آن واحد. وبالمقابل, فإن قصيدة النثر تغير دائم لا استقرار له ولا ثبات وحركة الايقاع فيها ليست حركة تموجات بل انسراب واندفاع وتبجس وتناثر وتفجر وترقرق وهجهجة ومجمجة وعجيج وهدير وسقسقة نمير لمياه غدير قلق, سلسبيل أو متفجر أو ما بين بين, يسير حيث شاء في مجرى لا يحدد منعطفاته ومنحنياته ومستقيماته وتمعجاته سوى الطبيعة الفيزيائية لمجراه وقابلية المياه لأن تحته وتأكل منه هنا وهناك. أو تخضع لقيوده هنا وهناك, بل إن هذه الاستعارة غير دقيقة لأن للنبع ضفافه المقيدات الحاصرات وقصيدة النثر لا ضفاف لها ولا حواصر. فهي ماء منسرح في فضاء مفتوح وفي أرض ترابية لينة أي أنها تتمعج وتسيل وتقف وتنعطف لخصائص الماء وتكونات طاقاته واندفاعاته واستكاناته لا لخصائص الضواغط الخارجية المقيدة المحددة, بل الأدق الآن أن أقول إن قصيدة النثر ماء يجري صانعا في تدفقه فضاءه الخاص وأرضه الخاصة ومناخه الخاص. وليس ثمة فضاء أو أرض جاهزان مسبقا يخرج منهما متجها اليهما ومنصبا فيهما.

 (2)

ليس ثمة من ريبة في أن الانتظام في الايقاع النثري قابل للتحقق دون موازين الخليل, وأكبر دليل على ذلك النص القرآني. ولنتأمل الآيات التالية: "قل هو الله أحد، الله الصمد،، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد" (سورة الاخلاص) مثلا على ذلك. إن الانتظام هنا لا يتمثل في تكرار ظواهر صوتية معينة على مسافات معينة بقدر ما يتمثل في انتظام تزايد زخم الايقاع النبري من نبرتين الى أربع نبرات الى خمس نبرات في الآخير، بعد أن كان استهل بنبرتين قويتين متتاليتين على الكلمتين « قل هو" ونبرتين بعدهما على «الله أحد". أي أن النص شكل قدرا من التوازن أولا ثم كسر هذا التوازن (أربع نبرات+ نبرتين+ أربع نبرات +خمس نبرات) خالقا بذلك نسقه الايقاعي الحاد حدة باترة, من جهة والمتلطف قليلا، من جهة أخرى. وذلك, في تقديري جوهر موقف القرآن الكريم من المذاهب التي تنسب لله ولدا. غير أن هذا الانتظام ليس له صيغة محددة تشترك بها نصوص عديدة, بل ينشأ حين ينشأ بنهج خاص بالنص الذي يحدث فيه. وينجلي ذلك بمقارنة إيقاع هذه السورة مع سور قصيرة مماثلة لها مثل الناس, والفلق, والمسد وغيرها.

بيد أن للنثر إيقاعه بمعنى آخر: هو أنه يقوم على ايقاع الفقرة أو السطر لأنه يستند بقوة الى الفصل والوصل. كانت مباديء الفصل والوصل في الشعر الخليلي تقوم على طول التفعيلات وحدودها وعلى الشطر ثم على السطر، والشطر والسطر محددان بالقافية ونهاية البيت. أما ايقاع النثر فيقوم على فصل ووصل من نمط مختلف ينشئه البعد الدلالي المتعلق بامتداد النفس والضغط النابع من تموجات التجربة والقراءة والحركة الداخلية للهجة الشعرية.

كل المحاولات التي تزعم أن لقصيدة النثر إيقاعها الخاص المكافيء للوزن تتشبث بأذيال الشعرية القديمة, وتحاول إكساب الشرعية لقصيدة النثر بموضعتها داخل التراث الشعري وتأصيلها فيه. لكن الحقيقة البسيطة هي أن قصيدة النثر لا أصول لها في الايقاع التقليدي على مستوى تصوري _ أي مستوى التحديد الواعي للشعرية عند العرب. فرغم وجود من قالوا بأن الوزن ليس شرطا كافيا لانتاج الشعر، لم يقل أحد بقدر ما نعرفه الآن من المنشور من التراث العربي – أن الشعر يكون بغير الوزن. أما على مستوى الانتاج الابداعي فإن تحديدنا الآن للشعرية بغير الوزن يلعب دوره في إعادة تصور المامي وتحديده, أي أنه يدفعنا الى اعتبار نتاجات أدبية ماضية شعرا مع أن الذين انتجوها وعاصروها لم يعتبروها كذلك. هكذا نكون أمام نهجين متعارضين من التفكير: الأول يسعى الى اكساب الشرعية لظاهرة ما بزعم أنها متأصلة في التراث, كأن كل ما لا يوجد في التراث لا شرعية له, أي أنه يمسه حداثية الحداثي ويلغي جدته وطارئيته, والثاني ينتج الحاضر بخصائصه الجديدة المائزة ويتركه يعيد صياغة الماضي وتحديده وتصنيفه أي أنه في الجوهر من عملية الابداع الحقيقي. فكل ابداع جديد حقا يعيد صياغة الماضي.

ملحق 1

لقد بدا لي منذ زمن طويل أن إحدى أكثر الوسائل دقة وأعظمها وعدا بتحقيق عائد وفير هي استخدام المفاهيم المثيرة التي طورها النحاة العرب, وبشكل خاص عبدا لقاهر الجر جاني، في تحليل أساليب الفصل والوصل, لدراسة ايقاعات النثر، وخاصة كما تتبدى في وقصيدة النثر المعاصرة, ففي غياب مقومات للايقاع ذات تكوين منتظم ونابهة من التركيب الوزني للغة, لا يبدو أن ثمة وسيلة أفضل لتحليل الايقاع النثري الذي غدا واضحا تماما أنه لا ينبع من عناصر توليد الايقاع في البنية الايقاعية للشعر العربي.

وكلما تعمقنا في دراسة قصيدة النثر أدركنا الحاجة للافادة من الدراسات التي تناولت أسلوب القرآن الكريم وطرق تلا وته, وأقامت تمييزات مرهفة بين الآيات المكية والآيات المدنية. إن ايقاع النثر المتصل أقل الايقاعات استثمارا للطا قات الايقاعية للغة, وكلما استخدمنا أساليب التقطيع والتفقير وتغير اللهجة والالتفات والوقف والابتدأء والاستئناف والفصل ازدادت المكونات الايقاعية بروزا، واقترب ايقاع النثر من ايقاع الشعر المنتظم (دون أن يبلغ بالضرورة درجة الانتظام), لأن جميع هذه الأساليب تقتضي ورود فواصل من الصمت بين المكونات اللغوية, والعلاقة بين المنطق والصمت. أو الحركة والسكون هي جوهر التشكيل الايقاعي ومولد ته الأساسية.

هو ذا نموذج للنثر المطرد المتعانق الذي يطغى عليه أسلوب الوصل:

"أمس ذهبت الى المدرسة أفكر طوال الطريق بالدروس العديدة التي لم أدرسها حاملا دفاتري وأقلامي الى أن وصلت باب المدرسة فحمل عني أحد رفاقي بعض الكتب مخففا عني الشعور بالتعب والاعياء والحاجة الى الراحة فشكرته شكرا جزيلا صادقا ودخلنا قاعة الدرس معا".

أما النثر المفقر آلتوازن الملون الذي يقوم عر كثرة الفصل فبين نماذجه البارعة كتابة أدونيس كما تنجلى في المقطع التالي:

 "أنادي الفرغ أفرغ الممتليء. حتي الصوان رخو،

حتي الرمل يتأصل في الماء – لماذا الطرق، لماذا

 الوصول؟

ضال ضال ولن أعود. السقوط حالتي وشرطي

 الجنة نقيضي.

إنني عرس وأعلن مجاذبية الموت – أنا الغيم ولا

 يباس عندي. أنا القفر ولا غيم لي.(2)

وفي آلمقطع التالية:

"كان اسمها يسير صامتا في غابات الحروف،

والحروف أقواس وحيوانات كالمخمل

جيش يقاتل بالدموع والأجنحة,

وكان الهواء راكعا والسماء ممدودة كالأيدي,

فجأة

 أورق نبات غريب واقترب الغدير الواقف وراء الغابات

رأيت ثمارا تتخاصر كحلقات السلسلة

 وبدأ الزهر يرقص

ناسيا قدميه وأليافه

متحصنا بالكفن ".

"طامح جسدي كالأفق وأعضائي نخيل تثمرين في

أقطف تحت صدرك،أيبس وأنت ريحاني والماء

كل ثمرة جرح, وطريق إليك

 أعبرك وأنت سكناي أسكنك وأنت أمواجي

 جسدك بحر وكل موجة شراع

 جسدك ربيع وكل ثنية حمامة تهدل باسمي

 تحشرين إليه أعضائي

أتجه في نزع وسكرات

 أستقر فيه مملوءا بشرقه وغربه

أفرشه غبارا وقبرا

 مملكة أنهبها وأحميها

أرتعب أتجاسر

أستنجد يالغابات والبرارى

 بالطينة الأولى

 بشهامة الفهد وعزلة النسر

اتمزق أنفطر نازلا الى أغواره

 مليئا بخلائق تشتعل تنطفىء تشهق وتزفر

 تعلو هائمة الوجه

وتسقط جاثية حولة"(3)

لكن لدى أدونيس في هذه القصيدة وفي قصائد أخرى، بعض ما يندرج في إظار النثر المتعانق وتطفى عليه أساليب الوصل, إلا أن ذلك قليل في كتابته قلة مائزة.

جلي تماما, فيما آمل, أن ايقاع هذا النص أكثر تعقيدا وتشابكا وتنوعا من ايقاع نص من المتدارك المنتظم, مثلا الذي يستخدمه أدونيس بغزارة في مهيار وكتاب التحولات (الذي يضم "تحولات العاشق "). ومنشأ التعقيد أن النص لا يشكل بنية منتظمة ذات بحر منتظم في تأليفه من وحدات إيقاعية متكررة. فنص "تحولات العاشق " نثري. أي أنه لا ينتظم في تكرارات وتوازنات منتظمة. والوحدة الايقاعية المكونة للنص هي الجملة اللغوية من حيث هي تركيب دلالي لا وزني أو نظمي. ما أعنيه بهذا هو أن النص يتوزع الى أسطر لا تبعا لضوابط وزنية محددة بل تبعا لتموجات وتكوينات دلالية, أبرز مثل على ذلك أن «فجأة" تحتل سطرا بنفسها ولا تتراصف مع الكلمات السابقة لها أو التالية لها. وموقعها ليس محددا بوزنها العروضي أو وزنها الصرفي, بل بدورها الدلالي ضمن حركة المعنى، وهذا مصطلح جديد ابتكره لفرض هام هو تسهيل دراسة الايقاع ووصفه, وما أعنيه بحركة المعنى هو الطريقة التي تتعالق بها المعاني والوحدات الدلالية في نص من النصوص وأنهاج انفصالها واتصالها بما يسبقها ويتلوها.

حركة المعنى, إذن هي الفاعلية الأولى في تشكيل ايقاع النص, وهي العامل الذي يحدد توزيع الكلمات في وحدات ايقاعية كبيرة وهي أسطر إيقاعية والعامل الذي يحدد مكان وقوع الفاصل النغمي، وهو مصطلح ضروري جدا لأغراض هذه الدراسة أقترحه بالقياس مع الحاجز الموسيقي والفاصل ليس عبثا بل إن مكان وقوعه ذو دور أساسي في تحديد الايقاع لأنه يلعب دور الصمت في الموسيقى، من جهة ويحدد موقع بداية الحركة الايقاعية الجزئية وقرارها. ومن جهة أخرى. ومن هذه التصورات واستنادا اليها نستطيع أن نقول إن السطر الأول في نص أدونيس يشكل وحدة ايقاعية مستقلة نسبيا تصل الى قرار مع نهاية السطر وورود الفاصل ثم تتلوها حركة ايقاعية ثانية في السطر الثاني، والعلاقة بينهما هي علاقة وصل – بلغة الجر جاني – لكن السطر الثالث يمثل حركة ايقاعية ثالثة علاقتها بسابقتها علاقة فصل. ويصدق هذا على السطر الرابع. ويصل الفصل ذروته في السطر الخامس مع ورود "فجأة ".

ومن الجلي هنا أن توزيع الوحدات الدلالية النابع من حركة المعنى يؤدي الى تفاوت في زمن الأسطر (وطولها) وأنه ليس هناك عامل خارجي مسبق يحكم هذا التوزيع وذلك التفاوت.

يمكن الأن وصف الفواعل الايقاعية بطريقتين: وصف التفعيلات التي يشكلها كل سطر، ووصف النبر الذي يقع على الكلمات والانساق النبرية التي تتشكل نتيجة لذلك.

وزنيا, يشكل المقطع الأول التفعيلات التالية (المألوفة في نظام الخليل العروضي -ويمكن تشكيل تفعيلاته بطرق أخرى). "مستفعلن متفعلن مفاعيلن مستفعلان فاعلن مفاعيلن فعلتن فعلن مفعولن مستفعلن متفاعلن فعولن فعل

فعولن فعول فاعلن فاعلن فعولن فعولن فعلن فاعلن "

وليس في هذا التركيب, أو غيره من الممكنات, انتظام يكفي لنسبته الى بحر حتى لو لم يكن من بحور الخليل.

أما الانساق النبرية فهي التالية (ترمز 8 الى النبر الثقيل على الموضع المحدد من الكلمة, وترمز 8 الى النبر الخفيف)، وترمز _ للمتحرك, و5 للساكن و55 لساكنين متواليين)

 

 

 

(نستطيع أن نقرأ أواخر الكلمات ساكنة في كل سطر، فتتغير المكونات الايقاعية في بعض الكلمات الأخيرة مثل "السلسلة " و" الكفن » (ويشار الى ذلك بالبديل الممكن بعد العارضتين / /)، كما نستطيع أن نسكن أواخر بعض الكلمات داخل السطر, محققين الشرط الذي وصفته في الفقرات الأولى المقتبسة من كتابي في البنية الايقاعية وذلك من ميزات قصيدة النثر).

كما أن من الجلي أن الشاعر يوزع النص تبعا لمنطلقات محددة رغم أنه لا يفصح عنها، فحين يطول السطر الشعري يستخدم طريقتين مختلفتين في طباعته وطباعة ما يتلوه, احداهما تقوم على بدء سطر جديد، والأخرى تقوم على وضع الكلمات الزائدة لا في بداية سطر جديد بل تحت آخر كلمة ترد في السطر الأول, ومثال ذلك "مرض ومات »." يجيرك أسرع "، مما يشعر بأن الشعر يعتبر الكلمات الزائدة على طول السطر المطبوع استمرارا ايقاعيا ودلاليا للكلمات السابقة, في حين أنه في مواقع كثيرة يبدأ السطر من جديد مشعرا بأنه يريد تشكيل وحدة ايقاعية ودلالية واضافة الى هاتين الطريقتين ثمة طريقة ثالثة يستمر فيها السطر الشعري في بداية سطر جديد تركيبيا وايقاعيا ليشكلا معا (أو مع غيرهما أحيانا) وحدة كلية واحدة. ومثال ذلك ما يحدث في "فهرولت صائحا" وفي "وكررت صائحا", فهذه الأسطر في الواقع الفعلي سطر طويل واحد ايقاعيا ودلاليا لا تتسع له الصفحة عرضيا فيوزع على أكثر من سطر عليها.

 سأحاول الأن تركيز التحليل على عاملين: أولا التركيب النووي للأسطر الأربعة الأولى: ثانيا مواقع النبر القوي في هذه الأسطر:

 

 

 

وينجلي من هذا التحليل أن المقطع يتشكل من أربعة أسطر لها صيغة الرباعي المتناظر داخليا أو المتمرئي، كما يمكن أن نسميه, أي أن السطرين الأول والرابع منه متناظران نبريا والسطرين الثاني والثالث منه متناظران نبريا. ثم إن هناك توازنا بليغا يتمثل في أن عدد النبرات في السطرين الأول والرابع هو ست نبرات وفي السطرين الثاني والثالث أربع نبرات. ومن الجدير بالملاحظة أن هذا النمط من التشكيل شديد الانتشار في شعر أدونيس الموزون خليليا، كما ينجلي في المقطع التالي على صعيد تنظيم القوافي:

"ذاهب أتفيأ بين البراعم والعشب أبني جريرة

أصل الغصن بالشطوط

واذا ضاعت الموافيء واسودت الخطوط

ألبس الدهشة الأسيرة "(4)

والتالي على صعيد التركيب الوزني وتنظيم القوافي:

"صرت أنا والماء عاشقين

أولد باسم الماء

يولد في الماء

صرت أنا والماء توأمين "(5)

وأدونيس مولع بهندسة التناظر والترجيع, ايقاعيا وتقفويا خاصة, التي تتخذ في شعره أشكالا باهرة التنوع تكاد تستنفد أنساق الترجيع والتناظر الممكنة نظريا ضمن البنى التي يبتكرها وبشكل خاص على المستوى التقفري, وبين أشكالها البارزة الأنساق التالية:

aabcac

abbacdcd

abbacc

abbaccb

abacdbdccd

 

 

وليس في أي من هذه التكوينات مبدأ ناظم يؤدي الى تشكيلات ايقاعية منتظمة بالطريقة التي نألقها في الشعر الموزون, غير أن ثمة درجة من التنظيم الداخلي الخاص بهذا النص نفسه لافتة للنظر بحق.

أما اذا لجأنا الى عدد المقاطع, كما يفعل الشعر الفرنسي, فإن النتائج تكون كما يلي (حيث ط = مقطع طويل, ق = مقطع قصير، طه = مقطع زائد الطول -55):

 

 

وهي نتيجة على قدر كبير من الأهمية إذ أنها تكشف غلبة المقاطع الطويلة, من جهة, والتناسب العددي بين الأسطر الأربعة من حيث ورود المقاطع الطويلة والقصيرة فيها، من جهة أخرى وتفصيل ذلك أن:

السطر الأول:11ط /5ق=6

السطر الثاني:11ط/5ق=6

السطر الثالث:8ط/6ق=14

السطر الرابع:13ط/7ق=20

أي أن الفرق بين نوعي المقاطع في الأسطر (1,2,4) هو (6) وفي السطر الثالث (2). وتلك درجة من الانتظام لافتة بحق (على مستوى معين يتعلق بحركية التركيب الصوتي وتموجه وتدفقه وتقطعه, كما تتجسد هذه الخصائص في العلاقة بين المقاطع الطويلة والقصيرة على مستوى ترحب الزمن الموسيقي خاصة ومن حيث وقوع النبر عليها الى حد ما كنتيجة لعلاقاتها التراصفية).

وفي اعتقادي أن هذه النتيجة مدهشة وتصلح حافزا لدراسة ايقاع قصيدة النثر من منظور جديد تماما. وآمل أن يتاح لي القيام بجزء من هذه المهمة في المستقبل لكنني في الوقت نفسه أدعو الباحثين الآخرين الى تولي أعبائها فهي أعظم بكثير من طاقة باحث واحد.

ملحق 2

تمثل قصيدة النثر كما كتبها أنسي الحاج إحدى الصور الأكثر صفاء لهذا النمط الفني في تبلوره الأساسي _الذي تم في مناخ فكري كان أحد مكوناته معرفة نظرية بعمل سوزان بر نار والذي طغى حتى زمن ما من السبعينات, والسمة الأولى لنثر أنسي الحاج هي الايقاع النابع من التفقير، والفصل بين الجمل القصيرة, والتوازي في بناء الجمل الشعرية وزنيا مع التغاير غالبا في بنيتها النظمية التركيبية: أي أن نص الحاج يتشكل

جوهريا من آليتين متعارضتين: تناغم وزني وتعارض تركيبي. أما السمة الثانية فهي قيام العديد من النصوص على العبارة القصيرة التي تشكل سطرا شعريا مستقلا إيقاعيا, وعلى تقارب عدد النبرات والمقاطع في الأسطر التي يتألف منها النص.

ويصدق ذلك حتى في حالات كثيرة من عدم الاستقلال دلاليا.

هوذا نموذج جديد:

"البيت وآلدخان يتعانقان والظل غائب, أبسط

 قامتي على الشمس فأصبح من أشعتها. لا حاجة

 للزرع وألنجدة، لا حاجة لعرق الهارب, لا حاجة

للقرع للقرع للقرع, البيت العميق خال ومتلأليء.

 وأبديا يزلج على اللحم !

 ندفن أللحم ولا نثأر له.

الموج ضعيف والريح.

الموج لا يغرق البحر والريح فجوة.

 ندفن اللحم ولا نبكيه. ندفن اللحم ولا نعرفه.

 ندفن اللحم ولا نقلع البيت العميق, الروح

العميق, الله العميق.

 ندفن اللحم ونأكله

 نأكله ونبصقه.

نبصقه ونزرعه.

 نزرعه لنخنقه

اللحم !

البيت والدخان يتعانقان البيت والله البيت

والروح البيت والكلمة البيت والنقص

 والشمس.

اللحم الملء خطف الظل واختنق. "(7)

أما السمة الثالثة التي تبدأ بالبزوغ هنا، ثم يكون لها أن تلعب دورا كبيرا في شعر السنوات اللاحقة, فهي اعتماد الايقاع على الحوار الخفي بين النطق والصمت, أو ما أسميته سابقا الحركة والسكون, وادخال الفراغ مكونا أساسيا من مكونات الايقاع ويتمثل ذلك في البياض وتوزيعه بين الأسطر والمقاطع. والصمت, كما هو معروف في جوهر تكوين الايقاع موسيقيا، ولا ايقاع دون صمت.

في هذا النص, يحدث الفصل بين الجمل الثلاث الأولى, وهو فصل تام, دلال وتركيبي. ويحدث التوازن بين الجمل الثلاث التالية, وهو تركيبي ووزني. ويحدث التوازن والتعارض التركيبي في الجملتين الأخيرتين من المقطع الأول. ثم تتكرر هذه المقومات في الجمل التالية, بصور مختلفة. وتسود النص بأكمله ايقاعات العبارة القصيرة, والتعارض بين بنية الجملة الاسمية والجملة الفعلية.

بيد أن ايقاع هذا النص يتسم بسمة أخرى تثير إشكالية عميقة وتفتح مجالات خصبة لطرح أسئلة جديدة حول الايقاع تلك السمة هي أن بعض أسطره وعباراته تشكل فعلا تفعيلات مألوفة وتنتمي الى بعض بحور الخليل الشائعة في الشعر قديمه وحديثه. لنتأمل الأسطر (التي يمكن أن نسميها الآن أبياتا).

ندفن اللحم ولا نثأر له

الموج ضعيف, والريح

ندفن اللحم ولا نبكيه

ندفن اللحم ولا نعرفه

ندفن اللحم ولا نقلع البيت العميق

ندفن اللحم ونأكله

نأكله ونبصقه

نبصقه ونزرعه

نزرعه لنخنقه.

تنتمي هذه الأبيات باستثناء الثاني منها، بجلاء الى البحر المشهور "الرجز" (مع نقص متحرك واحد قبل "ندفن ") وبعضها ينتمي الى الوجز دون خروج على الاطلاق على صيغته الخليلية (7، 8، 9، مستفعلن متفعلن, مفتعلن متفعلن, مفتعلن متفعلن). وأما الثاني فهو من الخبب: فعلن فعلن فعلن فعلن, كذلك ينتمي البيتان الأول والرابع الى بحر الرمل دون خلل أو علل فيه.

كما أن كثيرا من العبارات الجزئية موزونة بالمعنى الخليلي.

وما تثيره هذه الظاهرة من أسئلة يتعلق بجوهر الايقاع وطريقة تكوينه ومسألة الوعي أو عدم الوعي به, كما تثير من جديد مسألة الكم والنبر في الشعر العربي. لا شك لدي في أن إلقاء هذا النص كقصيدة نثر ينتج لدينا قراءة مختلفة ايقاعيا عن تراءته بوعي لكون الأبيات التي ناقشتها منه موزونة خليليا. فمن أين ينتج الفرق ؟ وكيف: واجابتي, كما كنت قد قدمتها في حالات تتعلق بالشعر القديم الموزون خليليا, هي أن الفرق ينبع من الدور الذي يلعبه النبر الذي نضعه على الكلمات, وعلى أوزان التفعيلات المجردة, في قراءة دون أخرى.

لكن نص الحاج أيضا يكتف الى أي مدى كانت قصيدة النثر لدى منتجيها المبكرين (حتى أمين الريحاني وجبران وفؤاد سليمان وادوار الخراط) مموسقة, موهبة ترحبا يبرز فيه الايقاع ويلعب دورا أساسيا، وقد يكون لذلك علاقة بمقولات نظرية انطلق منها الشعراء، لكنه قد يكون تعبيرا عن الالتصاق الرحمي لتكوينات ايقاعية كثرة بلا وعي المبدع العربي بسبب ألفته الطويلة للشعر العربي الموروث وقد يساعد ذلك على تفسير ضمور التكوين الايقاعي ودوره لدى الكثيرين من شعراء الموجة الواهنة لقصيدة النثر الذين لم ينشأوا في سياق الشعر العربي الموروث ولم يألفوه بسبب ضعف تكوينهم المعرفي ورداءة الأنظمة التعليمية العربية في العقود الأخيرة, خصوصا في الدراسات الأدبية.

غير أن أنسي الحاج يكتب في هذه المرحلة نفسها نمطا مضادا من النصوص, هو النص السردي الذي لا يختلف كثيرا عن النثر القصصي المكثف الذي يكتبه, مثلا، زكريا تامر،. والمثل الأكمل على ذلك هو "فقاعة الأصل أو القصيدة المارقة "(8) وانني لاستغرب تماما _من منظور تقليدي يتوقع الانسجام في عمل الكاتب _أن أنسي الحاج كتب لحلا هذين النصين في الزمن الذي كتب فيه مقدمته المشهورة لمجموعته لن: ذلك أن لحل ما في هذا النص نقض لسابقه ونقض للمفاهيم النظرية التي طرحها الحاج في مقدمته. أما من منظوري الطاريء الذي يقر أن التناقض هو المبدأ الناظم للو جود الانساني وللابداع فلا غرابة في تناقضات الحاج إطلاقا، غير أن الشيق بحق هو أن أسلوب "القصيدة المارقة "هو الذي كان له أن يطفى على قصيدة النثر في شعر جيل لاحق هو الأكثر تأثرا بالحاج, وكان له أن يسهم في انتاج قصيدة نثر عربية تخرج كلية على الصورة المتأثرة بتنظيرات بر نار. وأبرز سمات «القصيدة المارقة " هي أنها تقوم على الوصل بصورة شبه كلية فيكون لها إيقاع النثر المتعانق السردي ولا شي ء آخر.

فاطمة قنديل:

 "أستطيع

أن أكتب لي اسما آخر

 على زجاجة يتغبش

الآن بأنفاسي… " (9)

"من أين تأتي هذه الأشجار؟!

 كبركان تطبق على النافذة

ويكون علي

 أن أزيح ستائرها المغبرة

كل صباح.

 أراها

 تلقي أغصأنها الثقيلات على

 رئة الفراغ

 تبعثرها اوراقا صفراء

 كيف يتسنى لها

 أن توقع الريح في شباكها

وأن تنكأ العصافير

 كيف يتسنى لي

 أن أغلق النافذة على الضوء ألمختطف

قبل أن ينزألق على عرقها

أو أن يدخلني الهواء

دون أن تحزه سكاكينها

 في كل يوم

تخرج أحشاءها الملونة

قربانا للخريف

وتظل عارية في الشتاء

تحدق في ظلها… " (10)

 جلي تماما أن هذا النص نثر متصل مطرد وأنه لا يختلف إيقاعيا عن أي مقطع نثري عادي في مقالة متفننة – مع أنه يختلف على مستويات أخرى، فهو يعبق بلغة شعرية جميلة تنبع من فيض المخيلة المنتهكة والصور المتألقة والحساسية المرهفة بإزاء العالم, الخارجي والداخلي معا، لكن مما يدعم التحليل الذي قدمته أعلاه أن النص موزع بصرامة على أسطر تخلق صموتات وانقطاعات وبدايات ايقاعية ولهجوية, كما تخلق توازنات وتوازيات وتعادلات سطرية تنبع من النبر بالدرجة الأولى – رغم الاتصال والاطراد التركيبي والدلالي. لكن ما هو أكثر إشاقة أن التوزيع على أسطر يتم بناء على أسس تركيبية دلاليا، خالقا ما أسميته "ايقاع المعنى" في مقابل ايقاع الصورة الوزنية، فكل جملة أو عبارة متكاملة المعنى تحتل سطرا مستقلا وتخلق انقطاعا ظاهريا, كما أن إلتوزيع يستند أيضا الى لهجة معينة يريد النص أن يخلقها. ومن الدال جدا في ذلك أن النص محرك تحريكا كاملا حتى على أواخر كلمات نهايات الأسطر إلا في مواضع قليلة، مما يكشف درجة عالية من التنظيم الايقاعي و للهجوي.

 أما التعادلات النبرية فإنها واضحة تماما في النص ولا حاجة لتفصيلها.

أ-

نبرتين

3 نبرا ت

3 نبرا ت

نبرتان

ب-

3 نبرا ت

3 نبرات

 نبرتان

3نبرا ت

نبرتان

نبرة

 4 نبرا ت

نبرتان

 4 نبرا ت

 3

3

3

3

4

3

3

4

2

3

2

3

2

أخيرا, من المثير أننا إذا أحصينا عدد النوى المكونة لأسطر النص وأحصينا عدد المقاطع فيها اكتشفنا درجة شبه تامة من التوازن التطابق في إيقاع النص. وقد يشي ذلك بأن ثمة سبلا جديدة لتنظيم النص ايقاعيا تتحقق بصورة عفوية حدسية، كما كان الوزن المنتظم يتحقق للشاعر الجاهلي – فيما يبدو – دون معرقة نظرية بأمور الوزن والايقاع, وكما مايزال يتحقق الوزن لدى الشاعر المعاصر الأمي الذي لا يعرف قواعد اللعبة العروضية، واذا صح ما اقترحه – وما أظنه صحيحا – فإننا نكون أمام كشوف باهرة بحق.

 

 

ومن الشيق بحق أن النص يتشكل بالدرجة الأولى من النواتين (- ه) (– ه) وترد فيه أحيانا النواة (— 5) (التي يمكن أن تقسمها ايقاعيا الى نواتين). ومن الشيق أيضا أن إلتتابع الحركي الذي يزيد على خمسة متحركات دون ساكن, وهو ما لا يسمح بوروده النظام العروضي الخليلي, يرد في النص. لكن ورد هذا التتابع نادر جدا ولا يكاد يتكرر ضمن السطر الواحد، مما يشعر بأن مكونات حدسية أو غريزية ماتزال تتحكم بلغة الصياغة الايقاعية في الشعر، حتى النثري منه ومما يظل يشكل وشيجة قوية مع الايقاع ألعربي الموروث. وهذه نتيجة على قدر بالغ من الأهمية.

أما آخر الملاحظات التي تستحق الابراز فهي أن بنية الجملة وتركيب النص يختلفان عما هما عليه في شعر أنسي الحاج, مثلا وينتميان بعرأقة الى بنية التعبير المألوف في العربية, وأن النص على قدر كبير من البساطة والوضوح بالقياس الى شعر الحداثة عامة، وتبرز هذه السمات في كثير من نصوص قصيدة النثر التي يكتبها شعراء الموجة الراهنة، مما يزيد في تسويغ الرأي الذي طرحته في بحث آخر عن تخلي قصيدة النثر الآن عن تصورات مثل تفجير اللغة، والغموض, والكثافة والتوتر والاستعارة الصادمة وتعقيد التجربة, وتشابك الرؤيا, وعن عودتها للانسياق في مسار مألوف تماما في التعبير الشعري العربي.

 (3)

تفصح النماذج التي قمت بتحليلها هنا، ونماذج عديدة أخرى، عن أن ثمة نمطين ايقاعيين طاغيين في نصوص قصيدة النثر: الأول إيقاع المتعانق والمطرد والمتصل, والثاني إيقاع المتفاصم والمنقطع والمفقر. وضمن هذا الاطار الواسع يبرز نوعان من التكوينات الايقاعية. الأول تطغى عليه ايقاعات نابعة جوهريا من بنى لغوية طارئة والثاني تطغى عليه أيقاعات نابعة من بنى لغوية تليدة، تعود الى البروز مشكلة استمرارا تاريخيا للبنى اللغوية السائدة في الكتابة العربية. وبوسعي القول, دون أن يتضمن ذلك أي مفاضلة، أو ميل الى تأكيد المكونات المذهبية في عمل مبدع ما، أن البنية الأولى تتسم بلهجة انجيلية وتوراتية، أما الثانية فهي نتاج التطور المستمر في أساليب التعبير العربية بعد زمن التصنيع المغرق. ولعل أبرز تجليات الأولى تتمثل في شعر أدونيس المبكر وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وتوفيق صايغ وجبرا ابراهيم جبرا وادوار الخراط وقاسم حداد ومحمد عمران, أما أبرز تجليات الثانية فإنها ترد في شعر أدونيس المتأخر ومحمد الماغوط وسنية صالح ونزيه أبوعفش وسيف الرحبي وعبده وازن وفاطمة قنديل ومعظم كتابا قصيدة النثر الصاعدين الآن لكأنما تشكل مسارا تاريخيا انبثق فيه عند نقطة معينة التركيب التوراتي الانجيلي, ممسوسا أحيانا بصيغ تركيبية فرنسية وانجليزية, ثم إنحسر أثره لتتجه قصيدة النثر نحو أساليب الصياغة العربية السائدة وتحدث بذلك – مع فاعليات أخرى – نقلة تؤدي الى تكريس قصيدة النثر تماما أو كتابة قصيدة نثر عربية تنفصل عن المدار التأسيسي وتخلق مدارا أشد التصاقا بالشعريات العربية الراسخة على هذا الصعيد المحدد – أي بنية التركيب اللغوي وللايقاع الذي يتولد منها.

وسأمثل على النوع الأول بنموذجين من شعر أنسي الحاج وأدونيس, وعلى الثاني بنموذج من شعر محمد الماغوط, مؤكدا أن غرضي التمثيل فقط لا تقديم دراسة مستوفية لما أسميته البنى الطارئة والبنى التليدة.

انسي الحاج:

 "يا مملوءة مطرا وشمسا، تعالي نتفق, اعقدي خنصرك في خنصري كعداوة، لا تريني ! اغرزي ابتعادك في كبدي, فوق الخطر، انني آكل لحمه وملكي وعبدي رؤيا لهابة؟ فلتحشش الرؤى! يقظان كسمكة، أعلق فخذي على لافتة, أنطفيء وأضىء: "لا تخلعيني "، كنت انظر بابا وماء، كنت انظر فأراني, صرت أراك. "(11)

 أدونيس:

"أخلق اللريح صدرا وخاصرة وأسند قامتي عليها. أخلق وجها للرفض وأقارن بينه وبين وجهي. أتخذ من الغيوم دفاتري وحبري, وأغسل الضوء.

 للشقائق زينة أتزيا بها, للصنوبرة خصر يضحك لي, ولا أجد من أحبه – هل كثير إذن أيها الموت, أن أحب نفسى؟

أبتكر ماء لآ يرويني. كالهواء أنا وللأ شرائع لي – أخلق مناخا يتقاطع فيه الجحيم والجنة. أخترع شياطين أخرى وادخل معها في سباق وفي رهان. أكنس العيون في غباري أتسلل في ألياف الماضي فاتحا ذاكرة الأولين. أنسج ألوانها وألون الإبر. أتعب وأرتاح في الزرقة – يشمس تعبي ويقمر في لحظة واحد ة.

أطلق سراح الأرض وأسجن السماء ثم أسقط كي أظل أمينا للضوء, كي أجعل العالم غامضا ساحرا, متغيرا, خطرا كي أعلن التخطي.

دم الآلهة طري على ثيابي. صرخة نورس تصعد بين أوراقي – فلأحمل كلماتي؟لأمض.. ". ( 12)

 لن أقدم هنا تحليلا مفصلا لهذه اللغة الموقعة الترية، لكنني ألفت النظر الى الولع بالتفقير، واستخداهم الفاصلة والفاصلة المنقوطة والنقطة والنقاط المتتالية. ثم ندرة أدوات العطف بين فقرات المقطع الواحد وأنعدامها تماما بين المقاطع, ثم التركيب النظمي الطاريء لجمل مثل "كالهواء أنا ولا شرائع لي "، " للصنوبرة خصر يضحك لي, ولا أجد من أحبه "، ثم الاختزال الصارم الذي يعادل عملية نحت بإزميل حاد، والبعد عن الربط والتفصيل والاسهاب. وسألفت النظر بشكل خاص أخيرا الى تشكل الانساق التركيبية (الثلاثية خاصة) وانتظام حدوثها وأجلاها الفعل المضارع وفاعله ضمير المتكلم + المفعول به + متتمات شبه جملية, ثم انكسار النسق في مفاصل تركيبية بارزة بطريقة تؤدي الى منع الرتابة وقلب التشكيل الالقاعي في آن واحد. وكل ذلك من السمات الأساسية للغة شعرية ذات ايقاع بارز.

 محمد الماغوط:

" أظنها من الوطن

 هذه السحابة المقبلة كعينين مسيحيتين

أظنها من دمشق

هذه الطفلة المقرونة الحواجب

هذه العيون الأكثر صفاء

 من نيران زرقاء بين السفن

أيها الحزن.. يا سيفي الطويل المجعد

الرصيف الحامل طفله الأشقر

يسأك عن وردة أو أسير

 عن سفينة وغيمة من الوطن..

 والكلمات الحرة تكتسحني كالطاعون. " ( 13)

الايقاع الابتهالي:

 ثمة نمعل ايقاعي آخر يختلف عن الأنماط التي أدرجتها حتى الآن اختلافا بينا، ان كان له رنين خفي يذكر بنثر أدونيس المبكر, هو النمط الذي أسميه " الايقاع الابتهالي أو التسبيحي ". هنا يتواشج النص ويتلاحم في تكوينات لغوية تمزج بين الوصل أو الفصل والتفقير والتوازن, من جهة والتدفق الايقاعي, من جهة أخرى، مرجعة صدى أساليب الانشاء الترنيمية, ومستغلة الطاقات الصوتية للغة الى درجة أشد بروزا مما هي عليه في النماذج التي أقتبستها سابقا، وبشكل خاص حرف المد، وا لنداء, والندبة والاستغاثة، والمناجاة المباشرة, بأنماطها المختلفة. ويستحق هذا النمط دراسة مسهبة لذاته, لكن المجال الراهن ليس أفضل الأمكنة لتأدية هذا الغرض.. لذلك أكتفي بالتمثيل على هذا النمط بنصين, أحدهما لكمال أبوديب والآخر لقاسم حداد وأمين صالح.

 كمال أبوديب

من "بحثا عن وجه أمية في التكوين الثاني "

1

 أبدأ إلآن فصل عينيك والدمع.

 فاستسلمي لريشة الكلمات النافرة كا لأيائل المضرجة

 في صحاري تجري من تحتها ألأنهار دما، واهدئي على

أناقي الرعوشة/ بين الأنملة والرعشة أنت, بين

الدمعة والجفن, بين الهواء والنفس الموجع, فاستسلمي /

سأنسج من شعرك إلمرقرق ضوءا يتلاشى في مساء شتائي سماء تظلني نداوة أبعادها وآتي إليك حين تجيء الطيور من حافة الأفق أجنحة تقطر دمعا ودما/ سآتي إليك حين ينهمر الثلج وتلتم الأشياء تهجع في فيئك الوريف / سآتي. آه, لكن لا تشيحي, إن في وجهك الصغير قناديلي وضوئي فاهدئي.

 إننى

 أبدأ الآن فصل عينيك والموت…

(كان لصوتك صفاء أجرأس تأتي من الشمال في نسيم ربيعي / رسيس أجنحة بيضاء تنأى في سماء فسيحة تنتشر فوق البحيرة الهاجعة بين المرج والمرج بين الغابة والدمع, كانت عيناك تأتلقان في ضوء يترقرق من حوافي الغيوم ترأد في دعة فوق الباحة والأراجيح ترج الضوء المسائي /

ها أنت تجرين من أرجوحة الى أرجوجة من الأخضر الأحمر الأخضر الأصفر/ وها أنت جميلة مثل رشأ يتقافز في الكثبان يكتشف لون الهواء والفضاء والعشب /

ها أنت.

 آه

 يتها الخفية كالعبور بين ألق الرعد وألق البراعم / يتها المضيئة كالقناديل تساقط فوق جدول يرهج كالريش في جناح آت من البحر. من؟

 قلت من؟

11

يتها ألظافرة كأيائل الجبال يتها العصية كالدمع يتها الثرية كالينابيع في الأحراش الوريفة الظل بين السفح والحقول. قمحا كنت فى جفاف عيني أن أضرمت النار/ وأبروخا وأسا أن أضرم التل ورمد الزعتر الغض أجسادا تلوت قبل أن تخرسن الصرخة الأخيرة سوقا وأذرعا تكلس فوق الأرض كالأر ض /

 قمحا / وكنت وهج رعب من زمن يأتي كأنه كان ثم أقفل الزمن الآتي وزج في نفق يرشح موتا وقهقهات وينبع موتا وقهقهات وكنت…

يتها الجرح في الدم / الفورة الحبيسة في حلم تأطر كالقوس وجاءت لحظة النزع فارتمى نتفا بين وجهي وبين الأفق.

 (كانت أجنحة بلون الغمام تساقط فوقي / وكنت قمحا وهشيما نثار حلم تضرج في فورة الدم المؤجج بين البحر والتل بين النبع والزعتر المرمد/ كنمت…

 آه

كنت

111

 ها أنت تطلعين من جسدي الصب تدخلين في جسدي الصب / ها أنت تنئين تدخلين تلا تقصفه النار عويل رؤوس مقطوعة وأجساد سليخة وها أنت مسكونة بشبح الوحش في اليد التي تجزر الرأس ها أنت / تغورين. أين تنئين

 أين؟

ما أنت والتل والرأس واليد والأجساد ما أنت؟ (صبية تنشر شعرها الأشقر الطويل لريح تعدو في بورت مدو تطارد المهار الشقر والفراشات) ما أنت؟

تمضين تغلق أبوابها النار عليك مديرة ظهرك الصبي /

لا يدي تشد

 لا رعبي ولا صراخي /

 أنت تمضين

 لن يعود بك الفجر لن تعود بك الأرض فالنار التي اجتاحت التل والأجساد تجتاحك الآن فتهوين يستبيك الكابوس والرعب وموت الأطفال في التل والجنوب.

 لكن

سلاما لوجهك الغض تجتاحه النار

 اذ تهوين

 لكن

 سلاما

 وسلا ما. " ( 14)

قاسم حداد وأمين صالح

من الجواشن

 "من أعطاك طبيعة النصل وجرأة انتخاب الأسماء؟

وحدك

وحيدة في إلنوم

 ووحدي

لكن,

 قلت لك: افتحي النافذة كي أعرف أن لك دارا تشرف على المساءات كلها، فبدون هذه العلامة الرشيقة لن يتسنى للهزيع الأخير أن يتثاءب ويدفق الأحلام في روحي.

 قلت لك,

 لكنك أوصدت النافذة ومحوت الدار، فهربت المساءات وظل الليل يلملم أطرافه في عربة لا تقود إلا الى الفناء.

 يا لك من وحيدة…

 وحيدة مثل نجمة في سديم

 آن أن تخلعي هذا المطر الوارف وتسعفي التوابيت المحدقة بك أشبه بجوقة جاءت لتبطش بالحلم. النوم ملجأك الأخير. تنزلقين من مأتم الى وليمة عامرة بالقتلى، فيأخذك اليأس الى ملجأ أشد فتكا.

وأنت وحدك.

آن أن تكتملي مثل فراشة المحنة

وتكترثي بطريد الكوابيس المبجلة،

 يا الغائبة مثل قناع ينبش في الوجه

يا الغارقة في عسل الغدر،

ارفعي خمارك المطرز باليقين

وانظري…

أطل عليك أيتها الفاضحة، مذعورا من هذا الشهيق السحيق كما الهاوية. لم أعرف سريرا بهذا البياض والشسع أتشبث بذيل المعجزة:

 فلربما،

حين يخذلني الحديد،

يسعفني انبياض الرحيم.

 أطل عليك

 مغمورا بالمستحيل كافرا بالنعم:

فلربما،

في سرير رشيق كهذا،

 أخرج من جاذبية الموت وتدلني اليوم ألى الجذوة. آه, انت هناك, في طيات نجمة داجنة تغوين أصابعي لتسوق – في رواق الغيم – بغلات حنونات تحمل شفاعة البحر. تراودينني كي أقفز في البياض اللامتناهى. بلا طمأنينة، أذعن لمهرجان الوسائد. آه, هناك أنت.. عارية منى وأنا هنا.. عاريا منك

لا بياضك الوسيع يهب جحيم المغفرة

 ولا بياضي المتجزيء يدفق الدم في الثلجة المقدسة" (15)

ملحق 3

نماذج من قصيدة النثر وتنوح التشكيلات الايقاعية فيها:

 أما النصوص التي تلي فإن بعضها يولد ايقاعا نابعا من الفصل, والتفقير، والتوازن بين الجمل القصيرة، وبعضها يولد الايقاع الابتهالي التسبيحي, فيما يولد بعضها ايقاع الوصل والترابط والتعانق.

 وما اختياري لهذه النماذج بأمر صدفة واعتباط, بل هو مدروس بعناية، ذلك أنتي أود أن أقترح من خلالها أن التعارض بين نمطي قصيدة النثر يعود أصلا الى نقاطها التأسيسية في المرحلة الحاسمة من نشأتها المعاصرة، فلقد تمثل في هذه النقطة التأسيسية تياران ابداعيان مختلفان تماما على رأسهما محمد الماغوط في طرف, وأدونيس وأنسي الحاج, في طرف آخر. ففيما جسد الماغوط المنطلق العربي النابع من التكوين التاريخي للغة الابداع العربية وللحساسية العربية بصورة طاغية، مثل أنسي الحاج الوجه المتفاعل مع الابداع الفرنسي بقوة. وكان أدونيس توسطا بينهمأ على المدى الطويل, لكنه في المرحلة الأولى كان أقرب الى أنسي الحاج فيما أضحى في مرحلة لاحقة أقرب الى محمد الماغوط. وما أطرحه في هذا البحث يتضمن بوضوح أن قصيدة النثر التي ابتكرهها الماغوط هي التي شكلت المناخ السائد في الثمانينات والتسعينات خاصة لقصيدة نثر عربية لم تعد تطغى عليها حساسية وايقاع موشوجان بالمكون الفرنسي, لكن هذا لا يعني أننا أمام نمط واحد الآن, فالأنماط ما تزال متعددة، وفي نثر بول شاؤول وسليم بركات وعباس بيضون ومحمد آدم وقاسم حداد خاصة سمات مائزة للغة شعرية وايقاع مغايرين للنمط السائد ويبقى نثر أدونيس يشكل مداره الخاص المتميز تماما.

سيف الرحبي

"بين ليلة وضحاها

 اكتشفت أنني مازلت أمشي

ألهث على رجلين غارقتين في النوم

لا بريق مدينة يلوح

 ولا سراب استراحة.

 على رجلين ثاويتين في النوم

أنا الذي ظن بأنه وصل

وعند أول مدخل

 تنفسمت رائحة قهوة ونباح كلاب

فكومت جسدي

 كحشد من المتعبين والجرحى

لكني عرفت أن الضوء الشاحب

يتسلل من رسغي

خيط دم

يصل الشعاب بوديانها الأولى.. " (16)

عباس بيضون

 رقصة لم يشعر بها أحد

" المرأة تحمل الحسون. حين يمر الجندي تغطيه. الطفل يلعب بقطعة نقد. حين يمر قرب الجندي يرميها. الجندي لا ينتبه. حين يبتعدان, تنظر المرأة الى الحسون, ويلتفت الطفل الى القطعة التي خلفها. شياطين كثيرة تحركت في الهاوية. لكن الرقصة لم يشعر بها أحد. مع ذلك بضع دقائق من التأخير عن الموعد الجهنمي ". (17)

 أحبك

"أحبك

اليقظة تنتصر باكرا

 وتجدنا معلقين

 أحبك

أنها أخيرا تحف الوحدة

 أحبك

 أنهم أولادنا من الريح

 لن يجد النهار قمة تستفهمه

 أحبك

الجميع في لوحة الجفاف

 انها أيضا

زفاف الرطوبة

 أحبك

من اللسعة ذاتها يتمسلوان

 أحبك

الكلام الحافي "(18)

" كنت أنتظر الى أن يخرج مني

ذلك السلك. لكننا هذه المرة

سنبصق ألما خالصا وقسوة خالصة. تلك هي الريح

التي تشحذ نفسها على حافة

الجرف. والهواء الذي يحز نفسه

على الشق الطويل. وليس غناء

 ما يوشك أن يصفر في القصب. لكن الريح

التي تنقسم بخبطة بين نصفي الجبل. ليس غناء

ما يشهق في قطعة حبل, لكن

الى أن ألد ذلك المسمار من نهاية

 روحي أترنم "كان لي فم كبير

أحمق. " (19)

 يحيى حسن جابر

"كل مساء

 الحنفية تنقط

كل مساء

 طفل الجيران يصرخ

كل مساء

تمر سيارة الاسعاف

 كل مساء

يفكر بالسفر

 وكل صباح ينهض

ليفتش عن عمل إضافي

ويقول لصورتك على الحائط

صباح الخير".(20)

 سليم بركات

" للندى شفرات,

 للحقول طباع السراقين,

 فلأعد المديح نادبا، فليعد الضلال الأمين مدائح

الغيب في رقة.

 يا الضلال, الذي يتمم للحقيقة ما تتلعثم الحقيقة في إطرائه, يا لك ضلالا يستنفد العريق في وصفك,

يالك, أخني أأتمنك على هداية الاكيد الفاجر. إيه, لأنت الضلال الفران تنضج في قبضتك أرغفة الله وكستناؤه.

 وأنا؟ فلأنحت الشفافة بإزميل الكلي تصاوير دروع, واستغاثات كركض الأوز، فلاكمم الكثيف على عتبة النعمى فلأنجز هكذا، على عاهن الشكل خالصا، للضرورة في أنحائي دبيب اليربوع, وللأمل جلال التيييه. حنيفا يولي التيه على الموأزين ويقلد خلاص الباطل:

أيا الباطل,

 يا ثناء الكلي على مصكوكات النور،

أيها الوفاء الذي ينكل بالعدم كي يعترف,

لأنك تزن بمثالك النجاة ذهبها.

 ولأنك جريح بما خصصت به من يقين.

 تطن من حول جرحك ذبابة الفردإس, ونحل

الجماد الذي يسيل شهده على رخام الفردوس:

 "يا الفردوس الذي يتعثر الوجود بالعظام على عتباته

، هاتك هات

 صمغك القوي نلحبم به شروخ

الموحى. وانتهر المواثيق, أضربها

 بسوط الندم, فأنت شفقة النهاية

على النبوءات ".

 ضلاااال.,

أرفع السماء على فخذيك القويتين,

 رجها باللهاث حتى تتفق مشيمة البرزخ,

 وينحل، المكان شهوة شهوة.

 أهزؤ يدمع إشفاقا على الأسى في يدي,

أم مطلق يسيل من إجاصات الحمى؟ ضلاااال,

 أرفع الريح الى ثدييك,

 واطر الجمال الممتعض من آيته تقرأ بلسان العديد

الواحد يا لك, وعد بي إليك, مجرجرا خلفي حفيدي

 الوقت, أوبخه إن تلكأ، أوبخ النشأة إن تلكأت.

 عد بي أيها الضلال

سأذيق الفراغ جماناته الذائبة،

 والفجر فستق المغيب.

 المتاه

 للمتاه ميثاق النسيان,

للمتاه بذل النهاية نشوى تقسم الإرث على الهلعين.

ياللمتاه الفتكة، خمالة العذب: المتاه الرجاء، منصف الخسارات, الذي يتكسب الغمام به في خيام السهول, العذرة الفحيح, كوفئت, يفرم المساء الغض ككرفس على عتبتك النحاس, ولك أعيان الموج وعقول الريح, أتؤتي يا المتاه الشغف؟ مرحى، مؤنة العبور الأقسى على جسور الفجر، لأنت, المتاه الدسيسة يا دهاء النرجس وفسق الورد. وريثا يبايعك الأمل في كنوزه, ويوليك النور خزاناته المتاه الحتم في المعارج الى القيامة، الصولة الظل, النقاء، نيئا كخصية نيئة في صفن الأزل, القرفة, الزعفرإن, العصفر، قشر الأترج, السماق, النارجيل, إلزعتر. المتاه الوقب في جمجمة الملاك المغدور. المتاه الخلية، الدورة النفاس, الأسى يصعد بجراده من الأحشاء الى الرئات المتاه الحضور الحضور الحضور". ( 21)

(4)

الآن, وقد قدمت هذه التأملات المكثفة للأبعاد التقنية لايقاع قصيدة النثر ولعلاقته بالايقاع السائد تاريخيا في الابداع الشعري العربي, أود أن أصل الى بيت القصيد – كما تقول العرب – وليكن بيت قصيدة النثر مجاملة، وهو أن الصراع الذي يدور في الفضاء الابداعي العربي ليس صراعا بين ايقاعات, بل صراع بين أنماط من البنى الفكرية الذهنية والتصورية، صراع عقائدي, مثل كل صراع تأويلي يحدث في الثقافات, إنه صراع بين الوحدانية والواحدية والتجانس والانسياق الاذعاني المطلق للسائد والجماعي, من جهة, وبين التعددية والحرية والتنوع والتفاوت واللاتجانس والفردانية من جهة أخرى. الطرف الأول يقول: لا يكون شعر إلا بالوزن, ولا يكون شعر إلا اذا كان على صورة التراث المقبول السائد: والطرف الثاني يقول: يكون ما لم يكن, نبدع منطلقات جديدة وأسسا جديدة ونبحر في مجاهل بكر. الطرف الأول يقول: ثمة بين واحد وحقيقة واحدة وأمة واحدة وزعيم واحد وثقافة واحدة وصوت واحد ونموذج واحد وايقاع واحد، والطرف الثاني يقول: ثمة أصوإت ولغات وأمم وزعماء وثقافات وديانات وحقائق وايقاعات متعددة كلها. الطرف الأول يتصور الثقافة والمجتمع كتلة واحدة متراصة يسودها تجانس كلي في كل شيء ويشعر برهبة صارخة أمام احتمال اكتشاف اللاتجانس, والطرف الثاني يرى الثقافات لا متجانسة متعارضة متناقضة متفاوتة متصارعة. والفاجع في ذلك كله أن كل طرف يؤمن بأن منطلقاته تنفي الآخر ومنطلقاته وأنه لا حقيقة إلا ما يراه هو حقيقة. بكلمات بسيطة، المعضلة هي وحدانية الفكر العربي السائد وايمانه بالنموذج الواحد المقصي المستثنى لكل ما عداه. ويتمثل هذا الفكر قي مؤقف الذين ينفون مشروعية قصيدة النثر لأنها لا تقوم على أوزان منتظمة تراثية، والذين يقولون إن قصيدة النثر تنفي ما سبقها من ايقاعات وأشكال- ويجب أن أعترف بأن هؤلاء أقل عددا، مع أشهم أكثر جلبة أحيانا، من سابقيهم.

 لكن ثمة تيارا ثالثا يجهر جهرا بضرورة التعدد والاختلاف والتناقض والتفاوت والفرق وبجماليات التجاور بدلا من جماليات الوحدة الانصهارية. هذا التيار يرى الثقافات لا متجانسة، ويؤمن نتيجة لذلك بأن الشرط الطبيعي هو أن تنبثق في الثقافات نماذج متعددة وأشكال وإيقاعات متباينة، وأن هذه النماذج جميعا توجد وجودا تجاوريا لا انصهاريا فيه، وأنها جميعأ مشروعة، وأنها تجسد حيوية الثقافات وثراءها وخصبها وأن الموقف الفكري الذي ينبغي أن يسود هو موقف القبول والاغناء لهذا التنوع والتعدد والفرق والاختلاف. أي أن ثمة تيارا يؤمن فعلا بديمقراطية الثقافات وبتعددها وبالحرية في الابداع والقول والتفكير وهذا التيار هو الأكثر ضمورا في فضاءاتنا الرإهنة وهو ما ينبغي أن نعمل على تنميته واثرائه.

 والوجه الآخر لما أصفه هو الايمان بأن للثقافة ايقاعا يجسد روح عصر ما أو مرحلة تاريخية ما، ولقد كتبت كتبا في موضوع "الشعر العربي وروح العصر". في هذا السياق يؤمن الطرف الأول الذي أشرت إليه سابقا، أي الذين ينكرون شرعية قصيدة النثر، أن البنية الايقاعية السائدة تاريخيا هي المجسد الفعلي لايقاع الثقافة العربية وحركة المجتمع العربي. وهم في ذلك طرفان في الواقع آولئك الذين ما يزالون يرفضون ما أسميناه الشعر الحر، وأولئك الذين تقبلوا الشعر الحر ومارسوه. غير أن تأمل علاقة الايقاع بالثقافة يكشف أن التعارض كان دائما قائما فيها خلال هذا القرن على الأقل. لقد طغى الشعر الحر بين بدايات الخمسينات والثمانينات، ولقد ساد ايقاع متفجر صاعد هذه المرحلة الى جانب ايقاع تأملي هاديء. ومثل هذين البعدين خليل حاوي وأدونيس. لكن من منظور استرجاعي الآن ينكشف لنا أن الايقاع التقليدي ظل قائما جنبا الى جنب مع الشعر الحر، وأنه لم يندثر كما خيل لكثيرين منا. ثم جاء مفصل الانكسار الكبير فانبثق الايقاع التقليدي هادرا. ومن اللاذع أنه عاد بقوة في انتاج شعراء مثل نازك الملائكة كانوا في طليعة الذين كتبوا الشعر الحر. ولم يتنبه الكثيرون منا لدلالة هذا الانبثاق الى أن بدا واضحا أن التيارات الاسترجاعية- التي نسميها خطأ الأصولية- أخذت تهدر في حياتنا المعاصرة. لقد كان الانبثاق ألايقاعي ارهاصا بليغا- كما يحدث في الابداع الشعري كثيرا وبما يكاد يشبه المعجزة- بعودة البنى الفكرية التقليدية الى البروز والطغيان. والدال أن ذلك كله حدث في الزمن نفسه الذي شهد طغيان قصيدة النثر في فضاءات متميزة. وما يعنيه هذا الأمر- لي شخصيا على الأقل- هو تجاوز المتناقضات، وتعدد خطوط الانشراخ والصراع في المجتمعات والثقافات التي نسميها عربية، وانقسام أجيال شابة على نفسها انقساما باهرا، كأن كل ما يفترض أنه مشترك، أو ما كان مشتركا، لم يعد قليلا قابلا لأن يكون مشتركا، أو كأن كل أحد صار يصر على الاندفاع في مداره الخاص، في حيز مجاور لحيزات سواه لا متداغم متواشج بها.

 هل يمثل هذا الفضاء- بل ينبغي أن أقول الفضاءات- ازدهارا للتعددية والحرية وقبول الآخر والاختلاف الاخصابي؟ أم يمثل وصول التشظي والتفتت وانقطاع الوشائج والأواصر الى ذرإها؟

 هوذا السؤال الأكثر صعوبة في حيواتنا الراهنات، السؤال الذي لا أملك جوابا عليه الآن، وكل جواب عليه هو بدوره جزء من إشكالية التأويل والعقائديات ودورها في التأويل. كل جواب ينبع من منظور عقائدي وتتحكم به انتماءات عقائدية بسوى ذلك لا أود أن أجازف بقول وأنا انتظر غودو الذي قد يأتي وقد لا يأتي لأقدم جوابا، مع أنني أرهص وأحدس بأن الجواب قد يجمع النقيضين ويقر كليهما فيصوغ بذلك منظورا جديدا متناقضا وثريا للتأويل البحتي لظواهر الثقافات ولاشكالياتها المرهقات.

الهوامش

1- في البنية الايقاعية للشعر العربي، دار العلم للملايين، بيروت 1974، ص 517-533.

2- أغاني مهيار الدمشقي، صياغة نهائية، دار الآداب، بيروت 1988، ص 143.

3- " تحولات العاشق " الآثار الكاملة- شعر، الطبعة الثانية، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت 1971، ص 113- 117.

 4- سابق ص 10.

 5- سابق ص 11.

 6- من أجل كيفية تحديد مواقع النبر على الكلمات، والأنماط المختلفة للنبر، تستحسن مراجعة كتابي في البنية الايقاعية، ابتداء من الفصل الثالث.

 7- البيت العميق، لن، ط 2، المؤلسسة الجامعية، بيروت 1984، ص 44 – 45 (ط 1 صدرت عام 1960.

8- سابق ص 59-63.

9- صمت قطنة مبتلة، منشورات شرقيات، القاهرة، 1995، ص 13.

 10- سابق ص 17-18.

11- ورد,ص 100

12- أغاني مهيار، ص 165-166

13- "حزن في ضوء القمر" الأعمال الكاملة، دار العودة بيروت د. تا، ص22-23.

 14- مواقف ع 33، بتروت 1978، وانظر الثمن كاملا من ص 34- 45.

 15- الجواشن، دار توبقال الدار البيضاء، 1986، ص 104- 105.

 16- رجل من الربع الخالي، دار الجديد بيروت 1993، ص 10.

 17- نقد الألم دار الجديد بيروت 1982، ص 19.

 18- سابق ص 49- 50.

 19- خلاء هذا القدح، دار الجديد، بيروت 1990. ص 47.

 0 2- بحيرة المصل، منشورات الريس لندن، 988 1. ص 7.

 21- المجابهات المواثيق الأجران، التصاريف وغيرها، دار النهار، بيروت، 1997، ص 38- 0 4، 48- 49 على التوالي.

 

 
 
كمال أبو ديب(ناقد وأستاذ كرسي الدراسات الشرقية بجامعة لندن)

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …