كائن مشاكس

هكذا انتبهتُ إليها؛ كنت أمشّط شَعري أمام المرآة، ومصادفةً رأيتها تختطّ طريقاً غير تلك التي درجتْ عليها رفيقاتها. لم آبه للأمر في بادئه. لكنّي حين واجَهْتني بحضورها المشاكس وأنا أنظر في وجهي خلال مرآة السيارة، اغتظتُ بعض الشيء. ولأنني لستُ عدوانياً، ولا أريد أن أبدو كذلك، بخاصة مع «كائن» في مملكة جسدي، قلتُ في سرّي: السقوط مصيرها لا محالة، وربما لن ينتهي اليوم إلاّ وقد ذبلت، فهذا ما يحدث لمثيلاتها يومياً، دون أن نشعر أننا فقدنا شيئاً ذا قيمة. بدت في مساء اليوم نفسه ملأى بالحيوية، بل وجدتُها تسلّقت الهواء بنشاط في حركةٍ رياضية مدرّبة. تتبعتُها ولم ينصرف نظري عنها قسطاً من الوقت، وأكذبُ لو قلت إنّي كنت راضياً كلّياً عما يجري، لكنها، تلك الشَّعرة ذات العنفوان، نجحت بِقُدرة قادر في استئثار نصيب من اهتمامي ما كنتُ لأمنحه لأخرى سواها.. ورأيتُ في سلوكها وهي تندفع في انحناءة لطيفة إلى أعلى ما يمكن أن يعلّمَ الحكمة. «إنها شَعرة حكيمة»، قلتُ لصديقي الذي حاول انتزاعها من حاجبي على غفلةٍ مني، وأضفتُ «دَعْها، فشأنُها شأني»، فما كان منه إلا أن ردّ مازحاً على عادته وهو يردد: «إن من الشَّعر لحكمة». ذلك في اليوم التالي لاكتشافي إياها، صرتُ أشعر أنني مسؤول عنها، بل جدير بها، ولا بد أن أنافح كي تظل على قيد التمرد، تلك الشَّعرة التي تتحول بالتدريج إلى «غلاظةٍ»؛ في الحجم لا في السلوك، منحرفةً، ليس المقصود هنا المعنى الأخلاقي، في مسارها الذي لا يتجاوز سنتيمتراً واحداً. أصبحت أتعامل معها على أنّي أعرفها؛ ورأيتها تجسّد في أحد معانيها الرمزية، كائناً التقيتُه مرّةً في محطةٍ ما على ضفاف العمر، لذا راقت لي فكرة أن استئناف علاقتنا الآن هبَةٌ ربانية، فما أحوجني إلى حدثٍ استثنائي يعيدني إلى كتابة القصة أو يعيدها إليّ، وهذا ما يبدو أنها فعلته «ابنةُ الكلب» هذه. أكثر من ذلك، لقد ذكّرتني بأهمية أن يصمد المرء ويقاوم، انحيازاً للحياة وتشبثاً بها. ولا أكشف سراً أنني رغم ذلك، حاولت إعادتها إلى سربها الذي غادرتْ، بخاصة في بداية انتباهي إليها، لكنني الآن رسختْ لديّ قناعةٌ أنها خرجت عن الطوع إلى غير رجعة، وتيّقنتُ أنها مطمئنّة لخيارها، فزاد إعجابي بموقفها الصلب. لكن ذلك لم يقلل من النرفزة التي علَتْ وجهَ زوجتي لعدمُ تساوق الشَّعرة مع ما حولها؛ أرادت أن تسبّل حاجبَي كما تفعل لابننا البكر حين يفلت عقالُ شَعرِه ويعوزه الانتظام بعد الاستحمام، ولما لم تستجب الشَّعرةُ لمحاولات إعادتها إلى بيت الطاعة، ظهرت بوادر النقمة على محيّاها –زوجتي- فانقضّت على الشَّعرة في سلوكٍ شرس كأن بينهما خصومة قديمة، لا مجال للتفاهم أو الحلول الوسط فيها. إزاء تصاعد الموقف درامياً، كان من الطبيعي ألاّ أصمت، ماذا أفعل والأمر يتعلّق بي في المقام الأول! لذا فاجأتُها بردّ فعلي المحسوم وأنا أحرّك سبّابتي مهدداً: «إنها مسألة حياة أو موت!»، وأضفت وأنا أخفض من وتيرة صوتي حتى اكتسى مسحةً من الإقناع الممسرَح: «من حقها أن تعزف سيمفونيتها وحيدة، وهذ أمر يعجبني، ولا بد أن نتقبّله، ونتعاطى معه بشكل راقٍ».. وذهبتُ إلى أكثر من ذلك حين قلتُ: «لقد استوت على عرش تمردها. الشمس لا تُغطَّى بغربال يا عزيزتي». ووسط ذهولٍ غرقتْ في لجّته زوجتي، زدْتُها من الشِّعر بيتاً: «نظراً لما بيننا من رباط يتوثّق يوماً بيوم، يصعب تخيُّل أنني سأتخلّى عنها، فدعيها وشأنها هداكِ الله». رمقتني بطرف عينها، ووجهها يتحول إلى علامة استفهام كبيرة، قبل أن تطفو على ملامحها يقينيةٌ لا يخالطها شكّ: «أهيَ قصةٌ جديدة؟»، طرَحَتْه سؤالَ عارفٍ بالإجابة، فاكتفيتُ باللاتعليق، ما جعلها تنصرف عني متبرّمةً. مساءً، وجدتُني متلبّساً بمداعبتها، الشَّعرة لا زوجتي، فيما كنتُ أفكّر بقضيةٍ ما. يبدو أنها غيّرت من عاداتي كذلك. وعلى سبيل التوضيح، لم أعد أطقطق الأصابع منذ نهرني أبي في طفولتي، وتحولتُ في اليفاعة إلى شاربَين نبتا للتوّ أداعبهما إذا ما أشغلني أمر، واصلتُ ذلك زهاء ربع قرن، وبعلانيةٍ ومن دون حرج، بعدما أدركتُ أن كثيراً من أقراني يثابرون على ذلك، مدفوعين باستنبات معالَم الرجولة قبل أوانها في وجوههم. وعلى (كَبَرٍ) أيضاً، اكتسبتُ سلوكاً جديداً؛ تحريك لساني تحت الأسنان بحثاً عن بقايا طعام لُكْتُهُ على عجل، ما يستوجب فتحَ فمي بشكل معْوَجّ. وهو ما تخلصتُ منه بعد عمليات ترميم للأسنان جرت على مراحل. .. أمّا أن أكون في اجتماعٍ مع رئيس مجلس الإدارة حيث أعمل، وأقبض على أصابعي متلبّسةً وهي تحاور تلك الشَّعرة بمجرد ما أسهو عنها، فذلك ما عدَدتُه «خارج المألوف». هل وردَ هذا التعبير في القصة سابقاً؟ لست أدري، لكنني أجده مناسباً هنا لوصف شَعرتي تلك بعينها؛ ما يعني أن زمنَنا زمنُ الشَّعر المألوف، حيث تصطف الملايين جنباً إلى جنب في حركة انسيابية مطوَّعة لتصنع «الشاليش»، بمفعول الشامبو والكريم والبلسم وسواها من أدوات «التدجين». الشَّعر مثل البشَر.. قليلةٌ هي الشَّعرات التي تبحث عن فضاء مغاير، وتنأى بنفسها عن أن تُحسَب ضمن «القطيع». وهذا ما يجعلني متمسكاً بها أكثر، شَعرتي، وبحقّها في الوجود، شَعرتي التي أصبحتْ تسم حاجبي بالفرادة، مثلها في ذلك مثل شامة زميلتي التي تزيّن أسفل عنقها، أو الثالولة الجميلة بالقرب من شفة زميلتي الأخرى.. أحبّ العلامات الفارقة، ويستهويني البحث عنها أكثر من العثور عليها.. فالعلامات الفارقة هي تلك التي تدوّخ التاريخ؛ أنف كليوباترا، شامة مارلين مونرو، عيون إليسا، وقامة نابليون القصيرة.. وها إني اهتديتُ أخيراً إلى خاصّتي: شَعرة في حاجبي الأيمن. «تلك العلامات لصيقةٌ بأصحابها، ولا تزول إلا بتداخلات جراحية، لكن الشَّعرةَ التي جنّنتَنا بها، مصيرها السقوط لا محالة، وربما من نفخة هواء، فما الذي ستفعله حينئذ!»، هذا ما قاله صديقي، فرددتُ عليه: «أقيم لها جنازة، وأفتح باب العزاء»، غير عارفٍ عن جدّ، هل كنتُ أمزح، أم إنني أقصد ما قلتُه بعدما قَرَّ في لاوعيي تقديراً للشَّعرة، ومناكفةً لغير المعترفين بحقها في صوغ حياتها على الشكل الذي ترتئيه لنفسها. ولأنني أعرف أن الموت حقّ، فقد دعوتُ الله أن يطيل عمرها، وأن يبقيها على قيد العلاقة بي حتى أنتهي من الكتابة. وبلغَ بي الأمر تحسّباً لفقدانها في حادث مفاجئ، أن التقطتُ صوراً لحاجبي وهي تتوسّطه بثقة وكبرياء، وعَنَّت على بالي إقامة معرض فوتوغرافي بعنوان «شَعرة على عرش تمردها». «هي مجرد هَبّة.. ستنساها بمجرد أن تسقط، وربما لن تنتبه لغيابها.. فهل سيؤذن هذا بإكمالِكَ قصتك التي بدأتَها؟». كانت تستدرجني –زوجتي- لتعرف إن كنت أكتب قصة فعلاً.. فمنذ وقتٍ طويل استعصى عليّ القلم، وبدأ السرد الذي لجأتُ إليه عازفاً عن الشّعر يجافيني. وكثيرا ما عللتُ ذلك بعدم وقوع أحداث ذات أثرٍ في حياتي.  «هل في بزوغ هذه الشَّعرة حدثٌ عظيم؟»، تساءلتْ زوجتي التي لم يساورها شكّ في تعلّقي بها، فما كان مني إلا أن قلتُ مماحكاً: «الأحداثُ لا بما هي عليه، بل في عمق تأثيرها فينا.. وهذه التي تغيظكِ فعلتْ بي ما لم تفعله صديقةٌ استثارتني لشهور دون أن أستجيب لها». «إمممممم.. بُح.. بُح أيضاً بما لديك، وأغدق علينا بما في جعبتك». وجدتُتني متورطاً في حوار بدا لي أنه، إن استمرّ، وخيمُ النتائج. ما الذي تفعلينه أيتها الشَّعرة.. امنحيني القوة لأدافع عنكِ وعني، ولا تجعليني أبدو أحمقَ، مجرداً من الأسلحة أمام سليطة اللسان. ارتفعتْ وتيرة النقاش؛ هي تطالبني بمزيد من التفاصيل، وأحجمُ أنا عن الإيضاح خشية التورط أكثر.. وفي هدأةٍ قصيرة بيننا حسبتُها نهايةَ الزوبعة، اقتنصتْ زوجتي غفلتي، وانقضّت على رفيقتي المشاكسة. توقّعتُ أنها لن تنجح في مسعاها، لكن تلويحها بقبضتها المغلقة وزهو الانتصار يفيض من تعابيرها، دفعني لتحسُّس الشَّعرة أطمئنّ عليها، ولما حرتُ في أمري وأمرها، أسرعتُ نحو المرآة، فوجدتُني ناقصاً. لقد اقتلعَتْها اللعينةُ من جذرها بخفّة ساحر..  يا إلهي، ألهمني الصبر لأجتاز محنتي وأواصل الكتابة.

جعفر العقيلي 
قاص من الأردن

 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …