في بعض ما شتتته سيرتهما الأولى

ظلا كمتلازمتين. ليس بمعنى الليل والنهار مثلا, الظلام والضياء. ليس بمعنى الليل والظلام, أو النهار والضياء كذلك.

الشاعر والقاص اعتمرا نفس الملزمة. مضيا بعيدا. كانا فيما مضى تضمهما نفس القرية. نشآ صغيرين معا في ذات القرية. الفارق بينهما سنتان أو ثلاث على الأرجح. قيل إن القاص أكبرهما بيد أن مجموعة كبيرة من القرويين رجحت أن الشاعر أكبر !

حين بلغا سن المراهقة التقيا في المدرسة الابتدائية الوحيدة في ذات الصف الوحيد ( ملاحظة : حين بدأ التعليم الإلزامي في تلك السنة وافتتحت المدارس الرسمية في أكثر من منطقة كانت سنهما أكبر من طلبة الصف الأول لكنهما لم يتفاجأ بذلك : أي بكونهما في نفس الصف أولا وكون الطلبة زملاؤهما من سن مختلفة في الغالب ).

لم يكونا يدركان, كذلك, أنهما – شاعر وقاص – اقله تلك السنة ورغم ذلك مضيا بعيدا كمتلازمتين:

 كان الشاعر يكتب قصيدة فيأتي الآخر بقصة في الحصة الأسبوعية الوحيدة التالية من التعبير التي يدرسها مصري قاهري يحب أحمد شوقي أكثر من أبي مسلم البهلاني.

 هذا أثار حفيظة الشاعر ذات حصة فلم يعد يرى في حصة تعبير الأستاذ القاهري وفي منتصف العام ولسبب لا يعرف حل محله أستاذ زول لا يحب قصص يحيى حقي مما أثار تاليا حفيظة القاص فلم يتزود من شميم تعبير الأستاذ السوداني حتى نهاية العام الدراسي.

على أن زملاءهما تهامسوا أن لا دخل لاختلاف الأذواق في مقاطعة الحصة الأسبوعية الوحيدة وإنما لأنها لا تقيم وزنا, أصلا, للتعبير ذاته ولم يتقيد الأستاذان واللاحقون من بعدهما بتبيان ما يكتبه الاثنان.

ورغم ذلك مضيا كمتلازمتين:

هذا يكتب قصيدة, فيرد الآخر بقصة. يكتب الآخر قصة فيرد الأول بقصيدة.

 لم تكن كتابتهما تراتبية بمعنى أن يكتب هذا قصيدة في المطر فيأتي الآخر بقصة عن السحاب مثلا.

 ولم تكن كتابتهما تضادية بمعنى أن يكتب هذا قصة عن البؤساء فيأتي الآخر بقصيدة عن الأغنياء لكنهما ظلا يكتبان ما استطاعا إلى ذلك سبيلا !

كما في كتابتهما ظلا كمتلازمتين في سيرتهما. بقيا وفيين لبعضهما. يمضيان بعيدا في صحبتهما.

القرويون يبصرونهما أيام الجمع من بداية الصبح وحتى بعيد المغرب كما يرونهما في الأيام العادية بعيد العصر وحتى قبيل العشاء الآخر يمضيان جيئة وذهابا في  القرية وقد يستندان على ظل الحائط الأخير (لـ خرابة) القرية. يبحلقان للبعيد. يكونان منظرا متناقضا أو مؤتلفا: كأن يبتسم هذا أو يكشر ذاك أو يبتسمان في ذات الوقت. كانا متلازمين لا ينقطعان في المخبر والمظهر للقرويين كلما  ذكروهما أو ذكروا أحدهما على الأقل لينبعث ذكر الآخر.

بات تلازمهما كاملا في كل شيء تقريبا رغم انه لا يخضع – كما يقول أهل القرية- لتنسيق أو ترتيب مسبق مما أثار في تحصيلة آخر الأمر عريف المركز الجديد الذي بدأ يراقب الظاهرة بكل أناة ودقة لكنه لم يكتشف جديدا عما ذكره أهل القرية عدا أنه تأكد لديه أن, المتلازمتين وهما ينفقان كل هذا الوقت لا ينبسان ببنت شفة ولا يتحدثان مطلقا إلي بعضهما البعض. يبحلقان للبعيد في شرود قد يمتد طوال  الجلسة من الصباح إلى الظهر أو من العصر إلى بعد المغرب تحت حائط الخرابة القديم. وبين ساعات تلتقي عيونهما للحظات ثم تفترق وتظل تعبر الكون مبحلقة في تعاقب مستمر.

كانا لا يقولان شيئا : كأن يقول الأول رأيا فيثني عليه الآخر أو يقول الآخر  شعرا فيرد عليه الأول بذكر رواية أو راو ما أو يتحدثان في النقد الأموي أو الحديث أو ما شاكلها. فقط يظلان يبحلقان إلى البعيد [ربما يحتسيان قهوة  تركية بدون سكر ويرقبان ساقا فلبينية هاربة إلى داخل الخرابة من حرارة الصيف]. كانا لا يقولان شيئا ابدا لساعات طويلة يظلان يرقبان ويبحلقان. يتخيلان  وينسجان خيوط الدخان ويفردان ومع التكرار اليومي لعادتهما المستمرة منذ سنوات نسيا فيما ينسى الكاتب لغته.

لكن العريف الأجد ( الذي نقل إلى مركز شرطة الخرابة مؤخرا ) اشتم ! مؤامرة وراء كل هذه الحركات والفوضى العارمة رغم الصمت الممارس من هذين الكاتبين فأمر  كوادره فورا بإلقاء القبض عليهما لكنه اكتشف بعيد ذلك أن عيونهم انطفأ وهجها  كما وأنهما أخرسان بالفطرة منذ طفولتهما وهذا ما فاته السؤال عنه مما اقتضى على أثره أن يعتذر للقرويين الذين زموا شفاههم شفقة على العريف الشاب.

ورغم ذلك ظلا – كما كانا فيما مضى – كمتلازمتين تحدث صدى في الهدوء والقفر……
 
سالم الحميدي قاص من سلطنة عمان

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …