أخبار عاجلة

قصتان

إخراج  : منذ أشهر بدأت تحوم الفكرة كطيف يراوده ما بين الحلم واليقظة, لم يأبه بها، سيكون شأنها شأن كل الأفكار التي تبدأ ميلادها باعاقة لا تليق بأوراقه التي اعتادت الامتلاء والنزف.. هذه المرة أرادت أن تولد باعاقتها مع رغبة جارفة في افتضاض عقمها، لابد من البدء، اذن كيف يكون ذلك؟ ربما سيكون بحاجة الى خشبه مسرح أو صالة عرض وكاميرا وممثلين وأشياء كثيرة لا يدركها، لا عهد له بكل ذلك لكنها الفكرة مؤلمة ومفخخة أيضا وسيبدأ ببنائها.

الخارج..
يمتد الطريق المنبثق من خلف الجبل باستقامة سرعان ما تحدها انحناءة خفيفة تلفظ جموع السيارات المختلفة الأشكال والألوان لتصطف بانتظام أمام المبنى البني، حتى أن من يجهلها يحسب أنها وكالة بيع سيارات ثم يتنبه الى لائحة تفصح عن هوية المكان, هناك أمام البوابة الحديدية تكاثف تجمعات الفتيات وهن يتبادلن تحية الصباح, وفي زاوية قريبة تقتعد امرأة كرسيها لترقب وتسجل أسماء المتأخرات. الحارس في جيئته وذهابه يحاول تنبيه المرأة الى طيفي فتاتين مقبلتين من مكان بعيد تبدو هي متذمرة ولا تعيره انتباها..

المدخل..
ممر طويل مسيج بالأشجار وتتدلى من سقفه نباتات ملتوية وزهور ملتفة حول الأعمدة التي تسند السقف, العاملات يبللنه بالماء كل صباح, وهذا الصباح لم يكن هناك الماء الكافي فترك على حاله, بعد ذلك يفضي الممر إلى باب زجاجي تزينه نقوش ملونة تبدو أنها رسمت بعناية كبيرة..

الساحة..
1- حامية ومدوخة لولا المظلات الخضراء, الأصوات تتراخى، المرأة تزم شفتيها ثم يصخب صوتها بالتهديد وإطالة اليوم والوقوف لساعات أطول, عندها تتعالى الضحكات سارة بذلك حيث لن تضطر الفتيات للانصات بأدب الى دروس النظافة.. التحية تعاد للمرة الثالثة رغم ان القطعة الحريرية ذات الالوان الثلاثة لا تسأم الرقص بالونات بيضاء منفوخة عن آخرها تنتصب بوقار خلف الناصية الحديدية, تحاول الفتاتان شد القطعة الحريرية الى الناصية, لكنها تسقط فجأة, تثور وتزبد المرأة, المنصبون خلف الناصية يبدو عليهم الاستياء، وفي آخر الساحة تنفلت نكات لاذعة لكن بهمس.

2- الجميع صامتون حتى تنتهي التلاوة العطرة, يخرج صوت الفتاة مخنوقا، تارة يعلو وأخرى ينخفض.. تهزها المرأة الواقفة بجانبها لتنتبه الى اخطائها الكثيرة, تتوالى الفتيات يقرأن حكمة اليوم وكلمة الصباح وهل تعلم و…الخ.

3- ينطلق صوت الموسيقى المعتاد ايذانا ببداية الدرس, عندها تحدث بلبلة لا مثيل لها وتختلط الصفوف الامامية بالخلفية, تزمجر المرأة الثائرة وسرعان ما ينتظم الجميع ثم تهدأ الساحة الا من صوت الموسيقى المعتاد..

اندحار..
ها قد بدأت الفكرة تضيع وتغيب في أعماقها، صوت الموسيقى غيب كل شيء، المرأة اللعينة أفرغت الساحة وغارت الفكرة اكثر في غيابها، لن تكون هناك سوى مساحة بسيطة يمكنه التحرك فيها، عليه ان يشحذ كل طاقاته لافتراس تلك اللحظة وتجسيدها في عمل يختزل كل المشاهد، الممثلون بدأ ينتابهم الملل من فرط مجانية اللحظة وتفاهتها.. في عين الكاميرا تتزاحم الوجوه وتختلط الشخوص, يتم تبادل الادوار بشكل عشوائي ولا منطقي، يرتدون أقنعة تنكرية تواري الأصباغ في وجوههم يرقصون في عين الكاميرا، يختلط الخارج بالساحة والساحة بالمدخل.. ينبثق الطريق من المبنى البني ليبتلعه الجبل, الممر يفضي الى بوابة حديدية محكم رتاجها، تقف الفتيات على المظلات الخضراء فيكتنف الساحة برد ثلجي، الكل يمشي نائما وراء البالونات البيضاء حاملة القطعة الحريرية في دوران لا ينتهي.

تفلت الكاميرا من يديه, تنتقل إلى أيد كثيرة ثم تعود تلقط كل حماقاته ويرى نفسه عاريا تماما.. ثمة عين ترقبه..

خسوف
– يا بنتي قلتلش لا تشرفي على القمر
– حال هيش؟
– ما بيصح, وولدش بيطلع متشوه
– يا مي بعدش تصدقي هذا الكلام؟
– هذا كلام الكتب والعلما

فاطمة وهي تشخص بصرها نحو القمر ينتابها قلق من كلام امها، تضحك في سرها محاولة طرد القلق, تمسح بيديها البيضاوين حول بطنها المتكور فوق الفراش كالجبل الرابض في وسط القرية.. تشعر بحركة خفيفة تستجيب لدفء يديها.. (يا رب, يطلع

مثل القمر).. تفكر، تنام على جانبها الايمن, فجأة يخترقها ألم حاد، حركات بطيئة تهزها، تستيقظ الام على تأوهاتها، فتسرع في إشعال النار تحت القدر الذي تحرص على ملئه بالماء كل ليلة وتضعه قريبا منها، جوف فاطمة يتقيأ صراخا عنيفا، وجهها يسيل عرقا باردا..(بموت.. بموت )، تستيقظ أختها فزعة..

– مي ايش فيها فاطمة؟
– ساعديني

الأم والأخت تحنوان على فاطمة, يدثرانها، يخفت صراخها شيئا فشيئا.. تغفو، بين يدي الأم طفل ضئيل, فاطمة تفتح عينيها.. (يا الله مثل القمر).

– هاتيه مي هاتيه أشرفه, أحمله
– ارتاحي بنتي، تعبتي وايد، بعدين بتشوفيه
– تنظر الأم الى القمر وجهامة في وجهها، صار يأتلق ببياض ناصع, فاطمة تحضن طفلها، تقبله يرفل في نوم هادئ تحت الضوء المنتشر في الباحة.. فاطمة توزع نظراتها بلهفة بين وجهه والقمر، تحاول فك القماط الابيض عن جسده, تجفل الأم وتكبر الجهامة في وجهها. فاطمة تطلق صرخة مخنوقة..

– مي ايش فيهن يدينه؟

أمها تدمع عيناها وهي ترقب القمر، تخمد النار المتبقية تحت القدر والماء الاحمر فيه يبهت وينضب,عينا فاطمة المبتلتان تنظران بذبول الى القمر المعلق فوقهما ثم تفعلان في نوم بعيد.
 

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …