في تفكيك أصول المركزية الغربية الشفاهية الاغريقية

تبدو لحظة سقراط / افلاطون / ارسطو لحظة شديدة الأهمية في تاريخ الفلسفة الاغريقية، فهي من جهة اللحظة التي شهدت اصطداما جذريا بين المنظومة الشفافية العريقة في التاريخ الاغريقي، محنكة بالمرويات الأسطورية والملحمية والتصورات الفلسفية الأولى – وهو الأمر الذي كان قد تجلى من خلال ملاحم هوميروس ومنظومات هزيود الشعرية، وشذرات الايونيين والايليين _ وبين المنظومة الكتابية الناشئة لتوها على يد افلاطون وارسطو والتي لم تكن قد امتدت وتوسعت لتشمل كل مظاهر الانتاج الفكري آنذاك.  وهي من جهة ثانية، شهدت أولى ممارسات الإقصاء والاستحواذ التي تعرضت لها معظم التصورات الفكرية التي سبقت أرسطو، حينما قام هذا الأخير، بإقصاء ما لا يتناسب وسياقاته الفلسفية، والاستحواذ على تلك الأفكار المتناثرة التي توافق سياقاته.  وتكشف هذه اللحظة أيضا التدرج الواضح في ثلاث مراحل أساسية جمعتها حقبة تاريخية واحدة:  شفافية سقراط، وكراهية أفلاطون للكتابة، وظهور أولى بوادر التفكير الكتابي المنظم على يد أرسطو.  وبغض النظر عما كانت تعبر عنه الوسائل الشفافية التي ظهرت قبل افلاطون، وارسطو، وعما عبرت عنه الوسائل الكتابية لديهما، فان تلك الوسائل بذاتها، شفافية أو كتابية، لها آلياتها الخاصة التي تقوم على درجات متباينة من دمج الافكار، واقصائها وادراجها في سياقات مختلفة دلاليا بفعل الاطراد متواصل التغيير في الفكر الشفاهي وكل ذلك يلزمنا الوقوف على هذه اللحظة التاريخية الفلسفية وقفة حذر وتأن ونقد، وبخاصة ان العقل الغربي جعل هذه اللحظة ذاتها أهم الأصول الكبرى لتصوراته ووعيه.

لقد سعى تاريخ الفلسفة الغربية، بتأثير من منهج "الوحدة والاستمرارية: الى أن ينظر بطهرانية الى فلاسفة الا غريق ومأثوراتهم ومارس ضغطا لا يضاهى من أجل بث روح الوحدة والتماسك والاطراد في أفكارهم، وهو أمر بحاجة الى إعادة نظر شاملة بكل الأسس والمعايير التي قام عليها.

أشرنا في مبتدأ هذه الفقرة الى الأهمية الاستثنائية لما أسميناه لحظة سقراط / افلاطون /ارسطو، وهذا الاصطلاح مجازي بالطبع، لأنه في حقيقته يمتد طوال أكثر من قرن، وهي المدة الزمنية التي تكشفت فيها الممارسة الفكرية للفلاسفة الثلاثة المذكورين، التي غطت القرن الرابع قبل الميلاد، وجانبا من القرن الخامس اذ عرف سقراط. ومبعث تلك الأهمية فضلا عما ذكر؟ الانكسارات الجوهرية الشديدة التي عرفها التفكير الفلسفي، فقد ظلت –على الأرجح – الأفكار سابحة في فضاء المشافهة منذ ظهور التأملات الأولى على يد طاليس (حوالي 624- 546ق.م) الى سقراط (469 – 399ق.م)، ثم جنحت الى شاطىء ذلك الفضاء على يد افلاطون (427- 347ق.م)، واندرجت في سياقات البواكير الأولى للتدوين الفلسفي الكتابي على يد ارسطو (384-322ق.م)،وهنا علينا أن نشدد، ان التغيرات التي تتعرض لها الافكار في ظل المشافهة، لا تقل عن تلك التي تتعرض لها حينما تصاغ صوغا أدبيا يقوم على استحضار المرجعيات الشفافية، كما هو الأمر في محاورات افلاطون، وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نؤكد أن التدوين هو الآخر، كما ظهر في المدونات الأرسطية، لا يقل خطرا عن ذلك، فهو من ناحية يخضع آراء متناثرة لسياق ممارسة عقلية مختلفة وهو من

ناحية أخرى، يسمح لمقتضيات التفكير الكتابي وشروط الممارسة الكتابية واجراءاتها، ان تمارس قهرا واكراها ضد التأملات الأولى المعبر عنها بصيغ لفظية موجزة ومكثفة وهي التي تعرف الآن بـ "الشذرات". واذا كان تاريخ الفلسفة قد ثبت الفضل لأرسطو بوصفه أول من أرخ للفلسفة، فان الدراسة الموضوعية الاستقصائية القائمة على المقارنة والوصف، تكشف انه لم يكن يؤرخ، بالمعنى الذي يفهم من الفعالية التاريخية المجردة، فقد كان ارسطو يقصي ويدمج في آن واحد، ما يتعارض وما ينسجم مع منظومته الفلسفية، وهو أمر يفضي الى أن الافكار التي ظهرت في السياقات الارسطية الجديدة غير متصلة بسياقاتها الاصلية، ناهيك عن ان تلك السياقات بافتراض وجودها فانها خاضعة لمرجعيات شفافية، أما ما يتعارض مع السياقات الارسطية فقد أقصي واختفى لأسباب تتعلق بمعارضة المنظومة الارسطية له، ولضرورات اجرائية يقتضيها الخطاب المكتوب، وأما ما وجد له مكانا في نسيج ذلك الخطاب، فقد اندمج في صلب التفكير الاوسطي، وأصبح جزءا منه، يتصل به أكثر مما ينتمي لغيره – وسنقف على استراتيجية الإقصاء والاستحواذ هذه فيما بعد – أما الآن، فينبغي أن ينصرف اهتمامنا الى البحث فيما ينسب الى الفلاسفة الأول من "مؤلفات مكتوبة" وهو أمر يروج له في أوساط مؤرخي الفلسفة الاغريقية، دون قرينة، سوى تأيد أقاويل القدامي، الذين يحوم الشك حول اطلاعهم على أي من تلك "المؤلفات المفقودة".

يسمى نتشه ( 1844 – 0 190) الفلاسفة الأيونيين والايليين والأثينيين الذين ظهروا آبان القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، بأنهم "المعلمون القدامي" و"النماذج الصافية" ويصفهم بانهم يؤلفون "جمهورية العباقرة" (1)، وتفصح التسمية عن طبيعة الحنين الذي يشده الى أولئك "الصفوة"،وهو حنين جارف وولائي خطير يضفي تصورات آنية وذاتية على رجال ركب لهم نتشه صورة شفافة تعبر عن رؤيته لعصر مضى عليه خمسة وعشرون قرنا، أكثر مما تعبر عن حقيقة ذلك العصر، وأولئك الرجال. وتتكشف أبعاد هذا الضرب من الإكراه، حينما يعلن انه سيدرس الفلاسفة الأول بوصفهم مجتمعا منسجما (2) وهو قرار يرجح نوع التصور الذي يراد من خلاله انتاج الماضي، لا بيان الماضي نفسه، وكل هذا يدفعنا الى الوقوف على ذيول العصر الشفاهي الذي شهد أولئك الفلاسفة فصله الأخير، وان ظلت بقاياه حاضرة في نسيب التفكير الاغريقي الى عدة قرون لاحقة.

يؤكد بوهييه: انه من العسير أن نحدد الأهمية والدلالة الدقيقة لتيار الافكار الذي شق مجراه في ملطية في القرن السادس ق C. فمن بين الفلاسفة الملطيين الثلاثة الذين تعاقبوا على المدينة، وكانت عصرئذ أقوى حواضر آسيا الصفري اليونانية وأعظمها ازدهارا، لم يكتب الأول منهم عن طاليس شيئا، ومعرفتنا به ندين بها لمأثور لا يرقى الى ما قبل ارسطو، أما الفيلسوفان الآخران انكسيما ندرس وانكسيمنس فقد ترك كل منهما كتابا نثريا، صار يشار اليه فيما بعد بعنوان في الطبيعة ولكننا لا نعرف عنهما بدورهما شيئا الا عن طريق ما ذكره عنهما أرسطو وكتاب مدرسته (3). وهذا التأكيد يوافق أغلب التوصلات الخاصة بتاريخ الفلسفة الاغريقية التي تؤكد انه ليس أمام مؤرخ الفلسفة القديمة، ولاسيما الحقبة المتقدمة على سقراط، الا الإعتماد شبه المطلق على مراجع ثانوية متأخرة. وعلى الرغم ان المصادر القديمة تنسب الى قسم كبير من قدماء الفلاسفة اعدادا متفاوتة من المؤلفات، فلم يصلنا في معظم الأحوال الا شذرات متناثرة لبعضهم وردت غالبا في تضاعيف مؤلفات أرسطو، وهو الامر الذي دعا الكثيرين الى وصفة بانه "أول مؤرخ للفلسفة"، الا أن تلميذه ثيوفراسطس (ت 286ق.م)، تبسط في عرض بعض آراء القدماء في الطبيعة.وهنا تبدو الاشكالية مركبة، ذلك ان مؤلفات ثيوفراسطس نفسه قد فقدت، ولم يصل الينا منها الا نزر يسير (4)، هو بدوره مبتسر وغير كاف على الإطلاق للتحقق من السياقات التي وردت فيها تلك الآراء. ومن الطبيعي ان تتضاعف الإشكالية مع مرور الزمن، ذلك ان المراجع المتأخرة التي ظهرت بعد قرون، والتي تعرضت هي الأخرى للطمس والاختفاء، أقامت تصوراتها ونتائجها على مؤلفات مجهولة. وثمة وجه آخر لهذه الاشكالية: فالمدونات المتأخرة التي يفصلها زمن طويل جدا عن عصر أولئك الفلاسفة، لا تورد الآراء في سياق عرض تاريخي متدرج تهدف منه الى وصف تطور الأفكار الفلسفية، انما تذكرها في معرض السجال الفلسفي، تأييدا لحجة أو رفضا لها، وهو أمر يلمس بوضوح في المدونات المنسوبة لفلوطارفس (ت 124م) وامبرايكوس (أواخر ق2م) وكليمنتس الاسكندراني (ت 218م) وهيبو لتيوس (ق 3م) واستوبايوس (ق 5م) وديوجنس اللائرسي (ق 8م) وهذه المدونات بما تحتويه من الأخبار غير المحققة، تماثل ما أورده في هذا الصدد كل من شيشرون (ت 53م) وجالينوس (ت 200م) والقديس أوغسطين ( 354- 430م). وتنطبق صفة عدم الدقة والخلط على المؤلفات الخاصة بشروح أرسطو، ومنها شروح الاسكندر الافروديسي (ق 2م) ، وثيمسطيوس (ت 287م) وفيلوبونوس (5) (ت 586) وهؤلاء وأولئك يضمنون مدوناتهم مرويات متفرقة لا جامع بينها مستمدة من أصول لا وجود لها، ولا يصار في الغالب الى ذكرها. ونادرا ما يذكر بعضها عرضا ولكن ليس في سياق الأخذ الوثيق عنها، ولا في سياق العرض المفصل الأمر الذي يذوب تلك الآراء المتناثرة في نسيج يبدو شديد الاختلاف عنها.

يعلل بعض المؤرخين ذلك بأنه من عوارض الزمن، وكأن ثمة "حقيقة" طمستها عوادي الدهر وأتت عليها، ولكن التواتر المطرد في ذلك، وظروف التأليف القديم الذي يردد صيفا، بوصفها جزءا من تقاليد الرواية لا يبعث على الاطمئنان الى شيء مما ينسب الى الفلاسفة الأوائل،وحتى الشذرات المنسوبة اليهم، انما هي صيغ لفظية شفافية تعبر عن آراء متفرقة في موضوعات عملية، صيفت بإيجاز ليسهل استرجاعها وقت الحاجة، وهذه الصيغ هي الوسيلة الأساسية في الحقبة الشفافية، قبل أن يظهر التدوين، وتصبح الوسائل الكتابية معروفة في تقييد الأخبار والأحداث والتعبير عن الأفكار (6). وواقع الحال، ان الامر الاقرب الى الصحة هو انهم لم يدونوا أفكارهم وآراءهم، لأن الكتابة لم تكن قد أصبحت شائعة بما يكفي للنهوض بهذه المهمة، فضلا عن قصورها في أن تصبح في تلك المرحلة وسيلة تفكير في مضمار شديد الدقة والجدة. وهذه النتيجة تتعارض مع بعض ما توصل اليه المؤرخون من فقدان مدونات القدماء (7) الا ان حجتها تاريخية، اذ أن سقراط نفسه، لم يلجأ الى تدوين أفكاره، ومع أن له أسبابه كما سنرى، الا أننا نرى أن من بينها عدم تطور الأساليب الكتابية وغرابة هذه الوسيلة في عالم شفاف بتواصله الشفاهي المباشر، بل أن سقراط قد خصص جانبا من فلسفته لمعارضة تلك الوسيلة الغريبة والجديدة التي "تكفن" الحقيقة اللفظية. فاذا كان هذا التصور شائعا في زمن سقراط يصبح أمر قبول الاستعانة بالكتابة قبل ذلك بحوالي قرنين أمرا صعبا. يضاف الى كل هذا أن طبيعة الشذرات، بوصفها صيفا لفظية معبرة عن أفكار حياتية مستمدة من الخبرات والتجارب الشخصية صيفت لتكثف مضامين معينة، الأمر الذي جعل منها امثالا، لا تأكف وطرائق الاسترسال الكتابي، فالشذرة بوصفها وحدة لفظية كيان تداولي شفاهي لا يحتاج الى خزن إلا في الذاكرة لاستدعائه وقت الحاجة، ومنها ما أورده أفلاطون مثل: :أعرف نفسك" و "لا تسرف" و "الاصلاح عسير". ولا تنم الشذرات المنسوبة لطاليس وانكسماندرس وانكسمانس وفيثاغورس وهيرقليطس وبارمنيدس وغيرهم عن حاجة لأن تكون مدونة، وواضح الاسراف والتعسف في ادخال بعض الشذرات في سياقات لا علاقة لها بها. ولنقف على أحد أشهر الأمثلة وضوحا، الا وهي شذرات هيرقليطس التي جمعت من المظان وصنفت وحللت واستأثرت باهتمام كبير فقد وجد هيدجر (1889-1976) الى انها مزق من عبارات مبتورة، وكلمات متفرقة تفتقر الى السياقات الخاصة بها، وان مقاصد المفكرين المتأخرين هي التي تحدد اختيارهم لها، وطريقتهم في اقتباسها ولو تأملنا مواضع هذه الشذرات في كتابات المؤلفين المتأخرين، لوجدنا أنها لا تظهر الا في خدمة السياق الذي وردت فيه، مما يؤدي الى غياب سياقاتها الأصلية، ولهذا يخلص هيدجر الى أن الشذرات لا تكشف الملامح الأساسية لتفكير هيرقليطس، وما يرجح ذلك، ان بعض تلك الشذرات أوردها كيعنس الاسكندراني في سياق التصور المسيحي للإشكاليات اللاهوتية الخاصة به، إثر انقضاء سبعة قرون على العصر الذي يفترض أن هيرقليطس قد عاش فيا، وذلك يكشف درجة التعسف في دمج الشذرات في سياق أفكار لا علاقة لها بها، كما توصل هيدجر الى ذلك، مبرهنا على فداحة خطأ التفسير اللاهوتي لشذرات هيرقليطس (9).

إن تحليل الشذرات المنسوبة للفلاسفة القدماء يبين انها صيغ شفافيه جاهزة، حبلى بالحكم العملية المركزة (10)، وهي تتسق وصيغ التعبير المألوفة في المراحل الشفافية، ومن هذه الناحية، فهي لا تعد وسائل طارئة أو غريبة، انما على الضد من ذلك فهي تندرج في سياق الوسائل المهيمنة المعتمدة للتعبير في الثقافات الشفافية، لأنها تشكل مادة الفكر الشفاهي ذاته، ذلك الفكر الذي يستحيل في أي صورة متصلة من دونها لأنه يتكون منها (11)، وهو أمر يصح على معظم أدوات التعبير الشفاهي، فالقوانين نفسها، في الثقافات الشفافية مكنونة في أقوال صيفية، وما يميزها، انها شديدة الالتصاق بعالم الحياة الانسانية وتقوم بمهمة تخزين التجارب والتأملات والتصورات، ذلك أن المفاهيم ذاتها كانت تستخدم في أطر شديدة الاتصال بالمواقف والاجراءات اعتمادا على مرجعيات ضئيلة التجريد، بمعنى أنها تظل قريبة من عالم الحياة المعيشية. وهو أمر تتصف به الشذرات المعبرة عن انشغالات عملية في شؤون الحياة والطبيعة والكون. واذا أخذنا في الاعتبار شذرات هيرقليطس مثالا على ذلك نجد تلك الصفة واضحة فيها، فقوله "طابع الانسان هو قدره"، و "خير للناس الا يحصلوا على كل ما يرغبونه" و "أواه من أولئك الذين لا يعرفون كيف ينصتون أو كيف يتحدثون" و "إن العيون شهود أكثر عدلا ودقة من الآذان" (12)، إنما هي اقوال تعبر عن افكار مباشرة لا ترتفع عن الواقع، ويعود ذلك الى أن التفكير العقلي لم يكن قد انتقل بعد الى طور تجريد القضايا التي يفكر العقل بها، وحسب "هافلوك" فان اليونانيين قبل سقراط فكروا في العدالة بطرق عملية أكثر مما فكروا فيها على هيئه مفاهيم صورية (13)، وفي مرحلة شفافية الإرسال كالتي نتحدث عنها، من الطبيعي ان يعبر عن الفكر بصيغ اختزالية تنهض بمهمة تكثيف الأفكار وخزنها في الذاكرة، واذا نظرنا الى الشذرات من زاوية كونها حوامل فكرية، نجد أنها لا تجهزنا بالتحليل الموضوعي للظواهر التي تشير اليها، انما كمح وبوساطة الإيحاء الى بعض التصورات، وعموما فهي توافق تماما الصيغ السائدة في الثقافات الشفافية التي تتصف بأنها تجميعية وتأملية وانطباعية، وهي خصائص تتجلى في الأقوال المأثورة، وكل هذا يقودنا الى التأكيد الآتي: وهو انه من الصعب عد الشذرات حوامل متماسكة للحقائق الأولى التي فكر بها العقل تجريديا. ومبعث الأمر وراء عدها أصولا للفلسفة الاغريقية، هو فضلا عن ايحاءاتها الغزيرة المباشرة، تعرضها للإكراهات الكثيرة والمتنوعة بوساطة الاندماج غير المسوغ في سياقات لاحقة لها مرجعيات مختلفة. وتتأتى صعوبة معرفة المرجعيات التي تحتضن الشذرات من الجهل في معرفة طبيعة الفكر واشكالاته في حقبة شفافية، وبخاصة ان نظام التفكير الحديث قد استبدت به المرجعيات الكتابية، وتعطلت فيه القدرة على التحسس الصحيح لإشكاليات حقبه تاريخية لا نملك عنها تصورا دقيقا. وحسب أونج (14)، فان مرجعياتنا التصورية المرتكزة الى الوسائل الكتابية، تقضي كثيرا مما نجهله، لأنه لم يدخل في وعينا بوصفه موضوعا للتحليل، وبافتراض دخوله، فإنه سيخضع مظاهر فكرية انتجها نظام شفاهي، لسياقات لاحقة هي وليدة النظام الكتابي في التفكير والتصور والفروض والاستنتاج، ذلك إن المجتمعات قد تشكلت شفافيا ولم يصبح بعضها كتابيا الا في زمن متأخر جدا، ووجه الصعوبة هو كوننا لا نستطيع ان نفهم عالما شفاهي التواصل، أو شفاهي الفكر الا بوصفه صورة أخرى من عالم كتابي ألفناه، ذلك أن سيطرة النصية على عقول الباحثين سيطرة محكمة، تتضح من خلال افتقارنا الى اليوم لمفاهيم تعيننا على فهم دقيق لمكونات الحقبة الشفافية، ويخلص أونج الى القول أن الأشخاص الكتابيين الخلص يجدون صعوبة شديدة في تخيل ماهية الثقافة الشفافية الأولية.

عرف عن سقراط ذم الكتابة ومقاومتها، وهو أمر يرجح غياب الممارسات الكتابية الفعالة قبل عصره، وهو أمر يخفف من شدة التحمل المبالغ فيه في عد الأفكار التي سبقت سقراط أصولا متماسكة للفكر الاغريقي والغربي عامة والتذرع بفقدان الآثار المدونة، وهي ظاهرة رافقت تاريخ الفلسفة المكتوب، وهي تختزل حقيقة السياق الثقافي الشفاهي، والأرجح ان الكتابة لم تكن قد استكملت شروطها الذاتية لتكون وسيلة تعبير عن الأفكار التي كانت تمور في أذهان أولئك الرجال، خلال القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد.

يبدو الوقوف على الأفكار المنسوبة الى سقراط (469-399ق.م.) أشد تعقيدا من الوقوف على أفكار الذين سبقوه، ذلك إن أشكال التعقيد تصبح مركبة، اذا تبين لنا موقفه من الكتابة، ومفهومه للحقيقة الفلسفية، الأكثر من ذلك اذا اتضحت لنا شخصية سقراط الفكرية، وهي شخصية لايمكن الجزم بأي شيء خاص بها، لأنها اقتصرت على ممارسة الفكر بوساطة الحوار الحي الشفاهي المباشر وحده (15)، وقد ذهب بنى المؤرخين الى أن شخصية سقراط خرافية ابتدعها خيال افلاطون وارسطو فان ولاسيما انه ليس في حوزتنا مراجع مؤكدة عن حياته غير الصور المسرحية والحوارية التي يظهر فيها سقراط متصدرا المناقشة في أغلب الأحيان، كما تمثل ذلك في محاورات افلاطون، ومن يدفعه الفضول العلمي للاستفاضة في عرض آرائه، التي يفترض أن تكون منسوبة اليه حقيقة، فانه "يحتاج الى اثبات غير متوفر" (16). وعلى الرغم من كل هذا، فان مرحله التطور الفكري الاغريقي فرضت ظهور سقراط، لأنه يمثل حدا فاصلا بين مرحلتين من التطور الفكري، ويخلص أبوريان الى أنه سواء كان سقراط شخصية حقيقية أم خيالية، فلا مناص من أن يكون ثمة سقراط (17). وعلى هذا، فان سقراط الذي جعل اسمه محورا لتقسيم تاريخ الفلسفة اليونانية كلها بقي هو نفسه من غير تاريخ واضح،لأنه لم يترك أثرا مكتوبا يدل عليه، ويلف أفكاره غموض، لكونها متواترة في الروايات، ولا نعلم عن تلك الأفكار الا ما ورد في المحاورات الافلاطونية، لأنه، كما تجمع المصادر لم يخضع تلك الآراء للتدوين (18)، وهو من اشد دعاة المشافهة في الفكر القديم، وله آراء واضحة فيها سنقف عليها لاحقا.

الى جانب الشكوك التي تحيط بسقراط وأفكاره، ثمة مشكلة لا تقل أهمية، وهي المصادر التي حملت الينا تلك الأفكار،وهي مثار جدل واختلاف شديدين، بسبب اختلاف المقاصد والأهداف التي يظهر سقراط فيها.

وعموما ثمة مصدران أساسيان لهما الأهمية في هذا الموضوع: أولهما المحاورات الافلاطونية، اذ يظهر فيها سقراط مجادلا ومدافعا عن الحقيقة التي يبشر بها، وهذا المصدر يكتسب أهمية استثنائية، لأنه من وضع افلاطون. وثانيهما المذكرات المنسوبة الى أكزينوفون، الى جانب الصورة المسرحية الساخرة لسقراط في مسرحية "السحب" لأرسطوفان.

لقد أثارت المحاورات الافلاطونية جدلا خصبا وعميقا تركز في طبيعة الأفكار المعروضة فيها، وهل هي منسوبة الى سقراط أو أفلاطون، ولأن سقراط هو المتحدث الرئيس فيها، فقد ذهبت الظنون الى انها آراؤه، وكأن أفلاطون "يوثق" فيها آراء الأستاذ، وذهبت ظنون أخرى الى أن أفلاطون "استثمر" اسم سقراط للحديث عما يرده هو، عما يفكر به هو. وهذه الإشكالية التي تثيرها المحاورات الافلاطونية في مصادرها وطبيعتها ومقاصدها ستكون مثار اهتمامنا هنا، لأن وجهة النظر الخاصة بهذا الموضوع وطبيعة التحليل هي التي ترجح هذا الأمر على ذاك أو العكس. ويرى باحثون كثر ان المحاورات الافلاطونية تفصح ان سقراط ينطق فيها "بعقائد افلاطونية خالصة، ما كان يمكن أن يحلم بها سقراط الحقيقي التاريخي". ومن ثم فلا امكانية لتأكيد أي قدر حقيقي من أفكار سقراط، بيد أن ستيس يتحفظ على هذا الرأي ويعارضه، ذاهبا الى أن محاورات افلاطون الأول، كتبت قبل ان يطور مذهبه الفلسفي، وبالتحديد حينما كان معبرا أحسن تعبير عن مذهب أستاذه، إذ تظهر الشخصية السقراطية المثالية، وعلى الرغم من اقرار ستيس ان المحاورات ليست سيرة ولا تاريخا وأنها تختلق مواقف خيالية لاوجود لها، فانها فيما يرى "تحتوي على لب وقلب فلسفه سقراط"، وهو امر سيقتضي منا تفصيلا وافيا فيما بعد. أما مذكرات اكزينوفون، المقرب الى سقراط والمعجب به، فانها لم تتعامل معه كشخصية فلسفية، بل عنيت بما يفترض ان يكون البعد الواقعي البسيط لشخصيته، فظهر مبتذلا عاديا، ومناقضا تماما للصورة الافلاطونية، مما يعارض الأهمية التي ينبغي أن تكون عليها شخصية خطرة مثل سقراط (20) ويصل التباين. أقصده بين التصورين المقدمين حول سقراط، فغيما يظهر مجالدا في دفاعه عن الحق والعدل والعقل في محاورات افلاطون، يظهر وضيعا في مذكرات اكزينوفون، وفي الوقت الذي لا يستبعد فيه أن جهل اكزينوفون كان له أبلغ الأثر في الحط من شأن سقراط المفكر، فان المبالغة التي أضفاها افلاطون على سقراط لا تقل خطرا عن تقليل الآخر من شأنه.وحسب وورنر فان البيانات في هذين المصدرين لا تزودنا بمعرفة يقينية عمن يكون سقراط في الواقع (21). اما الصورة التي ظهرت في مسرحية "السحب" التي يتهكم فيها ارسطو فان من سقراط مظهرا إياه زعيما للسوفسطائيين، ناشرا عقائد مفسدة للشباب وهي التهمة التي اصطنعت سببا لتفسير نهايته المأساوية – فلا يستبعد انها من نتاج القواعد المسرحية لفن الكوميديا التي تبالغ في الحط من شأن الشخصيات محاولة تعميق المفارقة للإيهام الفني، وهي أخيرا خطاب أدبي ابداعي يصعب اعتماده مصدرا للتحقق من واقعة تاريخية. هذا ما يمكن اجماله بصدد المصادر التي حملت الينا ما ينسب من افكار الى سقراط، ولما كانت المحاورات الافلاطونية هي – حسب معظم الآراء – الحامل لما ينسب اليه من آراء، فان سياق البحث يلزمنا الوقوف عليها بتأن وتفصيل، محاولين استشفاف الامر، بوساطة الاستنطاق والتحليل. وصولا الى كشف التعارضات العميقة في بنية المحاورة الأفلاطونية.

استأثر سقراط بالمكانة الرئيسية في محاورات افلاطون، وفي معظمها يمنح سقراط الدور الأول "مجاز تقوي" (22)، فيظهر وهو يؤجج شعلة الأفكار في أذهان محاوريه في المرحلة الأولى، ثم مفندا تصوراتهم الفاسدة عن كثير من الظواهر والمفاهيم في المرحلة الثانية، وصولا الى المرحلة الأخيرة اذ يثبت الصورة الحقيقية التي يردها، والتي يبدو في الظاهر ان الحوار وتناسل الأفكار هو الذي أوصل المتحدثين اليها. وتظهر في كثير من المحاورات الأولى صورة افلاطون المريد السقراطي المخلص لأستاذه الذي تمور نفسه بالغضب للمصير الذي الى اليه، وأكثر الصور دفئا بين الاثنين يصورها افلاطون في "الدفاع" و "اقريطون"، وتتدرج صورة سقراط لتأخذ بعدا مثاليا تجسد حالة المفكر المنصرف لتثبيت الحقيقة ونشر الفضيلة والمنهمك روحيا في ترسيخ مذهبه الفلسفي الجديد، كما هو الأمر في "فيدون" و "المأدبة" و "ثياتيتوس" و "بارمنيدس". وفي هذه المرحلة تتركب على نحو بارع في الخطاب الافلاطوني الهالة الأخاذة لسقراط وهو يفند آراء الخصوم ويبشر بالجوهر الأخلاقي لفلسفته في موضوعات كثيرة، أما المحاورات الأخيرة التي تتصف بالتماسك والجدل العميق والجفاف أحيانا فتأخذ فيها شخصية سقراط بعدا جديدا، اذ يصبح ناطقا بلسان مذهب الأكاديمية الذي يصكه افلاطون، ويكشف هذا التدرج عن عمق التماهي الظاهر بين الاثنين الا أنه في واقع الحال استثمار افلاطوني لتلك العلاقة الخصبة بينهما، وتوظيفها في غاية فكرية تتعلق بالفلسفة الأفلاطونية ذاتها، فالصدمة التي تركها مصير سقراط قد استثمرت لتكون وسيلة لتثبيت شرعية الفلسفة الأفلاطونية، على الأقل في المراحل الأولى، ولما أدت الفرض قبلت بوصفها جزءا منها، وهو أمر لا ينبغي أن ينظر اليه باستنكار، فآليات الخطاب الأفلاطوني دمجت في ذلك الخطاب كثيرا مما هو متناثر ومتفرق في تاريخ الفلسفة الاغريقية قبله، سواء تعلق الأمر بالحوادث أم بالافكار أم بالأسماء وليس ثمة ضير من استثمار قوة الاسم في سياق السعي لبلورة مذهب فكري، إذا كان ذلك مما يمنح ذلك الإسم مزيدا من القوة والمهابة، وعلى الرغم من ذلك فثمة تمايز بين حضورا سم سقراط في المحاورة الأفلاطونية، وحضور فلسفته،ولم يكن افلاطون مؤرخا، ولم يبرهن على ذلك في يوم ما.

تمثل المحاورات الأفلاطونية الأولى "نوعا أدبيا لا يتباهى بالحرص على الدقة فيما يخص سقراط" (23)، وحرارة الأسلوب، والقوة المجازية، والايحاءات الرمزية الأدبية، توهم المتلقي كثيرا، وهو يباشر تلك المحاورات الى درجة لا يتساءل فيها عما لسقراط من أفكار في تضاعيفها وعما لأفلاطون، وربما يغيب الحضور الأفلاطوني شأنه شأن غياب أي مؤلف أدبي عن تواتر الأحداث وتداخل الشخصيات، وتصبح العناصر الفاعلة في نسيج الخطاب هي الشخصيات بوصفها اقطابا دلالية حاملة لرؤى معينة وقيم محددة. ولكن هذا الغياب الرمزي الذي يصكه تواري المؤلف وراء شخصياته لا يعني انها مستقلة ومنقطعة عن المنظومة الفكرية للمؤلف.

فالتواصل المستتر قائم، فاذا أخذنا في الاعتبار افلاطون بوصفه مفكرا. وقد استعان بخطاب زي سمة أدبية، اتضح لنا معنى الفكرة القائلة ان سقراط كان ينطق بعقائد افلاطونية. وبافتراض أن خطاب افلاطون قد استحوذ على ما يفترض انه أقوال شفافية لسقراط، قيلت قبل وقت طويل من كتابة المحاورة وانها دمجت فيها، فمن المستحيل معرفة طبيعة تلك الأقوال ومقاصدها ولاسيما ان سقراط نفسا كان يعارض تدوينها، بل يستهجن اللجوء الى تقييد المنطوق. وكل ذلك يقيم سياجا شديد الصلابة بين ما لسقراط وما لأفلاطون بما يمنع التحقق من نسبة الأفكار الى أي منهما على وجه التحديد ولا شك في ان البحث عن "الحقيقة" بالصورة التي عرضناها، يتنكب لجملة من الحقائق التي ينبغي الالتفات اليها في تحليل الخطاب، وفي مقدمتها عدم جدوى البحث عن أفكار "أصيلة" في انتمائها لهذا المفكر أو ذاك، واللجوء الى طرق متعسفة لانتزاع تلك الأفكار من سياقات أوجدتها، وأخيرا الاهمال الذي لا مسوغ له لمقتضيات التشكل الخطابي الذي يدمج عناصر مختلفة قاطعا اياها عن محاضنها الأساسية وموجدا لها محاضن جديدة بما يجعلها عناصر فاعلة في هذا الخطاب وليس في غيره. ونريد من هذا، ان نؤكد أن السياقات الخطابية هي التي تتحكم في مقاصد الأفكار التي تنتظمها، وان لا أفكار مجردة قبل التشكلات الخطابية التي تظهر فيها. وبقار تعلق الأمر بالموضوع الذي نبحث فيا، فلا يمكن القول ان افلاطون كان مجرد مدون لأقوال سقراطية، فان قبل ذلك بتحفظ شديد على مستوى العلاقة بين الاثنين، فلا يقبل عمليا كون المحاورة الافلاطونية وحدة نصية لها استراتيجيتها الخاصة في التعبير عما تختزنه من أفكار، ولا يمكن ترتيب العلاقة فيها بين الأفكار في ضوء العلاقة بين أفلاطون وسقراط. ولو قبل هذا الافتراض فانه سيقوض البنية الدلالية للمحاورات الافلاطونية، وكل ذلك يرجح ان افلاطون استتر وراء سقراط، وانطقه بما يؤمن به من أفكار، وهو توصل يتفق وما قرره بوهييه من "ان شخصية سقراط في المحاورات لا تمثل أحدا غير أفلاطون نفسه" (24)، وفي ضوء هذا يصبح البحث عن أفكار سقراطية خالصة في المحاورات الأفلاطونية أمرا محفوفا بمخاطر جدية، لأنه يتنكر للشروط الطبيعية التي يقتضيها أي خطاب. ذلك أن آليات الخطاب المكتوب تفني وتستحوذ في آن واحد على المرجعيات القبلية، بما يناسب نظام الخطاب الجديد، ساعية لتأسيس مرجعيات سياقية خاصة بالخطاب ذاته ضمن منظومة فكرية جديدة. وتبدو المحاورة الأفلاطونية معبرة عن صورة أرادها أفلاطون، وفرضتها مرجعياته الخطابية، وليس من المعتقد انها مطابقة لحقيقة سقراط، ولا معبرة عن أفكاره، ويعود ذلك الى اختلاف كل منهما في الوسائل التعبيرية، فغيما ظل سقراط أمينا على المشافهة الحية المباشرة. لجأ افلاطون الى المشافهة الذهنية المدونة، والوسيلة الأخيرة سوف تنتج سقراطا طبقا لشروطها حتى لو شاء افلاطون غير ذلك. لأن افلاطون الذي يؤلف حواراته الشفافية الذهنية ثم يدونها في محاوراته، سيقدم لا محال صورة مغايرة لما ينبغى وأن تكون عليه شخصية سقراط الحقيقية الباحثة عن الحقيقة. وحسب فؤاد زكريا، (25) فان سقراط الأفلاطوني لابد أن يكون مختلفا عن سقراط الحقيقي، اختلاف الحوار الحي المباشر عن الحوار الذهني المؤلف. وكلما كان افلاطون يسعى لوصف سقراط في محاوراته بصفاته الحقيقية، أدى ذلك الى مزيد من التشويه لصورته. ويعزو ذلك الى ان سقراط الحقيقي، كما يفترض كان يستخدم منهج التهكم والتوليد: فكان يفند أراء خصمه بالجدل المنظم، ثم يسير معه متدرجا نحو كشف حقيقة كاملة أو جزئية في الموضوع الذي يبحث فيه، وهذا المنهج مرتبط ارتباطا وثيقا بطريقة الحوار الحي، وهو لا يصلح الا معها. أما اذا طبق على الحوار الذهني المؤلف، كما في المحاورات الافلاطونية فانا يؤدي الى نتائج أقل ما توصف به انها شاذة وغريبة، ذلك لأن المفروض في المنهج السقراطي الأصيل أن يكون سقراط ذاته مجرد طرف في الحوار، يتسم بطريقة منظمة في التفكير، وبالقدرة على كشف المتناقضات وتحقيق الاتساق الفكري في الحديث. وبفضل تفكيره المنظم هذا، يستطيع أن يصل بالحوار الى كشف حقيقة منشودة، أو الى تفنيد خطأ شائع، أو ينتهي على الأقل الى ادراك وجود أبعاد جديدة للمشكلة موضوع البحث، فينفض الحوار دون نتيجة ايجابية في الظاهر، وان كان ذهن المتحاورين قد أصبح أكثر استنارة مما كان عليه من قبل بكثير. اذن فسقراط – حسب منهجه الأصيل يبدأ المناقشة بذهن خال، ويعترف هو بذاته بخلو ذهنه،وكل ما في متناول يده، ويمتاز به على غيره، هو منهج سليم وطريقة منظمة في التفكير، يتخذ منهما مرشدا يسير على هديه في أي طريق تؤدي به المناقشة اليه. غير أن سقراطا الأفلاطوني يسلك على نحو مختلف كل الإختلاف فهو يعرف مقدما اتجاه سيره، ويحدد النتيجة في ذهنه منذ البداية، لأن الحوار ليس حوارا حيا، انما هو حوار مؤلف، ومع ذلك فان أفلاطون يصر على ان ينسب الى سقراطا هذا نفس صفات سقراط الحقيقي، وهو انه متواضع لا يعلم شيئا سوى انه لا يعلم، وان كل مجهوده إنما ينحصر في تطهير ذهن خصما بطريقة التفنيد أو التهكم ثم استخلاص الحقيقة الكامنة فيا بطريقة التوليد، ويترتب – يتوصل فؤاد زكريا – على هذا الاصرار نتائج خطيرة الى أبعد حد، أقل ما يقال بشأنها هو انها تؤدي الى تكوين صورة مهتزة مخلخلة حافلة بالمتناقضات لشخصية سقراط كما صورها افلاطون. ذلك لأن سقراطا الأفلاطوني يعلم كل شي، وهو مع ذلك يدعي الجهل بكل شيء.وفي الحوارات الأفلاطونية هو الذي يوجه المناقشة من البداية الى النهاية. صحيح أنه لا يكف طوال الوقت عن القاء الأسئلة ولكنها أسئلة بطريقة منظمة، وتعمل على توجيه الطرف الآخر في الحوار نحو وجهة معينة، وتتضمن في داخلها بكل وضوح، جميع عناصر الاجابة بل انها اجابات تتخذ شكل الأسئلة، فاشخاص المحاورة عاجزون تماما أمام سقراط، وهو يتحكم فيهم كما يشاء وينتصر عليهم دائما في المجادلات، بل انه ليشعرهم في كثير من المرات بالخجل من أنفسهم.

وقد لا يكون هناك بأس من استخدام هذا الأسلوب في الحوار لو كان افلاطون قد حدد منذ البداية معالم هذا المنهج ورسم أبعاد شخصية سقراط في ضوء صفاتها التي تتبدى بالفعل في المحاورة. ولكن المشكلة كلها تنحصر في ذلك التناقض الشنيع بين ادعاء الجهل من جهة، وبين العلم الشامل الذي يكشف عنه سقراط خلال المحاورة من جهة أخرى. أي بين اتباع أسلوب الحوار من جهة والتأكيد الفعلي للأفكار بطريقة قطعية من جهة أخرى، أو بين التزام سقراط جانب "التساؤل" من جهة وتقديمه الفعلي لجميع الإجابات في ثنايا اسئلته من جهة أخرى. والحق ان المرء اذا فكر مليا في شخصية سقراط الافلاطوني، لا يملك الا أن يصفه بقدر غير قليل من النفاق، وربما برذائل أخرى غير النفاق، ذلك لأن ادعاء الجهل بالنسبة الى شخص تنم اجاباته عن أنه يعرف كل شيء، يبدو كما لو كان زيادة في التنكيل بالخصم والتشفي فيه، وكأن سقراط هذا يقول: انني لا أعلم شيئا، ومع ذلك فاني أحطم كل ارائك، وآتي اليكم بمعلومات جديدة لم تخطر من قبل ببالكم ! ولنسأل أنفسنا في هذا الصدد – يقول زكريا- أيهما أكثر إذلالا: شخص يفند معلوماتنا ويأتي بجديد غيرها، شخص يدعي انه يعلم كل شيء أم شخص يدعي انه يجهل كل شيء؟

على أن سقراطا الأفلاطوني لا يكتفي بإذلال خصمه عن طريق الادعاء بأنه هو ذاته – الذي يوجهه ويعلمه – يجهل كل شيء، بل انه يضيف الى ذلك عنصرا جديدا يزيد من فداحة هذا الإذلال: اذ يدعي ان كل ما هنالك من جديد قد أتى من الخصم ذاته، لا منه هو، مع ان أسئلة سقراط الايمائية، أو اجاباته المقنعة، هي التي تقوم بكل شيء. وحين ينتهي الخصم الى الموقف الذي يريده سقراط،. والذي هو في الأغلب مضاد تماما لذلك الذي قال به الخصم نفسه في البداية يكيل له سقراط الضربة القاضية، فيقول: ها أنتذا قد وصلت بنفسك الى الحقيقة. ويصل تنكيله الى أقصى درجاته، اذ لا يقتصر على تفنيد الخصم وتصحيح معلوماته، بل يؤكد له ان هذه المعلومات قد أتت منه هو ذاته. وبذلك يصبح جهل الخصم مضاعفا، لأنه يتوهم – لمجرد انه كان يتكلم في صيغة الجواب وسقراط كان يتكلم في صيغة السؤال – انه هو مصدر كل ما اسفرت عنه المناقشة من معلومات جديدة. والخلاصة التي يتوصل اليها زكريا ببراعة، ان طبيعة سقراط الافلاطوني مدعي الجهل، ولكنه في الحقيقة يعلم كل شيء وهو يمعن في اذلال خصمه إذ يوهمه بانه مصدر كل جديد في المناقشة،وهذا أمر يناقض الصورة الافلاطوية لسقراط، جامع الفضائل الافلاطونية، المنزه عن النفاق والغرور، من جهة، ويناقض ما صرح به افلاطون من أن منهج سقراط هو التهكم والتوليد، أي استخلاص الحقيقة الكامنة في داخل الخصم ذاته، والتي ينطوي عليها عقله وان كان يغشاها نوع من الضباب الذي يمكن تبديده بالتوجيه السليم مع ان الخصم في واقع الأمر سلبي تماما، وان سقراط هو الذي يقوم بكل شيء،هو الذي يتحمل عبء كشف الحقيقة كاملا. وهو أمر يفني الى القول ان منهج سقراط الأفلاطوني لم يكن التهكم والتوليد، بل هو التهكم والمزيد من التهكم وتحل هذه الاشكالية تماما، اذا خلصنا المحاورة الافلاطونية من الآراء المحيطة بها ذات النزعة التاريخية التي تتعسف في اصطناع سياقات غير خطابية لها، واذا خلصناها أيضا من "التفوهات الافلاطونية" التي تبدو متعارضة مع النتائج التي يوفرها تفكيك المحاورة واستنطاقها، ومن ثم يصبح ميسورا ان تذوب الشخصية الفكرية لسقراط التي يفترض أنها مستقلة ومجردة، وتصبح عنصرا في الخطاب الافلاطوني، بما يجعلها تستمد أفكارها من المنظومة الفلسفية الافلاطونية الخطابية وليس من اسقاطات تاريخية خارجية تنهض على سبيل الافتراض. وهو أمر يقود الى ان سقراط الافلاطوني يستمد حضوره الفلسفي ووجوده الفكري من المحاورة الافلاطونية، وتترتب أردؤه تبعا لمقتضياتها، وليس ثمة امكانية للبحث عن هن ية ذاتية فكرية مستقلة لسقراط الا في ضوء المعايير الخطابية للمحاورة الافلاطونية المعدة ذهنيا والمدونة كتابيا.

ان البحث عن "الحقيقة" فيما يمكن تسميته بالفكر السقراطي أمر يتصل بالاشكالية التي وقفنا عليها، اي بقضية حضور ذلك الفكر في سياق افلاطوني محض، ولا يمكن البحث عن تلك الحقيقة دون مراعاة طبيعة الحامل الافلاطوني وسياقاته الافلاطونية، ويمكن دعم هذا الرأي بما هو خارج النص ليلتقي وما توصلنا اليه من داخله، فتدكان من رأي سقراط أدان الحكمة ظاهرة مقدسة، غير فاسدة ولا دنسة فلا ينبغى لنا ان نستودعها إلا الانفس الحية، وننزهها عن الجلود الميتة (26)، ويرجع موقفا هذا، فيما يروى، الى وصية استاذه طيماتاوس، فلما سأله سقراط "لم لا تدعني أدون ما أسمع منك من الحكمة ؟" أجابه: "ما أوثقك" بجلود البهائم الميتة وازهدك في الخواطر الحية، هب ان انسانا لقيك في طريق، فسألك عن شيء من الطم، هل كان يحسن أن تحيله الى الرجوع الى منزلك، والنظر في كتبك ؟ فان كان لا يحسن، فالزم الحفظ، فلزمه  سقراط" (27)، ومع ان هذه الواقعة تبدو أشبه بحكاية تفسيريه اصطنعت لتعليل أمر شفافية سقراط. فان فكرة الحكمة المقدسة التي ينبغي ان تستوطن النفس الطاهرة، كانت لصيقة فيما ينسب اليه من افكار. ذلك انه القائل "لست بناقل للطم من قلوب البشر الحية الى جلود الضان الميتة" (28) وتبعا لمفهومه الشفاهي هذا للحقيقة، فانه كما يقرر المبشر بن فاتك "لم يضف كتابا، ولا أملى على أحد من تلاميذه ما أثبته في قرطاس، وانما كان يلقنهم علما تلقينيا لا غير، لأنه كان يقول بتنزيه الحكمة (29).

ان تصور سقراط للحقيقة الفلسفية بانها حوار مع النفس الحية وانها مناقلة بين النفوس تخضع لقواعد اللسان واللفظ، حجب أي تأمل جاد في طبيعة "الفلسفة السقراطية" الا عبر افلاطون التي اتضحت لنا من قبل ضخامة الاكراهات الخطابية التي تمارسها المحاورات ضد ما هو خارج عنها، فضلا عن طبيعة التناقضات الداخلية للمحاورة اذ تمت معارضة ما ورد في تضاعيفها بما هو خارجها. وليس ثمة خيار مقبول الا بعد سقراط كائنا افلاطونيا، وبالتحديد سقراط الفيلسوف الذي ظل يتنفس عبر التاريخ "حقيقته" من المحاورات الافلاطونية التي اسبغت عليه ما تنطوي عليها من رؤى وتصورات افلاطونية. وهذا يوافق كثيرا من الآراء التي تذهب الى انعدام أي جوهر فلسفي في أفكاره (30)، وان جهده انصب في نواح محددة وعملية وهي: تحديد المفاهيم والدعوة الاخلاقية وبناء المعرفة على العقل.

يعد افلاطون (427- 347ق.م) أول فيلسوف اغريقي وصلت الينا معظم مؤلفاته، ولكن يصعب الجزم فيما اذا كانت جميع المحاورات التي تحمل اسمه تصح نسبتها اليه، ذلك ان النقد التاريخي لأعماله أثبت أن هناك عدة محاورات منحولة عليه، وتقرر انها ليست له انما من وضع مريديه، ومرجع ذلك العبث الذي يلحق بالآثار القديمة بسبب التداول وعدم مراعاة الفواصل الدقيقة بين المتون الأصلية والحواشي والشروح الملحقة بها، وهو أمر يزيف تلك الأصول ويدخل فيها ما ليس منها، ويحرف أحيانا سياقاتها ويتعسف في تأويلها وتقويلها استجابة للمتغيرات التي كحق بمرجعيات التفكير في هذا العصر أو ذاك، ويصعب أن تبرأ محاورات افلاطون من هذه الأخطار وما يما نحها، لأسباب تتصل أولا بالسمة الهجينة للفلسفة الافلاطونية التي استمدت نسفها من روافد متعددة ومتباينة أحيانا، الأمر الذي مكن المتأخرين بحسب تصوراتهم ومرجعياتهم المختلفة أن يتدخلوا في سياقاتها الأصلية تبعا لمقاصدهم وثانيا: بالخصائص الاسلوبية للمحاورة الافلاطونية. الى جانب هذا، فان محاوراته غير مؤرخة، ولم يراع فيها الوضع التعليمي، ولا تعدو سوى محاورات كان افلاطون يقيد فيها آراءه كما عرضت له، فجاء مريدوه فيما بعد، ورتبوها طبقا لشكل الحوار، أو موضوعه، فقاربوا بين ما كتب في أزمنة مختلفة، وباعدوا بين ما وضع في دور واحد من حياة صاحبها، ولا يزال الخلاف بشأن التقديم والتأخير موضع أخذ ورد الى اليوم (31). أما الدروس الشفوية المنسوبة اليه، التي كان يلقيها في الأكاديمية، وقد حفظ شيئا يسيرا منها أرسطو، فيستحيل تمييز فكر افلاطون الخاص فيها لأنها اخططت بالأفكار الخاصة لخلفائه في الأكاديمية، وهذا التداخل وما يلحقه من جهل بالأصول الافلاطونية، يؤدي كما توصل بوهييه الى اننا نكاد نجهل كل شيء عن تلك الدروس (32).

قسم الباحثون المحاورات الافلاطونية التي يشغل فيها سقراط المقام الأول – باستثناء محاورة "القوانين" – على مراحل ثلاث تفعلي عمر المؤلف، وهي: محاورات الشباب، وفي طليعتها: "الدفاع" و "اقريطون" و "اوطيفرون" و "خرميدس" و "هيباس الأكبر" و "بروتاغوراس" و "غورغياس" و "ايون". ثم محاورات الكهولة وابرزها "منكسينوس" و "أوتيديموس" و "قراطيلوس" و "المأدبة" و "فيدون" و "فايدروس" و "بارمنيدس" و "تيتيانوس" و "الجمهورية" – التي ترجح بعض البحوث ان الكتاب الأول منها ينتمي لمرحلة الشباب – وأخيرا، محاورات الشيخوخة وفي مقدمتها: "السوفسطائي" و "السياسي" و "تيماوس". و "اقريتياس" و "القوانين". وقد بلغ عدد المحاورات والرسائل المنسوبة اليه 36 مصنفا، وتتدرج في موضوعاتها من الوقائع اليومية وما توحيه في ذهن افلاطون الى القضايا السياسية والاخلاقية والجمالية، وصولا الى التعبير عن المثل الميتافيزيقية (33).

تتميز المحاورة الافلاطونية بوصفها وحدة نصية بالخاصية الأدبية الخلابة التي تستثمر امكانات المجاز سواء على مستوى صيغ التعبير الموحية أم بالقناص مع جملة الحكايات الاسطورية والخيالية، وكل هذا المزيج الأدبي المؤثر يرتكز على البنية الحوارية للنص، اذ تبرز الشخصيات بوصفها أقطابا دلالية تتبادل الآراء، وتتحاور، وتتساجل وتتهكم وتولد الأفكار بتوجيه ضمني من المؤلف على نحو درامي متصاعد، يناظر سلسلة الأفعال المتدرجة صوب الذروة في الماسي الاغريقية عند اسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس. ويتحكم القالب الحواري بطرائق بناء الأفكار وعرضها، ويحدد ضروب السجال بين الشخصيات، فذلك القالب ينظم في البدء سلسلة الأسئلة البسيطة الأولى التي يثيرها سقراط غالبا، ثم ينتهي بان يثبت بوساطة ذلك القالب الدقيق، الحقائق في نفوس الشخصيات كما يردها هو، ومع ان الحوار يتباين في درجة الاسترسال أو الايجاز، حسب الموضوع، فان الصيغة الحوارية تستعين بضروب المجاز ومظاهره الاسلوبية كلما أمكن ذلك، وأحيانا دونما مراعاة لطبيعة الموضوع قيد الحوار، ويلجأ افلاطون الى صيغ مجازية كبرى مثل الاستعارات الحكائية المستفيضة والتمثيل القائم على المشابهة الممكنة، وغالبا ما يختلق الحكايات لايضاح مقاصده. واذا تمعنا في التركيب الضمني للمحاورة، وتابعنا تطور المواقف، والتحولات في الأحداث والشخصيات، وراعينا المصائر التي تؤول اليها بعض الأفكار، وحالة التطهر النفسي عند الشخصيات جراء الوصول الى الحقائق التي يميط سقراط اللثام عنها بوساطة الحوار والتوليد، لوجدنا تناظرا لا يخفى بين المحاورة الافلاطونية وروح التراجيديا الاغريقية التي استقر نظامها الفني الداخلي قبل مدة وجيزة من الظهور الفلسفي لافلاطون، وبخاصة تراجيديا يوربيدس الاجتماعية التي عالجت المشكلات بروح تأملية عميقة، وكان يوربيدس قد توفي وافلاطون في حدود العشرين من عمره.، علما ان الأول قد تشبع بروح الفلسفة الاغريقية وتتلمذ فكريا على اناكساجوراس وسقراط وبروتاغوراس (34) ويكشف جانب من المساكة في الانكسارات النفسية، والتحول في المواقف، والذهول امام الحقائق المكتشفة التي تبطل تصورات قديمة، واذا كانت التغيرات تحصل في التراجيديا على مستوى الأفعال، فانها في المحاورة الافلاطونية تقع على مستوى الأفكار، ونحن ندرك انه من التعسف اجراء مقارنة دقيقة بين التراجيديا الاغريقية والمحاورة الافلاطونية في كل التفاصيل الممكنة لاختلاف الأهداف والمقاصد بين الاثنين، وقيما تزخر التراجيديا بالشخصيات والأحداث والمشاهد والماضي في مزيج شديد التركيب، نجد أن المحاورة ذات تركيب بسيط تقتصر أحيانا على شخصيات قليلة ولا تكاد المشاهد تتغير فيها، الا لضرورة يقتضيها أمر الشخصيات فيما ينصب الاهتمام على السجال الذي تتبادله الشخصيات وهي تمني في عرض أرائها، أو تفنيد الآراء المعارضة على الرغم مصا تفصح عنه محاورات الكهولة من زخم في الصراع وتعميق للاختلافات، وعرض يكاد يكون تراجيديا للانهيارات الداخلية في أفكار الشخصيات،وعموما فالذي نريد أن نخلص اليه الاشارة الى بعض مظاهر التماثل بين هذين النمطين التعبيريين اللذين عرفتهما الثقافة الاغريقية في حقبة واحدة تقريبا ولما كانت الصيغة الحوارية هي جوهر الثقافة الشفاهية فان ذلك يكشف لنا هيمنة تلك الصيغة في المحاورة. وما تتركه من أثر في سير المحاورة اللفظي.

لقد أثارت قضية "المجاز" في أسلوب المحاورة الافلاطونية اهتمام المعنيين بالدراسات الافلاطونية، وتوصل بعضهم الى انها شديدة الالتزام بالوحدة الثلاثية التي استنبطها أرسطو من التراجيديا الاغريقية، وان الأحداث والشخصيات ما تفتأ تتعقد على غرار تلك الماسي (35)، وقد شخص برهييه ثلاث درجات متفاوتة تشتمل عليها المحاورة الافلاطونية فهي أولا: شكل من أشكال التمثيل، وهي ثانيا: تعرض ضروبا من النقاش، وهي ثالثا: تتضمن عرضا متسقا مطردا لفكرة ما، فهي إذن بادىء ذي بدء تندرج في «الأدب التمثيلي ه وكثير من المحاورات يبرز طابعها التمثيلي بروزا لافتا للنظر بحكم حيوية شخصياتها وغرابة وقائعها التي تحتبس لها الأنقاس، ومثال ذلك محاورة "غورغياس" التي تقدم لنا في جملتها أروع مثال على الحركة الدرامية، (36) وهو أمر أكده باحثون آخرون، وهو ان المحاورة الافلاطونية وحدة نصية، بل نوع خاص من الكتابة الأدبية تتداخل فيها، وبمقادير متفاوتة، ثلاثة مكونات: الدراما والمناقشة  والشرح المسترسل (37)، ومن الطبيعي أن هذا المزيج يحرف الفكرة الأساسية عن اتجاهها فتتشتت لأن الحامل لها يشغل بجمالياته الاسلوبية، وتطل الفكرة تتردد ضمن نطاق اسلوبي ليس من أهدافه ايصال الفكرة بطريقة منطقية ومباشرة. وهكذا فافلاطون لا يقدم مقاصده بوضوح لأن الاسلوب يرجىء كل امكانية لتحقيق تلك المقاصد، وبخاصة ان الشذرات المقتبسة من الحكايات والأساطير، والتقاطعات المتكررة في الرؤى تزيد من الاحتمالات الممكنة لتلك المقاصد، وحسب ستيس، فان لكل هذا مساوى، خطيرة، لأن افلاطون بسبب اساطيره وحكاياته ومجازاته "ينزلق بسهولة من العرض العلمي الى الاسطورة حتى لا يكون من السهل غالبا تبين ما اذا كانت عباراته مقصودة بها الناحية الادبية أو التشبيهية، زيادة على ذلك فان الاساطير تشكل قصورا في تفكيره نفسه" (38). واذا بحثنا عن الاسباب التي توجه الخطاب الافلاطوني هذه الجهة، نجد انها هيمنة الصيغ الشفافية في محاوراته، فهو مدون حوارات ذهنية. ولم يكن قد توصل بعد لاكتشاف امكانية التفكير الكتابي الذي يعد أفضل وسيلة لاقتحام قلاع الأفكار الفلسفية. اننا نثير الطبيعة الاسلوبية للمحاورة الافلاطونية بابعادها الأدبية أمام الانظار، لنسوغ السؤال عما يمكن استخلاصه من محمول فكري من حامل هو مهجن شفاهي الهوية متألف من نبذ من محاكاة الماسي وشذرات من الحكايات الاسطورية، واكراهات مجازية للمفاهيم، واقصاءات تشبيهية للمقولات العقلية، وقيام هيكل فلسفي على ركائز مستعارة من ميادين تعبيرية أخرى مثل الملاحم الشعرية والمسرح والأساطير وهو أمر لا يمكن "الصفح عنه عند التنطع للحكم على فلسفه افلاطون" (39).

تكشف المحاورة الافلاطونية أيضا، انها مشبعة بآليات التواصل الشفاهي، وفي مقدمة ذلك مناقلة الأفكار المؤلفة على غرار الأفكار التي يولدها الحوار الحر المباشر، وهو ما يوجبه التراسل المستمر بين متكلم يكون مسؤولا عن خلق الأفكار، أو المساعدة في خلقها، وضبط بنائها منطقيا ودلاليا بوساطة الحجج والبراهين، وارسالها الى متلق تبدو صورته وكأنه طرف حيوي في عملية التراسل، وما يقوم به المتلقي هنا، انه ينظم نهايات الأفكار حينما يغير تطوراته في ضوء ما يرسله المتكلم، الذي هو سقراط غالبا، ومع ان محتوى الارسال معد في ذهن المتكلم فان براءة المتلقي تجعله يظن انه طرف في منح فعالية عميقة لعملية التراسل المذكورة، ومن هذه الناحية، فان المحاورة الافلاطونية تماثل المرويات الشفافية، اذ يتجلى دور الراوي بشخص سقراط وهو يبسط الأفكار ويورد الحكايات ويضرب الأمثال، ويسعى خلال ذلك لاثارة الأسئلة وفي كل ذلك يبدو مفارقا لما يتكلم به، لأنه يستعير الحوادث والوقائع والحكايات ويرسلها هادفا الى التأثير في المتلقى وهذا المتكلم (الراوي) المفارق هو اهم خصائص المرويات الشفافية القديمة (40)، وبه تختلف عن النصوص الكتابية الحديثة، اذ يتماهى الراوي في الأخيرة بما يروي، ان المرويات الشفافية تبرز فيها مكونات الارسال بوضوح وجلاء، اما الابداعات الكتابية، فان تلك المكونات تتنحى، وتتوارى داخل الخطاب، ولا أثر لها فيه الا عبر المحاكاة والتمثيل لما كان بارزا في الأصول الشفاهية (41)، وواضح بروز مكونات الارسال في المحاورة الافلاطونية بما يتعذر معا دمجها أو الاستغناء عن اي منها، وهذه الصيغة قارة في المرويات الشفافية وظلت مهيمنة في وقت عرفت فيه الكتابة، ذلك ان الكتابة هنا قامت بتدوين المرويات طبقا لصيفها الأصلية، ولما كانت المحاورة الافلاطونية قوامها التأليف الذهني فان خضوعها لتلك الصيغة يكشف تمكنها من افلاطون، يضاف الى ذلك ان المسافة التي تفصل المتكلم عما يتكلم به، وبروز المتلقي بوصفه مرويا له وعدم تخفي أحد منهم وراء ضمير، والاعلان الدائم عن الحضور جعلت المحاورة نوعا من المخاطبة الشفافية، وهذه خصائص لا تجد لها مكانا في النصوص الكتابية التي تنهض فيها الكتابة بمهمة خلق وقائعها الخاصة، وليس تلك الوقائع اللفظية التي تقوم بتدوينها، ففي الكتابة يهيمن الصمت وتتماهى العناصر الخطابية ببعضها، اما في المشافهة فلابد من خرق لذلك الصمت لابد من ضجيج، وفي الأولى يتم التواصل داخليا ويفهم ضمنيا، وفي الثانية لابد ان تنداح الفاظ اللسان في الهواء، ولهذا، وحسب فراي، فان الأول تتصف بـ "الديمومة" اما الثانية فتتصف بـ "العرضية" لان الأولى خالدة عبر العصور فيما الثانية عرضة للانتهاك والاندراج في سياقات متعددة، ان الأولى ممكنة التأويل واعادة التأويل طبقا لتغيير المرجعيات التي يصدر عنها المؤول، أما الثانية فان التزييف والتغيير يتهددانها، ولا تنطوي على أية قوة لمواجهتها ومقاومتها وقد يوحي كون المحاورة مدونة أنها في منأى عن كل ذلك وهذا صحيح بمقدار كونها مدونة، شأنها في ذلك شأن المرويات الشفافية المدونة، اننا نتحدث هنا حول فعالية الكتابة في خلق الأفكار وفعالية المشافهة في خلقها. ومن الواضح أن الفعالية الثانية هي التي تمكنت من افلاطون،وتمظهرت صيغتها الحوارية الشفافية في محاوراته.

خلصنا اذن الى أن المحاورة الافلاطونية قائمة على الصيغة الشفافية وأمينة على الامتثال لشروطها الداخلية، ويلزم الآن تثبيت هذه الحقيقة بما هو من صلب التفكير الافلاطوني،قصدت رؤيته للكتابة وموقفه منها، وهو أمر يوجب علينا هذه المرة استنطاق محاورته "فايدروس" ففيها على وجه الخصوص أودع موقفه الكامل من هذه الوسيلة الجديدة في عصره، وان تناثرت شذرات من ذلك الموقف في "الجمهورية" دون أن تتضافر لتؤلف وجهة نظر شاملة فيها لانصرافها الى موضوع آخر، أما "فايدروس" فقد خصص معظمها لهذا الموضوع.

في محاورة "فايدروس" وهي من محاورات الكهولة – يعرض افلاطون وجهة نظره في الكتابة بوصفها وسيلة للتعبير عن الأفكار، وتثبيت الأقوال ويسند رأيه الى سقراط الشخصية الرئيسية في المحاورة، ويقوم سقراط باسناد موقفه الى حكاية مصرية قديمة، وهذه لعبة أسلوبية، فالأسناد ابرز صيغ التعبير الشفاهي وافلاطون بارع في اختلاق الحكايات في هذه المحاورة وسوأها، وهو يوظفها في محاوراته لتقوية الحجج، واقامة البراهين. ويتضح من الحكاية، ان دلاله المصري "تحوت" يتوصل الى اكتشاف علم العدد والحساب والهندسة والفلك، وأخيرا يخترع الحروف الابجدية، ويرحل معتزا باكتشافه الى الملك "تاموز" عارضا بين يديه ما توصل اليه معتقدا بانه قدم منفعة لا نظير لها للمصريين، ويطلب اليه الملك ان يتقدم ويعرض عليه كل ما اخترعه، مبينا فوائده ومزاياه، وما ان يبدأ بموضوع الكتابة، حتى يخاطب الملك بفرح قائلا "هاك أيها الملك معرفة ستجعل المصريين، أحكم وأكثر قدرة على التذكر، لقد اكتشفت سر الحكمة والذاكرة" ويفاجأ اذ يكون رد الملك بان ذلك الاختراع "سينتهي بمن يستعملونه الى ضعف التذكر لأنهم سيتوقفون عن تمرين ذاكراتهم حين يعتمدون على المكتوب، وبفضل ما يأتيهم من انطباعات خارجية غريبة عن أنفسهم وليس بما في باطن أنفسهم". ورغم أن فايدروس يعلق مازحا، بان سقراط بارع في "تأليف القصص المصرية، أو قصص اي مكان آخر" يعجبه، فان سقراط لا يبدي امتعاضا من هذا الاتهام الضمني بالكذب والاختلاق، انما ينتقل من اسناد أمر ذم الكتابة من ملك الحكاية المصرية اليه مباشرة مخاطبا فايد روس هذه المرة، كأنه يقرر حقيقة لا جدال حولها "لننته من ذلك الى أن كل من يظن انه قد ترك بالكتابة فنا أو من يظن انه قد تلقاه معتقدا ان الكتابة تنطوي على تعليم مؤكد واضح، فلا شك أن مثل هذا الشخص هو رجل على قدر كبير من السذاجة" ولما يرى – كالعادة – ان محاوره يوافقه، يمني شارحا موقفه، معمقا وجهة نظره "وللكتابة يافايدروس تلك الصفة العجيبة التي توجد أيضا في التصوير، وذلك لأن الصور المرسومة تبدو كما لو كانت كائنات حية، ولكنها تظل صامتة لو وجهنا اليها سؤالا وكذلك الحال في الكلام المكتوب، انك لتظنه يكاد ينطق كأنما يسري فيه الفكر، ولكنك اذا ما استجوبته بقصد استيضاح أمر ما فانه يكتفي بترديد الشيء نفسا وهناك أمر آخر هو ان الشيء بعد أن يكتب يظل ينتقل من اليمين الى اليسار بغير مبالاة، فيساق الى من يفهمونه والى من لا يعنيهم منه شيء على السواء، وهو فضلا عن ذلك لا يدري الى من من الناس يتجه أو لا يتجه. ومن جهة أخرى، حين تتجه الى موضوعه أصوات المعارضة أو حين تحتقر ظلما يصبح في حاجة لمساعدة مؤلفه لأنه لا يستطيع وحده أن يدرأ عن نفسا خطرا ولا يقدر الدفاع عن نفسه"، ولما كانت حسب سقراط الافلاطوني هذه هي المآخذ على الخطاب المكتوب، فان بديله هو "الحديث المصحوب بالعلم المنقوش في نفس الرجل" أي "الحديث الذي يقوى على الدفاع عن نفسه" وهو "الذي يعلم لمن ينبغي أن نوجه الكلام، ولمن لا ينبغي ان نوجهه" ولما يسأله فايدروس "أتعني ان حديث من يعلم هو حديث حي ذو نفس، وان الحديث المكتوب ليس في الواقع الا شبحا له ؟" يجيب سقراط مؤكدا "بل ان الأمر كذلك تماما" ثم يضيف أن الأحاديث الشفوية "ليست قادرة فقط على الدفاع عن نفسها بالكلام، بل هي قادرة كذلك على تعليم الحقيقة بالطريقة الصحيحة". ويخلص خاتما رأيه "وأخيرا فان كل هذا صحيح يا عزيزي فايدروس، ولكن يبدو لي ان هناك شيئا أجمل حين نتجه الى هذه الغاية، وهو انه اذا وجدنا نفسه قابلة لأن نبذر فيها بالعلم وقواعد الجدل (الحوار) أحاديث قادرة على تأييد نفسها، وتأييد من انبتها ولا تظل عقيمة بل تحمل البذور التي تنبت في النفوس الأخرى، أحاديث أخرى مزدهرة دائما تجدد البذر حتى تضمن له الخلود وتحقق لمن يحصل عليها أكبر نصيب من السعادة الممكنة للانسان على هذه الأرض" (43).

ما الذي نستخلصه من احكام بصدد الكتابة والمشافهة مما ورد في تضاعيف حديث سقراط الذي هو قناع افلاطون في هذه المحاورة ؟

1- إن الكتابة آفة الذاكرة فيما الكلام الحي منشط لها.

2- إن الكتابة غريبة عن النفس لأنها تفد اليها من خارجها، فيما الكلام نسيب للنفس لأنه يستوطنها.

3- ان الفنون الكتابية ساذجة لا قيمة لها، لا يعتد بها، والمجد للفنون الكلامية ومثالها بطبيعة الحال الملاحم الشفافية.

4- التعلم الكتابي لا جدوى منه كون وسائله غريبة، والتعلم الشفاهي هو المفضل.

5- الكتابة كائن ميت لا قدرة له على الجواب، فيما الكلام كائن حي له قدرة التفاعل مع الآخرين.

6- الكتابة قاصرة عن الافصاح عما تكنه، اما الكلام فانه بارع في الافصاح عما يتضمنه من مقاصد.

7- ان الكتابة تكرر مضامينها دونما مراعاة لشروط الارسال والتلقي، فيما يجدد الكلام مضامينه تبعا للمقام الذي يقال فيه.

8- ان الكتابة توصل مضامينها الى من يفهمونها ومن لا يفهمونها على حد سواء ودون مراعاة للفوارق بين هذا وذاك، فيما يساق الكلام لمن يفهما، ويضن به على من لا يدرك مراميه.

9- الكتابة كائن أعمى، فهي لا تعرف لمن توجه محمولها، أما الكلام فيتحدد موضوعه بحضور مباشر لمتلقيه.

10- ان الكتابة قاصرة أبدا لأنها بحاجة الى مؤلفها ليدافع عنها، ويدرأ الاخطار المحدقة بها. أما الكلام فقوته بذاته.

11- الكتابة وسيلة عقيمة لا حجج لها، ولا براهين بين أيديها، أما الكلام فقادر على تأيد نفسا بحجج يستمدها من السياقات المستمدة في أثناء المحادثة.

12- الكتابة صيغة ميتة لا روح فيها، أما الكلام فحياته متأتية من كونه ساكن النفس فهو جزء منها وحياته من حياتها، وهو يتجدد كالبذور وهدفه تحقيق السعادة لتلك النفس.

واضح ان افلاطون يقرر في "فايدروس" ان "الكتابة غير إنسانية" وذلك لأنها تتقصد أن "تؤسس خارج العقل ما لا يمكن في الواقع ان يكون الا في داخله" (44)، وبرهانه على ذلك انها تدمر الذاكرة، فأولئك الذين يعتمدون عليها سوف يصبحون كثيري النسيان، أي ان الكتابة تضعف القوى العقلية وتضعف الاستعدادات النفسية، والفكر الحقيقي كما يرده افلاطون يوجد في سياق المناقلة بين اشخاص أحياء حقيقيين، وليس بين ميت وحي، وعليه فالكتابة سلبية لأنها تفتقر الى الخواص الطبيعية والحقيقية للاشياء، وهي دون الكلام بل هي "محاكاة متحجرة للكلام".

ما الآثار التي تركها تمكن الشفافية في الخطاب الافلاطوني، وبخاصة ان هذا الأمر يثير اشكالية مركبة، كون المحاورات مكتوبة، وان كانت أشبه بالمدونات ذات الأصول الشفافية ؟ وبعبارة أخرى كيف وفق افلاطون بين اطراد المظاهر الشفافية في خطابه وبين الصيغ الكتابية التي اعتمد عليها في محاوراته ؟ ان هذا الموضوع يبدو هو الآخر مثار خلاف، لأنه يصعب وضع حدود فاصلة ونهائية لدرجة تورط افلاطون في الشفافية اذا نظر اليه على انه كاتب استعان بالوسائل الكتابية في محاوراته في الوقت نفسه يصعب تخمين مقدار تورطه في الكتابية، اذا نظر اليه على انه من انصار الشفافية، ذلك انه عمل في الميدانين معا، فهو يصدر عن موجهات شفافية كما بجز لنا توصيف محاوراته واستنطاق "فايدروس" وهو يمارس الفعالية الكتابية مباشرة في تلك المحاورات ويرى "هافلوك" ان علاقة افلاطون بالشفافية شديدة الغموض فهو في "فايدروس" يحط من قيمة الكتابة لصالح الكلام الشفاهي، فيكون أدخل في مركزية الصوت، وهو بالمقابل يحرم دخول الشعراء الى الجمهورية، لأنهم حسب تصوره مناصرون لعالم المحاكاة الشفاهي القديم، القائم على الذاكرة والمستعين بوسائل التجميع والاطناب والنزارة، والتقليد والدفء الانساني القائم على المشاركة المباشرة، وهذا العالم الشفاهي الذي صكته المرويات الملحمية الشفوية، يتضاد وعالم الأفكار التحليلي القائم على الدقة والتجريد والرؤية والسكون وهو عالم "الجمهورية" الذي كان افلاطون يروج له. ويعلل "هافلوك" هذا التعارض بقوله ان افلاطون لم يفكر بشكل شعوري بنفوره من الشعراء بوصفه نفورا من النظام العقلي الشفاهي القديم، ولكن هذا ما كان، فقد شعر افلاطون بهذا النفور لأنه كان يعيش في الوقت الذي كانت فيه الابجدية قد أصبحت لأول مرة مستوعبة بدرجة كافية لأن تؤثر في الفكر الاغريقي، بما فيه فكر افلاطون نفسه، كان ذلك الوقت أيضا هو الوقت الذي كانت فيه عمليات الفكر التحليلي الممعن، والفكر التتابعي المطول، تبرز الى الوجود أول مرة اذ مكنت الوسائل الكتابية العقل من ان ينتج افكاره بتلك الرسائل (46) وبمعنى ان افلاطون كان ضد الوظيفة التي يؤديها الشعر في المجتمع الاغريقي وهي الوظيفة التي تقوم على نقل التراث شفويا بأعتباره قوالب صياغية لا تحيا الا من خلال الأداء والانشاد، وهي صيغ تنقل معرفة ظنية لا يمكن الوثوق بها، فيما يدعو هو، بوصفه فيلسوفا الى معرفة وشوقية تجريدية تحل محل المعرفة الاحتمالية التي تحملها الذاكرة الشفوية بوساطة الشعر، ومن ثم فاقصاء الشعراء من الجمهورية، القصد منه اقصاء المعرفة الظنية التي تنشرها تلك الصيغ(47). ولا يتفق هذا التخريج – وان كان لا يتقاطع – مع جملة الأسباب التي أوردها افلاطون لطرد الشعراء من الجمهورية (48) وهي: ان الشعر يفسد الطبيعة الانسانية كونه يعرض امثلة شريرة وضارة، وانه لا يصف الواقع كما هو، انما يقدم نظيرا مشوها له، وهو أخيرا لا يراعي مقام الآلهة، فيقدمها بصور غير مقبولة تخالف التصور الشائع عنها، ورغم وضوح الاعلان عن تلك الأسباب الثلاثة وما يتصل بها، فان "هافلوك" يصطنع غيرها في محاولة تحليلية تهدف الى حل المشكلة التي تحيط بافلاطون من كل جانب، ومع اننا قدمنا أدلة على تفلفل المظاهر الشفافية في محاوراته، فانه للأسباب التي يتهم بها يطرد الشعراء من الجمهورية، ولو أخذنا بوجهة نظر "هافلوك" كما هي، لأفضى الأمر الى تخريب الرسالة الاخلاقية التي سعى افلاطون من أجلها في مجمل فلسفته، وخاصة في "الجمهورية" اذ تتعارض الحقيقة كما يدعو اليها مع الشعر لأنه نمط تعبيري يقوم على محاكاة من الدرجة الثالثة، مما يؤثر سلبا في جوهر تلك الحقيقة العقلية التي هي المثل، وبا فتراض صحة توصلات "هافلوك" فافلاطون لم يقتصر على محاربة القائلين بالمعرفة الاحتمالية، انما وجه سهامه الى القائلين بالمعرفة الحسية، واصحاب التفسير الآلي للطبيعة، والسوفسطائيين القائلين بمذهب اللذة (49)، ولا ينبغي ان تعزل ركائز فلسفته تعسفا بهدف تسويغ قضايا محددة، والقول بانه لم يكن واعيا لنفوره من الشعراء لأنا ينتمي الى منظومة تراسلية مغايرة، وهو أمر لا نجد حجة تقويه، صحيح ان المحاورة الافلاطونية لا تماثل تماما الصيغة الأدبية الشفافية انما هي تستثمر آلياتها في التعبير عن الأفكار المعروضة، ومن المؤكد ان ثمة صراعا خفيا كان دائرا بين هذين المستويين في درجة استثمار تلك الصيغ، وان انقسام افلاطون بينهما، كان له أبلغ الأثر ليس في فلسفته فقط، وهي مهجن من مصادر متعددة، وانما في درجة توظيف آليات التعبير الشفاهي التي انتهت في أواخر حياته، فعلا الى نوع من التجريد ولكن ضمن الصيغة الشفافية وهي الحوار. ورغم ذلك فنحن نوافق "هافلوك" في ان عصر افلاطون هو الذي شهد أول مواجهة بين نظامين متغايرين من التعبير هما الشفافية والكتابية، وانهما تجاورا في شخصا، وربما اصطرعا فيه في اللاوعي مما ظهرا على مستوى الوعي، الأمر الذي أدى، حسب هافلوك الى "تلف لا وعي افلاطون نفسه" (50). لأنه وجد انه في موقف متضاد بين دعوة مناهضة للكتابة وبين استخدامها في التعبير عن فلسفته، بل والتعبير تحديدا عن الحقيقة الفلسفية التي هي مكر عقلية مجردة، لا يوافق صفاتها الا كلام يستوطن النفس، يعبر عنها أولا بوصفها حقيقة ذاتية داخلية عقلية. وبغض النظر عن كل شيء فان الأمر الذي ينطوي على غرابة مدهشة،هو ان يكون خطاب مجازي الظاهر حاملا لحقيقة فلسلفية وهو يعود الى افلاطون الذي يتبوأ احدى أعلى ذرى العقلانية.

إن فحصا دقيقا للمحاورة الافلاطونية، وهي الحامل الرئيسي لفلسفة افلاطون، يفضي الى تلمس واضح للقواعد الشفافية فيها، سواء كان ذلك بصيغة التراسل اللفظي الذي يتم بين متحدث أو مستمع، أو في النسيج الاسلوبي للمحاورة التي استثمرت كثيرا من معطيات الأدب، وما التدوين الا نوع من تقييد التأليف الذهني الذي كانت شروط المشافهة فيه غالبة على شروط الكتابة.

تبدو الفلسفة الارسطية أكثر اللحظات الفاصلة في تاريخ الفكر الغربي، فإليها يعزى تأسيس المقولات الفلسفية والمفهومات الدقيقة، واشاعة التفكير المنظم المستند الى البراهين الاستقرائية، وشأنها شأن أية لحظة تحول عميقة في مسيرة التفكير البشري، فهي معرضة لأن تنتج وتفهم وتؤول طبقا لمعايير مختلفة، عما تشكت عليه في الأصل. اننا معنيون في هذه الفقرة بالوقوف على جانب من إشكالية حوامل تلك الفلسفة قاصدين الاشارة الى ضرورة استئناف النظر في مصادر الفلسفة الاغريقية لأنها الوسائل التي حملت "لب" تلك الفلسفة. واذا كانت هذه المشكلة قد تكشف لها وجه مع سقراط والذين سبقوه، وتكشف لها أخر مع افلاطون فان لها وجها ثالثا مع ارسطو.

تقسم مؤلفات ارسطو (384-322 ق.م) الى ثلاثة أقسام كبرى، أولها: "مصنفات الشباب" وتكاد تكون مجهولة، اذ لم يبق لنا منها سوى شذرات قليلة (51)، وجل المعلومات عنها مستمد من فهارس قديمة واشارات متناثرة، وردت لدى قدماء المؤرخين والكتاب، ويرى المتخصصون ان تأثير افلاطون واضح في لحك النبذ الباقية، وانها تقليد للمحاورات الافلاطونية في الاسلوب الأدبي والمحتويات، وان التطابق بينها، وبين المحاورات الافلاطونية يصل الى العنونات المتشابهة (52). ومما يذكر من هذه المحاورات: السياسي، السوفسطائي، منكسينوس، المأدبة، في البيان، اسكندر، في العدالة، في الصحة، واديموس، والاخيرة في خلود النفس على غرار "فيدون" والمعرفة بهذه المصنفات شحيحة وغير يقينية باستثناء ما أورده "شيشرون" واصفا إياها بانها أشبه بانهار الذهب المتدفقة بلاغة وبيانا (53). وقد اثارت قضيه تعالمها مع المحاورات الافلاطونية جدلا واسعا، ذهب جانب منه الى القول انها في الأصل لافلاطون الا انها نسبت خطأ الى أرسطو، وهو استنتاج ليس ثمة دليل عليه، الا المساكة بين العناصر المكونة للمحاورات عند الفيلسوفين، وبخاصة ان الأخيرة تحتذي السابقة، وتحاكي النمط الافلاطوني، وتمثل أدبا راقيا لم يتوفر له نظير في فلسفة ارسطو (54) وثانيهما "المصنفات العلمية" وهي المجموعة المنطقية، والطبيعية والاخلاقية والسياسية والميتافيزيقية والاحيائية والنقدية، وتؤلف هذه المصنفات جوهر الارسطية، وسنقف على جانب مما يتصل بها بعد قليل. وثالثهما: عدد من المؤلفات التي أثبت النقد انها منحولة، وهي كثيرة منها "المسائل" و "الاخلاق الكبير" و "العالم" و "تدبير المنزل" و "مليسوس واكسونوفان وغورغياس" و "المناظر" و "الحظوظ" و "فيضان النيل" و "اللاهوت" و "الربوبية" و "النبات" و "المعادن" و"سر الأسرار" و"اثولوجيا" و"العلل" وغيرها (50). ولن نقف على القسمين الأول والثالث، لأن البحث فيهما لا يتوافر على أية امكانية تفيد الفلسفة الارسطية، فالشك قائم حولها، بل هو قد تحول، بناء على التحقيق والنقد، الى يقين فيما يخص القسم الأخير. وهو أمر يفصح ان فلسفة أرسطو قد عرضت لنوع من التزييف الداخلي يصكه الدخيل الذي طرأ عليها، وأخذ على أنه جزء منها لزمن طويل. وعلى الرغم من كل ذلك، فان المصنفات العلمية، وهي المظان الشرعية لتلك الفلسفة لم تفلت، فيما يبدو من عواقب الدهر.

تذهب مصادر تاريخ الفلسفة الى أن الكتب الارسطية الأساسية قد وصلت الينا جميعا وهو تألحيا يحتاج الى براهين علمية تقرر صحة كل ما نسب الى أرسطو فيها. ذلك ان كون تلك الكتب تعليمية يعد سببا كافيا للاستحواذ على أجزاء منها أو وضعها أو انتحالها. وتشير المصادر الى انها لم تسلم من عبث الدارسين في عصر ارسطو أو بعده فبعضها من تحرير ارسطو، وأخرى من تحرير تلاميذه، الأمر الذي يرجح ان ملاحظات طلبة اللوقيون قد اندست في تضاعيفها وبخاصة انها ظلت مبعثرة مدة طويلة بعد وفاة ارسطو، ذلك ان بعض المؤلفات مدرسية، وبعضها يتضمن خطوطا عامة، وأخرى تفتقر الى الشرح والتوضيح، وهذا التباين قد يفهم انها صيفت بأساليب مختلفة من قبل ارسطو وتلاميذه. وشأنها شأن الكتب المدرسية التي ينطفيء وهجها بانطفاء صاحبها فقد طمرت بعد وفاة أرسطو في أحد أقبية اللوقيون مدة طويلة. ونسيت هناك، وقد "نال منها التعفن" ثم كشف أمرها في منتصف القرن الأول قبل الميلاد بعد حوالي قرنين ونصف على وفاة ارسطو، حينما اضطلع "اندرونيقوس الروديسي" باصلاحها ومراجعتها واخرج منها ما هو معروف (56). وحسب وورنر. فان جملة أثار ارسطو لم يعن بها أحد في حياته، بما يجعلها صالحة وسليمة وهي تفتقر للاتقان، ورتبت بعد وفاة مؤلفها، ولاقت جفوة من خلفائه في اللوقيون طوال قرنين،وكان من نتيجة اهمالها، ان فقد جزء كبير منها، وفقد معها، لسوء الحظ، احسن ما ينسب لأرسطو، وهي كما يقول وورنر "البدايات الافلاطونية البحتة" (57).

إن الصياغة المدرسية لمؤلفات أرسطو كانت في الغالب سببا لأن تتعرض لضروب متعددة من التزييف، فالحواشي والاضافات التي يتركها الدارسون، تفضي الى مزيد من التداخل بين المتون الأصلية والهوامش التوضيحية، والشروح الجانبية التي من المرجح انها لا تعالج النصوص، طبقا للاجراءات المنهجية المعروفة في العصر الحديث، وعموما فليس غريبا أن يلحق العبث أو النسيان بالكتب في العصور القديمة، فهو أمر مطرد ومعروف، والكتب المعروفة أكثر من غيرها عرضة للتغيير، بسبب الاضافات والحواشي والشروح. ولنضرب مثالا على ذلك مختارين أشهر كتب أرسطو، وهو "ما بعد الطبيعة" الذي حمل الينا معظم تصوراته، عما يصطلح عليه الآن بـ "الميتافيزيقيا الاغريقية".

يقرر ستيس ان معظم ما وصلنا من كتابات أرسطو جاء في "حالة مبتورة". ومن ذلك كتاب "ما بعد الطبيعة" فهو "ناقص". وربما يكون ارسطو لم يكمله، الا ان ستيس يستبعد هذا الاحتمال، مؤكدا ان عدة فصول من الكتاب "هي بلا شك منحولة"، واجزاء أخرى منه وردت في ترتيب خاطيء وثمة أخرى يتوقف البحث فيها عند منتصفه، ولا يكمل الموضوع قيد البحث في القسم الذي يليه، وتكون المفاجأة كبيرة حينما يهمل موضوع، ويستبدل بآخر مختلف اختلافا تاما عن السياق. هذا فضلا عن التكرار الواضح الذي يصعب تفسيره، الا استنادا الى العبث الذي تعرض اليا الكتاب المذكور. ويضع ستيس احتمالا الى جانب ما ذكره وهو ان أصول الكتاب لم تكن الا محاضرات غير متسقة، ولم تعرف التنقيح النهائي على يد ارسطو (58)، الامر الذي يفسر أيضا الاستطرادات وعدم الانتظام الداخلي للكتاب.

تعرض "بيجر" في كتابه "ارسطو، الاسس الأولى لتاريخ تطوره الروحي"،. الى عرض مشكلة التزييف التي تعرض لها كتاب "ما بعد الطبيعة" واثبت كما يقول بدوي بـ "براهين قاطعة" انه مر بثلاثة أدوار مختلفة من حياة ارسطو الأولى: كتب في الفترة الأولى من حياته، الى جانب محاورة "في الفلسفة" وهي من المحاورات المفقودة وهي كما أشرنا من "مصنفات الشباب" والثاني وتمثله المقالات الست الرئيسية التي تكون الميتافيزيقيا الوسطى والرئيسية، وقد كتبت بعد المرحلة الأولى بزمن طويل. أما الدور الأخير، فيتصل بالفترة التي سبقت وفاة ارسطو، وفيه حاول أن "يربط الميتافيزيقيا بالطبيعيات". وان "يخرج من الواحدية الى الشرك" الا أنه "مات قبل أن يتم هذا المشروع". ولم يبق من أثر لهذا الدور الأخير غير الفصل الثامن من مقالة اللام، وان كانت بعض فقراتها لا تتسق مع سياق المقالة، ويرجح انها من وضع تلاميذه، لأنها مختلفة عن سائر أجزاء الكتاب وهذا الاضطراب الداخلي في الكتاب، يعزوه بعض الباحثين الى ان كتب ارسطو قد رتبت بعد وفاته بمدة طويلة، وانها خضعت لآراء المرتبين واجتهاداتهم ناهيك عما كان قد وجد له مكانا بين تلك الكتب طوال القرون التي ظلت فيها بعيدة عن الأضواء. وكل هذا ينبغي ان يفهم في سياق أشمل وهو أن قضية "الميتافيزيقيا" الارسطية محكومة بالترتيب الذي اقترحه "اندرونيقوس" حينما وضعها بعد "الطبيعيات" واصطلح عليها ذلك المصطلح، الذي لم يكن القصد منه ان يحمل أي معنى فلسفيا (60) .فاذا كان الأمر على ما وصفنا بالنسبة  لأشهر كتب أرسطو فكيف بالأخرى؟ وكل ذلك يدعو الباحث للتحوط الذي يجب أن يتخذ قبل نسبة الافكار الى أرسطو وبقدر تعلق الأمر بكتاب "ما بعد الطبيعة" فان قضية الشك في الكتاب، سواء في ترتيبه وسياقاته أو طرائق عرض موضوعاته، لها أهمية قصوى لأن هذا الكتاب هو الأصل الذي استنبطت منه جملة الأفكار الميتافيزيقية المنسوبة الى أرسطو وهو أحد أبرز "الينابيع" التي استقيت منها "العقلانية" في تاريخ الفكر الغربي القديم.

لقد كانت تقاليد التأليف في العصور القديمة تسهل أمر الوضع أو الانتحال، فاذا وضعنا في الاعتبار طريقة التأليف الأوسطي التي تقوم على تكثيف مجموعة من الآراء لتكون خطوطا عامة يهتدي بها في محاضراته في اللوقيون فان هذه الطريقة تجعل معظم "المادة العلمية" في يد الآخرين الذين يتلقونها شفاها، مما يعرضها لأن تتداخل بعد تنظيمها مع أفكارهم. وتكاد تنعدم الحدود بين ما لأرسطو وما لغيره، اذا أخذنا بالقول الشائع حول طريقة التدريس الارسطية، وهي القاء الدروس مشيا على الأقدام في فضاء اللوقيون، اذ يستجد أمر التواصل الشفاهي الحي الذي كان سقراط قد أشاعه من قبل مرة أخرى، وكل ذلك يزيح الأفكار درجات عما وضعت له. يضاف الى كل ذلك حواشي التلاميذ، وشروح المتعلمين، والترتيب اللاحق للمؤلفات في سياق لم يراع التشكل الأصلي للأفكار الارسطية كما ظهرت اذ تتضافر كل هذه الأسباب والعوامل لتجعل حوامل الفلسفة القديمة في مهب ريح وبخاصة ان التواصل الشفاهي يؤثر في طبيعة النشاطات العقلية المشدودة الى الحقبة الشفافية التي سبقت أرسطو.

ان مرحلة التأسيس الفكري المنظم فلسفيا التي دشن لها أرسطو، هي بالذات دون غيرها، أكثر عرضة لأن تشتبك فيها المتناقضات، وتتعارض فيها التصورات المختلفة، وتتحد فيها درجة الاقصاء والاستحواذ – ويعد ارسطو ابرز الأمثلة في تاريخ الفلسفة على ذلك – ولما كانت لحظة أرسطو لحظة فاصلة في الفكر الاغريقي، فان اعادة النظر بحوامل فلسفته أمر يقتضيه البحث في المصادر التي حملت الينا أبرز ملامح ذلك التفكير.
الهوامش

1- فريدريك نتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الاغريقي، ترجمة سهيل القش (بيروت: المؤسسة الجامعية، 1983) ص 43.

2- م.ن.ص 43.

3- اميل برهييه، الفلسفة اليونانية، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت: دار الطليعة 1987) ص 56.

4- ماجد فخري، تاريخ الفلسفة اليونانية (بيروت: دار العلم للملايين، 1991) ص 11. ويوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية (بيروت: دار القلم، د.ت) ص 15.

5- ماجد فخري ص 12.

6- والتر أونج، الشفافية والكتابية، ترجمة حسن البنا عزالدين (الكويت: عالم المعرفة، 1994) للتفصيل حول دور الصيغ في حفظ الفكر الشفاهي وتخزينه واستدعائه، ينظر ص 78-79و93-96.

7- ولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية ترجمة مجاهد عبدالمنعم مجاهد (القاهرة: دار الثقافة، 1984) ص 27. ومحمد علي أبوريان، الفلسفة اليونانية (الأسكندرية: دار المعرفة، 1990) ص 10، ونتشه ص 44، وبرهييه ص 56، ويوسف كرم ص 11، وعزت قرني،الأيونية اليونانية، الموسوعة الفلسفية العربية (بيروت: معهد الانماء العربي 1988) 2:218.

8- هرقليطس، جدل الحب والحرب، ترجمة مجاهد عبدالمنعم مجاهد (القاهرة: دار الثقافة، 1980) والكتاب ترجمة واعادة تصنيف لشذرات هيرقليطس، وهرقليس فيلسوف التغيير، ترجمة علي سامي النشار وآخرون وملحق كتاب نتشه المذكور أعلاه.

9- مارتن هيدجر، نداء الحقيقة ترجمة عبد الغفار مكاوي (القاهرة، دار الثقافة 1977) ص 363 و 368 و 369.

10- ستيس ص 69.

11- أونج ص 95.

12- هيرقليطس، ينظر الشذرات الآتية: 135، 49، 105، 55، 116، 118،54،124،25.

13- أونج ص 115.

14- م.ن.ص 44، 58،89.

15- افلاطون، الجمهورية ترجمة فؤاد زكريا (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1985) ص 38 ونحيل حيثما اقتضى الأمر على المقدمة الممتازة التي صدر بها فؤاد زكريا محاورة الجمهورية. 16- اندريه إيمار وجانين ابوايه، الشرق واليونان القديمة، ترجمة فريد داغر وفؤاد ابوريحان (بيروت: منشورات عويدات، 1981) ص 389.

17- أبوريان،  ص 10.

18- محمد ثابت الفندي، مع الفيلسوف (بيروت: دار النهضة العربية، 1980) ص 61. وينظر ستيس ص 113، وبرهييه ص 119 ويوسف كرم ص 50، وماجد فخري ص 66 ومقدمة فؤاد زكريا للجمهورية ص 34.

19- ستيس ص 123.

20- يوسف كرم ص 50، وبرهييه ص 120.

21- ريكس وورنر، فلاسفة الاغريق، ترجمة عبدالحميد سليم (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1985) ص 62.

22- ايمار وابوايه ص 385.

23- بوهييه ص 119.

24- م.ن. ص 137.

25- مقدمة فؤاد زكريا للجمهورية ص 38-42 ونحن مدينون له بهذه التوصلات.

26- المبشر بن فاتك،مختار الحكم ومحاسن الكلم، تحقيق عبدالرحمن بدوي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1980) ص 82. وابن أبي أصيبعة،عيون الأنباء في طبقات الأطباء (بيروت: دار الفكر 1987) 1:69.

27- المبشر بن فاتك 83، وابن أبي أصيبعه 1:69.

28- ابو الريحان البيروني، في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة، (حيدرآباد: المطبعة العثمانية، 1958) ص 133، والمبشر بن فاتك 83، وابن أبي أطيبعة 69:1.

29- المبشر بن فاتك ص 82.

30- أبو ريان 124و127، ستيس ص 113، وورنر ص 63.

31- برهييه ص 133، يوسف كرم ص 64 وأبوريان 149.

32- برهييه ص 183و 222.

33- يوسف كرم ص 65- 66.

34- أحمد عثمان، الشعر الاغريقي (الكويت: عالم المعرفة 1984) ص 292.

35- برهييه ص 138، ابوريان ص 154.

36- برهييه ص 136، 139.

37- أبوريان ص 153.

38- ستيس ص 147.

39- برهييه ص 145.

40- عبدالله ابراهيم، السردية العربية (بيروت:المركز الثقافي العربي، 1992) ص 11-16.

41- Robert Scholes, Robert Kellog, The Nature  of Narrative, (London-Newyork: Oxford  university press, 1984) p.52.

42- Northrop Frye, Anatomy of criticism (Newjersey: prenceton university press 1973) p. 249

43-  أفلاطون فايدروس، ترجمة اميرة حلمي مطر (القاهرة: دار الثقافة 1980)، ص 123-128.

44- أونج ص 158.

45- أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية (مشكلات ونصوص)، (القاهرة: دار الثقافة، 1980) ص 13.

46- أونج ص ا 29.

47- مقدمة فؤاد زكريا للجمهورية ص 167.

48- افلاطون، الجمهورية: الكتب 2، 3، 10.

49- يوسف كرم ص 93.

50- أونج ص 80.

51- عبدالرحمن بدوي، أرسطو (الكويت: دار المطبوعات، بيروت: دار القلم 1980) ص 36. ومحمد علي أبوريان وحربي عباس عطيتو، دراسات في الفلسفة القديمة، العصور الوسطى، (آلاسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988) ص 24. وبرهييه ص 223. وماجد فخري ص 100، يوسف كرم ص 114، وورنر ص 136.

52- ماجد فخري ص 100، يوسف كرم ص 114، أبوريان وحربي ص 24.

53- برهييه ص 223.

54- وورنر ص 136.

55- بدوي، ارسطو ص 36 ويوسف كرم ص 116 وابوريان وحربي ص 28، وبرهييه ص 226 وماجد فخري ص 103.

56- برهييه

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …