قصة الحب. . وقصة الثورة قراءة أخرى في رواية «البيضاء» ليوسف إدريس

«. . كنت أعرف هذا كله، ولكنني هنا أقول الحقيقة، فالحقيقة يصح قولها دائمًا. والحقيقة أننا حين نفكر بيننا وبين أنفسنا لا نفكر فيما يصح وما لا يصح، إننا نفكر فقط فيما نريده، نفكر بكل جرأة بل أحيانًا بكل وقاحة ولا يهمنا شيء…».
                 (يوسف إدريس: البيضاء، دار روز اليوسف، القاهرة 1980. ص 9).
«. . واعتبرتُ ما حدث جولة، مجرد جولة في تلك المعركة الرهيبة بيني وبين نفسي وبيني وبين سانتي. .». البيضاء، ص 155.

لأسباب كثيرة، تعد رواية «البيضاء» عملاً «فريدًا»، ليس بين روايات يوسف إدريس فحسب، ولكن ربما بين إنتاجه الأدبي كله؛ فهي أولاً – ومن جهة الحجم على الأقل – أطول أعماله على الإطلاق(1)؛ وهي ثانيًا عمله الأدبي الوحيد الذي جاء صدوره الأول في كتاب، بعد أكثر من عشر سنوات على كتابته(2)، وعن دار نشر غير مصرية(3)؛ وهي ثالثًا تكاد تكون عمله الأدبي الوحيد القائم بكامله – وفي قلب عصر يهتم بالثورة وواقعها الخارجي الموَّار – على عملية استبطان داخلي مستفيضة. والأهم من هذا كله، أنها كانت عمله الأدبي الذي تلقاه القراء مرة بعد مرة، في إطار هجوم وتخوين من قبل اليسار المصري.

(1)
 وكان وراء هذا الهجوم على الرواية وصاحبها مبرران:
 أولهما أن بطلها وراويها المتكلم «يحيى مصطفي طه»، تمامًا كمؤلفها «يوسف إدريس» نفسه، هو طبيب شاب وصحفي وكاتب، انتمى إلى فصيل من ذلك اليسار، ثم في هذه الرواية – وفي صورة أقرب إلى الاعتراف – بدا مرتدًّا ينتقد هذا اليسار من الداخل، ويقدم صورًا سلبية لنماذجه المتسلطة المتناقضة.
 أما المبرر الثاني، فمؤداه أن يوسف إدريس كتب هذه الرواية- أو على الأقل نشرها – عام 1959، أي في الوقت نفسه الذي قررت فيه السلطة الناصرية اعتقال رموز هذا اليسار، فبدا وكأنه قام بتأليف هذه الرواية ونشرها عمدًا في جريدة الجمهورية، التي كانت تتولى التعبير عن التوجه الرسمي للنظام، لا لشيء إلا ليمالئ هذا النظام، ويبرر له ما يقوم به، أو على الأقل ليتفادى الاصطدام به من جديد بعد اعتقاله في 1954!!
والحقيقة أن معظم نقاد اليسار المصري حين نشرت الرواية في كتاب عام 1970 آثروا الصمت ؛ إما لأنهم عدّوها سقطة فنان كبير ويحسن الصمت عنها، أو لأنها من وجهة نظرهم تعد أضعف رواياته من الناحية الفنية، حيث ترتكز على الاستبطان وحده وتعزل البطل عن محيطه الاجتماعي، وتعاني من مطّ واستطرادات وتناقضات تضعف من بنائها الدرامي.
أما النقاد القلائل الذين كتبوا عنها، فهاجموها سياسيًّا وفنيًّا على السواء، أو هاجموها فنيًّا لكي يصلوا في النهاية إلى هجوم سياسي مُبرَّر؛ فقد عدُّوها في أحسن الأحوال رواية ضعيفة فنيًّا، نتج ضعفها عن محاولة «تبرير كاذب»، كما رأي سامي خشبة(4)، أو عن «أزمة ضمير» و«علاقة الكاتب الملتبسة بأمه» كما رأي فاروق عبد القادر(5)، أو عن تحكيم «وجهة نظر أحادية وجماليات انفصام» كما رأت أمينة رشيد(6). وكان فاروق عبد القادر أكثر هؤلاء النقاد حدة ودأبًا في الهجوم على الرواية وصاحبها كلما أعيد نشرها، فلم يكتف بالمقالة التي نشرها في أعقاب صدورها لأول مرة عن دار العودة 1970، وإنما أضاف إلى ذلك مقالة جديدة في أعقاب صدورها لآخر مرة عن روايات الهلال 1990، فضلاً عن التذكير بذلك من جديد في كُتَيِّبِه عن يوسف إدريس عام 1998.
لقد ظل هذا السياق التخويني الذي نشرت فيه الرواية أول مرة، حاكمًا لطبيعة تلقيها عند كل نشر جديد وقراءة جديدة. وهكذا «ظُلِمَت هذه القصة ظلمًا كبيرًا»، كما سيقول يوسف إدريس في تقديمه لطبعتها الأخيرة، لا لأنها «كانت فعلاً متقدمة على التفكير السائد بين المثقفين اليساريين آنذاك، وبين تفكيرهم عالميًّا ومحليًّا اليوم»، ولا لأن «ثمة أناسًا كانوا منذ زمن بعيد يفكرون أسبق من زمنهم، قبل خروشوف وقبل البريسترويكا، بالضبط من أيام كان ستالين حيًّا ويحكم بضراوة» كما يقول الكاتب في المقدمة نفسها(7)، ولكن لأنه هو نفسه أسهم بقسط كبير في ظلمها نقديًّا.
 ظلم يوسف إدريس روايته، أولاً حين نشرها في جريدة الجمهورية بشكل مرتبك وغير لائق(8)، وفي توقيت يثير الشبهة حقًّا، وظلمها ثانيًا حين تردد عشر سنوات قبل أن ينشرها في صورة كتاب، وهو ما بدا فعلاً وكأنه يعكس «أزمة ضمير».
لكنه ظلمها الظلم الحقيقي، حين أخذ يركز مرة بعد أخرى، وفي مواضع وسياقات متعددة، على جانب واحد، يعرف كل من قرأ الرواية أنه ليس سوى جانب واحد من جوانب متعددة، وربما كان أقلها أهمية، وهو ذلك الجانب الخاص بما في الرواية من وثائقية، وما فيها من تأريخ شخصي لفترة سياسية محددة.
ان أول ما يلقاه القارئ من الرواية، هو هذه السطور المعدودة التي قدم بها الكاتب لروايته. وهي سطور غريبة؛ لأنها تحاول صرف القارئ عن قصة الحب المشكلة المضطرمة، وعن «يحيى» البطل المعضل الذي تحتل همومه الداخلية كل صفحات الرواية، وعن «شكل» الرواية المختلف أو «التقليدي» كما يقول _ كل هذا ليلفت نظر القارئ إلى شيء وحيد: أنها «حقيقة»، و«وثيقة» وطنية وتاريخية وشخصية، قبل أن تكون «رواية» أو «قصة».
 تقول سطور المقدمة:
 «حيرتني هذه القصة.
 كتبتها في صيف عام 1955
 ونشرت بعضها تباعًا في جريدة الجمهورية عام 1960.
 وأخيرًا قررت نشرها هذا العام، فوإن كان بطلها هو «يحيى»، إلا أنها وثيقة حية لفترة خطيرة من فترات الحياة في بلادنا، فترة لا أعتقد أن أحدًا تناولها.
 إن كانت تقليدية الشكل والطريقة، فالشكل مهما كان لا يتعدى دوره كشكل، والحقيقة تبقى حقيقة رغم أية طريقة تروى بها.
 وإني لشديد الاعتزاز بهذا الجزء من عمري وعمر بلادي.»(9).
ولن يفتأ الكاتب بعد ذلك يكرر هذه الإشارة في مقدماته وأحاديثه وشهاداته(10)، إلى أن أصبحت جزءًا من الكتاب، بل ربما أصبحت أبرز جزء فيه.
ومهما تكن حقيقة ما حدث عند نشر الرواية الأول في جريدة الجمهورية عام 1959، ومهما تكن حقيقة موقف يوسف إدريس في ذلك الوقت وبعده، ومهما يكن موقفنا من هجوم اليسار على الرواية وصاحبها، فإن تلقّينا لها الآن، بعد مرور خمسين عامًا على نشرها الأول، وخارج السياق التخويني الذي أحاط بهذا النشر، يمكن أن يسمح بقراءة أخرى، نأمل أن تكشف عن جوانب أصيلة في الرواية، ربما طمسها هذا السياق الملتبس كله.
(2)
ليست رواية «البيضاء» مجرد وثيقة تاريخية أو سياسية عن فترة محددة من تاريخ مصر، وليست حتى مجرد وثيقة شخصية من حياة مؤلفها، وإنما هي قبل هذا وبعده قصة حب من نوع خاص، يعيشها بطلها الشاب وراويها المتكلم «يحيى»، في صورة جولات متكررة متشابهة، من معركة طويلة رهيبة بينه وبين نفسه، وبينه وبين حبيبته السرابيَّة، السيدة اليونانية البيضاء «سانتي». تلك هي حقيقة الرواية التي تحكم بناءها كله. أما الواقع الخارجي، وأما التاريخ بأماكنه وشخوصه وأحداثه المهمة؛ فموجود هناك في خلفية هذه المعركة الداخلية، إنه وجود يتوارى في الظل، ونادرًا ما يحتل صدارة المشهد الروائي.
تأخذ الرواية من أول سطورها، شكل الاعتراف. وهو اعتراف من نوع غريب، لأن البطل الراوي المتكلم «يحيى» يدلي به لنفسه، ليس في شكل مونولوج، وإنما في شكل «حديث» متدفق إلى النفس وإلى جماعة القراء أو المستمعين المفترضة، على طريقة يوسف إدريس المعتمدة في السرد(11). إنه يأخذ مستمعيه أو قراءه لكي يعترفوا معه بالحقيقة، وبعد أن يضمَّهم إلى عالمه، ينطلق في الحديث باسمه وباسمهم، أي بضمير المتكلم (والمخاطب) الجمع الذي نصادفه مع أول جملة في الرواية/ الاعتراف :
«لماذا نكذب على أنفسنا؟
إن لكل منا قصة حب دفينة، وضعها في أغوار نفسه، وكلما مضى عليها الزمن دفعها أكثر وأكثر إلى أعماقه، وكأنما يخاف عليها من الظهور.
وسوف أقول لكم كل شيئا عن قصة حبي. .
 ماذا أقول لكم؟» (ص 7).
تضعنا هذه الجمل الافتتاحية وبشكل مباشر إزاء افتراض غريب، لابد أنه ورد الى ذهن قراء يوسف إدريس، الذين كانوا قد فرغوا للتو من قراءة روايته الشهيرة «قصة حب» عام 1956. إننا هنا وباعتراف الراوي الحرفي، أمام «قصة حب» أخرى دفينة، نزلت إلى الأعماق، وغمرتها الأحداث الخارجية، أحداث الثورة والتحرر والمظاهرات والكفاح المسلح. لنقل إنها قصة الحب الحقيقية المخبّأة بكل تناقضاتها ومنحنياتها الإنسانية، في مقابل «قصة حب»(12) المنشورة المعلنة، التي تعرضت بالضرورة لتشذيب وتهذيب، خلّصها من الدماء والأدران، وجعلها قصة حب ثورية ناجحة ومتساوقة مع الاتجاه العام.
 انتهت الحكاية في الواقع، ومر زمن على حدوثها، ولكن الراوي سيستعيدها أمامنا، على مرأي ومسمع منا. وهو هنا يكشف لنا عن قصة حبه الحقيقية «الدفينة»، سيحكي لنفسه أولاً، لكننا حاضرون معه دائمًا، نتابع فصول قصة الحب، ونعيشها خطوة خطوة، ونتابع قبل ذلك جولات المعركة بين الراوي وبين نفسه المنقسمة، حيث قصة الحب المطمورة في الأعماق، والمحاطة بالمخاوف والتناقضات من كل لون.
رواية «البيضاء» إذن ليست فقط قصة حب، وإنما هي أيضًا قصة «نفس». وسوف يستدرجنا الراوي بطريقته في السرد، محاولاً إقناعنا بأنها ليست مجرد قصة نفس محددة، بل هي قصة نفوسنا جميعًا، قصة النفس الإنسانية الواحدة، التي تتراكم طبقاتها، والتي تتعدد – وربما تتناقض – أدوارها.
من هذا التعدد – أو التناقض – في «نفس» يحيى، بين الكفاح الثوري المقدام من ناحية والحب الرومانتيكي المحجم المتردد من ناحية أخرى، بين الأصول الريفية الفقيرة الخشنة وإغواء المدينة الناعمة، بين الأم المخيفة والأب الحنون، بين فظاظة بولاق وزحامها الضاغط ورقة الزمالك وهدوئها المتسامح، بين حب رفاق الثورة وحب الوحدة، بين صورة العامل المثالية في الأدبيات الماركسية وصورته الحقيقية في ورش السكك الحديد، بين القوة والضعف، بين الروح والجسد، بين الداخل والخارج، الباطن والظاهر. . إلخ – من كل هذا وغيره، ومن ضمير يحيى المعذب بين المتناقضات، تتألف رواية «البيضاء»، أو قصة الحب الحقيقية.
في الصفحات الثلاث الأولى، وقبل أن تبدأ أحداث القصة، وفي طريقه للقاء الفتاتين الأجنبيتين، اللتين ستصبح إحداهما حبيبته، كان يحيى – الراوي البطل الشاب – يفكر (مع نفسه بالطبع) في قصة العمل الثوري الخطير من ناحية، وقصة الحب والغرام الرومانتيكي من ناحية أخرى، ثم قصة النفس التي تنطوي على الوجهين معًا :
 «ما زلت أذكر ذلك اليوم كأنه اليوم. كنت أرتدي معطفًا رماديًّا اشتريته، أول معطف في حياتي أرتديه، وكنت مسرعًا إذ كان الميعاد قد أزف ومضت بعده دقائق. ومع هذا ورغم نسمات العصر الشتوية والوقت الضيق فقد رحت أسأل نفسي ذلك السؤال: ترى هل تصلح واحدة منهما أو الاثنتان لأحبهما؟ وهل تقع إحداهما في غرامي؟ وهل يكون لي معها قصة؟ وكنت أسال نفسي تلك الأسئلة مع علمي التام أنها أسئلة لا يصح إلقاؤها أو التفكير فيها. فالعمل الذي كنا نقوم به عمل جاد وخطير وليس فيه أي مكان أو فسحة للحب والغرام. كنا في عنفوان معركة الاستقلال، ومجلتنا تخوض حربًا لا هوادة فيها لإعداد الشعب للمعركة، ولا مجال للعاملين فيها للتفكير في غير العمل والكفاح. كل شيء يجري وكأنها الخطة لجيش محكمة. وكل شيء ينفذ وكأننا في خط النار. والمعركة ضد الاستعمار قائمة في كل مكان، في السودان ومصر وسورية والبلاد العربية، وشمال أفريقيا وقبرص. ولجماعتنا أنصار وأعضاء في كل قطر من هذه الأقطار، والمجلة تصدر في القاهرة، ويتردد صداها في كل عاصمة من عواصم الشرق الأوسط. كنت أعرف هذا كله، ولكنني هنا أقول الحقيقة، فالحقيقة يصح قولها دائمًا. والحقيقة أننا حين نفكر بيننا وبين أنفسنا لا نفكر فيما يصح وما لا يصح، إننا نفكر فقط فيما نريده، نفكر بكل جرأة بل أحيانًا بكل وقاحة ولا يهمنا شيء، إننا فقط حين يأتي دور التنفيذ نبصر العقبات الاجتماعية القائمة، وحينئذ نبدأ نتراجع أو نبدأ نلف وندور حول العقبات كوسيلة للتغلب عليها، بيننا وبين أنفسنا لا نعد العقبات الاجتماعية مقدسات، إننا نعدها عقبات فقط، ولعل هذا هو سر تقديسنا لها أمام الناس. وليس معنى أني كنت أفكر في كل هذا وأنا في طريقي إلى الموعد أني كنت أفاقًا أو وغدًا، لأني كنت أفكر في مطامحي الخاصة، فالواقع أني كنت أفعل هذا بجزء صغير من نفسي، أما أجزاؤها الأخرى الكبرى فكانت مشغولة تمامًا بالمجلة وبالواجبات تجاهها وبالعمل الذي كنت أقوم به في منتهي الجد والنشاط. هذا شيء وذلك شيء آخر مختلف، والإنسان يفعل الشيئين، وربما يفعل الشيئين لأنه إنسان. .» ص 9.
هكذا بدأ يحيى من إدراك الشقاق داخل نفسه، وقرر ألا يتخلى عن معركة الداخل لصالح معركة الخارج، وكان الحب هو الميدان الأوسع والأغمض لخوض تلك المعركة. وسيتكاثر هذا الشقاق ويتوالد في نفس يحيى على نحو سرطاني كلما مضينا مع قصة (أو معركة) الحب. ومع كل جولة من جولات المعركة، وكل فصل من فصول الرواية، كنا نرى جانبًا جديدًا من جوانب هذا الشقاق: العلاقة مع القرية (الأم خصوصًا)، العلاقة مع العمال، العلاقة مع حي بولاق، العلاقة مع رفاق الثورة (البارودي وشوقي)، العلاقة مع العمل، وفي صدر كل هذا بطبيعة الحال العلاقة مع سانتي.
سيحدثنا الراوي في مواضع كثيرة من الرواية عن استمتاعه مع نفسه بالطابع «السرِّي»(13) لهذه العلاقة مع سانتي، وعن فقدان هذه العلاقة لوزنها وقيمتها إذا انتقلت إلى العلن، بل إنه يناقش مع نفسه ومع قرائه أحيانًا، الجانب الأوديبي «المرضي» الصريح من هذه العلاقة.
لم تكن الصيغة المهيمنة على الرواية إذن، هي صيغة التوثيق التاريخي، ولا حتى صيغة حكي التجارب والوقائع الشخصية، من أجل فضح رفاق اليسار، وإنما كانت الصيغة المهيمنة صيغة نفسية، هي أقرب إلى الاعتراف المفتوح الصريح، لا من أجل فضح الآخرين، وإنما من أجل فضح الذات والكشف عن تناقضاتها التي تصل إلى حد المرض. ومع أن هذا الاعتراف الفاضح يتركز على علاقة الراوي بنفسه وبسانتي، إلا أنه يتسع ليشمل تناقضات علاقته بأهله ورفاقه الثوريين والعمال والنساء الأخريات. . إلخ، فضلاً عن تمزقاته وعذابات ضميره وسط هذا كله.
(3)
الأحداث في رواية البيضاء تمضي على نحو بالغ الغرابة حقًّا؛ فنحن لا نكاد نتقدم إلى الأمام من نقطة إلى نقطة، وإنما يأخذ الحدث الرئيسي (قصة الحب بين يحيى وسانتي) شكل دورات أو جولات متكررة متشابهة في الزمان والمكان والشخوص.
إنه المشهد نفسه يتكرر، تبدأ به أحداث الرواية وإليه تنتهي، في دورة واحدة كبيرة، مكونة من دورات صغيرة مليئة بالتفاصيل، إنه مشهد اللقاء بين يحيى وسانتي في مكان مغلق، اللقاء الأول والثاني في مطعم باريزيانا، ثم اللقاء الثالث متواجهين وقوفًا في قطار في رحلة ذهاب وإياب، ثم – وإلى النهاية – وحدهما في حجرة داخل شقته، في موعد لا يتغير ولا يتوقف، الثالثة والنصف (السبت والثلاثاء والخميس من كل أسبوع) وبسيناريو لا يكاد يتغير.
يبدأ السيناريو بيحيى في لهفة وانتظار حارقين، تأتي سانتي في موعد الدرس المزعوم، يدور حوار ولو بالصمت، يحبها ويحبها وهي قريبة جدًّا، ومستحيلة جدًّا في الوقت نفسه، يعترف بحبه ويمعن في الاعتراف بأشكال متعددة، من دون أن يحصل على اعتراف واحد مع سعيه الذي لا يتوقف، يجرب كل الوسائل لاقتحامها وكسر قشرة المستحيل، ولكن لا أمل. 
وحين نصل إلى آخر صفحات هذه الرواية الطويلة، لا نكاد نعرف كم مرة حدث هذا اللقاء، وكم من الزمن قد مر، وكم من الأحداث قد وقع. إنه مشهد واحد ملح يكاد يلغي المشاهد الأخرى على كثرتها، يضعها على الهامش، بينما يحتل هو المتن. ولكننا مع نهاية الأحداث، ندرك أيضًا أن «مأساة» كاملة قد تشكلت ووصلت إلى نهايتها.
وهذه المأساة شكَّلها حديثُ البطل إلى نفسه، وحديثُه إلينا، أكثر مما شكلتها الأحداث التي وقعت في الخارج؛ لأن هذه الأحداث (حتى الحدث الرئيسي: قصة الحب) مرت إلينا من ذاكرته، وعبر عينيه، ومتداخلة مع هذا المشهد المستحيل المتكرر. وكأنما هي حلم، أو أحداث لم تقع، أو قل إنها وقعت فقط في داخل البطل وبينه وبين نفسه.
تسير أحداث البيضاء إذن في خطين متداخلين، أحدهما – وهو الخط الأساسي – نفسي داخلي، يدور حول نفسه، دون أن يتقدم إلى الأمام، اللهم إلا بمقدار ما تتركه هذه الدورات المتشابهة من التردد والتحليل من آثار على شخصيتي يحيى وسانتي، والآخر – وهو ثانوي – خط خارجي سياسي اجتماعي، يتقدم نسبيًّا إلى الأمام، بحيث يترك آثاره الحتمية على كل الشخصيات، بمن فيها بالطبع يحيى وسانتي المعزولان عن حركة الخارج والمستغرقان في قصتهما.
يبدأ الخط الأول بيحيى وسانتي، رجل وامرأة يستكشف كل منهما الآخر، ثم ما يلبثان أن يدخلا في «سرداب مظلم» طويل، لا فعل فيه ليحيى (الطبيب والصحفي الشاب، ذو الأصول القروية، المنتمي إلى واحدة من الحركات اليسارية السرية في القاهرة أواخر الأربعينيات) إلا تحليل الذات، ثم تحليلها من جديد، بلا أمل في الوصول إلى نهاية، وكلما أمعن يحيى في تحليل نفسه وتحليل علاقته بسانتي كبَّله العجز وأقعده عن الفعل. أما سانتي (الشابة اليونانية البيضاء، التي يغرق يحيى في حبها) فلا نكاد نعرف عنها، ولا يكاد يحيى نفسه يعرف عنها، إلا معلومات محدودة: أنها تنتمي إلى أسرة يونانية من حركة يسار عالمية، تساعد الحركات اليسارية عبر العالم، متزوجة من أحد مواطنيها اليونانيين بعد قصة حب.(14)
وبرغم هذه المعلومات القليلة، وربما بسببها، تبقى سانتي شخصية غامضة متناقضة غير مفهومة؛ فهي متزوجة من رجل تحبه لكنها تأتي إلى يحيى في شقته مرتين في الأسبوع وبانتظام مدهش ورغم كل العقبات، تقترب معه في كل دورة من دورات اللقاء حتى قرب نقطة الوصول لكنها لا تريد له أن يصل إلى هذه النقطة، تنهره حين يصرح لها بحبه لكنها تبكي حبًّا وشوقًا وندمًا حين يقرأ عليها رسائله الملتهبة. . إلخ.
وكلما مضينا مع هذا الخط، ودخلنا في تفاصيل الحدث وتشعباته المختلفة، كنا نكتشف مع يحيى أنه لا يعيش قصة حب في الحقيقة، وإنما يواجه مرضًا عضالاً لا برء منه. وحين نصل إلى قرب نهاية القصة تتحول سانتي عند يحيى إلى «غيبوبة» و»طاعون أبيض» و«مرض وجنون». ولا تتركنا الرواية إلا بعد أن نرى يحيى «ممسوسًا» على باب سانتي، أو «متصوفًا في عبادتها» وقد تحولت هي إلى إله.
يقول يحيى في حديثه الذي لا ينقطع إلى نفسه وإلينا:
 «وبدأت أفيق. .
 أو بالأحرى بدأت مرة أخرى أروح في الغيبوبة التي اعترتني منذ عرفتها، غيبوبة علاقتي بها، تلك الغيبوبة التي قطعها لفترة وجيزة خروج البارودي، الغيبوبة التي أصبح فيها مجرد كائن لا يربطه بالحياة إلا تلك الساعات القليلة التي يقضيها يتحدث فيها معها أو يتخيلها حين تغيب، ويحلم بها..»(ص230)
  «. . وطوال الطريق كنت أصمم وأقسم، وألح على نفسي وأشتمها وألعنها، وأطلب من إرادتي كلها أن تتجمع، ومن كياني كله أن ينتفض، ومن ماضيَّ وذكرياتي وكل شيء يخصني في هذا العالم أن يأتي لنجدتي ويساعدني لأستطيع أن أتخلص من علاقتي بها، أو على الأقل لأقاوم علاقتي بها، أقاومها وكأني أقاوم طاعونًا أبيض غير مرئي يتقمص روحي.» (ص 236).
 «أيمكن أن توصلني علاقتي بسانتي وحبي لها إلى هذا الدرك؟ إلى هذا السرداب المظلم المتعفن الذي أنسى فيه نفسي وقيمي ولا أعود أحكم على أعز الأشياء وأقدسها إلا من خلال علاقتي بها؟
 عذاب ما كنت أحسه، أبشع أنواع العذاب، إذا سألت نفسي ماذا أفعل عذبني السؤال، وإذا أجبت عذبتني الإجابة، وإذا حلمت تعذبت، وإذا شككت أقاسي مر الهوان.
 كل قوتي وكل طاقتي وإرادتي وقدراتي كنت أجمعها وأحشدها وأحيا بها المشكلة محاولاً أن أجد المخرج. . وأفظع شيء أن تجمع قواك كلها لتفعل بها لا شيء، كياني كله يزأر، وكل خلية فيَّ تعوي وتصرخ، وأعتصر نفسي كلها وأفكر وأخرج من هذا كله بلا شيء، حتى قارب تفكيري في نهاية تلك الأيام القليلة أن يصبح لونًا غريبًا من التفكير، مجرد تفكير متصل طويل لغير ما هدف أو فكرة، تفكير على الفاضي، تحس في لحظات أنه على الفاضي وأنك لا تطحن به فكرة محددة، وإنما تفري به عقلك، ومع هذا لا تستطيع أن توقفه أو تكف عنه.»(ص257-258)
  «ولكن المشكلة أني كنت قد وصلت إلى مرحلة اليأس الكامل، يأسي من أن أشفي منها، نسيت مشاريعي وخططي، نسيت قراري بأن استحوذ عليها وأهجرها، حتى لم أعد أذكر أني صممت ذات يوم على الكف عن التعلق بها. كان حنيني لأراها، مجرد أن أراها قد أصبح أقوى من كل شيء، أقوى من غضبي وضياعي. كان مرضًا. كان جنونًا. كان شيئًا أعتى من المرض ومن الجنون.
 وليال طويلة قضيتها على مقعد منتزه أمام منزلها، أصادق حراس الليل وأسليهم على أمل أن أراها وهي هابطة من منزلها غلى عملها في الصباح. وفي أحيان كثيرة لا أراها، وفي أحيان قليلة جدًّا، نادرة، أراها، وأرتجف ارتجافًا حقيقيًّا، أمام أعين أصدقائي من الحراس، لمجرد ظهور شبحها الحبيب في فتحة الباب.
. . انني رغم هذا كله لم أكف عن حبها ولن أكف، وأني قطعًا وبالتأكيد هالك، وقد بدأت أتناول الحبوب المهدئة وأنام بالمنومات واستيقظ بالمنبهات، وعقلي كله أراه رأي العين ينفصل شيئًا فشيئًا عن واقع الحياة، ويتصاعد متصوفًا في عبادتها، وكأنها تجردت هي الأخرى ووصلت إلى معنى الله. (ص 260-261).
أما الخط الثاني، فمع أنه يبدأ مثل الخط الأول مع بداية الرواية، حين نرى يحيى مستغرقًا في عمله الصحفي في إطار حركات اليسار، فإنه سرعان ما يتحول إلى فواصل بين جولات قصة الحب الممتدة. وبينما كان الخط الأول يسير في مشاهد داخلية متكررة متوالية، مغلقة في غالب الأحيان على يحيى وسانتي، فإن هذا الخط الثاني يسير في مشاهد خارجية متغيرة منفصلة، ومفتوحة في الغالب على فضاءات جديدة، وإن كانت هي الأخرى مشمولة بالصيغة الاعترافية المهيمنة على الخطين جميعًا، صيغة الحديث إلى القراء/المستمعين، بضمير المتكلم المفرد أحيانًا والمتكلم الجمع أحيانًا أخرى.
في أول استراحة بين لقاءين، أو في أول فاصل بين مشاهد هذا العرض الطويل المتكررة، يأتي مشهد القرية والأهل والأم على وجه الخصوص:
 «. . واتفقنا على أن يكون الموعد يوم الأحد في الساعة الثالثة أمام سينما ميامي.
 وكان بيننا وبين الأحد عدد من الأيام.
 وكان ثمة عيد قد أقبل. وكان عليَّ أن أسافر إلى بلدتنا. فشيء مقدس أن يعود أبناء القرى الذين استوطنوا المدن إلى قراهم في الأعياد، إنه الشيء التقليدي الخافت الذي ترعرعوا ونشأوا في كنفه.
 والواقع أني بدأت أشتاق للبلدة ولعائلتي، ولآلاف الأشياء التي غادرتها هناك من صغري، ذلك الشوق الذي أعرف أن ساعة واحدة أقضيها في القرية تكفي تمامًا لإطفائه، إذ ما أكاد أهبط من القطار وتطالعني الأشجار التي أعرفها والنخيل الذي كان قبل أن أوجد ولا يزال في مكانه من يوم وجدت، والبيوت الرمادية الداكنة التي أعرف عن قاطنيها كل شيء، ما أكاد أعود مرة أخرى إلى ذلك الهدوء الممدود الذي يرقد ريفنا في قاعه، وما تكاد آذاني تستريح من الطنين الذي لا ينقطع في المدينة وأهبط إلى المكان الذي لا ضجة فيه ولا طنين، بل الهدوء الحافل الكبير، هدوء يغري بالهدوء، ويثبط الهمم، ما أكاد أطالع كل هذا حتى أبدأ أتناقض مع نفسي. .
 سافرت إلى البلدة إذن، وطالعني كل ما أعرف سلفًا أنه سوف يطالعني، مع هذا فللقائنا بالقرية فرحة كفرحة رؤيتنا لصورنا ونحن أطفال، ولخطّنا أيام كنا تلامذة في ابتدائي وثانوي. وقوبلت بما تعودت أن أقابل به، جرى أخي الصغير حين رآني قادمًا من المحطة وعانقني والتف حول ساقي، ثم انفلت وانطلق يعلن الخبر لأبي ,أمي وبقية إخوتي. .» ص40
 كنت دائمًا أفتقد أمي في مظاهرة الترحيب بي، ودائمًا أذهب وأصالحها، ودائمًا تقبل صلحي على مضض…» ص42.
هكذا يحكي الراوي مرة واحدة ما كان يحدث مئات المرات عند عودته إلى قريته، فتتحول القرية وعالمها والوالدان والإخوة – رغم أنهم لا يُذكرون بعد ذلك إلا مرات نادرة – إلى ركن أساسي من عالمه الثابت، وليس مجرد مشهد عارض يبهت بعد مروره.
والحقيقة أن يوسف إدريس يقدم هذا المشهد كله في صورة قصة مكتملة من قصصه القصيرة التي عرفناها، شيء أقرب إلى قصته «اليد الكبيرة»، حيث رحلة ابن القرية عائدًا إلى قريته التي هجرها، وعلاقته الوجدانية مع مراتع طفولته، ومشاعره الداخلية إزاء كل أشيائها وناسها. . إلخ.
لكن هذه القصة الريفية المستقلة، ليست سوى مشهد من العالم الداخلي الأكبر ليحيى، وهو العالم الذي تحتله سانتي تمامًا؛ إذ سنكتشف في نهاية المشهد أن الأيام التي قضاها الراوي في قريته محسوبة وبطيئة وتمضي على مضض، لا يذكر منها سوى أنها كانت أيام عيد، وأنها كانت قبل يوم الأحد الموعود. هذان اليومان أو الثلاثة ليست سوى فاصل يعود بعده إلى اللقاء الدائم المتكرر مع نفسه ومع سانتي:
 «لم تتعد الأيام التي قضيتها في البلدة يومين أو ثلاثة، وطوال تلك الأيام كانت سانتي تحيا معي باستمرار، كنت أنظر إلى أبي الطيب وأخواتي وأمي والفلاحين أبناء البلدة، وأرى التراب والمرض والفاقة والخراب وأقول لنفسي هناك. . في مكان ما من هذه الدنيا جنة صغيرة مخبّأة لي، هناك تلك الفتاة الحلوة ذات الإشعاعات. هناك سانتي»(ص 43).
وهكذا تمضي المشاهد الأخرى المتنوعة لهذا الخط الثاني الخارجي من الأحداث، كل مشهد منها يقدم جانبًا من عالم الراوي/ البطل/ يحيى، فمشهد للسكن في حي بولاق (ص52-53)، ومشهد للعمل وظروفه (ص55-60) وعنتر وعبلة والانتقال إلى شقة الزمالك (ص 81-89) واللقاء مع الصديق القديم أحمد سيف النصر(ص 141-150) وخلاف الراوي مع مجموعة المجلة (142-162) والمواجهة مع عمال الورش (174-185) وإخراج عدد المجلة برغم الحكومة (314-224) ثم القبض على فتحي سالم وخروج البارودي من السجن. . إلخ.
غير أن الأمر المؤكد أن هذا الخط الثاني الخارجي، تتداخل مشاهده السياسية والاجتماعية في معظم الأحوال مع الخط الأساسي؛ الذي يتركز في مشهد واحد متكرر: قصة الحب المحتدمة بين يحيى وسانتي. كل هذه المشاهد الخارجية، السياسية والاجتماعية والحياتية، كانت مسكونة تمامًا بقصة الحب الغالبة، وبصورة سانتي وطيفها الذي يقفز فجأة في ذهن الراوي، حتى في أحرج لحظات الصراع السياسي والأمني مع السلطة؛ فهذا الصراع الداخلي سيطغى على كل صراع خارجي مهما تكن شدته:
 «وحين أصبحنا في الشارع، وأصبح القبض على فتحي سالم خبرًا يأخذ طريقه ليسكن في هدوء الذاكرة، وشوقي بجواري كالعملاق، ومحفظته البنية الغامقة تحت إبطه، دفعت سانتي أثقال ماكنت أفكر فيه وأستعيده وخطرت لي. . وساءلت نفسي إن كنت أحبها حقيقة وأنا أحيا في هذا الجو الملبد المشحون الذي يصبح الحب فيه شيئًا مخلاًّ يعاب ويستنكر، ساءلت نفسي، ولم أحتج للإجابة، كنت كمن يضيق أحيانًا ويرفع بصره ويتساءل: أين السماء. . والسماء كبيرة ضخمة هائلة ممتدة من أفق لا بداية له ولا نهاية إلى أفق لا نهاية له ولا بداية. .
 نعم كنت وأنا ماش بجوار شوقي أحبها، وأنا أحيا تحت الأرض أراها. . وأراها وأنا أريد أن أراها، وأراها وأنا لا أريد أن أراها. . هي شوقي ومحفظته والمكان الذي كنا ذاهبين إليه والمجلة وفتحي سالم وخوفي وشجاعتي، ولولا أني مدرك ومؤمن أني سأراها اليوم ما كنت قد صحوت من النوم أو ذهبت للورش أو احتملت وجودي على ظهر الدنيا لحظة واحدة، ولجزء على ألف من الثانية. .
 وأظل في تلك الدوامة، أرى شوقي بحافظته أو يكلمني فأتذكر عملي الثوري، فإذا ما تذكرته تذكرت قصوري فيه، والقصور يذكرني بسانتي، وتأنيب الضمير الذي يصاحب تصورها يذكرني بتقصيري، وتقصيري يذكرني بها..»(ص218-219).
(4)
«يحيى مصطفي طه» هو بطل رواية «البيضاء»، وراويها، ومحور أحداثها وقضاياها. ولقد أفاض النقاد في بيان العلاقة بين هذا البطل/الراوي وبين مؤلف الرواية يوسف إدريس. يفتتح سامي خشبة مقالته عن الرواية قائلاً: «إلى أي حد يمكننا الفصل بين يوسف إدريس وبين يحيى مصطفي طه، وإلى أي حد يمكننا أن نطابق بينهما؟ لقد كتب يوسف إدريس رواية «البيضاء» بضمير المتكلم، وجعل بطلها يحيى مصطفي طه هو راويها، وجعله طبيبًا مثله يعرف طريقه في شبابه الأول إلى الكفاح الثوري السري، وجعله يجمع بين الطب والصحافة ثم بين الطب والأدب. وإذا كانت حكاية يحيى لقصة حبه قد انتهت قبل أن يتحول نهائيًّا عن الكفاح الثوري وعن الطب ويتحول إلى الأدب وحده، فإن يوسف إدريس قد أكمل هذه المسيرة وكتب قصة حب يحيى في أثنائها»(15). أما فاروق عبد القادر، فيتجاوز كل التشابهات السابقة بين يحيى ويوسف إدريس، ليصل إلى نقطة يراها حاسمة في هذا التشابه، يرى فيها شيئًا أقرب إلى التطابق، ويرى فيها «مفاتيح ثمينة» تساعد في فهم رواية البيضاء، وفهم «إبداع يوسف إدريس وحياته جميعًا»، وهي العلاقة مع الأم. يقول:»بعد نشر عدة حلقات منها في جريدة الجمهورية، نشر يوسف إدريس توضيحًا حول خلط البعض بينه وبين بطل البيضاء الذي تروى القصة على لسانه، ونبه هؤلاء إلى أن هناك فرقًا بين المؤلف والشخصية الروائية وأنه شخصيًّا يعرف خمسة أطباء يمارسون الكتابة. ولن أقف هنا عند نقاط التشابه «الخارجي» بينهما، فكلاهما طبيب يعمل بالكتابة، عرف هذا العمل السري ومارسه، وكلاهما عمل طبيبًا بين العمال، وكلاهما أقام وفتح عيادة في بولاق. . إلخ، لكن نقطة اللقاء الذي يصل حد التطابق إنما تتمثل في العلاقة بالأم، المؤدية لاضطراب العلاقات التالية بالمرأة وفسادها»(16).
ومن الواضح أن الناقدين يستخدمان هذا التشابه، لأنه يخدم قضيتهما وهجومهما على الرواية وصاحبها دفاعًا عن اليسار، بينما لم يستخدمه يوسف الشاروني مثلاً من قريب أو بعيد؛ لأن قضيته كانت هذا البطل الروائي المركب المريض الذي خلقه يوسف إدريس في البيضاء(17). كما أن أحدًا لم يستخدم على هذا النحو، التشابه بين يوسف إدريس وكثير من رواة قصصه القصيرة، مثل «خمس ساعات» و» شيخوخة بدون جنون».
ومع أن يوسف إدريس نفسه يؤكد هذا الجانب الأوتوبيوجرافي في الرواية، سواء في تقديمه الموجز للرواية، أو في حديثه إلى كوبر شويك المشار إليه سابقًا؛ فإنه قبل غيره كان يدرك هذا الفارق بين المؤلف والشخصية الروائية، وقيمة هذه المسافة الجمالية الفاصلة بين المؤلف وراويه أو بطله، ويدرك – بصفته كاتبًا واقعيًّا – أي ضرر يمكن أن يصيب الرواية حين تُقرأ على هذا النحو.
وكما كان باستطاعة النقاد أن يرصدوا جوانب من التشابه بين يحيى مصطفي طه بطل الرواية، وبين المؤلف يوسف إدريس، فإن باستطاعة أي قارئ الآن أن يدرك الفروق الواسعة بين الشخصيتين إذا أراد، وسوف يجد عونًا في النصوص المعاصرة التي تكشف كيف أن أبطال روايات السيرة الذاتية – حتى لو تطابقت أسماؤهم مع أسماء المؤلفين – هم محض خيال روائي، يختلف إلى أبعد حد عن المؤلفين الحقيقيين.
يحيى مصطفي طه إذن، بطل روائي قبل أي شيء آخر. وكل ما يمكن قوله في هذا الصدد أنه ربما كان يعكس جانبًا خفيًّا أو سريًّا من ذات المؤلف (في مقابل الجانب المعلن الذي عكسته رواية قصة حب)، ومن هنا كان التحرج من نشر الرواية، وكانت الصيغة الاعترافية المهيمنة على سردها.
يحيى ساخط أشد السخط على نفسه الضعيفة المترددة المتخلية عن الأهل وعن الرفاق الثوريين، والمتشككة في الجميع حتى في أقرب الناس: الأم، لكنه أبدًا لا يدين هذه النفس؛ لأنه يروي حكايتها من الداخل وبضمير المتكلم الاعترافي الواضح، بل ربما كان ضمير المتكلم المعترف هذا، والمقترن بضمير المتكلم الجمع في كثير من الأحوال، هو الوسيلة التي دفعنا بها المؤلف إلى التعاطف مع بطله وتفهم مأساته وتناقضاته، لا محاكمته.
يتحدث يحيى عن نفسه كثيرًا وباستفاضة، ويمعن في تقديم جوانب حياته من الداخل ومن الخارج. أما سانتي فسيتركها الراوي حتى النهاية لغزًا مستعصيًا على الفهم، لا تتكلم كثيرًا، والمعلومات حولها شحيحة، ليس سوى رؤية الراوي البطل المحب، الذي يخلع عليها هالة أسطورية تزيد من استعصائها وغموضها.
ما أكثر ما وردت كلمة «نفس» و«نفسي» في هذه الرواية، وسيتحدث يحيى كثيرًا عن نفسه العجيبة، المكونة من عدة أنفس متصارعة، وعن سخطه الدائم على هذا الركن أو ذاك من أركان نفسه، وعن رغبته الدفينة في ترك أركان أخرى منها تبوح وتنفعل وتحيا، حتى لو بدت انتهازية أو غريبة أو وقحة أو مريضة. إنه الصراع الذي لا ينتهي بين مستحيلين، أو مستحيلات متعددة، كلها تعتمل في نفس «يحيى»:
 «. . أكاد أتمنى ألا تأتي لأشقى وأتعذب وأشمت في ذلك الجزء من نفسي، ذلك الجزء المتفائل الذي كان يؤكد لي باستمرار أنها لابد قادمة ويسخر من مخاوفي وشكوكي.
 وأصبحت الساعة الثالثة.
 ونشب في نفسي جدل عنيف. آلاف الأشياء تؤكد أنها قادمة. وآلاف الأشياء تؤكد لي أنها ذهبت من حياتي إلى الأبد ولن تعود.
 وأنا فرح لأني سأشقى وأحزن، وحزين لأني قد أفرح، ساخط على نفسي أشد السخط لأني تركت أبي العجوز واخوتي وكل الناس الذين يحبونني وجئت لمقابلتها، راض عن نفسي لأني نبذت الواجبات الجوفاء وخرقتها وأقدمت على عمل أحقق به رغبة هي من حقي أنا وبجماع نفسي أريدها»(ص 46-47).
 «. . فقد اصبح واجبًا عليّ أن أعاملها باعتبار أنها زوجة، وأنا مؤمن أنها ليست كذلك، وأنا أشك في إيماني هذا، وأنا حائر في هدفها من تذكيري بوضعها، حائر فيها، وفوق هذا كله وقبل هذا كله مدرك تمامًا أني لا أستطيع ان أمنع نفسي من طلبها كما لا أستطيع أن أمنعها من طلب الحياة والوجود، أبدًا لم أكن أستطيع حتى لو تبينت مثل أوديب أنها أمي، فشغفي بها كان قد خرج عن إرادتي، أصبح كالنار العنيدة الموقدة في نفسي، كلما حاولت أن أخمدها بمانع أو حائل أتت عليه، بل زادتها الموانع والحوائل اشتعالاً» (ص 72).
 «وبدأت أنفعل وأكتب، وصورة سانتي في نفسي تبتعد وتبتعد، أبعدها بإرادتي وكأني ساخط عليها وعلى نفسي وعلى تلك الأيام الطويلة من حياتي التي قضيتها عبثًا، قضيتها واقفًا في طريق جانبي ضيق لا يسع إلا عواطفي واحلامي.
 ولو كان هذا هو الذي حدث بالضبط لسار كل شيء كما أردت، ولكني طوال انفعالي وغضبي وسخطي كان هناك، في ركن ما من نفسي، شيء أكاد ألمحه وأراه، عينان صغيرتان متقاربتان لامعتان ساخرتان تؤكدان لي أني أضحك على نفسي، وأني أفتعل ثورتي عليها وأن سانتي لم تبتعد من خيالي ولا حدث لها شيء..»(ص 78-79).
 «كلمات متلعثمة جعلتني أزداد حقدًا على حقدي وأتساءل عن كنه النفس التي تسيرني وتتحكم فيّ، ولماذا هي جاحدة ناكرة للجميل، ولماذا لا تقصر حبها على من يحبونا فعلاً، وبالذات أولئك الذين لا عمل لهم في الحياة إلا حبها» (ص 99).
 «ومع هذا.. وبينما كنت أنهال على نفسي بصفعات داخلية مكتومة. بينما نفسي كلها في جنازة خجل قائمة، كان جزء صغير من نفسي يكاد يرقص فرحًا، جزء أحاول إسكاته فلا يسكت، أحاول سحقه فلا يموت، أبصق عليه فيزداد مرحًا وفجورًا، ويفعل هذا لأن معنى أنها أهملت في عملها طوال تلك المدة أنها كانت مشغولة بشيء آخر، مشغولة بي، بي أنا. ولم أكن أكذب في كلا الانفعالين، كان أغلب نفسي في جنازة حقيقية اقطر لها مرارة وألمًا، وذلك الجزء الصغير في مرح حقيقي يكاد يهزني طربًا، وكلا الانفعالين لا يستطيع التغلب على الآخر أو محوه، وصراعهما وتنافرهما يمزقني ويدميني» (ص 167)
 «. . كنت كمن يتفرج على نفس أخرى غير نفسه، نفس أخرى تحب بقوة وقسوة وظمأ وحشي، وتحاول أن تجد قطرة حب تمتصها فلا تجد، فتئن وتعوي وتتلوى، كنت وكأني قد أصبحت شخصين. . شخصًا يعذَّب وشخصًا يتفرج ويستغرب، والأعجب من هذا أن كليهما يحب سانتي، وأني بكليهما أحاول أن أظفر بها»(ص 209).
 «والمشكلة الكبرى أنني كنت أنا الذي صنعت بنفسي كل هذا، قيدت نفسي إليها بإرادتي، وبإرادتي أريد أن أكسر قيودي، فمن اين آتي بإرادة لي تلغي إرادتي، وكبف أحطم بنفسي بنيانًا لا تملك نفسي إلا أن تبنيه وتستمر تبنيه. .» (ص 236-237).
 (5)
للحب في نفس يحيى قصة مستحيلة، وكذلك للثورة.
القصتان مستحيلتان في ذاتهما، لأنهما سِرِّيتان تحيط بهما الشكوك والتناقضات، ولأن ما فيهما من أحداث ومن حوارات إنما يقع بين يحيى وبين نفسه. والقصتان مستحيلتان أيضًا فيما يتصل بطبيعة العلاقة بينهما؛ فهما متداخلتان ومتصارعتان بحيث لا ندري من أين تبدأ الحركة: من قصة الحب إلى قصة الثورة أم العكس، أيهما يؤثر على الآخر، أم أن هناك تكوينًا أعلى يترك أثره عليهما جميعًا، وهو هذه النفس المنقسمة الغريبة.
يحيى غارق إلى أذنيه في حب سانتي، يعتريه ما يعتري المحبين من أوهام في كل قصة حب، فسانتي بالنسبة له هي الروح، وربما شيء أكبر من الروح، شيء غامض لا يمكن وصفه أو قوله أو التعبير عنه:
 «ومع ذلك لو طلب أحدهم مني بعد مقابلتي لها أن أصفها لما استطعت، فما جدوى الوصف. إنه لشيء مضحك أن نقرأ في قصص الحب أن البطل غرق إلى آذانه في حب البطلة لشعرها الأسود المتهدل أو عيونها العسلية ذات الرموش الطويلة. هراء وتخريفات، فنحن لا نفضل إنسانًا على آخر لأن ملامح هذا أجمل من ملامح ذلك، أو نحب فتاة لعيونها الجريئة أو لالتفاتاتها الرشيقة، يخيل إليَّ أننا نحب الإنسان لشيء لا نستطيع تحديده في الإنسان، واسألوا كل من أحب، ماذا أحببت في رفيقك، ودعوه يجيب، وحققوا له كل ما يقوله في رفيق آخر، فسوف يظل يقول هناك شيء ناقص لوسألناه عن كنهه لما استطاع الإجابة. وفي كل منا شيء لا نستطيع تحديده، هو روحه هو مجموع أجزائه الظاهرة وأجزائه التي لا تظهر، دمه، شخصيته،، ظله. .» (ص10-11).
 «. . لم يكن إحساسي يستند على غير أساس، ولكنه أساس لا يمكن قوله أو حكايته أو التعبير عنه. التصرفات والكلمات الكبيرة الواضحة المحددة المعالم هي فقط التي يمكن أن تحكيها أو تقولها، ولكن كيف تستطيع أن تحكي ما يصاحب تلك التصرفات والكلمات، الأشياء الدقيقة التي لا تظهر إلا لتتلاشى، وإذا تلاشت فلا تستطيع، مهما حاولت، أن تعيدها إلى الوجود بمسميات أو ألفاظ. كلمة أشكرك مثلاً كلمة محددة تعبر عن تصرف محدد يمكن التعبير عنه وتصوره، ولكن الطريقة التي تقال بها، لمعة العين التي قالتها ومقدارها ووجهتها، مكان خروجها وهل جاءت من طرف اللسان أم صدرت عن الأعماق، نوع الصوت الذي تقال به ورنينه ومداهن السرعة التي قيلت بها والوقفات التي جاءت أثناء حروفها، وتسبيلة الجفن التي تتبعها أو قد تسبقها أو قد لا تحدث أبدًا، تلك الأشياء الدقيقة التي لا تكفي كل الحواس لاستقبالها. .» (ص 14).
 والمهم أني لم أرها على حالة واحدة أبدًا. كان شكلها يتغير على الدوام في نظري، ويبدو لي وجهها في كل دقيقة وجهًا آخر أجمل وأحلى، حتى بريق عينيها كان يتغير في كل ومضة وكل نظرة، وكنت مذهولاً أحاول عبثًا ان أحتفظ لها بصورة واحدة، ولكن ألوانها تختلط بألوان، وبياضا في احمرار دائم متغير، وسواد ثيابها يشع غموضًا حبيبًا يلفها ويلف الوقفة واللحظة، ووجهها مرة أراه وجهًا أعرفه وأحفظه، ومرة أراه وجه ملكة من ملكات التاريخ، وجه آلهة من آلهة اليونان، أو جنية من جنيات الأساطير، وأحيانًا وجها جديدًا تمامًا أراه لأول مرة في حياتي» (ص 34)
ومع ذلك فقصة الحب بين يحيى وسانتي ليست كأي قصة حب عادية، والقوة التي تجذبه إليها أكبر من أية قوة أخرى، إنها شيء أقرب إلى السحر وإلى الغيب والظواهر الخارقة، قوة ستأخذه حتمًا إلى المرض وإلى الجنون :
«كنت آخر من يعتبر أن ما يدور بيني وبينها شيء عادي، كنت في قرارة نفسي مؤمنًا أن ما يحدث لي لم يحدث لإنسان من قبل، وكأنني أول واحد شعر بعواطف كهذه تجاه إنسانة مثلها، وسانتي في يقيني كانت لا يمكن أن تكون مجرد فتاة أو امرأة عادية، كانت تكاد تقترب في نظري من ظاهرة شاذة، كائن خارق للعادة، كائن أحس ناحيته بأحاسيس لم أحسها قبلاً تجاه أية أنثى أو تجاه أي إنسان آخر. .» (ص 170)
 «. . وجوه تسبح في خيالي،، ووجوه، وآذاني فيها صرخات وطنين وهمسات. . وهناك. . من أبعد مكان في شرق خيالي بدأ وجه ما يظهر، ويتضح، ويتكامل، ويقترب،كان وجه سانتي، حيًّا ومبتسمًا ورائعًا، بدا مجرد وجه بين آلاف الوجوه، وأخذ نوره يزداد حتى بدأت الوجوه التي حوله تظلم، وظلامها يبهت ويبهت، إلى أن أصبحت نفسي سماء ليلية صافية ليس فيها مضيء غير وجه سانتي. .» (ص 186).
 «. . بأية قوى سحرية تؤثر عليَّ هذه المرأة الصغيرة وتحدث فيَّ هذا كله، بأية قوى غيبية تفرز في دمي كل تلك الكمية من الأدرينالين الذي يجعل قلبي يدق هكذا وينبت العرق من جبهتي وتتهدج له أنفاسي؟ ولماذا هي وحدها دوناً عن العالم كله.» (ص223).
 «. . فقد أدركت لأول مرة أنها ليست قصة حب أخرى تلك التي أواجهها، ولكنها تجربة حياتي. حقيقة، كنت أحس أن صفارة البدء قد انطلقت وأني أنزل الحلبة لأبدأ أول صراع ينشب بين الواقع وبين ما أريد» (ص 252).
غير أن يحيى كان يدرك في الوقت نفسه، كمية العوائق بينه وبين حبه، وهي عوائق داخلية وخارجية يبدو عبورها مستحيلاً. أول هذه العوائق وأيسرها أن يحيى يكتشف بعد أول لقاء مع سانتي أنها متزوجة من رجل تحبه، والعائق الثاني، وهو عائق خارجي أيضًا، هو عائق الزمالة والعمل المشترك مع رفاق الثورة الذي يمنع نمو هذه العلاقة في ظروف طبيعية. أما أخطر العوائق وأشدها استحالة، فهي العوائق الداخلية.
بين يحيى وسانتي عائق أشبه ما يكون بالعائق الأوديبي(18)، ونحن لسنا في حاجة إلى جهد كبير لكي نكشف عن طبيعة هذا العائق ودوره، ففي مواضع كثيرة من حديث يحيى الطويل إلى نفسه وإلينا نحن القراء، يتحدث صراحة عن الطبيعة الملتبسة لعلاقته بأمه وكيف أثرت على علاقته بكل من تعامل معهن من النساء(19)، غير أن الراوي/ البطل في حديثه الممتد سيسخر – في الوقت نفسه – من تلك التفسيرات القائمة على ما يسميه «علم النفس المضحك»، وهو ما يزيد الأمر تعقيدًا؛ لأنه يبدو على درجة من الوعي بطبيعة مشكلته، تسمح له بمراوغة نفسه، ومراوغتنا نحن القراء.
يبدو الأمر وكأن هناك قوة ميتافيزيقية قاهرة تمنع يحيى من الوصول الجسدي إلى سانتي، برغم كل تلك القوة التي تدفعه إليها. وسيقول لنا في غير موضع إن سانتي كانت بالنسبة له أقرب إلى المحارم:
«لم يكن سهلاً ابدًا أن أتخطى بقفزة واحدة حواجز منيعة تكاد تعادل تلك التي تقوم بين الإنسان وأخته، حواجز الزمالة والعمل المشترك، ولكني كنت أعتمد على الزمن ونمو العلاقة.»(ص30)
وإلى أن تحين المقابلة رحت أتصور نفسي وأنا أحقق حلمي بنوالها. وأغرب شيء أني لم أستطع هذا أبدًا. كنت أتصورني جالسًا معها مثلاً أتحدث إليها، أضحك معها، أقترب منها، أقبلها، أما أن أتصور نفسي نائمًا معها في فراش واحد فذلك أمر لم أستطعه. وحين تكرر هذا في خيالي بدأت أفطن إلى الحقيقة الغريبة المذهلة التي لم أكن قد فطنت بعد إليها. حتى في الخيال لا أستطيع أن أتصور نفسي في وضع جسدي معها. كيف هذا؟ كنت أثور على نفسي وأعاندها وأروح مرة أخرى أتصور وأبدأ بالكلام معها لكي أنتهي بالفراش، ويمضي كل شيء على ما يرام حتى نصل إلى الفراش، وحينئذ يجمح بي عقلي بالقوة ويأبى المضي وكأنني أتصور نفسي نائمًا مع إحدى المحرمات عليّ، مع أمي مثلاً أو أختي أو عمتي»(ص 152).
«ولم أكن أفكر وأنا أحس، كنت أدرك هذا بلا وعي. كانت أبشع جريمة في نظري أن أمسها، مجرد مس، بكلمة أو حتى بإشارة لحظة أتمنى فيها أن أشفّ وأشفّ حتى أتلاشى إذا كان مجرد وجودي لا يريحها. .» (ص 187).
«وكان ممكنًا أن ينتفض عقلي ويثور، ويتصور ما يحلو له من أوهام وأوضاع، أما أن أنفذ هذا فشيء مستحيل تمامًا. سانتي كانت أمامي، على بعد خطوة واحدة مني، أستطيع أن أشل مقاومتها كلها باصبعين اثنتين من أصابعي وأنالها عنوة،ثم أنفض يدي منها كما أريد. . ولكني لم أكن أستطيع، أبدأ لم أكن أستطيع. . كنت متأكدًا أنها لو غضبت حتى من فعلتي فستصفح عني بعد هذا وتغفر لي. .
كنت مؤمنًا بهذا ومتأكدًا منه، ولكن ما فائدة الإيمان به والقيود التي تغلني في مكاني وتربطني إلى مقعدي أقوى ألف مرة من كل الحقائق التي أؤمن بها وأعرفها؟ ما فائدة إيماني وأنا كلما أدركت أن نوالها أمر سهل لا يكلفني إلا فك قيودي، كلما أحسست بالقيود تتضاعف وتضيق، وكلما وجدت سانتي قريبة مني راضية ومستعدة لأن ترضى، كلما أحسست بها تبعد وتبعد حتى لتصبح أبعد من ان أنالها ببصري أو حتى بخيالي. .» (ص 207).
(6)
تلك قصة الحب المستحيلة التي تنتهي(20) بما يشبه الجنون، فما قصة الثورة؟
مع أن قصة الثورة هي الأقدم والأسبق في حياة يحيى، ومع أن قصة الحب هي التي تقطعها، فإن تقديم الراوي/البطل/يحيى للحكاية يسير بشكل مختلف؛ فالرواية تبدأ بقصة الحب وتسير معها وتنصبُّ عليها، بحيث تبدو قصة الثورة هي الهامشية وهي التي تقطع قصة الحب الساخنة المتوالية المتوترة.
ونحن ندرك هذه الحقيقة تمامًا حين نمضي مع الرواية إلى ما بعد منتصفها بكثير، حين يكشف الراوي وبجملة مفاجئة (في الفصل الحادي عشر المخصص لاجتماع جماعة المجلة الثورية) عن التداخل العجيب بين القصتين. الفصل كله يعرض لشكوك الراوي في نهج رفاقه الثوريين، وهي شكوك تظل هي الأخرى بينه وبين نفسه، ولا تخرج إلى العلن إلا في جمل نادرة، ويكاد الراوي يوهمنا أن معظم أفراد المجموعة كانت تنطوي نفوسهم على شكوك كهذه. وفي إطار من هذه الشكوك ترد الجملة المفاجئة:
 وعلى الرغم من أنني أنا وشوقي وكل من كانت تحدثه نفسه بأشياء كهذه من الزملاء كنا نؤجل حكمنا النهائي على تلك الخواطر المخيفة إلا أن هذه الخواطر كان لها انعكاسها في عملنا فبدأ حماسنا للعمل يفتر وبدأنا نغير تغييرات لا إرادية في سياسة المجلة واتجاهاتها ونبحث فيها بعض مشكلات بلادنا بالطريقة المحلية وباللغة التي يفهمها شعبنا. وبدأنا نردد شعارات أقرب إلى طبيعتنا وروحنا من الشعارات «العالمية» التقليدية المحفوظة. .
 وفي تلك الظروف عرفت سانتي.
 عرفتها واليأس قد وصل بي إلى مرحلة كنت أكاد أقرر كل يوم فيها أن أقطع صلتي بالمجلة وبالمجموعة كلها وأن أبدأ في البحث عن طريق آخر أكون مقتنعًا به وبصحته ومؤمنًا بفائدته.
 وكل يوم كنت أؤجل القرار، لا بحكم العادة والكسل فقط، ولكن لأني – رغم إيماني المطلق بخطأ هذا الطريق – أخاف أحيانًا أن أكون المخطئ. . وبصراحة ليس هذا كل شيء…»
 وحين عرفت سانتي فرحت، ولعل جزءًا كبيرًا من فرحتي كان راجعًا إلى أنها جعلتني أؤجل ذلك القرار إلى الأبد، وجعلتني أعود لمحبة طريق كنت أكرهه رغمًا عني، جعلتني أعود أتمنى أن تحدث المعجزة وأن ننجح فعلاً في تغيير كل ما كنا نراه غير قابل للتغيير. .
 وهكذا بدأت في الاجتماعات أناقش وأجادل وأنفعل، وكنت قبلاً قد دفعني اليأس إلى حضورها ساكنًا ساكتًا مطرق الرأس. . كنت آتي إلى الاجتماع وأنا أكاد أنفجر بالثورة. .» ص 162- 163.
وهكذا تقفز قصة سانتي فجأة في قلب قصة الثورة، تمامًا كما بدأت صفحات الرواية بقصة الحب التي تشكلت ونمت بعد ذلك في قلب قصة الثورة.
في القصتين معًا هناك انفصام بين الداخل والخارج، هناك حب واحتجاج عاجز على الحب، وهناك ثورة وثورة مكبوتة على الثورة. ولقد ظل هذا الانفصام في قصة الثورة متواريًا إلى حد ما، مفسحًا المجال لقصة الحب الغامرة وتناقضاتها لكي تحتل معظم صفحات الرواية، إلى أن تفجرت الثورتان العاجزتان المستحيلتان معًا في هذا الفصل الحادي عشر.
في اجتماع رفاق المجلة، وفي قلب المناقشات المحتدمة فيما بينهم، يستعيد يحيى كل حكايته مع الثورة ومع الحب ومع نفسه المنقسمة. هؤلاء هم الرفاق:
– الراوي الذي انتهي للتو من جولة من جولات معركة الحب بينه وبين سانتي وبينه وبين نفسه، جاء إلى الاجتماع متأخرًا مرتبكًا منكس الرأس لا يزال في غيبوبته.
– أحمد شوقي، رئيس التحرير ورئيس الاجتماع، يستغرق كالعادة في الأجندة والمواد، وعلبة سجائره الأمريكية بجواره يسحب منها السيجارة بعد الأخرى في أناقة وكبرياء.
– فتحي سالم، وسيم الملامح والعينين، طبيب مثل الراوي وكاتب قصة متميز، قليل الكلام كثير الابتسام.
– محمد حلمي عطوة، قصير القامة دسم الملامح تحس وكأنه قطعة دهن تشكلت على هيئة إنسان، يحذف عطوة من اسمه حين يوقع على مقال، يبدأ كلامه بنبرة الخطورة لكنه لا يفعل أكثر من تبرير ما يقوله الرؤساء.
– البارودي، رئيس التحرير السابق للمجلة، والزعيم أو «الأمير» الغائب عن الاجتماع والحاضر بقصته وسطوته وهيبته في نفس الراوي. شخص طويل غريب يبدو أكبر من سنه، يقود المجلة من مكانه داخل السجن.
– سانتي ولورا ومحرران آخران وجودهم مثل عدم وجودهم.
نحن في هذا الاجتماع، لا نكاد نستمع لصوت الشخصيات تتحدث في حوار. كل شيء عنها يصلنا بشكل مونولوجي، من خلال عيني الراوي المنغمس في غيبوبته، وهو يستعيد حكاية كل شخصية دفعة واحدة.
لكل شخص في هذه المجموعة – بمن فيهم الراوي – تناقضاته الخاصة، ولبعضهم أيضًا جوانبه المشرقة التي يحبها الراوي، لكن التركيز ينصب هنا وفيما تبقى من الرواية، على تصوير شخصية البارودي، الرمز المهيب لهذه الثورة السرية، وتصوير طبيعة العلاقة بينه وبين أفراد الجماعة. إنها علاقة – كما يصورها الراوي – تنطوي على قدر كبير من التقديس، بحيث تبدو أشبه ما تكون بالعلاقة بين «أمير» الجماعة الدينية وأفراد جماعته المطيعين لأوامره حتى لو كان غائبًا:
. . والواقع أن البارودي لم يكن رئيس تحرير مجلتنا السابق فقط، كان الجميع ينظرون إليه باعتبار أنه واحد من أخطر الشخصيات في البلد وإن كانت شهرته لم تتعد نطاقًا ضيقًا من هؤلاء الذين يعملون تحت الأرض. حتى أنا كان بالنسبة إليَّ شخصًا أكاد أرفعه إلى مرتبة التقديس. كانت آراؤه في نظري هي دائمًا أسلم الآراء وذكاؤه أحدّ ذكاء، وكان يخيل إلى في أحيان أنه معجزة وأن أية معضلة لا يمكن أن تستعصي على مخه. .» (ص 157).
لقد شكّل هذا التقديس شبه الديني حائطًا، أعاق الراوي عن إعلان اختلافه مع الطريقة التي يفكر بها البارودي ويقود، ودفعه إلى ابتلاع أسئلته وإبقائها في حيز المناقشات بينه وبين نفسه. وكان أهم سؤالين يدوران داخله حول طبيعة علاقة هذه القيادة مع نفسها ومع وطنها من ناحية، وطبيعة علاقتها مع أوروبا من ناحية أخرى:
 حقيقة كانت تبدر منه آراء لا يهضمها عقلي، ولكني كنت إذا ناقشته يقنعني بل يفحمني، ومع هذا أبقى غير مقتنع تمامًا بما يقول. كان يتكلم عن الفلاحين مثلاً ويدافع عنهم، ولكني كنت أعتقد أنه يدافع عنهم دون أن يعرفهم. وكان يتكلم عن (مصر) ولكني كنت أحس أن (مصر) التي يتكلم عنها غير مصر التي أعرفها. وكان يتكلم عن (الثورة) ولكني أحس من أعماقي أن الثورة التي يتكلم عنها غريبة تمامًا عن نفسي، وكأنها ثورة أجنبية، أو ثورة لا يمكن تحقيقها إلا في الكتب، وحتى الكتب التي كان يحملها كان معظمها كتبًا فرنسية. .
 لأمر ما كنت أحس أن البارودي مصري دمًا ولحمًا، أعرفه وأعرف أباه الشيخ المتخرج من الأزهر وأعرف بيتهم في المغربلين، ومع هذا فعقله أحس به عقل خواجة، حتى وهو يتكلم الفرنسية أحيانًا كنت أحس أنه يغير الطريقة العادية التي يتكلم بها العربية ويكسب صوته وتعابير وجهه إجلالاً ما ويتأمل كلماتها بتقدير عظيم وهو ينطقها. .»(ص158)
ولكن هل كان التقديس وحده، هو ما أعاق الراوي عن طرح أسئلته واعتراضاته على الطريقة التي يفكر بها البارودي، والاتجاه الذي يقود إليه ثورتهم السرية؟!
الإجابة عن هذا السؤال ترتبط برواية «البيضاء» كلها، وبقصة الحب الأساسية فيها بين يحيى وسانتي، وبطبيعة التناقضات التي تعتمل في نفوس شخصياتها جميعًا، وعلى رأسهم يحيى الذي يروي لنا الحكاية. سيحدثنا الراوي في هذا الفصل نفسه عن الطريقة التي استُدرج بها وابتعد عن نفسه وعن قناعاته الداخلية، وكيف أنه بدأ يستعذب الفرنسية والنطق بها وأشعار إيلوار وموسيقى سترافنسكي، وكيف بدأ يقرأ كثيرًا من الكتب التي طالما استنكر من البارودي قراءتها، إلى أن يصل إلى التناقض الذي يزعم أنه بدا له محيرًا وغامضًا وعجيبًا:
 والواقع إنه لأمر محير، ولكنه كان الحقيقة. كنت بطبيعتي – ولا أدري لماذا – أعشق كل ما هو أوروبي وخاصة الأوروبيات. . كنت إذا ذهبت إلى الإسماعيلية أو بور سعيد ورأيت الذوق الأوروبي يصبغ المدينتين ويصبغ منطقة القنال، البيوت ذات الطابق الواحد والأسقف المائلة الحمراء والمدافئ والمداخن، والنظافة والسكون والنظام، النظام الذي نكاد نكرهه نحن ينقلب بين أيديهم إلى فن، فن النظام، الطعام بنظام، والحرب بنظام والحب بنظام. . كنت إذا رأيت هذا كله أحس بشجن، برغبة خفية ملحة أن اصبح ونصبح جميعًا مثل ذلك الكائن الأبيض المعقد ذي الوجه الأحمر. غير أنني – وهذا هو العجيب – لم أتمن قط ان أكون أوروبيًّا. . كنت أتمنى في أحلامي أن يصبح لي مثل قدرتهم العجيبة على الإبداع والنظافة والنظام، ولكن لي أنا، وأنا ابن عرب هكذا، دون أن أكون مستعدًّا لتغيير شعرة واحدة مني. .
 أما في عملنا الثوري فقد كنت شيئًا آخر. . كنت لا أطيق كل ما يمت إلى الأساليب الأوروبية بصلة. . كنت هكذا بطريقة غريزية تلقائية. . حتى الاشتراكية الأوروبية بنظامها وثورتها كنت أحس دائمًا أنها غريبة عني بقدر قرب النظرية مني. . أحس أنها أسلوب ثوري خواجاتي وأننا في حاجة لطرق أخرى من صنعنا نحن. . اما ماهية تلك الطرق فلم أكن أعلم عنها شيئًا، ولكنني كنت متأكدًا انني أستطيع التعرف عليها حالاً لو وجدت أو لو عثر عليها أحد. . وبنفس هذا الشعور المركب المتناقض اندمجت في الحركة الثورية، وكل ما حدث أن اندماجي هذا كبت اعتراضاتي وشعوري بالغربة، بل انقلب هذا الكبت إلى نوع من الموافقة والتأييد حتى جاء عليَّ الوقت الذي أصبحت أرى فيه ان الأوروبية في كل شيء، حتى في الثورة، هي المثل الأعلى» (ص 159).
عند هذه النقطة تتكشف بعض تناقضات يوسف إدريس وراويه وروايته. وتنتقل المسألة من حكي تجربة خاصة في الحب والثورة إلى تسريب أقوال سياسية وأيديولوجية قاطعة، لكنها تظل – على مستوى الفن – تبريرات متناقضة ومرتبكة، إن لم نقل متعمدة وكاذبة؛ حيث يتغافل الراوي عن تناقضاته الداخلية، ويقفز عليها بجمل غامضة مثل «إنه لأمر محير» و«هذا هو العجيب» و» هكذا بطريقة غريزية تلقائية»، بينما ينتقل إلى إدانة الآخرين بكلام واضح عن «الأسلوب الثوري الخواجاتي»(21).
يستميت الراوي البطل في الدفاع عن موقفه في مواجهة موقف البارودي، ولن يتورع عن صياغة خلافه معه في صورة جدول من التعارضات السياسية الحاسمة:
 «باحتداد النقاش بدأت أتبين أن خلافي مع البارودي خلاف أساسي. هو يرى أن وعي الإنسان بنفسه يجب أن يكون هو القيمة العليا، وأنا أرى أن الإنسان نفسه بوعيه وبلا وعيه وبصوابه وخطئه هو القيمة العليا. . المشكلة في نظره هي الغاية والمبادئ بصرف النظر عن الوسيلة لتحقيقها، والمشكلة في نظري هي الناس الذين سيحققون هذه المبادئ أو يحققون غيرها، هو يرى أن نسخر الناس لتحقيق الأهداف التي رسمناها لهم، وأنا أرى أن نسخر أنفسنا لتحقيق أهداف الناس مهما بدت ساذجة في نظرنا وقصيرة المدى، هو يرى أن الناس أقل وعيًا منا، وأنا أرى أن وعينا مهما بلغ ليس أكثر من قطرة في محيط وعي الناس، باعتبارهم جسد الحياة وعصبها الأكبر. .» البيضاء، ص 238
البارودي، معادل الثورة، هو نقيض الراوي كما نرى، لكن الراوي يبجل نقيضه ويحبه حبًّا غامضًا، تمامًا كما يحب «سانتي»، نقيضته التي لا يتخيل الدنيا من دونها. والراوي بين قصتين مستحيلتين: قصة الثورة وقصة الحب. وسيكتشف هو نفسه قرب نهاية الرواية ما يجمع بين هاتين القصتين:
«. . بل ما أكثر ما تمنيت أن أناقش البارودي مرة مثلاً، فيقنعني بخطئي وأعود كما كنت، ولكن نقاشي معه كان يزيدني اقتناعًا بصوابي وبضرورة أن أستمر في طريقي. ورغم هذا أظل أتمنى أن يثبت في النهاية أني أنا المخطئ، وأنهم كانوا على صواب. أتمنى أن يثبت أن خطأهم صواب وأن صوابي خطأ، وأن ينجحوا هم وأفشل أنا، ليكون هذا عزائي عن عدم قدرتي على عصب عيني وعقلي والمضي معهم في طريق واحد.
 ونفس الموقف تجاه سانتي؛ فأنا أعذرها في موقفها مني، وأعذر نفسي في موقفي منها، أنا حائر معها وهي حائرة معي، أريد اسئصالها من نفسي لأريحها وأريح نفسي فلا أستطيع، وأتعب وأتعبها معي، ثائر على ضعفي تجاهها ثورة عظمى، وثائر على قوتي التي تقف عاجزة أمام هذا الضعف أعظم ثورة. .»البيضاء، ص241
ومن هاتين القصتين المستحيلتين، قصة الحب وقصة الثورة، تتألف مأساة رواية البيضاء، التي هي في الحقيقة مأساة نفس تعي تمزقها بين المتناقضات، تدرس هذا التمزق وتتأمله، تبحث له عن مخرج أحيانًا، وعن تبرير أحيانًا أخرى، ولكنها لا تصل إلى قرار نهائي حاسم، وتترك للزمن القاتل وحده أن يتكفل بكل شيء، كما يقول الراوي في آخر كلمات الرواية.
(7)
فلنعد الآن من جديد إلى تلك العبارات التي بدأ بها اعتراف الراوي المتكلم، وافتتحت بها الرواية، وهي العبارات التي بدأت بالسؤال المستنكر: «لماذا نكذب على أنفسنا؟»، وكأن الرواية الطويلة كلها، التي ستأتي بعد هذه العبارة الافتتاحية، إنما جاءت لتفند هذا الوجه الكاذب المزيف، وتقدم بدلاً منه الوجه الحقيقي الأعمق والأصدق.
رواية «البيضاء»- التي لا نصر فيها ولا ثورة ولا حب يتقدم بثقة إلى الأمام – هي قصة الحب الأولى الحقيقية. و»يحيى»- ذلك الطبيب الشاب الممزق بين تناقضاته – هو نموذج البطل الحقيقي. ولمَ لا نقول أيضًا إن أسلوب رواية البيضاء – القائم على الحفر عميقًا ومرارًا وتكرارًا في اللحظة، وتحليلها من كافة جوانبها، والغوص في مشاعر الشخوص وتأملاتها الداخلية – كان أسلوب يوسف إدريس الحقيقي الذي صنع تميزه؟
لقد بدت رواية «البيضاء» مخالفة – في عالمها وفي أسلوبها – لبقية أعمال يوسف إدريس التي شكّلت خطّه الأساسي المعروف في الكتابة؛ فهي مختلفة من غير شك عن روايتيه الشهيرتين المكتوبتين في الفترة نفسها: «قصة حب» و«الحرام»، فضلاً عن أنها مختلفة – في شخوصها وأسلوبها ولغتها، وفي زاوية رؤيتها للواقع – عن قصصه القصيرة الأولى التي ضمتها مجموعات: «أرخص ليالي» و»جمهورية فرحات» و»قاع المدينة».
أقول «بدت» رواية البيضاء مخالفة لمجمل أعمال يوسف إدريس، لكنها في الحقيقة وفي نهاية المطاف ليست كذلك. بل إنه يمكن القول بأن هذه الرواية جسدت – ربما بأكثر الصور تطرفًا وصفاء – السمات المميزة لأسلوب يوسف إدريس. وها هنا أطروحتي الأساسية في هذه الورقة: أن البيضاء – وإن دخلها التوجيه السياسي الواضح في مواضع متعددة – لم تكن مجرد عمل مكتوب لهذا الهدف، أي انتقاد تجربة الماركسيين المصريين، ولم تكن حتى مجرد عمل من الأعمال الأولى التي يتخلى عنها أصحابها، بعد أن يدركوا أنها لم تعد تمثلهم في مرحلة النضج، وإنما هي على العكس من ذلك، الرواية الأولى في مسيرة إدريس؛ بكل ما تنطوي عليه الرواية الأولى من هفوات، وبكل ما تنطوي عليه أيضًا من بذور خشنة لأهم خصائص كتابته التي تبلورت فيما بعد.
انطوت الرواية من جهات متعددة، على نزعة التمرد التي ميزت عمل يوسف إدريس كله؛ فهي أولاً لا تخضع لمنطق بناء روائي مسبق يتصاعد في خطوط واضحة من بداية إلى وسط إلى نهاية، ولا ترتكز على خيط من الأحداث واحد تلتئم حوله كل التفاصيل(22)، وهي ثانيًا لا تقدم الصورة الواقعية النمطية للبطل الثوري الإيجابي المتسق مع العالم ومع نفسه الذي لا يعاني من أي خلل، وإنما ترسم بطلاً إنسانًا كامل التناقض ودائم الغموض، وهي ثالثًا لا تحكي بضمير الغائب السائد وإنما اختارت المتكلم الممتزج بالمخاطب، ووظفت طريقة إدريس القائمة على الحديث الحر.
إنه نفس المنهج العام ليوسف إدريس في القص، ولكنه في البيضاء كان لا يزال عند أقصى درجات تطرفه، أعني ذلك الخروج الدائم عن الحدث الرئيسي إلى أحداث وأحاديث فرعية، وخصوصًا إلى تأملات إنسانية عامة تعمق فهمنا للحادثة المحكية وتكسبها طابع العمومية. ما أكثر ما يخرج راوي البيضاء – رغم أننا نعرف أنه ليس الكاتب، وإنما هو شخص من داخل الرواية، راو وبطل – لكي يحدثنا بضمير المتكلم الجمع، وبضمير المخاطب المفرد أحيانًا، عن الحب مثلاً، أو عن الحياة وعن النفس الإنسانية وعن الخير والشر. . إلخ.
لقد جاء يوسف إدريس إلى القص نبيًّا مفعمًا بأحلام التغيير التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وحرب فلسطين، وهي الأحلام التي وجدت تجسيدها في دعوة «الواقعية» أوائل الخمسينيات. ومن المعروف أن الواقعية تعلي من قيمة «الموضوعية»(في مقابل قيمة «الذاتية» التي تعلي الرومانتيكية من شأنها)؛ ومن ثم فإن الواقعية لا تسمح باختزال المسافة بين الذات والموضوع، أو انمحاء المسافة بين حياة الكاتب وأدبه، ويندر في الأدب الواقعي أن تستمع إلى صوت الكاتب يخترق العالم المتخيل ويتحدث إليك بصوته الداخلي، ولعل هذا كان وراء حيرة النقاد في تصنيفهم لـ»واقعية» يوسف إدريس القائمة على حديث واضح مع القراء أو المستمعين. (23)
تحير النقاد(24) أولاً في وصف رؤية هذا الكاتب (الواقعي!)، ثم تحيروا ثانيًا في وصف أسلوبه.
من جهة الرؤية يمكن التوقف عند مقالتين هامتين، يبلور فيهما شكري عياد رؤية يوسف إدريس، فيقول في أولاهما: «موقف يوسف إدريس لم يكن في يوم من الأيام موقفًا «أيديولوجيًّا» محدّدًا. لقد كان يوسف إدريس ولا يزال فنانًا، والفرق بين الفنان والأيديولوجي أن الفنان يرى الواقع من زوايا متعددة، وأحيانًا متعارضة، بل إن التعارض في الرؤية كلما كان حادًّا كان الفن أعظم، أما الأيديولوجي فلا يرى الواقع إلا من زاوية واحدة. . في مختلف مشاهد الحياة كان يوسف إدريس يرى النقيضين، ولكنه كان يميل دائمًا إلى تأكيد جانب الانتصار. . والواقع أن ليوسف إدريس شغفًا خاصًّا بتأكيد معنى الحياة حين تكون في تلك «اللحظة الحرجة؟ التي يبدو الإنسان فيها على وشك السقوط»(25) ويقول في الآخر: «فن الكاتب يعتمد في نظري على أسطورة خاصة به، قد يبحث بعض النقاد عن هذه الأسطورة في طفولته الباكرة، وقد يخضعونها لنموذج عام مثل أسطورة أوديب، ولكنني أفضل أن أستقرئها من أعماله الأدبية. وأسطورة الكاتب ليست «تجربة»، ولا «عقيدة» ولا حتى «رؤيا»، أسطورة الكاتب شيء كامن في أعماق الوعي. . وكل من يقرأ يوسف إدريس يحس أسطورته، ويدرك أنها تدور حول معنى البطولة، ولكنها بطولة شديدة الارتباط بالواقع، بطولة طبيعية إن صح هذا التعبير، أعني أنها جزء من الطبيعة البشرية، يراها يوسف إدريس حتى في «أتفه» الشخصيات… البطولة عند يوسف إدريس بطولة طبيعية، تنبت في الطبيعة وتهزمها الطبيعة أيضًا. . ولذلك فليس في مقدور أي إنسان أن يكون بطلاً كاملاً، إن الطبيعة التي أوجدته سوف تحطمه، وهذا هو الشطر الآخر من أسطورة يوسف إدريس، ومن الشطرين معًا ينسج خيوط فنه، ويقدم لنا ما لا نهاية له من الأشكال والألوان. .»(26).
وإذا كان شكري عياد يتحدث عن يوسف إدريس في عمومه وصولاً إلى رؤيته، أو أسطورته العميقة الفاعلة في أدبه كله، أسطورة البطل الإنساني الطبيعي، الجامع للمتناقضات والمستعصي على الأيديولوجيا؛ فإن جابر عصفور سيتحدث عن يوسف إدريس المعادي للأيديولوجيا في عمومه أيضًا، ولكنه يضيف التفاتة خاصة في هذا السياق إلى رواية البيضاء ؛ يقول: «يصعب اختزال كتابة يوسف إدريس في مذهب أدبي أحادي البعد, تماما كما يصعب اختزال يوسف إدريس نفسه في انتماء فكري محدد, فكتابته كتابة يناسبها أن نصفها بأنها كتابة ضد الأيديولوجيا, أي ضد الوعي الزائف, والتصنيف السهل, والبعد الواحد، واليقين الذي لا يخامره الشك, وصلف الفكرة التي تقترن بتصلب الوعي. ولذلك, كانت خلافات يوسف إدريس (المثقف) مع أصدقائه الماركسيين بوجه خاص, أو اليساريين بوجه عام, كثيرة, صاغتها – في ذروة من ذرى المواقف الحياتية – رواية (البيضاء) التي كانت محاولة إبداعية لمساءلة معنى (الهوية) في الفن والفكر, وكذلك معنى الالتزام الإبداعي والسياسي».(27)
يوسف إدريس نفسه سيتحدث وبوضوح، داخل أعماله القصصية وخارجها، عن هذه الرؤية الخاصة للبطولة وللحياة الإنسانية، ساخرًا من كل النظريات والأيديولوجيات، وساخرًا كذلك من كل القصص والحبكات، التي تقوم على تصفية التناقضات الإنسانية وتبسيطها.
في رواية البيضاء نفسها – لو سلمنا بأنها أولى رواياته – سيقول الراوي لنفسه في واحد من تأملاته الداخلية الكثيرة التي تملأ الرواية:
 «. . لابد أننا كائنات معقدة جدًّا، أكثر تعقيدًا من كل تلك النفوس المبسطة المسطحة التي نراها ونقرأ عنها في الروايات والكتب، فهناك نلتقي بالعواطف والانفعالات وقد استخرجت ونقيت وصنعت منها كتل ضخمة ظاهرة للعيان، وما أبعد هذا عن نفوسنا وهي دائرة في تلك الحياة، ما أبعد هذا عنها وهي تحس في اللحظة الواحدة بعشرات العواطف وتتجاذبها عشرات النوازع، وتصدق وتخدع وتمر وتشف وكل ذلك في لحظة: الحب. هأنذا وأنا سائر على شاطئ النيل أتنفس بعمق، وأحب الصبح الباكر والنهر الدافق الممتد وطقطقة العجلات في عربات الكارو من بعيد ونداءات باعة الفول وصوصوة العصافير، أجد الكون كله مملوء بكلمة ضخمة، كلمة حروفها كل الكائنات والأشياء، كلمة «أحبها»، وليست كلمة صافية، إنها كلمة معقدة مركبة كالكلمة حين نكتبها ونعيد الكتابة فوقها، كلمات بعضها فوق بعض، كلمات مثل: أنا سعيد بحبي لها، لابد من قطع علاقتي بها الآن، ليس قليلاً أن أهب عمري كله لكي أحبها، لا يجب علي أن أراها، أنا مشتاق إليها، أنا أحبها لأني أحس أنها لا تحبني، أنا أحبها لأنها تحبني، كلمات بعضها فوق بعض تكاد من تعقيد تركيبها أن تطمس، ولكنها تكون بتعقيدها تلك الحقيقة الكبرى التي تجعلني سعيدًا بالصباح الباكر، سعيدًا بأني حي أعيش تلك اللحظات، سعيدًا لأنه. .» البيضاء ص 244-245.
وفي روايته القصيرة «العسكري الأسود»، وعالمها قريب تمامًا من عالم البيضاء، وإن كتبت بعدها بسنوات، سيقول الراوي أيضًا:
«. . ولا أريد أن أصور الأمر على أن ما عرفته كان التفسير الكامل لسلوك شوقي الغريب بعد خروجه من السجن، فالحكاية حينئذ تبدو ساذجة كحكايات الأفلام وتمثيليات الإذاعة: إنسان يدخل سجنًا بشخصية ويخرج بشخصية أخرى مختلفة، ويظل هذا يؤرق صديقًا له إلى أن يبدأ شيء يحدث وتنفك العقدة، ويتكلم البطل ويفك اللغز وتنتهي المشكلة.
 ليت الإنسان كان كذلك، ليته كان كمسائل الحساب أو تمارين الهندسة يخضع لقانون واحد أو تفسره بضع نظريات، ليته لم يكن ذلك الكائن الذي لا تزيدنا معرفتنا به إلا تصعيبًا لمهمة فهمه، وأية حقيقة نكتشفها عنه ويخيل إلينا أننا بها وصلنا إلى سره، لا تفعل أكثر من أن تضيء الطريق إلى مناطق كنا نجهلها، مناطق في حاجة إلى اكتشافات أخرى لا يفعل اكتشافها إلا أن يزيد من حاجتنا إلى كشف حقائق أكثر»(28)
وهذا ما سيقوله يوسف إدريس نفسه (وليس أحد رواته) وبلغة أشد وضوحًا، حين يقول في أحاديثه ومقالاته:
«الإنسان ليس كائنًا بسيطًا كما يعتقد البعض، فقطعة النقود لها وجهان، ومن هنا لابد أن نؤمن بأن الإنسان له أكثر من مليون وجه. إنني أرى أنه كان يحكمني قانون هام سيطر عليَّ طول حياتي، وهو أن الإنسان أهم من أي قوانين ابتدعها عقل وأهم من نظام أي نظام»(29)
هذا عن رؤية يوسف إدريس التي استخلصها النقاد من مجمل أعماله، ووجدنا بذورها الخشنة في روايته الأولى هذه: البيضاء. فماذا عن خصائص أسلوبه العام؟
يمكن الرجوع هنا إلى ما كتبه ناجي نجيب في كتابه الرهيف عن يوسف إدريس، إذ يسجل خصائص أساسية لكتابته، منها مثلاً:
– انعدام المسافة بين الكاتب وعالمه القصصي، أو بين الواقع والخيال، أو بين الكاتب والراوي. (30)
– الفردية والذاتية الطاغية، والحلم بتخطيها إلى الجماعة(31).
– المنظور الذي يحاول أن يعيش الناسَ من الداخل وأن يتقمص حالتَهم، وما يتركه ذلك من أثر على طرق التعبير(32).
كل هذه الخصائص العامة، وغيرها من الخصائص التي طبعت رؤية يوسف إدريس وأسلوبه، جسدتها بصورتها البدائية الخشنة رواية البيضاء، وهو ما أعطاها الحق في قراءة جديدة، حاولت الكشف عما انطوت عليه من بذور قصاص عظيم. 
 الهوامش
1 – تقع الرواية في 263 صفحة من القطع الكبير في طبعة الكتاب الذهبي، عن دار روز اليوسف، القاهرة، 1980. وهي الطبعة التي سأعتمدها هنا. والرواية على حد قول يوسف إدريس نفسه، في تقديمه لآخر طبعاتها، التي صدرت عن روايات الهلال في سبتمبر 1990: «قصة أطول عمل أفخر به كتبته، هي درة ثمينة بين إنتاجي أعتز بها»
2 – وفقًا لفاروق عبد القادر فقد : «بدأ نشر «البيضاء» في عدد الجمهورية الصادر يوم السبت 3 اكتوبر 1959، وظلت حلقاتها تُنشر كل يوم تقريبًا، حتى عدد الثلاثاء 22 ديسمبر 1959»، فاروق عبد القادر: البيضاء، أوراق يوسف إدريس القديمة وأقواله الجديدة، مجلة أدب ونقد، القاهرة مارس 1991، ص 22. ووفقًا لفاروق عبد القادر أيضًا – وكذلك سامي خشبة – فإن المرجح أن تكون هذه الرواية مكتوبة في عام 1959 نفسه، وليس «خلال اربع سنوات طوال» من بداية عام 1956 حتى وقت نشرها، كما يقول يوسف إدريس في تقديمه للرواية عند بدء نشرها على صفحات الجمهورية، ولا في صيف 1955 كما يشير المؤلف في آخر صفحات الرواية عند نشرها كتابًا للمرة الأولى عام 1970، ولا بين عامي 56-58، كما يقول المؤلف أيضًا في تقديمة للطبعة الأخيرة منها عام 1990.
3 – ظهرت الطبعة الأولى الكاملة من رواية «البيضاء» عام 1970عن دار العودة في بيروت.
4 – سامي خشبة: بيضاء يوسف إدريس: قصة الحب والتبرير الكاذب، جريدة المساء، القاهرة، 16 يوليو 1970. وأعيد نشرها في يوسف إدريس بقلم هؤلاء) مكتبة مصر 1986.
5 – راجع: – فاروق عبد القادر: بيضاء يوسف إدريس، روز اليوسف 3 أغسطس 1970.
 : البيضاء، أوراق يوسف إدريس القديمة وأقواله الجديدة، مجلة أدب ونقد، القاهرة مارس 1991.
 : البحث عن اليقين المراوغ: قراءة في قصص يوسف إدريس، كتاب الهلال، القاهرة (أغسطس 1998).
6 – أمينة رشيد: المفارقة الروائية والزمن التاريخي: دراسة مقارنة بين (التربية العاطفية) لفلوبير و(البيضاء) ليوسف إدريس، مجلة فصول، القاهرة (مجلد 11، العدد 4، شتاء 1993).
7 – راجع مقدمة يوسف إدريس للرواية في طبعة روايات الهلال، القاهرة، سبتمبر 1990.
8 – يقول خيري شلبي : «. . توقفت جريدة الجمهورية عن مواصلة نشر البيضاء لأسباب ظلت مجهولة حتى الآن، ثم إنها لم تكن تعطيها سوى مساحة يومية صغيرة قد لا تتجاوز العمودين في بعض الأيام، وبغير رسوم أحيانًا، الأمر الذي يشير إلى أن الرواية لم تكن تجد ترحيبًا في الجريدة. . إننا نذكر بجلاء أن الجريدة كانت تنشر حلقات الرواية بشكل غير لائق على الإطلاق، وأن أي كاتب يحترم نفسه كان لابد أن يعترض أو يعتذر عن عدم مواصلة نشر عمله على هذه الصورة» (خيري شلبي: بيضاء يوسف إدريس، صراع بين الشرق والغرب)، ضمن كتاب «يوسف إدريس» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1991، ص 785-786.
 وقد جاء في هوامش الفصل الثاني من كتاب كوبرشويك: «كان يوسف إدريس يمانع -في البداية – في نشر هذه الرواية (البيضاء)، بسبب طابعها الأوتوبيوجرافي الواضح. ولكن عندما نشر الأهرام رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) مسلسلة، استجاب لضغط جريدة الجمهورية وأفرج عن المخطوطة» (من حديث شخصي للمؤلف مع يوسف إدريس يونيو 1978). راجع:
– ب. م. كوبرشويك: الإبداع القصصي عند يوسف إدريس، ترجمة وتقديم رفعت سلام دار شهدي للنشر، القاهرة 1987، ص 113.
9 – يوسف إدريس: البيضاء، الكتاب الذهبي، روز اليوسف 1980، ص 5.
10 – فضلاً عن تركيزه من جديد على هذا الجانب في تقديمه طبعة روايات الهلال، يرى يوسف إدريس، في شهادته لعدد الرواية من مجلة فصول عام 1982، أن هذا الجانب التوثيقي التاريخي الاجتماعي هو أهم ما في رواية «البيضاء»، بل أهم ما في أي رواية، وهو ما يميزها عن غيرها من أنواع الأدب. يقول : «كنت أريد أن أكتب تاريخ هذه الفترة من حياتي؛ لأن أحد الإحباطات الكبرى التي حدثت لي عندما دخلت السجن – لأني كنت أعتنق الشيوعية، وكنت على استعداد للموت في سبيلها – ورأيت تصرفات الكبار والزعماء، وكنت قبل ذلك سافرت إلى بلاد الديموقراطيات الشعبية. اكتشفت أن هناك اختلافًا كبيرًا جدًّا بين القول والفعل، وبين النظرية والتطبيق، حدث لي نوع من خيبة الأمل، بل كفرت بالشيوعية الستالينية من خلال فيلم كنت قد رأيته في القاهرة قبل المؤتمر العشرين بثلاث سنوات تقريبًا، وهذا الفيلم هو «سقوط برلين». وقد رأيت فيه ما لمست منه أن المساواة بين البشر – وهي ما اقتنعت بالشيوعية من أجله – هي مجرد كلام. ثم بدأت من خلال التنظيمات المصرية أعرف أن التوجيهات تأتي من الحزب الشيوعي الفرنسي، فمثلاً في غمار حرب السويس أجد أن المنشورات تتحدث عن السلام، في حين كان المفروض أن نعطي مفهومًا مصريًّا خالصًا للإنسان المصري، ومثلما كنت أحاول في القصة القصيرة أو الرواية أن أجد المفهوم المصري أو الشكل المصري. . الرواية نوع من الموضوعات الكبيرة، لا يمكن كتابته في القصة القصيرة، ويقصد به التعريف إما بفترة تاريخية معينة، أو فئة من الناس. والفكرة هنا هي فكرة التعريف أو التقديم لهذا العالم المجهول. .» من شهادة يوسف إدريس، المنشورة في عدد مجلة فصول عن الرواية 1982، والاقتباس هنا عن النص المنشور في كتاب يوسف إدريس الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 1991، ص 612-613. وفي هذا الحديث نفسه، سيقول يوسف إدريس إن أية رواية عنده تبدأ برغبة في التعريف بفترة تاريخية أو جماعة من الناس، وهو لا يخترع القصة إلا من أجل هذا؛ فإذا كان يرغب في تقديم عالم عمال التراحيل، فإنه يخترع قصة اللقيط والبحث عنه ليقدم هذا العالم. ومن ثم يتركنا لنتخبل أنه كان يرغب في تقديم جماعة اليساريين وتناقضاتهم، ثم اخترع قصة الحب العجيبة، وهو هنا يلتقي تمامًا مع مهاجمي روايته، الذين رأوا في قصة الحب مجرد تبرير كاذب للموضوع الحقيقي: الهجوم على اليسار وممثليه.
11 – حاولت وصف هذه الطريقة تفصيليًّا في دراسة سابقة، نشرت تحت عنوان «فن الحديث: دراسة في سرد يوسف إدريس». راجع الدراسة في مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، يوليو 2000.
12 – التفت معظم النقاد الذين قرأوا الرواية إلى هذه الوشائج بين رواية «قصة حب» ورواية «الببيضاء». بعضهم – مثل سامي خشبة استخدم علاقات التشابه والاختلاف بين الروايتين لكي ينفي زعم المؤلف أن «البيضاء» مكتوبة في صيف 1955، أي في نفس الوقت الذي كتبت فيه «قصة حب»، ويؤكد بدلاً من ذلك أن البيضاء لابد مكتوبة في مرحلة تالية. يقول: «ورغم كل ما قد يقال عن التاريخ الحقيقي لتاليف هذه الرواية – وأنا شخصيًّا أعتقد أنها ألفت عام 1959-1960، ومن المستحيل أن تكون ألفت في صيف عام 1955 كما يقول المؤلف في المقدمة وحرص على أن يبرزه بعد آخر سطور الرواية؛ فقصة حب نفسها قد كتبت أواخر عام 1955 أو أوائل 1956 على الأكثر لكي تصدر في منتصف ذلك العام. . ولسنا نعتقد أنه من الممكن أن يحمل فنان واحد شخصيتين متناقضتين كل هذا التناقض مثل شخصيتي حمزة ويحيى جنبًا إلى جنب في شهور معدودة، لأن هذا سيكون معناه أن يوسف إدريس كان يحمل الرؤيتين المتناقضتين معًا للثورة وللحب ولمعنى البطولة في مرحلة واحدة، بل واستطاع أن يسجل التجربة في نفس المرحلة التي لا تتعدى هذه الشهور المعدودة_ اقول إنه مهما قيل عن التاريخ الحقيقي لتأليف رواية البيضاء، فإن من الواضح أنها تنتمي إلى مرحلة تالية في أدب يوسف إدريس» (سامي خشبة، مرجع سابق، ص 274-275). وبينما يجد سامي خشبة تناقضًا غريبًا يستحيل فهمه بين بطلي الروايتين، سيرى يوسف الشاروني، بعد عقد مقارنة مطولة بينهما، أن «المؤلف قد قدم لنا في البيضاء معارضة فكرية لما قدمه في قصة حب، وبذلك قدم لنا نموذجين مختلفين لبطلين من أبطال عصرنا». (يوسف الشاروني: نماذج من الرواية المصرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 63). وهذا إدراك ذكي للعلاقة بين البطلين، غير أنه لايزال يرى فيهما نموذجين مختلفين، وليس وجهين لبطل واحد، أو طبقتين من نفس واحدة، هي انعكاس لنفس المؤلف كما نزعم هنا؛ إذ يمكن أن ننظر إلى الروايتين باعتبارهما رواية واحدة متكاملة، عن بطل واحد بجانبين متنافرين (أم متكاملين؟)
13 – يقول يحيى في أحاديثه الطويلة بينه وبين نفسه وبينه وبين قرائه:
 «كنت أقارن بين ما أراه حولي «في القرية» وبين تلك الصورة السرية التي خبأتها في نفسي لا يعرفها أحد ولا تصل إليها عين إنسان، فأحس بالدفء، وكأنني أحتفظ برغم ما كنت أراه، بكنز خاص بي لا تفتحه إلا كلماتي. .» ص 43.  ويقول: «عدت ذلك اليوم إلى بيتي وأنا سعيد، لا أريد أن أبحث أسباب سعادتي، أريد أن أبقي ما بنفسي مقفلاً ومختومًا كالخطاب الآتي من حبيب، لا أفحصه ولا أتعجل معرفة ما فيه. .» ص 48.  ويقول: «حتى اقترابها مني في الحقيقة والواقع كان لا يفعل شيئًا أكثر من أن يغور بها في خيالي ويبعدها ويجعلها أصعب ما تكون منالاً» ص 111. ويقول في النهاية: «ومنذ بدأت راقية وشوقي والأصدقاء يرونها ويصبح مجيئها أمرًا علنيًّا يعرفه الجميع، بدأت أشياء تحدث في نفسي وتجعلني لا أعود أرضى أو أعجب بتلك العلاقة التي أصبحت علنية، فحتى لو بقي ما يدور بيني وبينها سرًّا لا يعرفه أحد، فمجرد ان يرانا الناس معًا، مجرد أن أوجد معها في مكان يحتوي أحدًا غيرنا، مجرد إحساسي أن طرفًا ثالثًا قد أصبح له وجود في علاقتنا مهما بلغت تفاهة هذا الوجود، كفيل بأن يفقدني الحماس للعلاقة التي أردت لها دائمًا وعملت أن تظل حفية، متناهية الخفاء، تكاد الروعة كلها تتجسد في سريتها.» ص 260.
14 تتحدث الباحثة الروسية فاليريا كيربتشنكو في كتابها(باللغة الروسية) عن يوسف إدريس، ونقلاً عن حواراته المطولة معها، عن علاقة واضحة بين شخصية «سانتي» في البيضاء وفتاة مكسيكية شابة التقى بها إدريس الشاب اليساري، في رحلته بعد التخرج مع حركة أنصار السلام إلى فيينا عام 1951، وعاد بها إلى القاهرة وتزوجها، وأن هذه الفتاة الشابة كانت ابنة دييجو ريفييرا، أعظم فنان جداريات في القرن العشرين، وأحد أقطاب الحزب الشيوعي المكسيكي. ( نقلاً عن د. إيمان يحيى: قصة الحب الأول في حياة صاحب «الحرام»، جريدة البديل، القاهرة 18/6/2008). ولكن مهما يكن من أمر، فإن ما فعله الكاتب بشخصية «سانتي» نقلها تمامًا من صورتها الأصلية تلك في سيرته الذاتية، إلى شخصية روائية من طراز خاص، خلقها المؤلف تمامًا كما خلق نفسه في صورة يحيى.
15 – سامي خشبة: بيضاء يوسف إدريس وقصة الحب والتبرير الكاذب، مرجع سابق، ص 267.
16 – فاروق عبد القادر: البيضاء، أوراق يوسف إدريس القديمة وأقواله الجديدة، مرجع سابق، ص 20-21.
17 – في تحليله للرواية ينطلق يوسف الشاروني من علاقة الحب المريضة بين يحيى وبين سانتي، ويشبه كلمات يحيى بكلمات كامل بطل رواية السراب لنجيب محفوظ، ويلفت إلى علاقة البطل بأمه، لكنه لا يتعامل مع يحيى إلا بصفته «بطلاً» روائيًّا خلقه يوسف إدريس ليكون الوجه المقابل لحمزة، بطله الآخر في رواية قصة حب. راجع مقالة يوسف الشاروني عن البيضاء، مرجع سابق، خصوصًا الصفحات من 708 إلى 712.
18 – من الغريب أن غالب هلسا، الذي تناول في وقت مبكر العقدة الأوديبية في أدب يوسف إدريس، لم يلتفت إلى رواية «البيضاء» ودلالتها في هذا السياق؛ فقد قسم أعمال يوسف إدريس إلى مراحل ثلاث عامة: مرحلة أولى غلب عليها نوع من الواقعية الاشتراكية وتمثلها أعماله الأولى، ومرحلة ثانية ذات طابع اجتماعي أيضًا تمثلها مجموعة «لغة الآي آي»، وهما مرحلتان تعبران بالأقنعة – كما يقول – عن منطقة لاواعية تكتنز جوهر الإنسان وحقيقته. ثم تأتي المرحلة الثالثة وتمثلها خصوصًا مجموعة «النداهة»، وهي المرحلة المعنية تمامًا وبوضوح بالعقدة الأوديبية، بحيث يمكن قراءة قصص المجموعة كلها باعتبارها تجسيدات متنوعة للمثلث الأوديبي الشهير.
راجع: غالب هلسا: مسيرة يوسف إدريس إلى العقدة الأوديبية، نشرت أولاً في مجلة نادي القصة بمصر 1970، ثم أعيد نشرها في كتاب «قراءات في أعمال يوسف الصائغ –يوسف إدريس – جبرا إبراهيم جبرا – حنا مينه – المومس الفاضلة ومشكلة حرية المرأة»،دار بن رشد، بيروت د. ت، ص 101- 128.
19 – تلك هي النقطة التي يلتقطها يوسف الشاروني، ويبني عليها تحليله للرواية كما ذكرت من قبل. وتلك هي النقطة أيضًا التي استخدمها فاروق عبد القادر في تحليله للرواية، وهو التحليل الذي استخدم للهجوم عليها وعلى صاحبها.
20- من الضروري هنا أن نميز بين «النهاية» و»الخاتمة»؛ فالخاتمة عند يوسف إدريس – في رواية «البيضاء» كما في رواية «الحرام» – تبدو مضافة على جسم الحدث الأساسي؛ ووظيفتها هي الوصول بخيوط الأحداث إلى نهاياتها، ومن ثم فإنها في الغالب ذات طبيعة تلخيصية تعقيبية، يخرج فيها المؤلف من دراما قصته، ويتعالى على الزمن الذي يمر ويراه بعيني إله. خاتمة «البيضاء» خاتمة متعقلة حدد فيها المؤلف مصائر شخصياته على نحو بدا وكأنه خارج عن سياق الرواية. لقد انتهت أحداث البيضاء قبل «الخاتمة» التي جاءت فقط لتنسب كل شيء إلى «الزمن القاتل. . نهاية الأشياء» ص 263.
21 – لقد علمتنا نظريات السرد كيف نقرأ تدخلات الراوي، وكيف أن: «ما يتصف به راو معين من قدرة على التدخل في السرد، ودرجة وعيه بذاته راويًا لهذه القصة، ودرجة الثقة واليقين التي يتحدث بها، ودرجة اقترابه أو ابتعاده عما يرويه أو عمن يروي له القصة. . كل هذا لا يساعد على رسم شخصيته هو فحسب، بل يؤثر كذلك في تفسيرنا للسرد وتلقّينا له.
وهكذا، فإن التدخل بالتعليق على بعض الأحداث المحكية، قد يؤكد أهميتها في تتابع السرد، أو يؤكد ما فيها من تشويق، كما أن هذا التدخل قد يسعدنا (إذا كان لطيفًا مثلاً) أو يغضبنا (إذا وجدناه مصطنعًا). إن التدخل بالإشارة إلى الراوي أو إلى قيمة ما يحكيه، قد يقودنا إلى استخلاص أن الموضوع الحقيقي للسرد هو طريقة تقديم أحداث معينة وليس الأحداث في حد ذاتها، وأن البطل الحقيقي هو الراوي وليس أي شخصية من شخصياته. وبالمثل، حين لا يكون الراوي محلاً للثقة المطلقة، هذا يضطرنا إلى إعادة تفسير الكثير من عباراته، وذلك حتى نصل إلى معرفة – أو فهم – «ما حدث فعلاً»، كما أن تنويعات المسافة قد تؤدي إلى تنويعات من التقدير العقلي أو الارتباط العاطفي بشخصية أو بأخرى». راجع:
Gerald Prince. Narratology: The Form and Functioning of Narrative, Mouton Publishers, Berlin. New York. Amsterdam, 1982, p:13
22 – تقول أمينة رشيد في تحليلها للرواية: «ليس في البيضاء خط حبكة تقليدي: بداية، قمة، نهاية. إنها تتسم بصور التكرار الذي يتعارض مع مفهوم تطور البطل السائد في جماليات الرواية التقليدية عامة، ومفهوم البطل الإيجابي الذي انتشر في رواية الواقعية الاشتراكية وبعض روايات العالم الثالث في الخمسينيات خاصة. ويقوم التسلسل السردي – في غياب خط البداية القمة النهاية – على المفارقة بين البداية والنهاية. .» راجع: أمينة رشيد :المفارقة الروائية والزمن التاريخي، دراسة مقارنة بين التربية العاطفية لفلوبير والبيضاء ليوسف إدريس، مرجع سابق، ص 160.
23- راجع هنا خيري دومة: فن الحديث، دراسة في سرد يوسف إدريس، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، يوليو 2000.
 وقد تحدث معظم من كتبوا عن يوسف إدريس عن واقعيته المختلفة بالنسبة لواقعية الكتاب الواقعيين الآخرين في زمنه، فسماها سيد النساج «واقعية شمولية» (اتجاهات القصة المصرية القصيرة،دار المعارف القاهرة 1978)، أما لويس عوض فتحدث عن هذه الواقعية «الذاتية» الخاصة، إلى الدرجة التي جعلته– في بداية مقالته عن «حادثة شرف» – يتردد في وصف يوسف إدريس بأنه أديب «واقعي»، أو على الأقل جعلته يرجئ هذا الحكم إلى ختام مقالته، بعد أن يفحص هذه الذاتية البادية في يوسف إدريس وراويه، ويصل إلى ما وراءها من واقعية خاصة. (را جع مقالته عن»حادثة شرف»، منشورة ضمن كتاب «يوسف إدريس بأقلام هؤلاء» إعداد يوسف الشاروني، مكتبة مصر، القاهرة – 1986).
24 – كانت حيرة النقاد هنا إزاء سرد يوسف إدريس كله، وليس إزاء رواية البيضاء التي لم تقرأ في كتاب إلا عام 1970.
25 – شكري عياد: من القصة إلى المقالة، أدب ونقد، ديسمبر 1987 ص 16-18أن يتنازل عن جزء من النظرية، وإما أن يتعامى عن جزء من الواقع. أم أأأ
26 – شكري عياد :أسطورة يوسف إدريس، مجلة الهلال، أغسطس 1991، ص 25—27.
27 – جابر عصفور: تجريب يوسف إدريس، مجلة العربي الكويتية، العدد 533، أبريل 2003. وراجع أيضًا تحليله الطويل نسبيًّا لرواية البيضاء في مقالة «هل يموت هذا الزمّار؟!»، مجلة إبداع، القاهرة، سبتمبر 1991. ص 12-14.
28- يوسف إدريس: العسكري الأسود، طبعة مكتبة مصر، د. ت، ص 29.
29 – من حديثه إلى عبد الرحمن أبو عوف، كتاب «حوار مع هؤلاء»، كتاب الثقافة الجديدة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، العدد الثاني – اكتوبر 1990، ص 83.
30 – يقول ناجي نجيب: «المتأمل لأعمال يوسف إدريس- وخاصة مرحلة الخمسينيات –يلاحظ أنه حاضر على الدوام في كتاباته، وأن الفاصل بينه وبين كتاباته ضئيل، فهو يعيش أيضًا في الكتابة ومن خلال الكتابة. . والواقع أن نصوص إدريس وتكوينه وحياته تدعونا بإلحاح أن نتخطى الحدود التي يقف عندها دارس النصوص الأدبية ومؤرخ الأدب. . لا يبدع إدريس في الكثير من أعماله عالمًا روائيًّا، ثم يحرك في إطار هذا العالم المتخيل شخوصه، كما يفعل نجيب محفوظ على سبيل المثال، وإنما يتقمص على التوالي دورًا بعد دور، ثم إنه لا يعرف الحد الفاصل بين الواقع والخيال، أو لا يعترف به. . نلاحظ أن قصص يوسف إدريس في المراحل الأخيرة بضمير المتكلم. ومن العسير أن نفرق في هذا القصص بين «أنا الراوي» وبين «أنا الواقع»، وهو ذاته لا يعرف هذه التفرقة، وبإيجاز فالكتابة والحياة عنده متداخلتان». ناجي نجيب: الحلم والحياة في صحبة يوسف إدريس، كتاب الهلال، القاهرة، نوفمبر 1985، ص 7-9.
31 – يقول ناجي نجيب: «وبقدر ما يتميز به إدريس من فردية وذاتية، يتطلع إلى تخطي هذه الذاتية، وإلى الاندماج في المجموع، بل يتشوق من الأعماق إلى الناس والحياة، ليس إلى مألوف الحياة وإنما إلى الحياة في عفويتها وتحررها من المعوقات والضغوط والاصطناع. ذاتية يوسف إدريس هي جزء من حساسيته الاجتماعية، أو من مصادر هذه الحساسية. . والكتابة عنده هي القدرة على الاتصال بالوجدان الجماعي. وفترات العجز عن الكتابة أو الانقطاع عن الكتابة هي فترات العجز عن الاتصال، وترتبط أوثق الارتباط بالموقف الاجتماعي والسياسي العام. ويعبر عن ذلك إدريس حين يقول:»الحلم بالكتابة، كالحلم بالثورة، كالحلم بالحياة. . بهذه المقومات تلقي كتابات يوسف الكثير من الضوء على التاريخ «الباطني» أو «الخفي» لحقبة درامية حرجة من الزمن العربي تمتد إلى الحاضر، ذلك أنها تعبر عما قد تعجز أو تقصر الوسائل الأخرى عن التعبير عنه». المرجع السابق، ص 9
32 – يقول : «المنظور الذي يبدأ منه إدريس، والذي يعبر من خلاله، هو منظور الأطر السلوكية والوجدانية والذهنية التي يحيا بها الناس من حوله، أي في بيئته المحدودة بحدود الزمان والمكان، والمقصود بالناس الفئات المتوسطة والدنيا في الريف والمدينة، وهو منظور يحاول ان يعيش الناس من الداخل، أو يحاول تقمص الحالة التي يسردها، في محاولة للوصول إلى نوع من التوافق بين طريقة الشعور والتفكير والتعبير، وبديهي أن طريقة الاستبطان والتصور والانفعال هذه تطبع طريقة التعبير بطابع مميز. . الحالة هي التي تحكم طريقة السرد، واختيار الألفاظ، وتركيب الجمل. والمشاعر التي ترتبط بكل حالة من الحالات هي التي توجه لغة التعبير ومستوى التعبير اللغوي، ثم تتابع الأحداث، وترابطها أو انفراطها.» المرجع السابق، ص 47- 48   .   

خـــيري دومـــة
ناقد وأكاديمي من مصر 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …