أخبار عاجلة

قفزة حرّة فـي الفراغ

« اجرِ…اجرِ …اجرِ… بأقصى سُرعة».
يلتفِت وهو يركض مثل ظَبي مُطارَد. كلماته، المقطوعة بسبب اللّهاث، تتبدّد في الهواء قبل أن تصل إلى الأذن. أخمّن في ما يريد أن يقول من حركات يده فقط. هو يعرف أنّني لن أستطيع اللّحاق به. ومع ذلك أبذل كلّ ما أملك من قوّة في الركض حتّى لا يغيب عن نظري. يجري بسلاسة وأنا في إثره. لا أحد استطاع من قبل مجاراة إيقاعه الرشيق والمتحكّم فيه بخفّة ولياقة عاليتين. إنه أمر ليس في مقدوري طبعاً وليس في مقدور أيّ كان، وهو يعرف ذلك جيّداً.
كان عليّ في البداية أن أتعرّف على بعض الحيل الشائعة، حتى لا أسقط في تعلّم زائف. هو كان يبدو واثقاً من أنني على أتمّ الاستعداد لمثل هذا التعلّم. أما بالنسبة إليّ، فقد كنت صبوراً ومتعاوناً ولا أخفي إصراري على التشبّع بقواعد وأصول هذا الفن/اللعبة الجديد(ة)، مهما كلّف الأمر.
أحياناً، لمّا يرى عليّ بعض الفتور، كان لا يدّخر حماساً لتشجيعي بكلمات قويّة. لكنّه نادراً ما يفوّت أقلّ فرصة ليذكّرني بأن فلسفة «الباركور» تقوم بشكل عامٍ على تصوّر لعبة قَدَرية كاملة، تشبه لعبة الاختفاء على المسرح أو لعبة الهروب من الموت. وإن هذا الاسم – الذي صار معروفاً الآن – لا يعني حرفيّاً المسار بقدر ما يعني الهروب من المسار. نوع من الرياضة العقلية قبل أن تكون رياضة جسدية. فرار من الواقع داخل الواقع، وتجاوز لعوائق المادة بمساعدة المادة نفسها.
كان يقول لي أيضاً بأن «الباركور» فنّ قتالي من فنون الفرجة الحضرية، مدروس وله قواعد صارمة. يتطلّب مهارة فائقة ومخاطرة بلا حدود. يُمارس في واضحة النهار أو تحت جنح الظلام، وهدفه الوحيد اختراق المجال طولاً وعرضاً بلا توقّف. فتحُ جرحٍ صغير في هذا القماش العمراني المسمّى مدينة، بنقوشها وتطريزاتها الغبيّة من بيوت وعمارات وقناطر وحدائق وأنفاق وساحات وأبراج ودروب وأزقة وشوارع، والتسلّل إليها خفية، ثم الجري بأقصى سرعة بين مسامها وخيوطها، من أقصاها إلى أدناها، عبرها وجوارها، من تحتها ومن فوقها، على اليسار وعلى اليمين، وإعادة خياطتها ثانيةً من كلّ الجهات، مثل إبرة رشيقة تحيك قدرها الخاص بحرّية تامة، عبر انزياحات صعبة لكنها ممكنة، للوصول في النهاية إلى نقطة نجاة مؤقتة، لن تكون سوى محطّة لهروب جديد.
كان قد سبقني إلى مشارف الغابة. لقد سيُّجت حديثاً بجدار اسمنتيّ علوّه متران، باستثناء ممرّ ضيّق مخصّص لعبور دراجات وسيارات الزّوار. كان يجري بسرعة كبيرة والمسافة بيني وبينه صارت أوسع. بالكاد استمرّ عالقاً في مجال بصري.
من بعيد رأيته يترك الممرّ على اليسار ويتّجه بمحاذاة السور على اليمين، ثم يتوقّف أمامه في انتظار أن ألتحق به. ما هي إلا ثوان حتّى وصلت. كان لساني متدليّاً من شدّة التعب وأنفاسي مقطوعة، وكانت عيناي تسبحان في عرَق غزير ودقّات قلبي تتسارع بعنف، كأنه سيُغمى عليّ في أيّ لحظة.
أخذ نفساً عميقاً ثم التفت إليّ: « هل ترى هذا السور؟ إنه حاجزنا الأوّل».
الحاجز الأول: قفزة القطّ
قال: بالتّدريج نتعلّم كيف نهرب. في الطفولة نتعلّم كيف نهرب من القسم. في المراهقة نتعلّم كيف نهرب من البيت. في الكهولة نتعلّم كيف نهرب من الناس. ثمّ في النهاية، في فترة متقدّمة من العمر، نتدرّب على الهروب من العالم الكبير. لهذا السبب، نحن جميعاً في الطفولة تعلّمنا، بطريقة أو بأخرى، كيف نقفز قفزة القطّ.
إنها قفزة جميلة فعلاً، لكنها ليست بالسّهولة التي نتصوّر، رغم أنها لا تتطلّب تركيزاً كبيراً أو رشاقة عالية، وإنّما فقط رغبة جامحة في التسلّق الخاطف والمباغت بحركة واحدة. إنها الخطوة الأولى التي يتعلّمها الطفل لتشتيت الخوف ومراوغته، قبل أن يصير إنساناً قادراً على الانطلاق في هروب منظّم، مسترسل وطويل.
في السّادسة من العمر، في مدرسة صغيرة بحي «باريو مالقة» تعلّمتُ لأوّل مرّة قفزة القطّ. كان قسمنا التّحضيري يضمّ ستّة وستّين تلميذاً، وكانت معلّمتنا سيّدة في الثلاثينيات، نحيفة بوجه شرّير يتوسّطه أنف معقوف، وذات قامة طويلة جدّاً، تبدو لأمثالنا نحن الصغار عملاقاً ضخماً، يستطيع متى شاء أن يلمس أيّ موضع من السّقف بسهولة.
كانت لها أساليب غريبة في تنزيل العقاب والتّنكيل بالتلاميذ، من دون حسيب أو رقيب. تمارس طقوسها في التعذيب متى راق لها ذلك دون أن يرفّ لها جفن. مثلاً، كانت تتفنّن في رسم خطّ بالطّبشور على منتصف السبّورة، وتطلب من التّلميذ الذي سيُنفذ العقوبة أن يقرفص على الأرض ويديه إلى الخلف. وبعصا سميكة، مقطوعة من كابلات الهاتف الغليظة، تهوي على يديه بقوة هائلة، فينتفض صارخاً وقافزاً إلى الأعلى، محاولاً الوصول إلى الخطّ المرسوم على السبورة. فإذا تمكّن من بلوغه، يُطلق سراحه فيما تبقّى من حصّة اليوم. وإذا فشل في ذلك، يتمّ وضعه على لائحة طقس التّعذيب الموالي، والذي غالباً ما يكون أشدّ قسوة من الأوّل.
حين جاء دوري لتنفيذ العقوبة، قرفصت تحت السبّورة وظهري للتلاميذ المترقّبين في هلع وخوف. أغمضت عينيّ من شدّة الألم حين هوت العصا على يديّ الصغيرتين، لكنّي لم أصرخ كما فعل الآخرون. قفزت قفزة خاطفة ومركّزة إلى الأعلى حتّى لمست أصابعي الحائط الحجري فوق السبّورة، متجاوزاً الخطّ بأكثر من متر تقريباً، ولم أشعر إلّا بأظافري تخمشُ الجدار العالي بصوتٍ مسموع. ثمّ، بالسّرعة الخاطفة نفسها، استويتُ واقفاً على قدمي، مثل قطّ رشيق، وكأنّ شيئاً لم يحدث.
كانت تلك أوّل قفزة نوعيّة في حياتي.
ذلك لأن المعلّمة المسكينة،المذعورة ممّا أقدمتُ عليه، لم تعد تنادي على اسمي لآخذ حصّتي من التعذيب. صرتُ معفىً من العقوبة، مثلما صرتُ معفىً من إنجاز كافّة الدروس طوال العام، حتّى صار التلاميذ الخمسة والستّون في قسمنا، مثل باقي تلاميذ الأقسام الأخرى، يلقّبونني بـ«قطّ الشّيطان».
ربّما كنتُ طفلاً محظوظاً فعلاً، لأنّي لم أكن مطالباً بتعلّم أيّ شيء على الإطلاق مما يتعلّمه أقراني في المدرسة، باستثناء شيء واحد: القفز على الأسوار.
الحاجز الثاني: قفزة القرد
قال: السّقوط صعود أحياناً، والصّعود سقوط دائماً. وأنا شخصياً سقطت في السنة النّهائية من الإعدادية، ممّا اضطرني لتكرار السنة، بسبب قفزة سخيفة.
في البداية، كان السّور الكبير يطوّق الثّانوية من كل الجهات. لكننا بمجرد أن عدنا من عطلة الصيف وجدنا سورا جديداً يخترق منتصف الساحة. تمّ بناؤه ليفصل الثانوية القديمة عن الإعدادية الجديدة، التي دشّنوها حديثاً كي نقضي فيها موسمنا الأخير.
لقد أثار هذا السور آنذاك استياء بالغاً لدينا نحن التلاميذ، وحتى لدى بعض الأساتذة، وما إن مرّت أسابيع قليلة حتى أطلقنا عليه اسم «جدار برلين»، وهو الجدار الذي كان قد انهار فعلياً، قبل أشهر قليلة من ذلك العام.
عند كلّ فترة استراحة بين الدّروس، كنّا نتسلّق الجدار، نفترش دفاترنا المهترئة ونجلس عليها. ومن موقعنا ذلك، نتفرّج على سيقان فتيات الثانوية الجميلات، ببدلاتهن الزرقاء الأنيقة، وقمصانهن البيضاء الناصعة، الّتي تندلق عليها ربطات عنق رفيعة، وهن يتمشّين ويتضاحكن تحت أنظارنا المتحسّرة. كانت أيضاً تثيرنا صدورهن البارزة قليلاً وقصّات شعورهن الجميلة، لأنّ وقتها لم تكن موضة الحجاب قد انتشرت بعد في المدارس. لكن في غياب هذه المشاهد، كنّا نكتفي فقط بمتابعة مباراة في كرة القدم أو كرة السلة خلال الساعات الفارغة.
بسبب هذه الجلسات الممتعة فوق السور، أحببتُ عن بعد فتاة جميلة تدرس في السنة الأولى ثانوي. ولأنها أكبر مني سناً، ويفصل بيننا في المستوى عام دراسي كامل، مثلما صار يفصلنا جدار متينٌ من الإسمنت، فقد اتّخذ كَلَفي بها نوعاً من المسافة الخجولة، رغم أنّها كانت لا تخفي اهتمامها بي أو بوجودي. تأتي يومياً، في فترة الاستراحة ذاتها، لتلعب التّنس مع صديقتها بمحاذاة المكان الذي أختاره عادة للجلوس.
في تلك الأيّام، كنتُ قد صرت مشهوراً بقفزتي الجديدة والمبتكرة. أقفز عالياً بخفّة ومهارة وأُثبّت موقعي على حافة السّور، لأكون مستعدّاً لمفاجأة فتاتي قبل وصولها. كان زملائي يسمّونها «قفزة القرد»، لأنّها كانت فعلاً تشبه قفزة شامبانزي حقيقي، ولم يكن أحد يستطيع تقليدها. ثمّ لأنّها قفزة تتمّ بحركة واحدة، وتُستعمل فيها أصابع يد واحدة، لحفظ التّوازن والتّأرجح برشاقة على طول السور.
لمّا اكتشفت الفتاة أن لديّ هذه الموهبة العجيبة في القفز، صارت تتعمّد يوميّاً أن ترمي كرة التنس الصّفراء الصّغيرة، لتسقط خلف ظهري على الجانب الآخر من السور. وبمجرّد ما تسقط، كنتُ أقفز لاسترجاعها بسرعة البرق.
في إحدى تلك القفزات الجريئة انزلقت يدي الممسكة بالكرة من حافة السور، فاختلّ توازني وسقطت مصطدماً بالأرض، على بُعد أمتار قليلة من الفتاة. وفيما كنتُ أتألّم وأتأوّه من شدّة الألم، فقد انكسر ساعدي الأيمن بصوتٍ مسموع، رأيت الفتاة تسرع الخطو في اتجاهي.
اعتقدتُ في البداية أنها فزعت إليّ لتطمئنّ على حالتي أو لتقدّم لي مساعدة. لكن ما حدث كان مفاجئاً. تجاوزتني بلامبالاة والتقطت كرة التنس بهدوء، وأقفلت راجعة من حيث أتت. وفيما كانت تنسحب، التفتت بحركة مباغتة ونطقت جملة واحدة بنبرة ساخرة:
– والآن، عالجها بالدّواء الأحمر.
لحسن الحظّ لم أعمل بنصيحتها كما ينبغي، لا مادّياً ولا معنوياً. أنهيتُ السّنة بجبيرة ثقيلة من الجبس مشدودة إلى عنقي. وبسبب صعوبة استعمال اليد اليسرى في الكتابة، لم أجتز الامتحان الموحّد. أمّا الفتاة، فلم أرها بعد تلك السّقطة النّكراء إلى يومنا هذا.
الحاجز الثّالث: قفزة الكينغ كونغ
قال: لمّا بلغتُ الخامسة والعشرين تعلّمتُ قفزة «الكينغ كونغ». وهي تشبه كثيراً قفزة القرد، لكنها تتمّ فوق حواجز قصيرة وعريضة نسبيّاً، مثل الموائد والطاولات والمكاتب.
كنتُ أشتغل حارساً خاصّاً بالمكتبة العامة والمحفوظات، بأجر هزيل جدّاً لا يغطّي مصاريف الحياة إلى آخر الشهر. وكنت مكلّفاً بحراسة قاعة المطالعة، رغم أنّني لم يسبق لي قطّ أن أتمَمتُ قراءة كتاب واحد في حياتي. بل كنتُ أستغرب دائماً لهؤلاء الزّوار المواظبين، الّذين يأتون من كلّ حدب وصوب لمطالعة الجرائد والمجلّات والكتب القديمة، وقد اصفرّت أوراقها وتآكلت بفعل الزمن والعثّ والرطوبة. تُرى، ما الّذي يجدون فيها مثيراً وجديراً بالاهتمام إلى هذا الحدّ؟
بسبب الملل، وربّما الجلوس طويلاً بجوار باب القاعة، قرّرت في إحدى المساءات الباردة أن أتصفّح عدداً من مجلّة فرنسية نسيها أحدهم على الطاولة. كان الموضوع، حسب ما استنتجت من الصّور، يتعلّق برياضة لا تُشبه أيّاً من الرّياضات المعروفة. صور غريبة لمراهقين وشبّان يقفزون في أوضاع وأماكن مختلفة: قفزات فوق أسوار وجدران وسياجات، وأخرى فوق حواجز خشبية، سلالم، مقاعد في حديقة، وثالثة من فوق سطوح المنازل والعمارات…إلخ.
وفيما أنا أتنقّل بين الصّور، أثارت انتباهي صورة لشاب في مثل سنّي يقفز في الهواء من فوق طاولة مُزدحمة بالكتب، وفي خلفية الصّورة يظهر صفّ طويل من الطاولات الكبيرة المماثلة، وعلى الجانبين تقف رفوف خشبية تحتوي آلافاً من الكتب. لا شك أنها مكتبة عامّة في إحدى المدن الفرنسية، لكنّها تبدو أوسع وأنظف من المكتبة الّتي أعملُ بها. توقّفت طويلاً عند هذه الصورة بالذّات، وتساءلت في حيرة: إذا كانت كلّ هذه الحواجز تبدو معقولة، فلماذا إذن يقفزون فوق الكتب؟ هل تصلحُ هي أيضاً حاجزاً للقفز؟
بقيتُ مشوّش الذّهن لأيّام بسبب هذه الصورة. كنتُ أطالعها كلّ ليلة في السرير قبل أن أنام. وفي الصباح، أجلس على كرسيّ القاعة وأسرح في خيالات عجيبة، مستعرضاً مسار حياتي بالكامل، مسترجعاً كلّ قفزة قفزتها منذ الطفولة، وكل حركة من حركاتها الرشيقة، فيما عيناي تتأمّلان كلّ طاولة على حدة بتركيز شديد. أحسبُ ذهنياً المسافة بين طاولة وأخرى، ثمّ عدد القرّاء الجالسين، وأنتهي بعدد الكتب فوق كلّ طاولة.
ذلك المساء، بعد انصراف باقي العاملين بالمكتبة، تعمّدتُ أن أكون آخر من يقفل الأبواب، كي أضمن الاختلاء بقاعة المطالعة لبعض الوقت. وقفتُ عند المدخل، وبدأت أقوم بحركات تسخينية سريعة، قبل أن أنطلق كالسّهم نحو أوّل طاولة. تجاوزتها بنطّة واحدة، مستعيناً باليدين فقط. ثمّ قفزتُ فوق الطاولة الثانية، فالثالثة، وباقي الطاولات إلى أن بلغت الجدار المقابل.
لقد بدا لي غريباً أن أتمكّن من تجاوزها كلّها بهذه السهولة، من دون أن أُسقط -أو حتّى ألمس- كتاباً واحداً من الكتب الكثيرة المتكدّسة فوق بعضها.
ما إن مرّت أسابيع قليلة حتّى أدمنتُ هذه اللّعبة الجديدة المُسليّة. كنتُ أقفز فوق الكتب كلّما سنحت لي الفرصة، بعد أن يغادر الجميع. لكنّي في إحدى هذه القفزات، أسقطتُ كتاباً على الأرض بسبب احتكاك طفيف مع الحذاء. وحين أسرعتُ لتناوله من الأرض، وهممتُ بوضعه على الطاولة، دفعني الفضول لأتصفّح قليلاً ما يحتويه. بعد ثوان، قرّرت أن أجلبه معي إلى البيت. ثمّ فيما بعد، في وقت متأخّر من اللّيل، أنهيتُ قراءته دفعة واحدة.
كان ذلك أوّل كتاب في حياتي أقرأه من الغلاف إلى الغلاف. وكان عنوانه طريفاً حقّاً: «خفّةُ الكائن الّتي لا تُحتمل».
الحاجز الأخير: قفزة حُرّة في الفراغ
قال: ألا ترى معي أن الباركور يُشبه العود الأبدي؟ الإحساس بأن حياتك سبق أن قفزتَ في كثير من تفاصيلها، على شتّى أنواع الحواجز المعقولة واللّامعقولة، المختارة والمفروضة، السّهلة والخطرة، ومع ذلك تتذرّع بالنسيان. دائماً، تبدأ نفس القفزة بنفس الطريقة في كلّ مرّة إلى ما لا نهاية.
الباركور هو خير تعبير عن خلود الحياة، وخلود كلّ لحظة من لحظاتها. إنه قمّة الإيجاب في نظرة الإنسان للحياة. إلّا أن القاعدة الأساسية التي يجب أن يتبعها كلّ عاشق للباركور هي « اقفز بحيث ترغب في القفز ثانية».
حين ستتقن هذا الفنّ يوماً ما، بعد أن تنهي جميع التدريبات، لن يقف في طريقك أيّ حاجز مهما كان صعباً أو مستحيلاً. حتّى الموت لن يخيفك، لأنه ليس سوى قفزة حرّة في الفراغ.
كنّا قد وصلنا إلى قمّة أعلى بناية في المدينة. على سطح بناية تُسمّى «عمارة السّعادة». وحتّى قبل أن أنبس بكلمة تعليقاً على ما اختتم به كلامه، كان قد قفز عالياً في الهواء باتّجاه البناية المقابلة، عابراً سماء الشّارع الرئيس للمدينة، الّذي كانت تتقدّم فيه مسيرة حاشدة لجحافل من الشباب العاطل. تتقدّم ببطءٍ شديد إلى الأمام.

نجيب مبارك/كاتب من المغرب

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …