أخبار عاجلة

قصر جبرين زهرة المكان علما وعمرانا

الكتابة عن عمل جمالي مبدع، هي كتابة، عن وفي المغامرة بعينها والكتابة عن شيء استثنائي ومبهر، هي الكتابة الآخذة والمأخوذة والسارقة للعمل واستنطاقاته.

ولأن كتابتنا عن قصر جبرين، فإن هذا يتطلب رؤية خاصة تقود عين الزائر الى آفاق العصور الذهبية في الابداعات والعطاءات التي بقيت لنا من تلك الأزمنة التي رحلت أيامها وبقي ذهبها بلمعان بريقه، كأننا نلمس حالات ذلك الزمان نستنشق هواء سطوته، وعنفوان اسطورته، وملاحم امتداداته العميقة والمؤثرة حتى يومنا هذا.

كنا دوما مأخوذين بهاجس الاستقرار، الهاجس الذي شغل ويشغل البشرية منذ الأزل، فالاستقرار وليد الطمأنينة الذي بدوره جسد أعظم عطاءات البشرية في كافة الميادين وانعكس بدوره في الارث الجميل والرائع الذي خلدته في سيرتها الطويلة والمعقدة.

ماذا عمل المغول في حروبهم اللعينة الأولى.. دمارا وخرابا.

لكن ما إن استقروا وأشاعوا الطمأنينة حتى بنوا حضارة من أعظم الحضارات التي خلدت تاريخهم.

فالحضارات هي وليدة هذه البصمة الإنسانية في هذا الوجود الباقي – العابر.

يذهب الإنسان وينطفيء مثل شمعة تنير فضاء المكان. يخلد هذا الإرث ويبقى شاهد عصر وحالة. فمهما كبرت رغبته بالتشبث بهذا الوجود، فل م حالة من الزمان الراحل مثل بساط وضع أسفل سحابة صيف. ولهذا تتوالد الرغبة في امتلاك أدوات التخليد لمعالم ذلك الجهد والعطاء، لكنه الزمن لا يرحم، فمن لا يضع بصمته، فهو رقم، مضاف الى المجاميع الراحلين، عابر دون أي اعتبار.

واذا كان المثل يقول (من يبني بيته كمن يبني قبره). مثل شاهد لحالة طبيعية وهي النهاية التي تؤول اليها حالة البشر.

فالبيت – الاقامة، – هو دوما في علاقته الوطيدة بالإستقرار المكاني والنفسي.

فالبيت: صغيره… كبيره، هو المكان الذي يتملك الفرد فيه طاقة الحرية (الخاصة) فهو طلقته – حصنه، خندقه، المكان الذي يرمي من خلاله نظرات الى الأخوين من علو السكينة وهدوء الإطمئنان.

ذلك هو الزمان الراحل.. لكنه الزمان الحاضر حين نتقدم الخطي مدخل قصر جبرين منارة العمارة العمانية في حضور هيبته وجلال عظمته. واذا كان التاريخ العربي – الإسلامي قد أرخ لفن معماري فإن لقصر جبرين تاريخه الحاضر الرصين عل صفحات التاريخ منذ الانتهاء من بنائه في منتصف القس ن السابع عشر الميلادي كأحد المعالم المعمارية المتميزة والمؤثرة.

هذا الحضور ليس راجعا الى المبنى فقط. وانما للشخوص والحالات التي شهدها بين حيطانه وخارجه، فالى جانب كونه دليل حساسية جمالية في العطاء المعماري بامتياز، فهو منارة علم ومعرفة، ومقر أساسي للسلطتين الأسمى في ذلك الوقت (الدينية والسياسية ) والذي به توجهت انظار العمانيين الى اختيار إمامهم بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي (1668 – 1692م ). ويحلا العارف، وخلال إمامة أبيه الامام سلطان بن سيف (1649 – 1668م ) أراد بلعرب أن يكون له مقر وسكن خاص فاستأذن والده الامام باختيار الأرض لذلك المقام. وقد قام وهو العارف بطبيعة الظروف المناخية والجغرافية للبلاد باختيار مخالف لإقامته بعيدا عن مركز الامامة ووالده (نزوى في ذلك الوقت) كان يتملك حدس المستقبل لتلك البقعة النائية لأن تصبح محط انظار العمانيين حتى يومنا.

إذن زمن الامامة انقضى في عهده الى أخيه، الذي سنأتي في الحديث اليه لاحقا، وبقي هذا المعمار الخالد، الذي اراده بلعرب قبلة للزوار ومتذوقي الابداع عبر الأزمان، شاهد، وشهادة، لعصر من أزهى العصور العمانية على مستويات عدة أولها: الحفاظ عل الجبهة الداخلية. وثانيها: صون مكتسبات الإنجازات وما تحقق في نواحي المعرفة والعلم والاعمار. فالأبيات التي دونها الامام على غير موضع في قصره، وبالخصوص على أهم مكان سيكون في القصر.. قبره لاحقا:

أتعبت نفسي عمارة منزلي

زخرفته وجعلته لي مسكنا

حتى وقفت على القبور فقال لي

عقلي ستنقل من هناك الى هنا

ربما يقصد من هناك الى هنا، الأمكنة التي خضعت له في حله وترحاله، وربما أيضا تلك الأمكنة العالية التي شهدت اللمسات الحانية لحياته من أعلى القصر الى أسفله.

هذه الإشارات المضيئة في المقدمة ستقودنا الى أعاجيب الزمان حسب ما ذكره العلامة «السالمي» في كتابه القيم (تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ).

وما أشار اليه شعريا الشيخ على بن ناصر الريا مي (في تحفة الأعيان ) بقوله:

الله أكبر من قصر علا وسما

وحصن عز بيبرين* العلا رسما

أكرم بلا انه الصرح الذي ثبتت

أصوله وله فرع سما لسما

هو العماد على ذات العماد علا

مجدا وفخرا وما أبغي به إرما

تصاغرت عظمة الشهبا ** لعظمته

فما لها بعد رؤياه ترى عظما

لو كانت الجنة الفردوس يشبهها

شيء لقلنا هو الشبه الذي عظما

لم يخش ساكنه في طول مدته

غير الإله ولا عرب ولا عجما

لو سالم الموت ذد عز ومرتبة

لكان ساكنه منه لقد سلما

 

فلا عجب من ذلك أن يكون القصر خلال زيارتي له في منتصف أغسطس والحرارة على أشدها أن أكون بين فسمتين نسمة الهواء العليل، ونسمة ذلك التاريخ المشوق. فالقصر باطلالته الخارجية البهية كأنه الظلال الوارفة في يبس المكان، والحارس الوفي للأرض الممتدة على مرمى النظر، فهو عرضة للنظر الكاشف، اغراء لمعرفته، واغراء لكنز المعرفة التي تضمها جنباته، تلك أزمنة، ورجالات دول بالعزيمة والإرادة التي لا تعرف الكسل والهوان أن يخلقوا لأوطانهم نفس الحياة وتشعباتها.

من حصن الى حصن

ومن معركة الى أخرى

تكون النفوس قد

إشرأبت من عطش

الانتقال الى أريج الاستقرار

فتوجيه البلاد في سفينة الوحدة تطلب جهدا مضنيا فأولئك السابقون: ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف اليعربيان وهذا المتحدث عنه بلعرب بن سلطان ثالث امام يعربي يقود السفينة المحاطة بمخاطر خارجية تحدق بوحدة الوطن في مواجهة أعداء محيطين وغرباء.

فبناء الحصن – القصر، هو، وليد مرحلة.. مرحلة السلم الداخلي وهي الأهم، وإبعاد الخطر الخارجي. فمع السلم تتجه الأمة الى التعمير الجميل المنسق الرائع، لهذا فإن اطلاق اسم "قصر" يعد انعكاسا لتلك الدلالات واستثمارا للحس الجمالي للمعمار العماني لذلك الزمان، والاستفادة من خبرات البناءات التي سبقت هذا المعلم. ويتضح أيضا من خلال الزيارات والمشاهدة لقلاع وحصون عمان ان البناء والتصاميم تداخلت فيها آفاق معرفية خليطة فارسية، برتغالية، ومغولية (بنسب أقل) وهذا مرده ربما بسبب الاحتكاك الذي شهدته عمان مع تلك الأطراف خصوصا الفارسية والبرتغالية، أما المغولية فلربما نقلت من طريق الفرس حيث إن امتداد حضارتهم شمل أجزاء من تلك المناطق الفارسية.

لكن الأهم هن ذلك كله يمكننا القول إن ملامح الجهد العماني بناء وتصميما هي السائدة، والأساسية، والرتوشات والمشاغل التزيينية هي وليدة حضارات كل واحدة تستقي وتستفيد من الأخرى.

فالقصر يعتبر واحدا من أجمل المباني في العالم الإسلامي حسب ما ذكره الدكتور "أي دريكو" الباحث الإيطالي (في مداخلته في حصاد ندوة الدراسات العمانية  1980).

فالجمالية العمرانية – الفنية للقصر كونه مبني في الأصل كمقر للسكن.. ملامحه الداخلية تحيل الى انه شيد للراحة والاسترخاء والهدوء، لهذا تعكس تداخلات بنائه تلك الصفات في روعة التصميم ورقة ابداع العمل.

هذه الرقة والعمل المتقن تضاد بشكل واضح إنشاءات تلك الحقبة، فمفهوم البناء يختلف بين هذا المعمار، وبقية الإنشاءات المعمارية في مناطق عمان. فالهم الأساسي هنا الاستقرار والأمان الأسري. وهم البناء في تلك القلاع والحصون هو: الدفاع، الحماية، التحصين، صحيح أن بعضها لا يخلو من جمالية، لكن جماليتها ستكون محدودة أمام بذخ العطاء الفني – المعماري في جبرين. فالحقيقة والاسطورة تداخلتا فيما أحاط بكيفية اختيار الموقع وبناء القصر وتعميره. فالأعمال المهمة المتميزة، تحيط به دوما، هالة من الأسطرة وهذه حالة طبيعية في مثل هذا الفعل الحضاري البارز.

وما يهمنا في هذه الكتابة القارئة لعين المكان الا ندخل في سردية الحاكي، الشاهد، الناقل لتقسيمات مكان ما بعينه. فالموصوف يتجاوز نقل صورة الناظر العادي الى آفاق رؤى العمل الفني المتقن بحرفية صاغت من الحجارة واللون والكتابة ذهب هذه التحفة المعمارية التي تنبض بالحياة. كل ركن، زاوية يحرك في النفس سطوته، حيواته، بشره، كائناته.

الصحنان الداخليان في قسميه الأول والثاني بهاء النظر وفرجة العين. وأنا أقف في تلك الحضرة. أقف كمن يستعيد الماضي بضربة سحرية، هكذا، مشاهد تتساقط من حنايا المكان، نوافذه، أبوابه، زواياه الخفية.

أقف في بهاء المكان، كأنني أقف والتاريخ أمامي. يقودني اليه، أتبعه، وأقود ذاكرتي، خطوة، خطوة. ضجيج، وحضور بشري من العلماء الى الخدم، واطلالة الامام من شرفته العلية. اشارات وتمتمات، خطط للتدارس والعمل النافع. هذا المكان لا يستحضر الخلائق فقط. فهو يقرأ حالته لمن يقف وحيدا يصفي اليه بوله العاشق. فالقصر الحقيقي دوما.. حقيقي ليس بحيطانه المسورة من حجارة وطين. فالقصر هو ذلك المزج الرهيب والمخيف بين نفسين: حي، وميت.

فالحياة وما يصحبها من دوائر العمل والاشتغال لأن يكون للقصر حضوره وتأثيراته وأنفاسه صوابه وخطؤه. لذا فالمقام بالمقيم يحيي فيه شاغله شعلة الديمومة من الانطفاء. أين الأيام وأين لودفيغ الثاني وقصره البافاري المهيب، ذهب الجسد وبقيت روائحه المعطرة بفخامة المكان.

وكما ذهب الزمان وذهب الامام بقيت تلك الأعمال التي انجزها أبو العرب (بلعرب بن سلطان) شامخة تطل بحضورها على ذاكرة التاريخ والجغرافيا.

أما الموت: فهو موت سكوني، هاديء جذاب. صحيح ان الجماد لا روح فيه !.. لكن في قصر جبرين الحياة الأولى، هي المهيمنة، والمتسربة من مسامات التاريخ. نافضة عنه موته من النظرة الأولى. الحياة في المكان.. تبطل موته. هذا ما رأيته بالعين الراشية في جبرين والحمراء بغرناطة موت بحياة.

كان بالامكان وصف القصر، كأي وصف لمكان تاريخي عام لكن الأصوات وصداها التي ارتبطت وعايشة رحابته، هي التي جعلتنا نخلخل ذلك الوصف الاعتيادي، نحو انقياد حنون لجمالية الابداع. ربما نتسرب من غرفة الى أخرى. نحكي عن الأولى ونغفل الثانية. لا يهمنا الوصف الكمي، بقدر اهتمامنا بشحنات الحساسية المعمارية التي يمتلكها القصر.

يبدو من القراءات التي وثقت لتاريخ عمان وعبر تلك الفترة والتي جاءت بعدها، بتداخل ذلك القارئ بالأحداث والسير والوقائع والأمور الحياتية، الفقهية. فمن الصعب نسبيا رصد مفهوم المصطلح التاريخي بمنهجية محددة ترصد الحالات وتقيدها في إطار الزمن التاريخي المحض، المؤدي الى القراءة المحققة لذلك الفعل التاريخي.

فالوصف يتداخل بدرجة كبيرة بحالة الموصوف، لهذا تتداخل هوامش خارجية (غير ضرورية) كأحد مؤثرات العمل التاريخي نفسه، ربما راجع الى كون الكاتب أو المؤرخ رجلا يشتغل بالفقه، الشعر، التعليم، ويخوض معارك كأحد أطرافها. وربما أيضا راجع الى كون التقسيم الدقيق للعلوم والمعرفة لم يتشكل بعد بحيث تتخلق الحدود الواضحة.

لهذا فان النقاط التي سنتطرق اليها تهمها هذه المقدمة الأولية:

ا – اختيار الموقع.

لم تكشف لنا الدراسات التي تحدثت عن تلك المرحلة ظرف اختيار الموقع بدقة خصوصا، والمنطقة ليست استثنائية بقدر كاف لاقناعنا نحن.الزوار اللاحقين – لماذا، هذا الموقع دون غيره؟ ربما تكون هناك مواقع افضل من ذلك الذي أقيم فيه. كما أن الكتابات التي تحدثت عن الموقع اشارت الى انه كان ملكا لملوك النباهنة وبعضها تنفي عنهم تملكهم له. لكن هذه الملكية صحيحة أو غير صحيحة لا يفصل بشأنها بشكل دقيق، ولا كيفية توارثها ولا الطريقة التي استولى عليها بلعرب قبل إمامته. الذي ذكرته بأن الموقع غني بأهم مصدر من مصادر الحياة، وهو الماء. والأرض هي الأخرى قابلة للاستصلاح الزراعي بشكل جيد، يسمح معه بقيام حياة مستقرة آمنة.

لهذا كان الاختيار كما أشرنا سابقا ينم عن عبقرية فريدة.

2 – ظرف البناء:

يتكشف من خلال الدراسات والأقوال الشفهية ان القصر اكتمل بناؤه سنة 1670 ميلادية. وان تولى بلعرب الامامة سنة 1668م. أي أن القصر اكتملت ملامحه خلال فترة إمامة والده وبداية إمامته والمصادر في جلها (تحفة الأعيان، ندوة الدراسات العمانية. ابن رزيق، الوعد والوفاء، دليل القصر، حصن جبرين ليسو جينيو كالديري، قصر جبرين وكتاباته، الحصون والقلاع العمانية، جهينة الاخبار في تاريخ زنجبار) أشارت الى أن ظرف ذلك الزمان راجع الى علو شأن الامامة اليعربية هذه المكانة أعادت الى الامامة خيرات لا تحصى واهوالا جعلت الافراد يهتمون بالبناء والاستقرار والزراعة والانشغال بأمور حياتهم اضافة الى مناهضة البرتغاليين وطردهم من عمان والخليج العربي، ومتابعة فلولهم الى شرق افريقيا والهند، جلب للدولة أموالا كثيرة ذكرها العلامة "السالمي" بقوله: إن الأموال كثرت في أيامه (بلعرب) وأيام والده قبله. حتى كادت ان تفيض البيضاء والصفراء من ايدي الناس، وذلك لبركة العدل وفضل الجهاد. وقال أيضا في أحدى فقرات كتابه (تحفة الأعيان) ان بلعرب أقام قصره من صلب ماله الخاص.

إذن البناء سبق تولي مسؤولية الامامة.

 

3 – الأعمال الانشائية والعمرانية:

توارث الإنسان العماني حرفة البناء واعتبرها سرا من أسرار الفرد والجماعة وبقي الحال حتى عام نهضة عمان الحديثة عام 1970م حينها تغير حال المدن والدولة وذلك ارتباطا بعصر النماء والتنمية الشاملة. فانفتح بذلك باب الاعمار على اشكال مختلفة تناسب حالة الظروف العصرية.

فتقسيم مفهوم العمل قديما غير محدد. فالأفراد هم جزء من النسيج الاجتماعي الذي يحمي ويذود. هو نفسه الذي يزرع ويبني. وهذا بطبيعته انعكس على أساليب وطرائق البناء الظرفي لتلك المرحلة.

فالأفراد الذين يخوضون المعارك هم أنفسهم في أوقات السلم ينشطون بالاعمار والتنمية. ولهذا يقال ان البناء هو انعكاس لمؤثرات البيئة بتداخلاتها. كما أن الأخطار المحيطة والمحدقة دوما بالوطن جعلت العمانيين لا يأمنون الآخرين في بناء قلاعهم، وحصونهم، ومساكنهم وقصورهم. فهذه الخصوصية ضرورية في زمن الأزمات.

فتصميم بناء القصر تم على شكل مستطيل من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي. ففي تلك البقعة، هذه الزاوية ضرورية وهامة، وهي دليل على أن المشيد العماني قد درس المنطقة دراسة وافية، فالتيارات الهوائية تخترق منافذ القصر من اتجاهاته الأربعة. بحيث تشيع نسمات الهواء في عز الصيف.

فالقصر أساسا مكون من جزءين، يبدوان منفصلين لكنهما متداخلان بصورة عجيبة. تتحدث بعض تلك المصادر المذكورة ان القسم الأول هو الأصل، والثاني مضاف اليه. يخترق القصر من الشرق الى الغرب مجرئ مائي صغير (فلج) إضافة الى وجود ثلاث آبار، اثنتان داخل القصر واحدة في الفناء الأول والأخرى في الفناء الثاني. والثالثة ضمن السور المحيط به.

يضم القصر في جزءيه خمسا وخمسين غرفة وقاعة، يرتفع القسم الأول عل ثلاثة طوابق والثاني على خمسة (طوابق ذلك الزمان بطابقين الآن). كما يضم القصر برجين مرتبطين به للحماية الخارجية.

باختصار القصر مدينة مصغرة.. تصوروا مدينة مصغرة بحراسها وسجونها، ومدرستها.وأميرها هذا المكان المليء بالحياة، هو نفسه الذي خلق اسطورته ووضعه بجانب مصاف قصور ذلك الزمان، بثراء عطائه. وهذا راجع الى كون بلعرب سخيا كريما عرف بروحه الحرة للعلم والمعرفة. فانشأ مدرسة للعلماء والمتعلمين. ورغبهم ببذل المال، وأكل الفواكه، فنال العلم بكرمه الطلبة، فغدا من كان متعلما فقيها عالما. ومن كان لا أديبا شاعرا متصرفا بالعربية حسب ما جاء رفي الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين لابن رزيق ).

هذه الروح التي يتملكها أبو العرب (كنيته) هي التي دفعته لتلك العطاءات النافعة، وتوجت اسمه بحروف من ذهب في ذاكرتنا والتاريخ. فهو الى جانب كونه اماما (فقيها وسياسيا). فقد كان يقرض الشعر وكثيرا من نظمه محفور بشكل بارز في ارجاء قصره ومن أبياته العديدة هذه:

ولما بلوت الناس لم أر صاحبا         أخا ثقة في النائبات العظائم

وأبصرت فيهم في رخاء وشدة         فلم أر منهم غير كسب الدراهم

فإن كنت ذا يسر فحولك إنهم                 مماليك أو عسر كأضغاث حالم

هذه الإشارات الشعرية هي البداية لاشتعال فتيل الفتنة بينه وبين أخيه سيف بن سلطان بن سيف (قيد الأرض) ومؤشر على تسرب السلطة من بين يديه الى أخيه تلك المأساة التي أطاحت بشخصية أحبت العلم والعلماء وناهضة المستعسر البرتغالي وسارت على نهج الأب في التنمية، وأقامت أجمل معمار عماني خالد.

بعد أن سيطر أخوه «قيد الأرض» على الحصون والقلاع، بويع بالامامة، مما اضطر بلعرب في نهاية الأمر للدفاع عن نفسه في قصره جبرين (كما ذكرنا سابقا البيت حصن الفرد وبيدقه الأخير) ولما وجد بلعرب، ان وضعه العسكري ميؤوس منه، توفى بطريقة دراماتيكية غامضة (موت، انتحار، قتل ) إلا أن تحفة الأعيان للعلامة «السالمي» (وهو المصدر الأكثر ثقة لدى العمانيين) والعديد من الدراسات، تشير الى انه كان يبتهل الى الله طالبا الموت. ومات الامام في ليلته تلك. تلك انطفاءة سريعة لامام الكرم والسخاء والعلم.

فالإمام يبدو انه تمنى الموت لينهي فتنة،إن اشتعلت صعب لملمة شظاياها. فالرجل على حسن نيته على ما يتضح، ولما انه اختار الموت اتقاء للفتنة والخراب. فإنه كان ذكيا بفطنة العظماء، تمثل ذلك باختيار موقع دفنه.

تخيلوا أن شخصا وضعه صعب، والقصر لا محالة مأخوذ منه، فاراد بحنكته، ألا ينساه التاريخ خارج قصره. فاختار موقع الدفن بعناية الحكيم. فتحقق له ما أراد. فالقبر زيارته أساسية. فالزائر عليه أن يزور القصر والقبر معا. المكان وصاحبه. انحنى الامام امام الطوفان، لكن الطوفان ذهب وبقيت فضة الأرض التي يرقد عليها هي الذاكرة الخصبة.

الذي أثارني في القصر أشياء كثيرة، «الفنية منها بالطبع»، ولكن وضع القبر أثار فضولي بشكل خاص، يبدو أن الامام حدسه قوي بدرجة كبيرة. يبني ضريحه قبل موته ويوارى جثمانه القبر الذي اختاره، وصممه بنفسه عند قاعدة درج شديد الانحدار، في الدور الأرض من القسم الثاني. هذا الاختيار ضرورة العظماء. كأنني استقريه أفكاره التي تتدل ما دمنا محترمين في حياتنا، فلماذا لا نجعل هذه الصفة ترافقنا الى مثوانا الأخير.

ومن هنا وضع ضريحه أسفل زاوية حادة جدا فعلى الزائر ان ينحنى. قليلا له، ولضرورة رؤية القبر.

هذان الاختياران «بناء القصر والقبر» يثيران الى درجة كبيرة الاستفهام العميق، لماذا وكيف تم كل ذلك ؟!

مربط الفرس.. يا له من حاكم فذ، تصعد الفرس اليه، لا أن ينزل اليها (في القسم الاول – الدور الثاني) توجد غرفة خاصة لخيل الامام، ومخصص لها درج لهذا الفرض، اسمها «درجة الخيل». وهي حين تتحرك ترج المكان والامام على صهرتها.

تذهب السنوات، وتبقى سنابك الخيل وشم المكان.

وقد استخدم القصر بعد رحيل بانيه وساكنه أشخاص ليسوا في أهمية أبو العرب. واندثرت معه الكثير من جمالياته، ولم يعد صالحا للسكن لعدم استعماله من قبل الأجيال المتعاقبة.

وفي عام 1976م قامت وزارة التراث القومي والثقافة بالبدء ني تنفيذ المرحلة الأولى لترميم القصر ثم أعقبتها الثانية والتي استمرت من عام 91 19- 1993م.

حيث أعاد الترميم والعناية الخاصة به القصر الى سابق أيامه الأولى، مع المحافظة التامة والكاملة على مقوماته دون تغيير، بالاضافة الى الجهد الاستثنائي الذي بذلته الجهات الحكومية بعد الترميم بنقل المساكن الطينية لأهالي المنطقة المحيطة بالقصر الى مسافة بعيدة وذلك حفاظا على هذا المعلم الحضاري الهام.

خلاصة القول:

ان الملامح الجمالية – الفنية التي يمتاز بها قصر جبرين، عديدة أولها: شكله الخارجي المنسق على أساس الاقامة الهادئة التي يسودها الاطمئنان والسلام رغم وجود البرجين الدفاعيين اللذين يوحيان بملامح التحصين.

أما القصر من داخله فهو يمتلك خصائص هندسية وزخرفية فريدة بالنسبة للمعمار العماني والاسلامي فبهوا«الرئيسيان ومداخله، وأقواسه وغرفه وقاعاته تنم عن وعي وإدراك فني راق. هذا الفضاء الذي يمتلكه القصر هو فضاء المتحف. كما أنه مدرسة للذين يرغبون في الاستفادة من علم التصميم الهندسي. فقاعات استقبال الامام والنجوى والشمس والقمر، قاعات استقبال كبار الضيوف «المقربين» اليه وذلك لقربها من غرف النوم.

أما قاعات استقبال الضيوف الغرباء، فهي في القسم الأول وهذه القاعات غريبة التصميم أسفلها مباشرة توجد أماكن الحماية التي لا يردها ولا يحس بها الضيوف، وبحركة معروفة من الامام وقت الخطر يخرج العساكر من قمقمهم بغمضة عين ليعيدوا الامور الى نصابها. كما توجد بنفس القسم مدرسة للطلبة والعلماء حيث ينشرون بعد ذلك للتعليم والقضاء.

أما الزخرفة والكتابة والنقوش فهي إضافة عن كونها مسألة جمالية فهي تحيي للمكان زمانه وحضوره وتضفي له خصوصية الذوق الرفيع وتكثر هذه الزخرفة بالقرب من الأماكن المحببة الى نفس الامام خصوصا القسم الثاني وبالقرب من قاعات نومه.

فالكتابات معظمها منقوشة على خشب الأبواب وأعلى الجدران في لوحات فوق الأبواب الداخلية والشبابيك الخارجية أو مرسومة بطلاء الألوان الرائعة على عارضات السقف. أما المواد المكتوبة عليها فهي الخشب المحفور والخشب المدموم وطلاء الجدران المدموم والجص المطبوخ والجص المنحوت.

والنصوص والكتابات فهي آيات قرآنية في غالبها وأبيات شعرية في مديح الامام والقصر وخواطر وأقوال وحكم وكتابات عن التواريخ.

هذا هو القصر إذن نهاية لمطاف العمل المبدع الذي خلد للمرحلة وللمكان وصاحبه.

*  يبرين: جبرين

**الشهبا: قلعة تروى
 

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …