قراءة في أعمال أنسي الحاج في رؤيته التنويريّة.. يظهرُ الفرد في حوارٍ مع السلطة لا مواجها لها

علاء خالد

كان أنسي الحاج، من ضمن شعراء، مثّلوا المفهوم الحديث للشعر، وربطه بنظامٍ أكبرَ يؤثّر ويتأثر به، ليس هو فقط الجو النفسيّ للشاعر، أو الانعكاس المباشر لأحداثٍ وممارساتٍ سياسيّة أو اجتماعيّة أو تاريخيّة، أو نقد الماضي؛ إنما أيضا هذا الربط الحسّاس، بين الشعر وبين مفهوم جديد للسلطة، بأوجهها المتعددة وشموليّتها وتجلّياتها، وهو ما جَعَل التنوير لدى أنسي، يأخذ منحى كونيًّا، وجوديًّا، أو بمعنى آخر تنويرًا عاطلًا سياسيًّا، ليس الفرد هُنا في مواجهة مباشرة مع السّلطة، أي كانت، بل في حوار معها، فاتّخذ التنوير شكلًا حواريًّا مستمرًّا بين طرفين، لا يبغي أحدُهما فصل الآخر عنه. الله والدين عند أنسي الحاج حاضران بقوة حتى النهاية، له مكان خارجهما وداخلهما معا. الإله، ليس ممثّل الأب، أو الدولة، ولكنّه هنا بصفته الأصلية بوصفه خالقًا، والإنسان هنا ليس بالتحديد هو الهامشي، أو المنبوذ، أو المتمرّد، ولكنّه أولًا بوصفه المخلوق، الذي هو أيضا جزء من الخالق، متصل ومنفصل عنه. السّلطة هنا تظهر في أنقى صورها، في لحظة تولدها البريء، قبل أن تتداخل بصور الاستهلاك في العالم الحديث، وعلاقتها بالدولة والقوة والقهر.

أتصور أن تلك العبارة التي قرأتها، ولم تغب عن بالي، ولم تفقد بريقها، عندما يقول أنسي الحاج في بيانه الشعري في مقدمة ديوان “لن”: بين القارئ الرجعيّ، والشاعر الرجعيّ، حلف مصيريّ”. أولًا دخل عنصر جديد في حياة الشعر والشاعر، وهو القارئ، الذي كان ممثلًّا من قبل كجزء من جمهور مسيّس صامت يصفق للشاعر أو يتجاهله. عاد الجمهور، في معادلته الثقافيّة، مفردًا في صورة “القارئ”، ليظلّ حاضرًا في العمليّة الشعريّة، ولكن من خلال علاقة التواطؤ الخفيّة والحلف الوجوديّ الذي يبنيها مع الشاعر. بصورة أخرى؛ هناك قراءة مُنتجة وخلّاقة وغير رجعيّة بالتّأكيد، لو كان هذا القارئ يملك تلك الذائقة المختلفة التي راهن عليها الشعر الحديث. وهو دور تعامل مع النص الشعري، وتفسيره، كجزء من نصّ تحرّري، اجتماعيًّا وإنسانيًّا. وبالتالي انتقلت خصوصيّة الشعر لمجال أوسع، من خلال مقاربات جعلته يقف على حدود بين عدةِ أنواعٍ من العلوم الإنسانية.

ليس “القارئ” فقط هو المعنيّ بهذا التّعريف الجديد، ولكن أيضا “الرجعيّة”، ليست ضد “التقدميّة” بوصفها التطورَ والنموّ، ولكن “الرجعيّة” بوصفها النكوص عن استغلال حيويّة الإنسان وقدرته على التساؤل والتفكر، أو ما هو يعوق نموّ فرديّة الشاعر المقدّسة وحريّته المطلقة. الرجعيّة هُنا ليست حكمًا على الماضي، بل تتكون داخل المستقبل، بوصفها الموقف السلبيّ من الوجود، وتقاعس الإنسان عن أن يؤدي مهمّته أو مسؤوليته تجاه نفسه وتجاه الحياة على أكمل وجه، التي ليس لها معيار محدّد سوى الصدق مع النفس. الرجعيّة موجهة هنا لوصف إنسان فرد، وليست اتّهاماً أو تصنيفًا لجموع. وهنا نزاهة فكره وأصالة فرديّته لا تتحقق بانفصالها عن المجموع؛ بل بالتصاقها بنفسها، كأنها تقف وتتكلم في مرحلة نضج ما بعد الانفصال. “الرجعيّة” أيضا بمعنى الركون إلى معنى واحد، أحاديّة الوعي والتعبير، والحركة وسط حدود واضحة سابقة، وعكسها الحركة وسط حدود ملتبسة للمعنى وللوجود، لأنّ الرحلة من أجل كشف لغموض جوهريّ كامن في الوجود، وليس في أساليب تبدّيه. كأنّ الإنسان، في رحلة أنسي الحاج المعرفيّة، يُشارك فى إفساح مكانٍ للغته وأخلاقه وجسده وسط غموضٍ أوليّ وبدهيّ، هي رحلة خلق بمعنى ما، والرجعيّة بصورة ما هي إماتة عملية الخلق هذه.

يعدّ أنسي مفكرا، اتخذ الشعر، بمعناه الواسع، كأحد ضفاف التفكر والتفلسف، أو العكس؛ ليصب فيه أفكاره؛ فالجديد في كتاباته ليس البريق الشعريّ، ولكن حدّة الوعي، وأحيانا اللاوعي، وتماسكه برغم غرابته، وغرابة صياغته. فالغرابة جزء من التجربة؛ شيء بين التفلسف والشعر والأحلام. خلق أنسي شكلًا جديدًا لسرد القصيدة، كسردٍ غامضٍ مضغوطٍ شديد الاختصار. خاصة في ديواني “لن”، و”الرأس المقطوع”. ولكن في الدواوين التالية سيأخذ السرد منحنى آخر، أكثر بساطة وتعقيدًا في آن، ربّما لاتساع المجال الذي ينتظر منه ولادة الشّعر، كأفكار وطرق تأمل، وكشفت عن روحانية أنسي الإنسان، وليس المجدد أو المتمرد شعريًّا، بأي معنى كان.

بينه وبين الجموع
لا تحضر الجموع في قصائد أنسي إلا نادرًا؛ ليس تعاليًا عليها؛ ولكن اختار مكانًا لا يحمل ضغينة، أو خوفًا بأثر رجعي للجموع، وبالتالي يملك فرديّة أخويّة متسامحة لا تدين، لها نموذج فرد، وليس نموذجًا جمعيًّا ممثلا في فرد. فالإله بالنسبة لأنسي فردٌ، و”الرسولة” فردٌ، و”المرأة” فرد، وليسوا نماذج أو رموزًا ممثلة لجموع. فالفرديّة ليست تحقق الذات كذات، ولكن تحقق وانصهار نماذج مثالية داخل هذه الذات. فالذات الفردية عند أنسي حصيلة تعدّد وزيادة ووفرة، وليست حصيلة انتقاص أو استقلال أو انفصال عن روح الجماعة، ورموزها؛ فعلاقته بالجموع تأتي عبر هذه الرموز والوسائط الفردية، وليس عبر القطع معها، أو الانفصال عنها.

تحضر الجموع أحيانا كمخاطب، داخل مشهد له أصداء دينيّة، ولكنها جموع غير آثمة، فيظهر الشاعر أمامها بوصفه المبلغ الذي يوجّه خطاب إنقاذ لها، أو نداء تحذير، كما في “ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة”. ربما تتردد في كتابته أصداء رحلة تبشير السيّد المسيح، بديانته الجديدة، عبر خطابه للجموع التي تقابله. في هذا الديوان هناك حسّ رسولي موجّه لجماعة، مثل ديوان “أقول لكم” لصلاح عبد الصبور، ولكنّه ليس به مسحة غضب أو تطهر ديوان صلاح عبد الصبور. في الديوان نفسه يتغيّر المُخاطب من جمع إلى مفرد، والعكس، بكل بساطة، ربما لأنه خطاب خلاص ذاتي اتخذ القالب الدينيّ، وليس خطابًا دعويًّا؛ لذا يحدث هذا التداخل والانتقال السلس في طبيعة المخاطب، كأنّه انتقال يتم داخل الذات. فجأة يترك حديثه للجموع، ويتوجه بحديثه لامرأة ماديّة من لحم ودم، ربما كانت في مراحلها الأولى في التّرميز، لها قداسة مباشرة، ولم تكتسب بعد كل حمولتها الرمزية وقداستها التي منحها أنسي للمرأة في الدواوين وكتاباته الأخرى.

تعدد مفهوم الغموض
ربما هناك غموض في لغة ورؤى وصور ديواني “لن” و”الرأس المقطوع”، وبالطبع في باقي دواوينه. وما زلت استشعر هذا الغموض أمام هذين الديوانين بالتحديد، ربما كانت عنده ثقة، لحظة كتابتهما، في المستقبل، في أنّ الوعي سيتغيّر وأن اللغة ستتغيّر، ويصبح هذا الغموض جزءًا من خيالٍ عام، كأمل السوريالية، بأن يحلّ اللاوعي، محل الوعي، والداخل محلّ الخارج. مطلب تحرّري، أصاب في طريقه السلطة. الداخل، بكل غموضه وألعابه، يمثّل الحرية، مقابل القيد والنظام الذي يمثله الخارج. الحريّة، أيًا كان شكلها، مقابل الحداثة العقليّة والنظام.
لأنسي موقف واضح ضد الحداثة وسيادة العقل، ولربما هذا الموقف يفسّر غموضه، جعله هذا الموقف يقف ضد وعيه الذاتي، كونه منتجا حداثيًّا، لذا فالشعر يسير على أعراف بين ضديّته لوعيه، وبين رؤى واستبصارات تقف على حدود هذا الوعي الحاد. لا يقف مع القديم أو الماضي، وأيضا ليس مع الحاضر الحداثيّ الاستهلاكي، فزمن القصيدة يقع في زمن ما، يشبه زمن الذكريات المجمدة بعد أن استقلت عن ماضيها وكوّنت واقعًا جديدًا.
هذه المحذوفات الأوليّة في تفكيره، جعلته يقف في مواجهة ثنائيّات، كأنّه يأخذ موقف آدم، أو إنسان بدائيّ؛ من أجل استمرار الجدل، والأهم الوصول لمكان نفسيّ، حياتيّ، يجعل هذا الجدلَ منتجًا وليس ثابتًا، كجدل الصّراع الديني بين الخير والشر مثلًا. فالغموض هُنا جزءٌ من طبيعة المكان الذي اختاره للنظر للحياة، جزءٌ من هذا الجدل الحيّ، بين هذه الثنائيات البريئة.

في مقدمة “خواتم” يراهن أنسي، على أهميّة الكلمة، التي لم تنفصل بعدُ عن معناها، كما سيفسّر تساؤل الفيلسوف النمساوي فيتجنشتاين: أن الكلمة تُفضي إلى كلمة، ولا واقع خارجيًّا لها. يخشى أنسي من هذا المصير الميكانيكي للكلمة، وسط عالم استهلاكيّ يطغى على كل علامات الفرديّة. فالكلمة هي الحاملة لهذه الفردية كأصغر بناء فيها، فالفردية بالنسبة له لغة، والشاعر هو الممثل لها، ورسالته ستكون ضد هذا العالم الاستهلاكي الحديث، الذي يفرغ الكلمة من قوتها. يقف أنسي في مكان تساؤل فيتجنشتاين، ولكن بحرارة الشاعر وليس الفيلسوف، ولكن برغبة أن يتجاوز هذا السطح الميكانيكيّ للكلمات، نحو جوهر كامن فيها، يجب استعادته.

ربما مفهوم الغموض عند أنسي، مصدره هذا التناقض بين إيمانه المسبق بالكلمة وبين محدوديتها. بالتأكيد هذه المحدودية ناتجة من رحلة ضد هذا الإيمان المسبق بها. فالكلمة تُحيل لكلمة، وليس لمعنى أو مدلول، وبالتالي الكتابة واقع، أو كون، معزول عن خارجه، وبالنتيجة هناك انقطاعٌ عدميٌّ للجدل بين الداخل والخارج. ربما الغموض هنا جزء من عدم القدرة على المطابقة بما هو خارجها، بسبب الفجوة التي فُتحت في العصر الحديث بين الكلمة والمعنى، أو بين الدال والمدلول. الكلمة لا تعيّن ولكن تشير من بعيد. ربما من داخل هذا العجز والمحدودية يمكن لأيّ شيء أن يكون غامضا. هذا الغموض جزءٌ من محاولة إعادة الاتصال بين الداخل والخارج، بمزجهما معًا داخل علاقة جديدة. ربّما الكلمات لا تقدر على التعيين، ولكنّها مستمرة في أداء مهمّتها الشعرية، فالجدل قائم حتى لا تموت الكلمة وتنعزل، بانفصالها عن خارجها الذي يقف ضدّ جوهرها الثمين. هذه البرودة التي تعيش فيها كلماته، ناتجة من هذه المحاولة، أن يفرغها من أي حرارة مبتذلة ستزيد انعزالها وانفصالها، للحفاظ على قدسيّتها.

يتساءل أنسي: لقد أصبحت الكلمات تنقل إلينا بلاغتها، في أيّ لغةٍ كانت، ولكنها لا تقيم بينها وبيننا تواصل الحب. القربان انفصل عن رمزه. هل ماتت الكلمة؟ خواتم1- ص 12.
الإنقاذ بالنسبة له هو الذهاب بالكلمة إلى اللامحدود، والعبثيّ، أي اللعب باللّغة لعبًا سورياليًّا، مزجُ الخيال الجامح بهذه الكلمات المقيدة، فاقدة الجوهر، لاستعادته، وهو إحساس “رسول” برسالة اللغة، وهدف الرسالة، هو إعادة القربان إلى الرمز، شحذ الكلمة بالتضحية، بقوة الإيمان، عبر هذا اللعب، طالما طريق العقل والإيمان التقليديّ لم يشحذها، أن يذهب بها إلى أقصى احتمال للامحدوديّتها والعبث بها، فاللّعب لغة اللانهاية.

هناك تأثير لفيتجنشتاين على أنسي، طبيعة شذراته، وطرق تحليله، وفي صياغتها وقوة حبكتها وصدمتها التي تحدثها، ولكن لأنسي منبتٌ روحيٌّ عكس فيتجنشتاين، الذي له منبت ماديّ مجرّد؛ لذا لا يوجد طريق أو هدف، يصل إليه في تأملاته الفلسفيّة، وهذا منبع قوّته، أما عند أنسي فهناك مرجعٌ إيمانيّ يحرك تأملاته، حضور الله الذي يمنح كل شيءٍ طاقة من روح الخلق. وبالنتيجة هناك جوهرٌ كامن في الكلمة، فالأنسان كائن لغوي، بشكل ما، ومهما تضاءلت وقُيّدت وظيفة الكلمة، فانفصالها مؤقت عن معناها، والأهم اكتشاف هذا الجوهر خلال رحلتنا.

هذا الجوهر هو صورة من صور الاتحاد بين الداخل والخارج، كونه جوهرًا حيًّا مرتبطا باستمرارية وديناميكية الخلق، كما يشير من بعيد في مقدمته في “خواتم”. هذا الجوهر في شعره متعالٍ عن الزمن، يأخذ شكل البداية السابقة، أو “الماضي الآتي”، الذي يُلاحق صاحبه. فرحلة أنسي رحلة إيمان، وهذا أيضا أحد أساسات مسارات وعيه، أنه يتحرّك ليكشف، ليعيد الثقة في الكلمة لا ليزيد الغموض، مهما كانت نتيجة المحاولة في النهاية، فشذراته في “خواتم” بها هذا الجانب التأمّلي، الكاشف لما وراء غموض الأشياء. فالغموض عنده مرحليّ، أو تجريبيّ، أو اضطراري، ليتجنّب الجانب السلطوي المعقلن في الثقافة، ليعيد اكتشاف الروحيّ والجوهريّ فيها، ربّما هي معادلته للتمرد الإنساني، بأبسط، أصعب، أشكاله الفردية غير المسيّسة.

مع توالي الأعمال سيقلّ الغموض، ظاهريا، لصالح التعوّد على عالمه، الذي سيفاجئني دومًا أثناء القراءة بهدايا واستبصارات شعريّة ورؤيويّة عميقة جاءت من كثافة هذا العالم الغامض. الشعر عند إنسي، لا يأتي من اليومي، بل مما فوق الواقعيّ، أيًّا كان، مكانًا أو فلسفة، أو رؤى إيمانيّة، أو حسًّا رسوليًّا، أو وحيًّا، أو حلمًا، فكلها الأماكن التي يتوفر فيها الشعر والشعرية مقرونة بالغموض والتماسك معا.
في شعر أنسي الحاج ونثره؛ التفاصيل ليست مهانة، هناك تصفية متعمّدة للموقف أو المشهد، بقصد تعتيمه. القصيدة ليست حياة التفاصيل بمعناها اليوميّ والمعيش؛ ولكنّها تفاصيل تاريخ الوعي، تاريخ الإيمان، وتاريخ تحولاته، نقاط الألم في النفس، والأوجاع الشخصية، بالإضافة طبعًا إلى تاريخ الحب ودوره في حياته. يؤكد أنسي الحاج في شعره ونثره على مرحلة أصيلة في رحلة الوعي الحديث. هو بشكل ما ضد الحداثة بشكلها السياسي والاستهلاكيّ المطروح، ومع الحداثة الحرّة التي لا تسلب الإنسان شروط وجوده واستمتاعه بفرديّته، وهو الموقف النقديّ عند أنسي الحاج، مكان المقاومة الأخلاقي. هذه النظرة جعلته يتخذ قاعدة مقاومة أخرى، وهي المرأة، التي لم تعد فقط شريكاً، بل أصلاً من أصول الحياة. علاقته بها أقرب للعبادة وعلى الأقل الاحترام العميق. امرأة أنسي الحاج هي امرأة ما قبل النظريات النسويّة، هي مادة ووعاء الخلق.

مع توالي الدواوين ستتوضح مرتكزات عالمه، ولكنه عالم لا ينفضح، وربما هي أصالته، لأنّه مبنيٌّ على جمل وأفكار وجوديّة متفرّقة ومتناثرة في أكثر من اتّجاه، تشتبك فيها الفلسفة مع التأمل الذاتيّ، مع موهبة العلاقة باللغة، مع طموحات وسيولة الشكل الشعري، وليس غموضاً محمّلاً فقط على اللغة وألعابها، ولكنّه غموضٌ يأتي من هذه الفجوة الوجودية في ذلك المكان الشعري الذي يتمثّله أي شاعر حديث، وفي طموح الشاعر/ الرسول، الذي يتكلم منه وعنه.
غموض غير مستهلك وطازج، والدّليل هو عدم وقوعه في تناقض عند التعامل مع ثوابته؛ كالحوار مع الآخر، ورغبة الاكتمال الملحّة، والصدق مع النفس، والاحترام للفردية، وهي الثوابت التي لم تتغيّر مع الزمن في دواوينه ونثره. لم ينكشف عالمه عبر هذه السنوات. ولم يتورّط في بلاغة لا يحتملها هذا العالم، فالإيجاز والتجزيء والضغط، سمات أسلوبيّته حتى في القصائد الطويلة. هناك غموض يصمد مع الزمن، لاتفكّ شفرته؛ لأنه ليس فقط غموضًا فلسفيًّا، يخرج عن رؤى مرجعيّة متضاربة، بل عن مكان شعريّ، له تجانسه مهما تضاربت رؤاه. هناك تأسيسٌ لنوع من الخيال، وليس المكان كمعنى.

عند أنسي ليس هناك تغيير لدلالة الكلمات، وإنّما هي رحلة مع تغيّر الموقف الفكريّ. هناك سيولة في عناصر عالمه ولا تسير على خط فكريّ محدد، فالشاعر ليس مهيمنًا فكريًّا على العالم من حوله، لكنّه مهيمنٌ على عالمه الشخصي وعناصر حواريّته، منفعل دائما وقابل للتحول. ليس لعالمه خطيئة محددة يمسكه منها، أو يسير ضدّها، ولا مرجع لينقضه، ولكنّه يسير مع أسطوريّة الدين، مع غناء الإنسان داخله، مع قداسة المرأة، وربّما السبب في هذا هو نظرته لمسيحيّته التي لم يحتج لنقضها أو هدمها أو التعامل معها كمرجع سياسيّ لا بدّ من تغييره. ليس نتشويا ضد المسيح، ولا ينظر للعالم كحداثي، ولكن كإنسان يملك خبرة تأمليّة أصيلة، ربما تتجاوز خبرة الحداثة وأقانيمها. تلمس الوجود والمعرفة هما أهم من أيّ مشكلة مؤقتة.

العلاقة بالآخر: مزيج من الحب وسوء الفهم
يستخدم أنسي أسلوب النداء كثيرًا، هناك منادى أو مخاطب، وحوار مع آخر لا يكلّ أن يُستعاد، ولكنه حوار غير متكافئ؛ لذا فالنداء يأخذ شكل طلب النجدة أو الإنقاذ أو الرجاء. سواء كان النداء موجّهاً لآخر، أو للذات، أو لجماعة. هناك رجاء دائم أن تأتي المعجزة، ويستجيب الآخر لهذا الدعاء/ النداء. ليس معنى هذا الاتّكال، ولكن هذا الآخر جزءٌ أصيلٌ من الذّات، وهنا ثقة وعدالة الرجاء، أو النداء، أنه يتوجه للجزء الأقوى من الذات، المنفصل والمتّصل، معها في آن.

في عالمه لا تكتمل شروط الوجود إلا بوجود هذا الآخر المختلف، سواء كان بالداخل أو بالخارج. فالعالم كما هو موجود بالخارج، موجود أيضاً بداخلنا، وهما منفصلان كحقيقة وكمادة وكجغرافيا. ولكن الحلم، الكلمة/ هو الوحيد القادر على جمعهما. هذه الثنائيّة المؤجّلة، هي ثنائية البحث المستقبليّ عن الاتحاد أو الحب، الزمن الآتي للشعر.

برغم هذا الحوار غير المتكافئ، فالفرديّة هنا لا تغيب ولا تضعف، كونها فرديّة لا تسلّم بمفهوم النديّة وتكافؤ السلطة، ولكنها نديّة من نوع آخر، حميميّة، مبنيّة على الحب وليس الصراع، كعلاقة الأم وابنها، لا تسمح بالتّساوي، لاختلاف القدرة والإمكانية، فطرفها الآخر مُحتوٍ، مقدّس، سواء كان الله أو المرأة، أو أيّ طرف يقف على هذا الجانب من النداء، سيُمنح هذه القدسية وصفة الاحتواء والخلق.

عادة ينظر أنسي الحاج للجانب الآخر له، ليس كطرف آخر، مغاير أو ضد، سواء كان الله، أو المرأة، وإنما كجزء من الذات. يدخل أنسي داخل الآخر، أيًّا كان، مفهومًا أو رمزًا أو آخر ماديًّا، يفلسفه، يتحرّك من داخله، يتبناه. هناك نوع من التأمّل المشدد، أو انكشاف الأشياء أمامه، أمام جدية وحدة أدوات رؤيته وقدرته على التمثّل للمعاني والمفاهيم المجردة. في فصل بعنوان “في وضح الظلام” في “خواتم 1″، هناك تركيزٌ على أنّه وصورته في قلبه، محاولة تفسير فكرة الخلق. وأيضا كشف الزيف داخل أيّ إيمان، وخاصة إيمانه هو؛ فهو نقد موجّه لنفسه. قبس من نيتشة، ولكن في اتجاه إيمان حائر متذبذب، ولكنه ليس عدميًّا بحالٍ من الأحوال.

إحساس السلطة له طغيان في قصائد أنسي، وهي جزء من العلاقة بالآخر، يعيش الشاعر تحت ظل سلطة أعلى باستمرار، علاقة احتواء وجدل وتجاذب مع شيء كبير. ربما الخوف على الذات، والاستمتاع بثقل هذا الجرم الذي يجذبها، وكذلك الاطمئنان في وجود هذا الجرم الكبير، كحماية واحتواء، كلها تدفع الذات لعدة حركات مجتمعة، مع وضد. هذا الصراع والجدل والاحتواء من قبل شيء كبير، أو معنى كبير، كالأمومة مثلا، لا ينفي إرادة التسليم أو الاستسلام، ولكنّها أزمنة مختزنة داخل أي وعي شعريّ. أحياناً يعمل الزمنان، ويتلازمان، فى الوعي، أثناء الكتابة.

العلاقة بالآخر عند أنسى الحاج، مزيج من الحب وسوء الفهم، ورغبة الاتحاد والذوبان، وهي رغبة متعصبة، ولكن لها وجاهتها، خصوصا أن تجارب الحبّ مقيدة مهما كانت، وهو الطريق الذي اختاره ليتعرف به على العالم. يصدِّر أنسي الاستحالة في الحب، ليبني رغبته وحلمه على هذه الاستحالة. المهم هو الحلم بالحب، وخلاصه، وليس الحب نفسه، وقوة هذا الحلم أنه يظهر في أزمنة غير مهيأة لاستقباله، ليولد الشعر ويملأ الفجوات، كما نشعر الآن في زمن استهلاكي، بغرابة إلحاحه على الخلاص بالحب، وبأوصافه لنفسه في حوار مع نوري الجرّاح بأنه شاعر حب، كما يبشر أنسي باستمرار. ربما الذي عطّل رومانسيّة رسالته في هذا الزمن المفارق، بجانب لغته المستخدمة، التي لا تعتمد على القاموس القديم للحب؛ هو تعدّد أشكال المُحب ورمزيّته، وأنّه ليس هناك نموذج يعلق عليه هذا الحب الخلاصي، كأنه هو النموذج والمبشر به في هذا الزمن.
من الذي يقف على الجانب الآخر من النداء؟
الله يقف على هذا الجانب الآخر من النداء، والمرأة أيضا، سواء كانت امرأة من لحم ودم، أو الذات التي ترى نفسها في مكان الأنثى، في مكان العشق، وهي أحد شواهد الإيمان، أن تعيش الذات بحرارة الحب، حتى في غياب الآخر؛ محبة ومحبوبة، ولا يعنى هذا أي نرجسيّة، فالمكان الأنثويّ داخل الذات، أو خارجها، هو المكان الأصيل والأعمق والملموس والأقوى أيضا، كونه مكان الخلق الذاتيّ. سواء كانت العلاقة مع هذه الأنثى غير متوازنة، تحكمها ثنائية السيطرة أو الخضوع، فهناك شرارة تتولّد من هذا الجدل الثنائيّ، مع كائن إلهيّ له شكل اجتماعي مثل المرأة.

ربما المرأة التي يوجه لها أنسي الحاج النداء في شعره، عادت وظهرت كموضوع في نثره؛ ولكن بشكل أكثر تعيينًا وتعدّدًا، كأن يُعيد النظر لها عبر عدسة محدّبة تكشف التفاصيل والثنايا، ليست منادى بعيدًا، ولكن شخصًا/ معنى قريبًا. يتم الحديث معها والكشف عن رمزيّتها والبحث عن الجوانب التي تحدّدها. كما لها رمزيّاتها المتعددة، في الوقت نفسه لها حضوراتها الماديّة الملموسة غير المرمزة. ليس هناك حضور على حساب آخر، لا للقداسة والتعدد على حساب الشخصية، ولا لمادية الشخصية على حساب القداسة. أعتقد هي إحدى معادلات أنسي التي أصبح لها قالب لغويّ تخييلي يعاير به ويمزج بين قدسية/ مادية عناصر عالمه.

هناك ربط المرأة بالإبداع بطاقة الكون الخلاقة، هذه النظرة غير الحداثية التي تعتمد على تناسق الموجودات وعلائقها بعضها ببعض، التي أضافها أنسي للمرأة، فهو لم يجردها ويرمزها كالصوفيين لتحتوي تجربة الحب، كنائب عن الإله، ولا كالحداثيين الذين استخدموا، وسط حضور استهلاكي يشيّئ كل شيء، جسدها كمادة للتحرر؛ لكنه ردها لطاقتها الكونية وأهم ما فيه فعل الولادة، الخلق.

ربما نثر أنسي الحاج في “خواتم” بجزئيه، يمثّل الجانب المفهومي للمرأة، أو طريقة تفسيره للأنوثة والأنثوية، كمفهوم يتعدى المرأة. مثلا يتكلم عن التعرّي وليس العري، التعرّي فعل وليس صفة، والفعل يلي الفاعل الذي هو المرأة، وهو هنا يرى بوضوح المسافة، الجهد، الذي تقطعه المرأة خروجًا عن العادة الاجتماعية، أو الصفة الأبديّة، لتعود لجوهر قديم وآني. تماما مثل نظرته للكلمة وقوّتها. في الاثنين هناك جوهر فريد مفقود، يتم العودة إليه، أو البحث عنه، أو محاولة الإحاطة به. إنه يبحث عن معرفة كليّة تروي شغف الذات لها، حتى ولو لم تتوفر، فهي المثال، الكشف عن هذه الأوجه المتعددة للأشياء والعناصر والموجودات. بدأت ألمس هنا، صورة جديدة لمفهوم “التعدّد”، عند أنسي، كنبات هامشيّ ضعيف، يشقّ طريقه وسط صياغاتٍ لها جانبها الأخلاقي، الذي يصل أحيانًا لحدود التعصّب، أو الدعوية/ الرسالة.

يرى في الأنوثة وفرة وفي الذكورة انتقاصًا، وأن العالم بُني على الذكورة، أو على وفرة النقص، أو سيطرة الرجل، كأنه جاء ليعيد الاتّزان للعالم الحديث، ويطالبه بأن يكون أكثر أنوثة/ أنثوية، لأنّ الانتقاص من الذكورة، التي يشبهها بالفحولة، يحتاج في الكفة الأخرى، الخلاقة، زيادة معدل الأنوثة في الكون. بمعنى ما إنّ غياب السلطة التي تشكلها الفحولة يتيح الحرية لمادة الكون الجوهرية المتوفرة في المراة للانـطلاق، فالمشكلة مشكلة سلطة/ قهر، يمنع ويعطل، وهو الموقف السياسيّ المجرّد الذي يصل إليه أنسي الحاج في كتاباته. هناك علاقة برامبو في نظرته للمرأة. بمعنى ما هذا العالم الذكوري يحتاج لولادة مجازية مستمرّة، عبر انعكاس لصورة الرجل على الجزء الأنثوي الأقوى داخله، الذي هو ضد السلطة الذكورية بشكل ما.

في ديوان “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع”، قصيدة واحدة لها شعريّة روائية، تدور حول التكوين، لقصة خلق الإنسان، سواء للأرض، أو للمرأة وللرجل. إنها قصة الخلق كما يقول الشاعر، قصة الوجه الآخر من التكوين. كأنّ التكوين له أكثر من رواية حوله، وباختلاف الهدف منه، فالتكوين ليس شيئاً مفرداً، فهو عدة لحظات مجتمعة، وهذا دليل تعدّده، واختلاف الرّواية حوله. ليصفو التكوين، في النهاية عن المرأة، بكل رمزيّتها وحمولتها النفسيّة والإلهية، عن الحب وحماية المحبوب، والشفاعة أمام الله أن يحفظها.
في هذه القصيدة الروائية لا يبغي منها أنسي أنسنة للتكوين، أو إعادة توزيع الأدوار، كما حدث في مرحلة حداثة الستينيّات والسبعينيّات الشعرية، التي كان البحث فيها منصبًّا على أنسنة التكوين وتغيير الأدوار، بل وعكسها، كما حدث مع شخصية الشيطان مثلا، لم يتمّ النظر إليه كشخصية نفسيّة، بل كنموذج مجرّد للبطل والمعبود، سخر الشيطان من أجل التنوير ومشروع الحداثة والوعي السياسيّ، لتعود العدالة المعكوسة، هامش العدالة، مرة أخرى لتطل من داخل النص الإلهي.
لم ينظر أنسي من هذه الزاوية، فإعادة قصة التكوين في “ديوان الرسولة” ليس من أجل البحث عن العدالة السياسيّة المفتقدة في لحظتنا، أو تغيير أدوار النص الديني من داخله، وإنما إعادة الاحترام لعنصر من عناصره تم تجاهله، وهو”المرأة” الرسولة. المرأة هنا بدرجة إلهة، ولكن ليست متعالية عن كونها فردًا، وإنما تأخذ مكان المساءلة، كما يتم سؤال باقي المقدسات. إنه نشيد إنشاد أنسي الحاج، وديوان العهد والقسم والخضوع أمام الله، وأمام الرسولة وأمام المجتمع، وهي الأطراف التي تتراوح في شعره على الدوام، العناصر التي تضم الذات والمشهد الشعري، والإنساني معا.
الله والخلق والبراءة
هناك أهميّة قصوى في حضور الله داخل تجربة أنسي المعرفيّة، وأعتقد بأنها تجربة؛ لأن هناك خطوات وتطوّرًا دائمًا للمفهوم، أو الرمز، مع استمرار وجوده، فهو ليس موجودًا في مكانٍ ثابتٍ، محدّد، ولكن له حضور متغيّر. هناك قبول بحضور الله من البداية، وليس هناك أي إقصاء له كما في نصوص الحداثة، ولكنه تقصٍّ وقبول حواري؛ لأنه لا يتحقق في غيابه ولكن في حضوره، وبدون نزع سلطته عنه، يجترئ عليه أحيانا، ولكن لا يقلّل من قداسته أو قوّته.

هناك ارتباط بين المرأة والإله، ” أريدك يا إلهي دائمًا مثل هذه الأم”. أنوثة المقدّس، ولكن بعد أن تنزع منه الرّغبة، فالمقدّس ليس مرغوبًا، لا توجد علاقة جاذبيّة بينك وبينه، بل احتواء، والجدل يحدث من داخل هذا الاحتواء. وهي من أهم العلامات في تجربة أنسي، أن الجدل يحدث داخل إطار من الاحتواء، الجدل داخل الحب.

مفهوم الخلق أساسي عند أنسي، بداخله يكمن سر الوجود، وبذور العلاقة القديمة بين الله والإنسان والحياة، هذا الثلاثي الجدلي. الخلق علاقة بين الله والإنسان، هناك الخلق الذي يقوم به الله وهناك الانخلاق، الفعل الذي يقوم به الإنسان. ” الخلق حب، والانخلاق حب، والقوة التي رفضتهما هي التي أوحت لكل منهما أن الآخر عدوَّه”. خواتم 1 – ص 73. وهنا ألمح أحد علامات التنوير في مفهوم أنسي الجمالي، التنوير بوصفه كشف الحجب عن هذا السر، ومشاركة الإله لحظة البداية. وأيضا بوصف الشاعر خالقًا أو رسولًا، أو نبيًّا، للكلمة وللغة، وقدسيتها كما يفهمها. هو ليس نائبًا عن الإله، بل مكمًّلا له. وإن حدث له تحوير وتغيير حديث في الأدوار كما يقول في “خواتم، وارتبط باللعب بالكلمات والذهاب بها لآخرها فهو ليس نبيًّا للحكمة، ولكن للغة.
“الخلاق الأصيل، الكبير، الأكبر من الزمن، إله فقد ذاكرته (مؤقتا؟) بين مقلدين، فراح، لبراءته، يتمنى لو يستطيع تقليدهم! خواتم 1- ص148.
إنه يقف دائما، في جانب الله، لذا يفسر ويشرح كل معجزاته، وأولها الخلق، ويعكس صفاته على الإنسان، الشاعر. إنه هنا يتكلم عن الإله المتواضع الذي يهب الخلق بدون أن يتفضّل به ويتمايز به، كأن قدرة الخلق هنا كامنة في التواضع، وهو فعل يمكن نقله للإنسان/ الشاعر، ولكن مع حضور: هذا الإنكار الشديد للذات، بجانب التناسي، وفقد الذاكرة المؤقتة. إنه ليس فقدًا للذاكرة أو محوا لها، ولكن إزالة أي حواجز تمنع هذا التدفق السيّال للذاكرة، وهو تخلّق النص، بالإضافة لهذا القدر من البراءة المجروحة، التي لا تتوفر إلا للكبار، فبراءة الصغار غير مجروحة لأنها طبيعيّة، أما براءة الكبار فهي جهد ضد سلطة الذكورة داخلهم، مما يشكل جرحا لكبريائهم:
” لم يخلق شيئا إلا عندما كان يعيش في يقين أنه عاجز عن الخلق. نسيان الطموح إلى تقليد الله قد يحمل للإنسان أملا في خلق. الخلق لايبتغى. يحصل من جرح براءة، مثل عمى يمزق، أو بصيرة تُغْمَض عن العالم المُعمي”. هل يكون الله قد خلق الإنسان في الظروف ذاتها من البراءة الجريحة؟
“(…)أو من البراءة التي جرحها المخلوق فيما بعد، لم يستطع أن يفهم عذابها. ” خواتم 2- ص 34 –33.

يرى أنسي الإله أيضا بمفهوم حديث، وربما استهلاكي، موصوف بلغة السياسة، “كمتعدّد ديمقراطي”، أما الشيطان “فأحادي ديكتاتوري”، لأنه لا يسمح بوجود غيره من المتمرّدين، أما الله فيسمح بحضور الشيطان في كنفه.
” نتمرّد على الله كما نتمرّد على الأب، تستطيع أن تكون شيطانًا في كنف الله، لا تستطيع أن تكون إلهيًّا، ملائكيا، قديسا، مع الشيطان. سيظل يلاحقك بإغرائه حتى تصبح إمّا معه وإمّا عليه”. خواتم
يستخدم أنسي المصطلحات السياسيّة كالديكاتورية والأحادية، ولكن يعكسهما على الوضع بين الثنائي الله/ الشيطان لتميل كفة الله، لأنّه متعدّد، بينما الشيطان أحاديّ، ومن قبل كان نموذجُ الشيطان الأحادي هو أقصى تحقّق للفردية يتم بعصيان الله، وخروجه من معادلة التحرّر، ولكنّه هُنا يرى الإنسان ابن الإله، المتعدد، المُحتوي بتعدده، وصورة تمرده هو تفجير الأسئلة والاستنتاجات من داخل هذا الإطار الذي يحتويه.

وما يجمع الإنسان والله في كتابة أنسي مهما كانت الوظيفة، هو قوة الحب، فالتجاذب هنا يتم بين ذات صغرى وذات عليا، بين قوّتين، ولا يتحقق مرور تيار الحياة إلا عبر هذه النسبية بين القوتين، أو المفهومين. في مفهوم أنسي، هناك دائما قوتان أساسيتان ومتساويتان في الكون، واحدة تحتوي الأخرى لأنها سابقة عليها، ومن هنا ينشأ الجدل. هناك قوّة الخلق ويمثلها المؤمن، ومكانها داخل الإنسان، وهناك قوّة التمرّد ومكانها خارجه، وسط الحياة. السواء بالنسبة له هو حضور الاثنين، الداخل والخارج، الإيمان والتمرد، الخالق والمخلوق، الحرية والإيمان. يطلب من الله بعشم الحرية التي قد تصل إلى حد الإنكار، ولكن في الوقت نفسه حرية مسؤولة ” ومأسأتي أني أريدك، يا الله، وأريدها، هذه الحرية. إيمان ملعون”. خواتم 1 – ص 75 .
يسمي إيمانه “إيمان ملعون” لأن به تجاوز، كونه يتضمن مقايضة مع الإله، كأنّه يقف مكان الشيطان القديم قبل المعصية؛ ولكنّ المقايضة تتم في أرض أخرى، ليست في السماء، ولكن داخل الذات، فالإله هو الإنسان، والإنسان هو الإله، فالإله يشكل جزءًا من المخلوق، والعكس، يتم الحوار معه وتقديسه ومحاسبته وتأنيثه، وإسقاط كل شيء عليه كجزء من هذا الداخل.

مسيحيّة أنسي ومفهوم الحب
يعيش أنسي ويتحرّك بهدوء وسط رموز وروحانية ثقافته المسيحية، ربما هناك صدى وقع صدام مع هذه الثقافة، ولكن هناك تعمّق وتأمل، يوسعان من مفهوم السلطة والصّدام داخلها، ولكنه في النهاية مع غنائيتها، مع رحلة حبّها للآخر، وللإنسان بشكل عامّ. وربما هذه الغنائية الخاصّة جاءت من مرونة هذا الاتصال والانفصال مع/عن هذا المرجع المسيحيّ. مسيحيّة أنسي الحاج واستبطانها، كجزء من تجربته الشعرية، كما ذكر الشاعر عبد القادر الجنابي من قبل، ووسط محيط إسلاميّ مخالف بمعنى ما، حتى ولو كان متحرّرا، فمرتكز أنسي وعالمه لا يقوم على الأفكار التحرّرية القائمة ضد المرجع الإسلامي؛ لذا هو خارج أي التقاط أو تصنيف سياسيّ لفكرة التنوير، ربّما هذا هو السبب في التشويش عليه، أو عدم بروزه، كما أشار الجنابي، لأن الصوت السياسي المهمش، داخل الشعر، أو الثقافة، كانت له الغلبة. وربما ساهم هذا في تأكيد غموضه، بل وإقصائه أحيانا عن مكان التحديث. وربما أيضا منحه الفرصة لكي ينفصل ويكمل مسيرته بدون اختراع ضديّة ما، أو ارتباط متعسّف بهذا المرجع وإشكالية تسييسه.
ربّما لأنه لم ينظر للمسيحيّة بوصفهامرجعًا قابلًا للنقد، أو هذا المرجع الإشكالي الذي يكوِّن هامشيته ضده ويدين من خلاله العالم، أو الحياة، أو الماضي، فالماضي حيٌّ عند أنسي، شخصيٌّ للغاية، كوعاء للذاكرة وليس كتراث. عاش أنسي متماهيًا داخل المرجع المسيحيّ، بدون نسيان هامشيّته داخله، التي هي وعاء فرديّته، ولكن بحضور فرديّة لها قالب رسولي، هذا المنادي في البرية بالحب وبالمرأة وبالحرية، وبكل المعاني الإنسانية وسط عالم استهلاكي ماديّ، وبدون أيّ مبالغة أو غثاثة في التعبير، عن الحب.

يأخذ الحب أحياناً عند أنسي الحاج أشكالًا متعصّبة من حب الذات أو الآخر، وأحيانًا هناك تأليه للذات وهذا الآخر. مفهوم الحب في حد ذاته يتضمن استيعابًا وتجاوزًا وترفّعًا واحتواء لفكرة النقد، التي تأسّس عليها جزء كبير من الشعريّة العربية الحديثة. أمام الحب تتراجع، وأحياناً تترافق، قضايا كبيرة كالحريّة، أو التطوّر والتجاوز، أو التنوير السياسي، وهي قضايا اهتمّ بها الوعي الأدبيّ العربيّ الحديث، حتى أصبحت ممجوجة وفاقدة لمعناها. الحب عند أنسي الحاج ليس حبًّا سياسيًّا، بل حب الإنسان القديم، قد يقترن بالحرية، وقد يقترن بالعبودية، “العبودية المختارة”، ولكن في كلّ الأحوال له يد في فهم الوجود بوصفه أصلا قديما.

لأنسي ذاكرة متيّم، قريبة من متصوّفة الإسلام، بها أطياف من الحسيّة والقدسيّة في آن؛ صوفيّة حديثة تعتمد على الكشف اللغوي أكثر من تجربة الوجد نفسها، فالبلاغة، أو التفلسف، ركيزتان في فهمه للعالم كعالم لغويّ وكتجربة لغوية أيضا، فالذوبان في عالم الرموز وترك العنان للغة ورموزها لتحمل جوانيّته، وتحفظها أيضًا من الذوبان في هذا الآخر، لأنّها في النهاية رمز، فالتداخل والذوبان بين المحبّ والمحبوب، يتمّان عبر تجربة مثل تجربة التنويم المغناطيسي للغة، وليس للوعي.

ربما أيّ شاعر عربيّ حديث سيشعر بتناقض موروث، وهو كيف يوفّق بين مرجعه الشخصيّ ومرجعه الدينيّ بكل ما يحمل من ذاكرة، أين يقع هذا الإحداثي بين الاثنين، أين المكان الذي يلتقي فيه المرجعان/ الذاكرتان، بهدوء، وبدون شعور بالذنب، أو الانتصار من طرفه، وبدون أيضا أن يتم إقصاء أحدهما؟ أعتقد أنّ أنسي، عبر تجربته، توصّل لهذا المكان المستسلم بدون هزيمة، ربما لأنه رحَّل تجربته لمواجهة أبعد، بالتعامل مع السلطة كأصل وجودي، وليس كمنتج سياسي.
ربما أنسي كان يرى مكانا ثالثًا للتمرّد، أو الفرديّة، أو لأي مفهوم. مكان جدليّ يقع بين التمرّد والخضوع، لأنّ عالمه قائم على جدل بين ثنائيات. يقول في ديوان “الوليمة” مثلا “لم أعرف أصغر منكِ إلا الروح، ولن أعرف أقوى إلا الموت”، أو “لأنّك ذلك التواطؤ الأخفّ من الحب، وتلك الشراكة الأبعد من الحب”. بين الأصغر والأقوى، وبين الأخف والأبعد، عبر هذا الخلط غير المتوازن بين الصغر والقوة، وبين الخفّة والبعد، الوزن والمسافة، يوجد هذا المكان التخييليّ داخل الوعي، الذي يتغيّر باستمرار تبعًا لنوع المواجهة، ويكشف عن نفسه عبر هذه المواجهات والتعريفات الثنائية.
هذا المكان الثالث الذي يعبر عن الشيء دون تزيين أو مبالغة لشيء في نفسه، يبحث دائما عن هذا الالتصاق بين الشيء نفسه ووظيفته، حتى ولو دخلت اللغة كوسيط، ولكن يمكن ألا تغرب هذا الشيء كما يفسر الأدب، لأنه مخلوق، له حيز، وليس رمزيا فقط، يمكن أن تتحقق فيه نزاهته، وليس جماله أو بلاغته، لأنّه ناتج عبر خريطة ومسارات تجربة ذاتية، ما يمنحه التجسيم وتبعده عن مأساة الرمزية الخالصة!!
وربما لهذا السبب يستخدم أنسي حرف “إما” كثيرًا، وهو حرفٌ لتعليق الحُكم بأحد الشيئين، كما تقول القواميس، أي هناك مكان جديد ليس هذا أو ذاك، يقع بين الاثنين، لا الله ولا الإنسان. هو المزيج بين الاثنين، الناتج عن تفاعل وحوار بين الاثنين، وليس إملاء.
تعتيق اللغة
لغة أنسي بشكل عام، بها حسّ قديم معتّق، كأنّه يقوم عمدًا بتعتيق اللغة، ولكن بدون زخرفٍ بلاغيّ، ولكن باختيار دقيق للمفردات، بجانب بتغيير أدوار عناصر وأزمنة الجملة، بتقديم وتأخير وإلحاق. وربّما هو حسّ السياق القديم للكتابة العربية، الذي يمثل المطلق بالنسبة للتجربة الإنسانية العربيّة، ولأفق اللغة، الذي تشكّل بدء الخلق وبدء خلقها الذاتي في آن. وأعتقد أن أنسي يتعمّد سبك الجُمل على هذه الشاكلة، التي بها بعض التصنع الجمالي، أو لعب بها، يجعل الجملة تخرج عن سياقها، عن وعيها الحاضر، وترتد لهذا الماضي، مكان البدء، من ناحية، ومن ناحية أخرى يتجاذبها الموضوع/ الحاضر، أو الحديث، الذي يتكلم عنه، فتعيش الجملة صراعًا بين الماضي والحاضر، وربّما هذا من أسرار الكتابة النثرية، عند أنسي، التي تجعل من النثر شعريّة خاصّة، شعريّة الشذرة، أو الحكمة الفلسفيّة، أنّ أكثر من زمن وفكرة تتنازع على فضاء الجملة.

هناك شعريّة تعتمد على تلك اللغة المبتورة عمدًا، التي تعوّل على المفردة، فهي مادّة البناء الأولى، وحرصه على عدم اكتمال المعنى. سيظهر هذا جليًّا في كتابيه “خواتم 1” و “خواتم 2″، مع اختلاف الهدف الذي تبحث عنه المفردة. في الدواوين تتحقق هذه الجملة المبتورة مع وضوح ظاهري للمعنى، ولكن في “خواتم” هناك ارتباط عضوي بين المفردات، وهناك اكتمال ظاهريّ وباطني للمعنى. تأخذ الجملة منحى فلسفيًّا وحكميًّا، يتمسّك بتقنيات الشعر في التحليل والإيجاز والمفاجأة، والمفارقة، والمجاز، وأحيانا يستخدم طاقة اللغة في اللعب وإخراج معانٍ وأفكار جديدة بمجرد دخولها لسياقات فكريّة دقيقة وكثيفة، وتأتي النتيجة لها وجاهتها دائمًا.
خط عودة لرؤية التاريخ
من تقنيات أنسي الشعريّة التكرار لمفرداتٍ، لجملٍ، لمعانٍ، لتأكيد حضورها وتثبيته. التّكرار أو الترديد الذي يصل أحياناً إلى حدّ التّرتيل ولكنّه بدون إيقاع، بدون غنائية ظاهرة. بطولة الشاعر الحقيقيّة أنّه جزءٌ من هذا النّص، يعرف حدود بطولته ودوره داخل هذا النصّ الدّينيّ الكبير، ولكنّه لايتمرّد عليه، ولا يتعالى عليه بالألم أو الذنب، ليصبح “أضحية”، يظلّ كما هو يؤدي دوره كشاعر أو صانع لغة، كبطلٍ مستسلم، ولكنّه يمتلك يقينًا ما يُعفي استسلامه من التراجع أمام ثِقل الحياة. لا يتمثّل بطلًا بعينه، ولكنّه يتمثل النصّ في كليّته، في جوهره؛ لأنّه مؤمن بطريقته.

بجانب التكرار لمفردة، لفعل، لصفة، وأحياناً لجملة. أحيانًا يرتبط هذا التكرار بالماضي، وأستثني هنا “ديوان الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع”، مع أنّه يحدث في الماضي، إلا أنّ زمنه هو الحاضر والمستقبل. حتى لو لم يرتبط زمن الكتابة بالماضي فهناك إحساسٌ مسيطرٌ على القصائد أن شيئاً قد فقد، وزمن الكتابة هو زمن الفقد لهذا الشيء، والكتابة تأتي بعد استواء الفقد أو التّسليم به، لذا هناك تلك النبرة الحارّة؛ ولكنها مُهندسة ومسبوكة، وعاطفتها بعيدة لا تكاد تلمسها بقلبك، ولكنّك تلمسها بحرارة العقل؛ لذا التّبشير للقادم وللمستقبل، ولماضي الأيام الآتية. بسبب زمن الفقد، أو النقصان، هناك خطّ عودة دائمة لكي يداوي هذا الخطأ، أو يسعى لكمال الزمن المطلق، واستكمال مراحله.
هناك خط عودة/ نقطة مرجعية يمكن البدء منها مباشرة لرؤية التاريخ، أو إعادة كتابة تاريخ الحياة؛ لذا هناك مرجع نقيّ، ولكنّه عند أنسي، ليس دينيا، وليس فترة زمنيّة، أو جماعة خيرة، بل حاضر داخل كل مفهوم أو ممارسة، هناك نقطة بدء يمكن الرجوع إليها، ويمكن أن تكون جنة الخلاص؛ لذا تظهر أهمية الكلمة بالنسبة له، لأنها نقطة البدء لكل شيء ” في البدء كانت الكلمة وكانت الكلمة هي الله”. أعتقد أنّها آية في غاية الأهمية للوجود الرمزي الذي يؤمن به أنسي الحاج، أنّ للكلمة هذه القوة ومنها بدأ الخلق. في ديوان “الوليمة” هناك ربطٌ بين الماضي والمستقبل، الماضي بوصفه ذكريات المستقبل، والمستقبل بوصفه ماضي الذكريات. هناك زمن يختزنُ كل الأزمنة معا” أعيش في ذكرياتنا المقبلة، كما يعيش الحجر تحت الماء”. ديوان الوليمة.

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

الكتابة وغواية الانتماء إلى شعرية اللامتناهي

رشيد المومني * عن تحوّلات المفهوم سيكون من الضروري على سبيل الاستهلال، التنويهُ بخاصية التفكك …