قسوة ومحبة

ظبية خميس

رغم أنك تظن
أنك ممتلئ بالمحبة
كم هي قاسية أحكامك
وألفاظك
وأحيانا نظراتك.
تلك المحبة التي تبشر بها
التي تحاول أن تكونها
التي غالبا ما تذود عنها.
تلك الأصوات التي تزعجك
والآراء
والوجوه
والحضور
رغم أنك تعرف أن كل ذلك عابر
غير أنك كثيرا ما تنزعج
ترفض
تمارس قسوة مفاجئة
تجاه ما لا تحبه ولا ترضاه
ولا يعجبك!
تلك المحبة غير الخالصة
التي لديها أدوات اعتراضها
وفقط توقعها
وأقواس استثناءاتها.
تفلت منك
رغم كل التهذيب الذي حاولته
والتشذيب
والصبر الطويل الذي تمارسه.
لا اليوغا ولا التأمل
ولا القراءة الهادئة
ولا الخلوة
تخلصك من كل ذلك.
تقبله وتقول:
هذا ما يجعلني إنسانًا
لست ملاكًا
ولست حكيما خرج منه
بطن الزمن والحياة
إلى الحكمة الخالدة!

هدوء وحركة

هدوء وحركة
مخلوقات
هواء
شجر يتحرك
حياة
سماء مفتوحة
شمس
عشب
طين وتراب
كائنات تتحرك
صمت
الأفكار تثرثر
أهداف وسكون
أشياء تحدث حين
يبدو أن لا شيء يحدث.
ملكوت
وطعام وشراب
ملكوت
حيث يحضر كل شيء
ويغيب كل شيء
في إغماضة عين.
سكون وغفران
أمواج غضب تروح وتجيء
سواتر حزن تنكشف وتنسدل
براعم فرح تزهر وتذوي.
قلق الكائنات من الغد
قلق الكائنات من الأمس.
محاسبة ريشة ماعت
الصدور ومخبوؤها.
زواحف تتحرك في الظلام
وخفافيش تختبئ في الكهوف
ونور الشمس يسعى
بين مخلوقات الأرض.
القمر في دورته
الذئاب تعوي
الكلاب تنبح
والقلوب يقلبها الله كيف يشاء.
ماذا ينبت فيك يا هذا؟
وماذا يذوي؟
لعبة التلاشي والوجود
هكذا كنت تنظر للطفل
هكذا أنا أنظر للشيخ.
محافظ القبور المفتوحة
وجماجم من سبقوك
محنطة ومزخرفة
أو رميم مهمل.
تمشي على عشب الأرض
وتتئد.
تجمع حكمتك وترمم
روايتك
تتذكر أفعالا صغيرة
ارتكبتها.
تتعرف على معنى الحمق
في حياتك
ترى مشاهد الشجاعة
أيضًا
في مواجهة ما لم تقدر عواقبه.
أنت الذي ولدت ضعيفا
ثم يحبو
اشتدت عظامه وقوي بنيانه
وظن أن لا نهاية للغد
جرى نحوه بكامل سرعته
وصل إلى الوهن
ولم يتئد.
سوابغ أرخت حالها عليه.
تجلس الآن تراقب الشجرة
العجوز التي لا تزال
خضراء
ومثلها ترى الجذر
والجذع
والأغصان.

الوداع الأخير

وداعا أيها الشاعر.
(إلى الشاعر حبيب الصايغ الذي توفي الثلاثاء 20- 8- 2019 الذي التقيته في أغسطس 1980.)

هل متّ فعلا؟!
ذهبت إلى الضفة الأخرى؟
ماذا تركت؟
ماذا أخذت؟

تتبعثر أوراق الشعر
والسنوات الطوال
وكل ذلك المدّ والجزر
كل تلك الوقائع
كل ذلك الخيال.

أعود إلى صبانا
أشعارنا في المدارس.

أعود إلى أول شبابنا
الجرائد والحبر
الشعر والحرائق
الحب الذي تبعثر بين الطرق.

أعود إلى اختلاف السبل
إلى الصمت الطويل
إلى القطيعة
إلى لقاء بعد ربع قرن من الزمان
إلى من أصبحت
ومن قد كنت.

الأمير ذو اللحية الكثة السوداء
ابن عائلة الصاغة
الذي كتب قصائد للفقراء
في هنا بار بني عبس والدعوة عامة
وقرأها أمام الكاميرا
ويده تعلو بالنشيد والرولكس المذهّبة
التي انعكست على إضاءة
المشهد والقصيدة.

أعود إلى الفجر والأزمنة
أعود إلى الأوراق
التي جلنا بها عواصم العالم
أعود إلى أمسياتنا في أصيلة
وتونس وطرابلس والكويت.
أعود إلى شوارع لندن
وظلك يلاحقني
وكلماتنا ومشاعرنا تفترق.

أعود إلى ظلام السجان
في عام 1987
وإلى صمتك الثقيل
الذي طال
وحين نطقت اختلف الكلام
والسلام
وصرت بالكاد أعرفك
بعد أعوام وأعوام
وإلى الشعر الذي لم يعد
بيننا.

سألتني ذات يوم، هل تحبينني؟
وبعدها بربع قرن
سألتني هل تكرهينني؟
وفي كلتا الحالتين أجبت بابتسامة
غامضة
أظنها هي نفسها للسؤالين.

تركتك شابا بلحية سوداء
والتقيتك شيخًا بلحية بيضاء
وجسدًا صار يثقل بالألم
عامًا بعد عام.
واليوم أنت مت
رحلت
اتفقنا ذات عمر
واختلفنا ذات عمر
ولم نجلس أبدا كي
نقول ذلك الذي يصنع مرجا بينهما.

منذ عام، بالتحديد
التقينا في جلسة عاصفة
أنت تريد الكرسي
ذلك الذي طمأنك على
صوتك وقوتك
وأنا أريدك أن تتنحى
عن ذلك الكرسي الذي أبكاك.

عشنا الصراع
في مشهد علنيّ
فزت أنت بالكرسي
وأنا خرجت وظهري لك
وللكرسي
لا مهنئة، ولا مودعة.
ذلك كان مشهدنا الأخير.

كثير من العبث مر بين
المشهد الأول
والمشهد الأخير.

كثير من اللقاء والفراق
من اختلاف المعنى
في الحياة
والحياة في المعنى، بيننا.

اليوم أقرأ خبر رحيلك
في خبر
يمر على شاشة التلفاز
والكومبيوتر
والهاتف.

يمر في خبر.

لا أعرف بماذا أشعر
من شدة الذهول
تتدفق في رأسي الصور
والكلمات
والسنين
شبابنا، وشيخوختنا
شوارع المدن،
صفحات الصحف.

أتذكر كتابي الأول معك
“خطوة فوق الأرض”
ومخطوطتنا التي لم تنشر
أبدا،
والتي كتبناها معا.

أتذكر المظاهرات التي مشينا فيها
واتحاد الكتاب الذي ولد
من أفكارنا وسعينا وصراعنا،
أتذكر هنا بار بني عبس والدعوة عامة،
والناطق الرسمي باسم نفسه،
وميارى،
وقصائد إلى بيروت،
ثم أنسى كل ما جاء بعد ذلك.

أتذكر أنك أحببتني
وأتذكر أنني أحببت الشعر
معك، أكثر.

أتذكر أصدقاءنا: خيرة والعكش
هالة وأحمد راشد
خالد ونجوم.
والماغوط.
أتذكر الأحلام
والكوابيس التي تلت.

لم يكفك جمال الشعر
كنت تريد أكثر، وأكثر.
وكم بددت ذلك الأكثر!

هل عشت سعيدًا
كل تلك الأعوام؟
هل تحققت رغبتك
في الوصول إلى سماوات
ظننت الكراسي توصل إليها؟

كنت ثائرا في القصيدة
معترضا، ومصلحا
باحثا عن الحقيقة.

كنت لا تبالي بالخسارات
ولا المعارك.
كنت مثلنا تحلم بوطن
للقصيدة
كتبنا الكثير من الشعر
وقلنا
واتفقنا، واختلفنا.

ما الذي يتبقى
في قاع الروح في هذه اللحظة:
مشاويرنا آخر الليل إلى
اللسان البحري في المدينة.

جريدة الفجر في الليل
والكلمات والكتابة.
وأنا أوصلك بسيارتي إلى بيتكم القديم
قرب شارع حمدان.
أصابعك المعكوفة عند الكتابة.
وكيف بكيت وفاة أمك لدي.

صراعنا من أجل الحداثة
في مكان يرجمنا بالموروث
والتراث ويعتبرنا شياطين في جنتهم تلك.

صندوق الكتب الذي تركته
أمام باب البيت في لندن
في عيد ميلادي الثاني والعشرين.
كتب الجاحظ والمتنبي والمعري
وابن عربي والجمحي والعقد الفريد ومروج الذهب والأغاني.
هديتي الفريدة التي ما زالت
موجودة في قبو قديم
مع بقية الكتب في عمارة أمي القديمة
عمارة الأزمنة.

سيبقى بيني وبينك
تلك الكاهنة في شوارع طنجة
وأسماك السردين في أصيلة
وتين وعنب تونس
وحصارنا في طرابلس ليبيا
التي كانت محاصرة.

سيبقى بيني وبينك
خطوة فوق الأرض
وحب قديم لم يكتمل
وبعثرات الطريق
والمسافات
وتلك الزنزانة
وتلك القطيعة
وتلك اللقاءات الأخيرة
الباهتة.

أربعون عاما مرت بيننا
وها أنت
تذهب
إلى حيث سبقك أحمد راشد
وناصر جبران
وجمعة فيروز
وأحمد مدني
وغانم غباش
وآخرون…
كانوا نارا ونورا
في أرض الكتابة المقدسة.

نم بسلام يا حبيب
جاء وقت الرحيل.

نم بسلام
فكل خطوة انتهت
كانت خطوة فوق الأرض.

وداعات

جاء الوقت لأقول وداعًا
لكل ما لا يناسبني في الحياة.
أودع ما قد عاش معي وأحببته
لكنه لم يعد ينفعني.
أودع جمادا
وبشرا
وأضواء
وشوارع وأرصفة
وبلاد وأفكار.
جاء الوقت لأفتح خزائن حياتي
كي يدخلها هواء جديد
كي أرى ما بداخلها
وما أحتاج منه إلى المزيد.
جاء الوقت حيث بندول الساعة
يتحرك
والزمن يترك بصماته
والوداعات تحدث
شئت أم أبيت.
أودع بعض السماحة
أودع بشرا لم يعودوا
صالحين للعيش معي.

أودع قنافذ الوقت
وذلك الجديد الذي صدأ
وتلك المشاعر التي أتوهمها
وكل الذي اعتدت عليه
وصبرت عليه
بحكم العادة لا أكثر
ولا أقل.
أفتح نافذة الحياة
لهواء جديد
بشر آخرين
تجارب أدخلها
حياة أعيشها.
أودع ما أودع
وأستقبل ما أستقبل
بقلب محب جديد.

 

شاهد أيضاً

زغرودة من أجْل الحِكِمدَار

محمود قرني إنه يوم الجمعة الذي لا أحبُّ منه إلا صوت أمي أُهاتِفُها عادةً منتصف …