أخبار عاجلة

قصائد من ديوان سافو ربة الفن العاشرة

في حياة سافو من الاسطورة ما هو أكثر من الواقع، ولها من الخيال نصيب أوفر مما لها في الحقيقة، ولا تكاد الأشعار التي تركتها تنبننا عن سيرتها الكثير، فهي لا تشير الى التفاصيل المفسرة، كما أن المؤرخين لها لا يلحون اف على الشذرات التي لا يخلو بعضها من التجني على شاعرة نذرت نفسها للحب، تعلمه أفضل مما تستمتع به، وتغني له بأفضل مما تعيشه.

سيكتنف الغموض مسارات حياة سافو، منذ اللحظة التي ترى فيها نور السماء. فنحن لا نجد فيما دونته السير أكثر من تواريخ (تقريبية ) لمولدها. وإشارات مبهمة لزواجها، وأسباب متجنية لنفيها عن وطنها، وقصائد غير كاملة لذويها. وحين يتناولها النقاد بالدراسة سيكتبون عن عصرها  باستفاضة لا تنالها.

ويتواترون التهم التي لحقت بها دون دحض لها، فلا يبقى من سافو إلا الخيالات التي لا تستحقها، والافتراءات التي طاردتها في الحياة والممات.
وقد عاصرت جزيرة ليسبوس Lesbos  اليونانية في القرن السادس والسابع قبل الميلاد، عصرا من ازدهار الأغنية اليونانية، ولم تكن سافو وحيدة ذلك العصر، لكنها كانت فريدته.وفي حين غاب مفهوم العاصمة الواحدة عن العالم الناطق باليونانية أنذاك، نجد أن ميتلين، وما جاورها من مدن علو شواطيء. آسيا الصغرى. فوكايا Phocaea.  ميليتوس ميايتوس Miletus  ايفيسيوس Ephesus وسميرنا Smyrna  كانت جميعا من أكثر التجمعات اليونانية ثراء واستقرارا حينها. وازدهر في دوديكانيس Dodecanese  تلك الجزيرة الصغيرة جنوبي شواطيء ليسبوس، الفن والادب معا.
ومن هنا كانت إشراقة سافو في أوج ذلك العهد، وكانت أمينة على أفكارها التي كانت كثيرة المعاصرة، ولا شك أنها لم تكن ضيغة الأفق، فلابد أنها قد سمعت بمصر وبابل، وربما بمرسيليا، لكون تلك الأخيرة قد أنشئت بها مدينة فوكايا مستعمرة، وطبقا لراوية النفي، فهي بالتأكيد قد تعرفت مسبقا على سرقسطة، وسيشل. وقد نفاها الطاغية بيتا كرس الأسباب سياسية. رغم أن قصائدها الناجية تركزت على حياتها الخاصة.
ويرجع الباحثين أغلبهم. أن مولد سافو كان في ميتلين. بربوع  جزيرة ليسبوس، في العام 612 قبل الميلاد (كتابات أخرى ترى أن تاريخ ميلادها قبل ذاك في 625بإريسيرس في نفس الجزيرة )، واختلف اسم الأب من مؤرخ لآخر.

فهو سكاماندرونيموس، أو يورجيوس، أو سيمون، أو يونيمنيوس، أو إيواركوس، أو إكريتوس، أو شيموس : وان اتفقوا علو اسم أمها كليس. كما زعموا بأن لها 3 أخوة، أحدهم تشاراكوس الذي كان سبب شقاء أخته وتعاستها.
عندما أعتق محظية اسمها دوريشا، بل يدعي البعض أن سافو نفسها كانت مرمسا وأنها جنت بسبب عشقها لفاونPhaon   وهو صاحب عبارة، فألقت بنفسها من على جبل ليوكاديرن.ويقال أن سافو عاشت في تلك الجزيرة معظم سني حياتها.
فتزوجت سيركليس Cercylas  وأنجبت له فتاتهما الوحيدة كليس (ويرى أخرون أن هذا كله من الروايات المختلفة ).
وعلينا أن نتوقع الكثير من شاعرة لها ما حظيت به سافر من صدر. لكن العجيب هو أن تراثها لم يبق منة سوق ما نقرأه في هذا الديوان، وهو قليل إذا عرفنا الأثر الذي تركته وقد قدمها أستاذنا الدكتور عبد الغفار مكاوي للقاريء العربي للمرة الاولى منذ أكثر من 20 عاما، وبلغ ما أبدعته سافو تسعة كتب، ضاعت بسبب الاضطهاد الذي صادفته، والنفي الذي كانت منه، وأحرقت الكنيسة جل ما تبقى منه، فلم يبق إلا صدى تلك الاشعار، ومقتطفات مبتسرة دونها على لسانها معاصروها، حتى جاء العام 1900، ليعثر الباحثون عن الأثار في مصر على أوراق بردى تشتمل على مئات من سطورها، لتعيد الحضارة المصرية تقديم تلك الشاعرة اليونانية، ولترفد البرديات المصرية التراث الانساني الأدبي بالكنوز، عبر لفائفها الورقية المكتشفة حديثا، ولتضيف لرصيد شاعرتنا، وديوانها، المرة بعد المرة، القصيدة بعد القصيدة.
وقد اخترعت سافو قيثارة بها 21 وترا، كانت ترافقها دائما كلما غنت قصائدها. كما أسست جمعية نسوية أطلقت عليها إسم thiasos   ضمت لها نساء كثيرات. وكسيدة أرستقراطية في ميتلين Myblene   أنشأت سافو مدرسة نسوية صغيرة كرست لما ينضج صفات الأنوثة لدى الفتيات لتحضيرهن للزواج. أما الفتيات اللائي وردت أسماؤهن في القصائد فهن تلميذات سافو أو من كن يشاركنها في الطقوس الدينية :أناكترريا، أتيس، جونجيلا، هيرو، تيماس..وفي قصائدها، تبده سافو الإعجاب بهذه التلميذة النجيبة أو تظهر بعض  غيرة على تلك الأخرى. كما أنها تشدو لما تعانيه من أسر الفراق لهن، فيما ترمي في قصائد أخرى المشاعر المتناقضة لفتاة صغيرة على وشك الزواج  ولعل هذه الثيمات المتكررة هي ما أوحي لمؤرخي كتاباتها بفكرة اتهام سافو بالمثلية مع فتياتها. وهي التهمة التي ينكرها اختيار عائلات أرستقراطية كبيرة لمدرسة سافو لتكون ساحة تدريب لبناتهن. وهل كانت مثل هذه البنات تجد من يقبل بهن زوجات وهن تحت وطأة هذا الاتهام وقد تميز شعر سافو بالبساطة، والسيطرة الحذرة على العروض، والاستعمال المكثف للصفات، والغنائية منقطعة النظير. كما ابتكرت سافو مقطوعات عرفت باسمها، وهو ما سينبه الان الرباعيات، إذ كانت تتكون من ثلاثة أبيات طويلة ورابه قصير. وهو الشكل الذي أخذه عنها شعراء كثيرون منهم Horace  وكاتوللوس.  Catullus ويلقب سقراط الفيلسوف سافر بالشاعرة "الجميلة ". أما تلميذه أفلاطون فيهاجم من يقولون إن ربات الشعر تسع "ألا ما أعظم غباءهم » فليعلموا أن سافو ابنة مدينة ليسبوس هي العاشرة ". سترابون، المؤرخ اليوناني الكبير، يرى أن سافو " امرأة فذة عجيبة" والا يرى أن هناك أخرى قد " أوتيت معشار ما أوتيت سافو من النبوغ  في فن الشعر" صولون الحكيم يقول "أريد أن أحفظ أشعار سافو ثم أموت".أما المؤرخ المعاصر ول  ديورانت فيري أن الشاعر قديما كانت صفة لهوميروس، مؤلف الالياذة، مثلما كانت "الشاعرة" الصفة اللصيقة بسافو.
ولا يمكن أن تكون أصداء كتلك وليدة الصدف، فهر شاعرة من الطراز الاول بشهادة الجميع. وتظل سيرة سافو حاضرة جيلا بعد جيل.حكاية المعلمة التي تلهم تلميذاتها، ترشدهن إلى حياتهن المستقبلية، وتعلمهن الشعر والموسيقى، مثلما تعلمهن الحب. وتثير غيرة أقرانها، ولا تنسى أن تقدم النصح لعائلتها.

1

أبلغي كل إنسان

الآن، اليوم، بأني

في عذوبة سأغني

لمتعة من صادقتني

2

ولسوف نستمه معا بالغناء

مثل من تجد

بالخطايا، وربما في الحماقة

والحزن ما ينسيها

3

كانت وأقفة بجوار سريري

بصندليها الذهبيين

والفجر في ذات

اللحظة أيقضتني

4

اسائل نفسي

ماذا، ياسافو، بقدورك

أن تمنحي لمن

تمتلك كل شيء

كأفروديت؟

5

وأجيبها

سأحرق قربانا

من عظام الفخذ المكسورة بالدهن

 

لعنزة بيضاء

على مصلاها

6

أعتراف

أنني عشقت قد ما أرهق

حالي. وآمنت

بما للعشق

من نصيب في

تألق الشمس

وعفتها

7

في الظهيرة

والأرض

تضيئها ألسنة لهيب

يتساقط كرمح عمودي

يطلق صرصار الليل

– عاليا كقذيفة-

غناءه بحركة من جناحيه

8

أخذت قيثارتي وأنشدت

تعالي الأن،

يا صدفة سلحفاتي المقدسة: كوني

آلة صادحة

9

برغم أنهن

محض أنفاس وحسب، لكن الكلمات

التي أملكتها
خالدة

 
   

10

في ذلك العصر

تينع الفتيات ليتزوجن

وتلوح تيجان

الزهور بقلائدهن

11

سمعناهما تنشدان:

الصوت الأول:
أدونيس الصغير

يحتضر! آه سيتيريا

ماذا نفعل الآن؟

 
الصوت الثاني

 اضربن صدور كن

بقبضات الأكف، أيتها الفتيات

ومزقن ثيابكن!

12

ما من فائدة

أيتها الأم العزيزة، فأنا

لا أستطيع أن أكمل

نسيجي

ولربما ألقيت

اللوم على أفروديت

فالناعمة كما هي

كادت

أن تقتلني

بعشق ذلك الفتى

13
ماأكثر ما ينم البشر

 
   

وهم يتقولون على ليديا، أنها

وجدت بيضة

تختفي تحت

أحجار الياقوت الأزرق البري

14

السلام الحاكم في السماوات

كان امبروسيا واقفا

وقد عانق لتوه

بآنية الخمر

أما هيرميس فكان يرفع ابريق الخمر ويصب

للآلهة

15

عندما شاهدت أيروس

في طريقه نحونا

قادما من السماء، كان

يرتدي عباءة الجندي

الأرجوانية الداكنة

16

أنت ياراعي قطعان المساء

هسبيروس، يامن تهش

نخو البيت كل ما

شت من نور الفجر

تهش على الشياه، وتهش على
العنزات، وتهش على الاطفال

 

باتجاه البيت، كل إلى أمه

17

نامي ياعزيزتي

لي ابنة

صغيري تدعى

كليس، تلك التي

تشبه زهرة ذهبية

ماكنت

لأبدلها

مقابل مملكة كرويسوس

بكل ما انتثر بها من عشق

18

رغم انها خرقاء

إلا أن لدى مانسيديسكا

طلعة أكثر بهاء من

جيرينو النبيلة

19

غدا سيكون من الافضل لك

أن تستخدمي كفيك الناعمتين،

ياديكا، اتمزقي

أشياءك الجميلة، وتغطي

خصلاتك البهية

فمن تريدي الزهور

ستحظلاى بأسعد

نعم الآلهة: النعم التي ستعود
من رأس عارية.

 
   

20

على سطح السفينة وضعنا الجرة

مع تلك الكلمات:

هذا هو رماد الصغيرة

تيماس التي لم تتزوج

تنقاد

إلى ظلام غرفة نوم

بيرسيفون

وهي الآن أبعد ما تكون عن

بيتها،، والفتيات

في عمرها يأخذن

شفرات جديدة الحواف

ليقصصن، حدادا عليها

خصلات شعرهن الناعم

21

أيتها القبرصية، في أحلامي

طيات منديلك

الأرجواني وهي تظلل

خديك- المنديل الذي

أرسلته مرة تمياس

هدية خوف، طوال

الطريق من فوكايا

22

في فجر الربيع

يبزغ القمر مكتملا:

وتأخذ الفتيات أماكنهن
كما لو كن يتحلقن حول المصلى

 
   

23

واقدامهن تتحرك

وفق إيقاع، بينما الأقدام

الرقيقة لفتيات كريتان

تتراقص حول

مذبح العشب

الزهري الأملس الناعم

24

كن ملتاعات من بهاء

النجوم القريبة

للقمر الحبيب الذي يغطي

وجوههن المشرقة

حينما يكون

في أكمل استدارة له ناشرا ضوءه

الفضي على الأرض

25

الآن، وبينما نرقص

تعالي إلينا

أيتها الرقيقات جاييتي،

ريفرلي، راديانس
وأنتن، ربات الإبداع بالسعر الحبيب

 

المصدر:SAPPHO: A Translation  by: Mary Barnard,

Sharmbhala, Boston & London, 1994.
 
 
ترجمة وتقديم: أشرف أبو اليزيد

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …