قصة المدينة الغارقة في إدوينا

(وفي موضوعنا الرئيسي هذه الليلة, أفاد خبراء الأرصاد أن المدينة التي صمدت طويلا أمام أمطار هذا الشتاء, في طريقها الى الغرق في سابقة بيئية على صعيد المنطقة).

80,12  الثلاثاء  كاميرا (إثر هذا الاعلان الذي سجلته لك إدوينا رحل الجميع من المدينة كالمجانين. اقتحم عمي منزلي في وقت متأخر, البارحة وشرع يجمع ملابسي في حقيبة وانا اخرجها.

غادر عمي غاضبا وصفق الباب خلفه. لا احد الآن في المدينة سواي وهذا أفضل!.. لا أستطيع أن أغادر وأنت تعرفين لماذا. إدوينا, بربك!)

أوقفت الكاميرا وها أنا أكتب. كنت في الخامسة والعشرين عندما أحببت إدوينا. صمت كل شيء حتى بلغت الخامسة والعشرين وصرت جاهزا. انتظرتها قبلا, أو بعدا, أو أني لا أزال, في ثاني لقاء قلت لإدوينا انها عظيمة وأنني أشبهها. وضعت كفيها في جيبي بنطالها, نفضت شعرها الثري الأجعد, وقالت ان المرايا رخيصة لكننا رغم هذا بقينا. فوق فنجان الكاكاو الساخن قلت »كم هو مدهش انك لست أنا. كيف استطعت العيش إن كنا واحدا? «. كاهنت ترتدي ميزانا حول بنصرها. ظننتها من برج الميزان فقالت انها ليست. لكنه يضحكها دائما, فالميزان قادر أمام الأطنان أبله أمام الحقيقة.

سقطت إدوينا في أعماقي سريعا منذ تلك اللحظة.

34,15  الثلاثاء  الكاميرا (أغنية:

(You can`t hurry love…

You just have to wait…

Love is not easy…

It`s agame of give and take..)

أتسمعين هذه? لقد سجلتها 10 مرات, على شريط احتفظ به في سيارتي كما ترين. وبشكل من الأشكال فان »فيل كولينز« يصنع قانونا هنا. انظري ادوينا: أنا لا أكذب, الماء يغمر المدينة. لحظة.. بعد هذا المنعطف: ها هو منزل العائلة حيث لم أعد أسكن. كل المنازل سكني مذ عدت الى المدينة قبل ثلاثة أعوام, لا شيء يصنع فرقا. إدوينا, أيصح أن آخذ مؤونتي من محل البقالة المهجور هذا? سأترك هنا بعض النقود المبللة لبضاعة مبللة. الجو بارد).

أغلقت الكاميرا ووضعت مشترواتي في مؤخرة »الجيب«. جلبت أوراقي معي إلى السيارة لاكتب قليلا.. إدوينا كانت سابغة دائما. وكنت أحب أن أراها خطفا, نقرة على البيانو. تترك شفتيها على الفنجان فأحبها أكثر. لم تقتلني, ثم فعلت, أشعر أحيانا بأهدابها المعلقة بالمطر والتي ما مسست. اصابعها تتمدد داخل أصابعي ويدي قفاز, إدوينا تشبه »جولدنبرج« لباخ. كيف يحيط القماش قطعة موسيقى! نقرة بيانو. أصابع نحيلة النهايات وباب خشب أحمر. بمقابض ذهبية, خصلة حمراء جعدة. أنفاس. لا أحد. لا تذهبي, هواء بارد ولمعة شتاء في عين البن. ابقي.. أرجوك.. صمت. مكان ضيق.. لا أحد.. لا أحد.. ينطبق الباب.. وحدي, وجنتي ساخنة, الله محيط بكل شيء.

57,2 الأربعاء كاميرا (لم أستطع النوم. لحظة حتى أهبط هذه الدرجات انظري, لقد ارتفع الماء في الطابق السفلي بسرعة, درجة الحرارة قرب الصفر. متى سيمتلئ المنزل تماما برأيك? لابد سيمتلئ, كل الأواني تفيض إلا الانسان, وحده بلا قاع. لولا ذلك لعدت اليك في سفر, على الأقدام كالحجاج. وكذا أقول عندما لا يراني أحد, هل أضعت رقم هاتف عمر?).

وكتابة: جمعت إدوينا أغراضها مساء جمعة في السابعة وخمس وعشرين دقيقة ورحلت, كنت أعلم أنها فاعلة دون قول. بقيت انتظر عودتها وأهاتف والدتها يوميا دون أن أستشعر كوني غليظا. كم انتظرت ادوينا?… أ »شهر«?… أ »عام«? لقد عدت الى مدينتي منذ 3 أعوام. ولا زلت انتظر, تركت كل أرقامي عند »عمر« صاحب المقهى في الولاية الباردة. إدوينا تعرف عمر الذي ودعت في يوم, ربيعي وما التقطت انفاسي.

أنا…

لا زلت…

حتى…

الآن…

في المدينة الغارقة. قرب تلة لن تكون هنا غدا. أنا لا زلت أنتظر إدوينا..

لماذا أخبرك هذه القصة? ربما لأن ؛النهاية« مجرد نهاية. والانتظار لا ينتهي.

02,8  الاربعاء  كاميرا (شيء مجنون يحدث هنا. استيقظت فوجدت السفلي قد غرق تماما. لا أدري.. ربما انفجر شيء ما أثناء الليل فازداد تدفق الماء. برودة رطبة تتمدد في المنزل. إدوينا: الهاتف غارق في الماء وأنا محتجز في الأعلى. أرجوك.. لا تختاري اليوم بالذات كي تتصلي بي. لا تقولي انك لم تتصلي قبلا لانك أضعت رقم هاتف عمر.. هيا.. سيكون هذا مضحكا بالفعل).

 31,8  الأربعاء  كاميرا (فكرت  أن أترك  لك  رقم  عمر على هذا التسجيل. لكن.. إذا شاهدت  هذا الشريط فلن تكوني… هه.. لن تحتاجي إلا رقم  والدتي كي تواسيها. آنذاك, استمعي إلى موسيقى القرب ولا تذهبي بعيدا . فقط ابتسمي لي. أظن… لا أظن!)

 00,16  الأربعاء  كتابة لا أستطيع أن أهبط  إلى الطابق  الأسفل. لا يوجد  هنا أي  شراب  ساخن  أو بارد   رغم أنني أغرق !  سوى معلبات فاصوليا باردة نسيتها هنا بالصدفة الحلوة. الطابق العلوي يرشح  و أنا أكتب  جلوسا  على إفريز النافذة. أعلم  فيم  تفكر : كلا.. لم أقترب من إدوينا مطلقا . بعد رحيلها انتظرت  بتفاؤل. بعد مضي 60 يوما  دخلت  المصح لأنني توعكت  قليلا . عمر يقول إن  ذلك  كان انهيارا  عصبيا . بعض  الألم  سعيد.. ماذا أقول ? كألم  الكمادة الدافئة على قدمي هاتين المتجمدتين. لو كانت إدوينا معي الآن لأحبت منظر  المدينة التي تذوب  في الماء كقطعة السكر. سأنام. لاتوقظني.

 00,17  الأربعاء  كتابة. لم أنم. الشمس  تغرب. اضطررت  إلى شرب  الماء المحيط  بي. أرجو ألا تحاول إدوينا الاتصال بي الآن. أرجوك. اتصل بعمر. قل له أن يبلغ  إدوينا. من أنت ? لا بد  أنك  تعرف  عمر. من الذي لا يعرفه ? الورق  لك  و التصوير لإدوينا.. لا تنس.  

42,1  الخميس  كاميرا (ذهب القلم إلى الماء. أنا مضطر  إلى متابعة قصتي لك  على شريط  إدوينا. معذرة إدوينا, وقت  مستقطع : في خريف رحيلها أخرجت  جبرا  في نزهة. الهواء عطر الخوخ. الأوراق  حمراء صفراء تسقط و تغني. كنت  أنتفض  و كلما بحثت  عن الدفء  لسعني البرد أكثر. دس  عمر بين كفي كوب قهوة  ساخنة. نبع  ثم  فاض. لم أعد قادرا  على تذوق  الجمال. وكان أكثر  شيء  ألما). 

27,4  الخميس كاميرا ( لم أنم منذ  20 ساعة. إدوينا.. أتعرفين أفضل الطرق  لأكل   الفاصولياء الباردة دون ملعقة تحت المطر? عندما تعودين إدوينا. عندما تعودين. سأعلمك  كل  ما أعرف  وأتعلم كل  ما تعرفين. و سأقول  لك  بعد  ان أحلق  ذقني و أرتدي ملابسي أن  الأمر  لا يستلزم  3 أعوام  أخر. لأنني أستطيع  ان احبك  طفلة كما أحب  نفسي طفلا ). 

 14,6  الخميس  كاميرا (تعبت. منذ  الشروق  أحاول  قسمة قطعة الكاراميل المعلقة بين السماء  و الأرض بالعدل.. بالعدل. لا يزيد  ملليميتر  هنا ولا هناك. كل  مرة  يعود  النصفان  متحدين أبديين. كنحن. أنا و هي. أنا و أنت  خط الحقيقة الفاصل بينهما يذوب. طعمه حلوا كالحقيقة. لم انتحر بعد رحيلها. بعد  رحيلك  قال عمر إنني عند أهذي أصير  أعقل. فكرت  طويلا  في الفارق  بين الموت  و الانتظار.

 لماذا اخبرك  هذا ? من أنت ? ربما أشعر  في الثامنة و العشرين من عمري أنني أزلي. ازلي  يموت.

 صعب  أن أتم  هذا. يداي متجمدتان و الكاميرا تنزلق. كل  شيء  على وشك. إنتما. إدوينا و أنت. هل صرتما واحدا  ? لمن كنت  أكتب ?… و لمن أصور ? هذا الماء  يغمر  ركبتي. إفريز  النافذة أوسع  مما ظننت كما الآلام  أسهل. لم أنم منذ  زمن  بعيد. إلام  سأسند  رأسي قبل أن أموت ? لا يتسع  الوقت  لأكثر. كيف  حاولت  الاتصال بي إدوينا ? أندمت  ? لا تحزني. كانت قصة…

كانت.. سعيدة.

سعيدة ?…. سعيدة !!!..

يا رب  الخلق  الرحمن الرحيم

إذن لماذا أفنى هذا الصباح على إفريز النافذة  المتجمدة انتظارا  ?…

أنا أميل  إلى الأمام. كيف  أني لا أستطيع  الجلوس معتدلا  كما الخلق ? قليلا  أنحدر  فأنحدر. الماء  يمس  وجهي.. ذقني.. وجنتي. ثلج  سائل. روحي تشهق  مبتعدة. أتراجع  إلى الوراء.

أموت  فلا تموت  إدوينا.

ضجيج  ما. موسيقى طبول  لها بخار  دافئ. ما رأيتك  إلا أنا. ظل متك . كان صعبا . كنت  آخرا . من  الأعماق  استعين  بك. آه يا إلهي. سأموت  و أنا أنا, لست  إلا. إدوينا تهبط  عن كاهلي فأحبها أكثر. آخر  ما امتلك.

بخار  الطبول  يصبح  ماء, أجساد  تتعلق  فناني كأني أطير.

أهذه أجنحة تلوح  فوق  رأسي ?..

أهي  أشرعة ?…

أطائرة مروحية جاءت لأذهب ?…

أهذه مدينة تغرق  لأكون  أنا… ?..

أنا.. أرتفع.

سبح  الله في سمواته  العلى.
 
إيمان القويفلي كاتبة وقاصة من السعودية

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …