كتابة الأمكنة

لم يعتن معظم المنظرين والمؤرخين للثقافة العربية بدور المكان في تشكيل الثقافة, ويكاد يكون جمال حمدان نموذجا  فريدا  وعى بكيفية تشكل الثقافة بتفاعل التاريخ والجغرافيا. والواقع المصري بعامة تتزامن فيه الحقب التاريخية, وتتجاور فيه الثقافات, والإسكندرية خير مثال على ذلك. فيصعب علينا مقاربة تاريخ المكان بناء على منظور خطي, وإلا ترتب على ذلك رؤية أحادية تفضي إلى إساءة القراءة. فالتاريخ يعد جزءا من ثقافة المكان المتشكلة بفعل العلاقات المتغيرة بين التاريخ والجغرافيا. وتتغير العلاقات القائمة بين هذه الخواص بفعل المستجدات الطارئة, الناجمة عن محاولات تحديث المجتمع, أو السعي لتجديد الفكر, أو ما يعرف بالحداثة. والتحديث والحداثة قد يتلازمان ولكنهما ليسا بالضرورة مترادفين. فالتحديث في المجتمع قد يأتي نتيجة استجلاب تقنيات صناعية وألكترونية, أما الحداثة الفكرية فهي وليدة وعي نقدي عليه الإلمام بتفاعلات الوقائع بالأمكنة. فنحن لا نعيش في فراغ مأهول بالبشر, بل نتحرك بين مجموعة من العلاقات تتحدد بها مواقعنا, فإما سلمنا بتلك المواقع, فتصير الأمكنة سجوننا, وإما نقدناها بوعي حداثي واع  بإمكانات جغرافية المكان في تحديث التاريخ.

وكتاب الأمكنة (تحرير علاء حامد وسلوى رشاد) يعني بتغاير وظائف الأمكنة وفقا  لتغاير علاقات سكانها, ومرتاديها, ومن ثم فهو يروي جوانب من تاريخ مصر عبر الإنتاج الاجتماعي للمكان. والنظرية التفسيرية للمكان تهيئنا لرؤية مفاهيم مختلفة للحداثة الفكرية, وكيفية تحديث المجتمع. فالتحديث في مجتمع ما يتم عبر محاولات مستمرة لإعادة الهيكلة في زمن ما, ومكان محدد وذلك لإعادة صياغة الكيان الإنساني. وإعادة الهيكلة تنبثق عن وعي نقدي يلم بماضي المكان وراهنه. ومن ثم تتغير طبيعة الحداثة والتحديث لارتباطهما بدينامية الإنتاج , وهذه تعتمد بدورها على الأوضاع التاريخية والجغرافية, ولذا يختلف تطبيقها من مكان لآخر. وكتاب الأمكنة يرتاد بنا مواقع عدة, فيتنقل بين بلاد النوبة القديمة والحديثة, والإسكندرية بأحيائها, وأسواقها الشعبية, والجديدة, ومقابر القاهرة, وأحيائها القديمة,  كما ينتقل لفلسطين ولبنان ليرصد تحولات الأمكنة هناك.

ونستنتج من قراءة المكان في كتاب الأمكنة أن عملية التحديث تنمو بشكل غير متساو عبر الزمان والمكان. ولذا نلحظ أن عملية التحديث تقيم جغرافيا تاريخية متباينة وفقا  للتشكيلات الاجتماعية في كل منطقة, أو إقليم. وربما يفسر لنا ذلك عدم تزامن عوامل التحديث في كافة المناطق بمدن مصر وقراها, وهي ظاهرة مؤداها ضرورة تفسير نجاح عملية التحديث وفقا  لمتطلبات المكان والكيانات الاجتماعية فيه, وليس وفقا  لمشاريع طوباوية تنسقها جهات ومؤسسات علوية.

فالمكان في ؛الكتاب المفتوح«, لعلاء خالد يروي ؛حكايات عن النوبة وأهلها«, فيجعلنا نتساءل عن طبيعة التغيرات التي أصابته, وتقييم مظاهر ؛التحدي« فيه بالتنقل بين راهنه  وماضيه, والمقارنة بين جماعات النوبيين في المواقع الجغرافية المختلفة. وترد لنا تلك الحكايات والأحاديث المتناثرة لأهالي النوبة القديمة والجديدة, والمقيمين في الإسكندرية, لا لإفادتنا بأدلة أو رصد معلومات, ولكن الأسلوب الروائي الذي يغلب عليه طابع الثرثرة هو وسيلة لإثارة الشك والتساؤل في الصورة النمطية التي نحملها في أذهاننا إزاء النوبي, والنوبة, والجماعة النوبية. فالراوي يتنقل عشوائيا  دون خطة مسبقة, وفقا  لمشروع محدد يبتغي فرضه أو تحقيقه. فهو يبين لنا أن المكان الذي يرتاده ليس برقعة ثابتة, لها خريطة محددة الملامح, بل موقع متغير, بتغير العلاقات بين البشر, وباختلاف الأجيال. فمثلما تتعدد مشاهد النيل, والصحراء, ومحطات السفر, كذلك يتغير مفهوم القداسة, وأدوار الرجل والمرأة, ورؤى الشباب للبالغين. والاقتلاع من الجذور لم يفقد النوبي هويته, فمازالت اللغة النوبية, منطوقة كانت أم مرئية, متمثلة في الفنون والحرف, والأداء الحركي, والموسيقى, مازالت تلك اللغة الشفاهية تعد أداة اتصال تقيم علاقات حميمة بين الأفراد يترتب عليها انصهار الفرد في الجماعة, حتى تغدو خصائص الفرد مكتسبة من الجماعة, وتغدو المشاركة الجمعية في الطقوس والاحتفالات تدعيما  للفردية الجمعية, فالفرد يعتني باستقلاليته وينميها لكي تعود على جماعته بالفائدة, لا ليستقل بثمارها لنفسه.

وربما تبين لنا الصور التي التقطتها سلوى رشاد اشتراك الخاص والعام, فتتراءى لنا البيوت داخليا  وخارجيا  في آن, وإن وصدت الأبواب, فهناك شخوص تتواجد أمامها, لتعلن عما يخبئه الداخل, بل تفصح لنا سمات الوجوه الهادئة باستحالة الإخفاء, فلا حاجة للإخفاء سوى لضرورات التعاملات الاجتماعية السليمة, أي لزيادة أواصر الجماعة لا لتعقيدها. فنص علاء خالد الكتابي يشرح لنا ضرورة تعدد الأبواب, حتى يتمكن المضيف من الخروج من الباب الآخر الذي لم يدخل منه الضيف لتوفير المأكل له, احتفاء به, ودون أن يشعره بذلك. فالعمارة موظفة لاستخدام البشر, فهي امتداد لأجسادهم, وولفت لاحتياجاتهم. كما يعد البشر دعائم لمبانيهم, فتوزيعهم التشكيلي في صور سلوى رشاد يأتي مكملا  للتصميم, ودعامة له, ولا تختلف وظيفتهم التشكيلية عن  العامود في إحدى الصور الذي يلقي بظله على الحائط, وتجسد لنا خطوطه خيال امرأة جالسة. ولا ادري إن جاء التقاط المشاهد وترتيب الصور عشوائيا, أم أملته ظروف المكان. ولكن يفتتح »الكتاب المفتوح« بمشهد ينقسم بين جزء داخلي في الأمامية, وآخر في الخلفية مفتوح على فراغ, قد يكون الصحراء أو النيل أو مجرد الأفق الواسع, وتتوالى الصور لتحدثنا عن علاقات بين البيوت والشخوص, تليها لقطات للوجوه, عند الانتقال إلى النوبة الجديدة, وتبدأ معاناة الفرد الداخلية, إلى أن تختتم سلسلة الصور بمشهد لباب نوبي قديم موصد, أو شبه موصد, فالظلال قد تكون مجرد إطار تشكيلي, أو قد تمثل جزءا دامسا يتسرب من الداخل, موحيا  بكيان أو مكان نوبي يدعونا لارتياده قبل أن ينغلق على نفسه تماما , فقد حدث الآن شبه فصل بين الخاص والعام ترتبت عليه علاقات ملتبسة, في إطار التعاملات بين أفراد الجماعة النوبية, وفي علاقة الجماعة النوبية بمحيطها البيئي.

يود الكاتبان – علاء وسلوى, باستخدامهما اللغتين المكتوبة والمرئية, أن يظل الباب على انفراجه, ويقوما برحلة الذهاب والعودة, التي قام بها النوبيون عبر التاريخ حيث تغيرت أمكنة الاستقرار بعد الترحال, لترسم خرائط نوبية جديدة, متخذين الطريق عبر شريان النهر, أو عبر خطوط السكك الحديدية, لاكتشاف العالم الداخلي والخارجي, وهي رحلة كانت, وما زالت دائما  تحمل تطلعا  للمستقبل, وتنوء بحنين للماضي.

وقد يفتقد النوبي هويته في الإسكندرية, بينما يظل المواطن السكندري يبحث عنها, ولكنهما في نهاية المطاف يجتمعان في المقهى, الذي يمثل بدوره البيت والخلاء, أي الخاص والعام. وفي المقهى أيضا  يلتقيان باليوناني, ليتبين للجميع ارتباط هويتهم بمكان تشكل بفعل علاقاتهم معا , مما ينهي الإحساس بالتهميش الذي قد يعانيه البعض. وتعد رحلة الراويين, رحلة تنقيب, تضارع عمليات التنقيب التي تتم في الإسكندرية لاكتشاف الجذور الهيلينية. أما  عمليات التنقيب التي قام بها الراويان, فقد كشفت عن طبقة أخرى من تاريخ الإسكندرية, تضفي الطابع النوبي عليها, وهو أحد ملامح هويتها الذي ظل مهمشا  على الرغم من تواجده في المكان أسوة بالطبقات ذات الامتيازات, التي أتاحت لها الظروف التاريخية أماكن للاستقرار ذات أفضلية جغرافية.

ويتبين لنا ذلك التهميش على المستوى الجغرافي في ؛ونسة عن عزبة الفرخة« لحجاج أدول, وهو كاتب نوبي من أهالي الإسكندرية. وإن كانت ونسة أدول تحمل حنينا  للماضي النوبي, فذلك ليس للارتداد إلى عالم مثالي, ففي ذلك الارتداد قطيعة مع الحاضر يترتب عليها فقدان الهوية. على العكس من ذلك, فونسة أدول تساعدنا على معايشة النوبي عبر تواريخ الأمكنة. فالنوبي يحب الاستقرار ولكنه لا يخشى التغيير الذي أملته عليه بيئته حيث دفعته دائما  للترحال, والاكتشاف, والتكيف مع الجديد, بخلق عالم نوبي في مكان يبتعد عن النوبة, يضفي عليه طابعه, ويتآلف مع طباعه, فلم تقض محاولات تهميشه من قبل الآخر على اتزانه الشخصي, لأنه يستمد فرديته من جماعته التي مازالت تؤنس به ويأنس إليها. وهذا الوفاق الجماعي للنوبيين حقق لهم كيانا  خاصا  استجابت له الجماعات المهمشة المحيطة بهم, وفي تجاوبها معهم مما دعم وجود النوبي, وبالتالي دعم وجود تلك الجماعات المهمشة أيضا .

 ومن ثم يبرز لنا أدول دور المثقف من الثقافة الشعبية   -أي الثقافة الخاصة بجماعة تفتقد التمثيل في القنوات الثقافية الرسمية – لتهميشها من قبل أباطرة الثقافة المهيمنة, مثلما نال أهلها التهميش من قبل الطبقات الاجتماعية ذات الامتيازات, فدور المثقف هو عدم التخلي عن انتمائه إلى ثقافته المحلية. وأعتقد أن أهم ما يثيره كتاب الأمكنة بعامة, وكتابة أدول بخاصة هو مشكلة الهوية القومية التي لا يمكن صياغتها بتهميش الملامح الشعبية المترسبة بين طبقاتها. فالاهتمام بالثقافة النوبية وغيرها من الثقافات المهملة من قبل القائمين على النشاط الثقافي يعمل على إثراء الهوية الثقافية المصرية من جانب, ويعضد العلاقة بين المثقف والعامة, لرأب الصدع المتزايد بينهما, والذي يستحيل إغفاله.

كما ترسي الحكاوي الشفهية النوبية التي ترويها أمينة صادق نوعا  أدبيا  متأصلا  في تقاليد الأدب القومي, ينبع من الحياة الشعبية لأهالي النوبة, وهي تقاليد أدبية ظلت وتظل تنفصل عن ثقافة المؤسسة. ولا تدور هذه الحكاوي حول معاناة النوبي من الصراع الطبقي, فهي لا تتبنى منظورا اقتصاديا يفسر وقائع الحياة, بل تتجاوزه لتتناول أشكالا  أخرى من التداول مع الغيرية, يس ره انزواء الرقعة النوبية في رقعة بعيدة من جغرافية مصر, مما جعلها تقع خارج خريطة التحديث الصناعي الذي خلق بدوره امتيازات اقتصادية, ومن ثم أقام علاقات اجتماعية تقوم على الصراع الطبقي. فالحكايات النوبية تتناول العلاقة بين الأنا والآخر بأسلوب الفانتازيا وهو أسلوب لا يستبعد الآخر, أو يدينه, بل يأمل اختلافه, محاولا  التداول معه, وفي تلك المحاولة ما قد يجد توازنا , حتى وإن أصاب أحد الأطراف بعض الخسارة.

وعلى الرغم من تناثر تجمعات النوبيين على خريطة الإسكندرية, كم يروي لنا حجاج أدول, فتماسك أفرادها, ساعد على تكييف هويتهم مع البيئة الجديدة المحيطة, فصار المكان الجديد يتيح مكاسب, بقدر ما ترتب عليه من خسارة. فمولد كتاب نوبيين في الإسكندرية والقاهرة تمثل أعمالهم رؤية مغايرة لما هو معهود, لم يتيسر سوى بالهجرة والاحتكاك بالكيانات الأخرى في المجتمع المصري,  مما أتاح للأدباء النوبيين المشاركة في تحديث الأدب المصري, إن اتفقنا على أن مفهوم الحداثة ينطوي على تقديم رؤية مغايرة.

وتختلف تجمعات النوبيين عن المساكن العشوائية التي قامت بفعل التغيرات الاقتصادية والتحولات الديموجرافية التي طرأت على مدينة الإسكندرية كما يصفها لنا عادل النحاس في »أماكن للفرجة والتمثيل الحقيقي«. فهو يكتب عن منطقة الكرانتينة في قلب حي  الورديان, وما أصابها نتيجة التغير الاجتماعي العشوائي. فتكاد تستحيل إمكانية التعايش بين الأفراد, فعلى الرغم من مشاطرتهم للحيز المكاني, إلا إن التداول اليومي بينهم لقضاء احتياجاتهم الأساسية لا ينبئ عن الترابط. فالعيش في جحور مكتظة ساعد على انتشار المحارم وتصدير الدعارة. وعليه, يتراءى لنا كيفية تشكل العلاقات الإنسانية  بالطابع المكاني , حيث تتولد في نطاق حدوده. وتحدد العمارة مواقع البشر في المكان, وهي بذلك تتدخل في علاقاتهم المتبادلة. فالعمارة ليست مجرد أحد عناصر المكان, بل إنها توج د محيطا  لتفاعلات الاجتماعية لا يغيب على أحد.

تأتي ترجمة أحمد حسان لنص ميشيل دى سيرتو ؛مسيرات في المدينة«, تعليقا  وافيا  على ما تناولناه من مقالات, وكذلك على كتابات أحمد عبد الجبار, وعبد العزيز السباعي وماهر شريف, وعلياء الجريدي. ففي المكان »يكون المرء آخر … ويعبر صوب الآخر« (561). فالتنقل بين المشاهد, والمواقع, والشوارع يدلل على أن الحرية ممارسة, وليس بوسع المؤسسات كبحها. فالمؤسسة بوصفها جهة لتنظيم شؤون الأفراد, أو جهازا  لتقسيم الأمكنة, وتوزيع المسارات, لا تضمن توفير الحرية بالرغم من تعهداتها لتأمين ذلك. وتغدو إعادة قراءة المكان وسيلة للتحايل على المؤسسة وتقويض سياجها, وكتابة الأمكنة من منظور مغاير به قدر من ممارسة الحرية.

فالعمارة البدائية التي تصفها علياء الجريدي في ؛مجرى مائي يصل إلى البحر الكبير« ت ظهر لنا أفقا من آفاق ممارسة الحرية. فالصيادون, مثلهم مثل النوبيين في ونسة حجاج أدول, تعرفوا  بالحدس كيفية بناء المسكن بما يتيح لهم حرية العيش, والحركة, والتعامل مع باقي أفراد الجماعة. وعلى العكس من الأماكن المكتظة التي يصفها عادل النحاس في المناطق السكانية العشوائية التي نمت مع سياسة الانفتاح الاقتصادي, فالعمارة التي استوحاها الصيادون تيس ر حسن التعامل مع الجار, وتحافظ على استقلالية العائلة الواحدة. والاستقلالية هنا ليست بغرض التفرد والعزلة, فالتقسيم المعماري لا يقيم الحواجز, حيث توجد دائما  فتحات في الجدران تتيح تدخل الجار عند الحاجة. فالنوافذ, أو الفتحات ليست منافذ للتلصص, وهو أمر متاح في بنايات المدن, التي تد عي تأمين الخصوصية.

وعلى الرغم من أن علياء الجريدي وزوجها, كانا دخلاء على مجتمع مغاير, إلا إنهما اندمجا فيه لتفهمهما معمار علاقاته, وتيسر لهم التعامل معه لنجاحهم في تهيئة محيط من التعامل يتلاءم والمحيط القائم. فمدرسة الرسم التي أقاماها, وأسلوب تعاملهما مع المتدربين وأهاليهم, جعل من المكان مساحة لتبادل التجربة والخبرات, وللتعامل مع الآخر بوصفه اختلافا, وليس نهجا  قديما  يستحق إقحام معايير جديدة عليه بحجة التحديث. فمدرسة الرسم التي أشرفا عليها  كونت مجرى مائيا يؤدي إلى بحر واسع من العلاقات الإنسانية العميقة.

وفي مقابل الأمكنة التي نسقها الأفراد لتتيح قدرا  من ممارسة الحرية, يرى أحمد عبد الجبار أن التحديث العشوائي للمدن, وتكاثر المراكز التجارية, جعل من البشر دمى »تقف وراء الزجاج كعرض لبضاعة إنسانية«. فهو يكتب عن تواجده في أحد المراكز التجارية الزجاجية الضخمة, ويتحدث عن تجربته بوصفه ناظرا  ومنظورا  إليه. وفي كتابته عن المشهد التجاري يسعى للتعرف على المسكوت عنه خارج المشهد: التضمينات المستترة في لغة الإعلان, الوعود التي تطلقها السلعة, الثرثرة الالكترونية عبر الهاتف المحمول وأثر كل ذلك على العلاقات الإنسانية. وبوصفه جزءا من المتسوقة فهو يستغرق في وصف ما هو مستغرق فيه.

فكل ما يخص المركز التجاري يشوبه الالتباس. فهناك مفارقة في طبيعة المركز التجاري ذاته, فهو يبدو ذا واجهة صرحية ثابتة, تفرض وجودها على المكان, بينما طبيعته »زجاجية«, وترجع هشاشته لكونه كيانا غير واضح المعالم. فعلى الرغم من رسوخ بنائه فلا يعطي حسا بالتوازن والثبات, بسلالمه المتحركة, ومصاعده التي تفاجئ المرء بمشاهد متغيرة في كل طابق. فتغير الرؤى يأتي مباغتا , وعلى الرغم من أن معماره يسعى لتحقيق حس متوحد بالمكان -أي أسطورة هوية – فيخفق في ذلك, حيث يتكتل البشر فيه دون ترابط.

وبمقارنة وصف المركز التجاري بالسوق, كما جاء في وصف إلياس كانيتي, وترجمة حسونة المصباحي, أو أشرف العناني »عن العريش وسوقها«, أو الأسواق المحيطة ؛بميدان المحطة«, كما كتب ماهر شريف, يتبين لنا سبب التفكك في العلاقات بين البشر في المباني المعمارية التجارية الجديدة. فالمراكز التجارية تمحو فرصة السعي, وحرية التنقل. فالانطلاق الذي يستشعره المرء الذي يجوب الشوارع, ي فتقد في المركز التجاري الذي يتمثل كسجن كبير. واختزال الوقت بالوسائط الالكترونية يعوق تكوين المعرفة, التي تتراكم بفعل الزمن. خلاصة, فهناك تفاوت بين المعاني الشخصية التي يستمدها الفرد من المكان, والمعاني التي يسعى المحترف المهني تحقيقها في تصميمه المعماري. والوعي بهذا التفاوت يفكك الإيهام بالتطابق بين الرؤيتين, ويفضي إلى موقف نقضي من آليات التحديث التقني التي تعد الفرد بمزيد  من الحرية والاستقلالية, بينما تفتقد كافة الشروط المرهونة بذلك. 

قراءة الأمكنة تعرف بملامح الخصوصية التي تشكل الهوية الثقافية. وهي تختلف عن المشاهدة السياحية المرتبطة بالتوصيف المنمط للمكان, الذي تحول بدوره إلى أداة للتربح. وفي مواجهة مشروعات التحديث الجبرية, وسياسات التربح وما تفضي إليه من تأكيد للغيرية, تقدم الأسواق الشعبية بديلا  في ساحاتها التي تفرج عن المقموع في الأحياء الجديدة بالمدن. وكتابة ماهر شريف عن »محطة مصر«, يوضح ما تعانيه المدن العربية من هوية مزدوجة نتيجة مساعي المؤسسة لتزيين  المدينة بما هو حديث ولكنه غريب عنها, بينما تعمل الأحياء الشعبية على تكييف المكان لمتطلبات مرتاديه, والقاطنين به. فالشوارع المحيطة بميدان المحطة, أي ميدان محطة القطار الرئيسية بالإسكندرية, يتكيف طابعها تبعا  لتغير مرتاديها في ساعات اليوم المختلفة, فتتشكل هوية المكان وفقا  لممارسة البشر. والفوضى التي تنتاب شوارع السوق, والصخب الناشئ من تجمع الباعة والبشر, كلها علامات تواصل واحتكاك, ودلالات تفاعل وتواصل بين جماعة المشترين, يفتقدها المركز التجاري في الأحياء الجديدة. وتتبدى لنا الصورة أوضح في وصف سوق العريش لأشرف عناني, وأسواق مراكش لإلياس كانيتي, حيث تتحول المساومة بين البائع والمشتري إلى شكل من أشكال المناظرة التي يحق فيها للطرفين التسابق على الفوز.

يهيئ السوق الشعبي جوا كارنافاليا, يعمل على إزاحة, بل قلب المبنى الهرمي المفروض من قبل القوى المهيمنة, ولذا فهو دائما  مستهدف من الدولة, ومن الطبقة الوسطى, والسعي لحجب السوق أو إزالته يقع في إطار أوهام التحديث والتصنيع. واكتشاف العنصر الكرنفالي في المدن, بمثابة نقد لعملية التحديث التي تقضي على خصوصية الهوية, وهذا الموقف النقدي يعد أحد المكونات الرئيسية للحداثة الفكرية. ويتبين لنا هنا ضرورة حداثة الفكر لتقييم عملية التحديث في المجتمع. وحداثة الفكر تنمو بالوعي بكيفية تفاعل العناصر الأساسية في مكونات الثقافة, والتي تشتمل على  الفرد, والزمان والمكان.

وتنجح دينا حشمت في »إمبابة مدينة مفتوحة« في الربط بين النظرية النقدية والثقافة الشعبية, بتمثيل النظرية في مؤسسات  فعلية, وممارسات اجتماعية. وهي تتبنى منهجا  يساعد على تحليل الأزمات الاجتماعية بوصفها نتيجة لعلاقات غير متسقة بين قوى المجتمع على اختلافها. ويصعب إجمال تلك الأزمات من منظور أحادي بتفسيرها وفقا  لتناقض رئيسي شامل.

وتكشف لنا دينا من خلال تحليلها ظهور جماعات متصارعة, وعناصر اجتماعية نشطة ضد النظام, لا تنتمي إلى طبقة بعينها, أو حزب سياسي, ولكنها تعد جماعات ضغط, تتناحر أحيانا , وتتعاضد أحيانا  أخرى, وبشكل غير منسق. تلك القوى المتغايرة الخواص تثير الحاجة إلى تبني مفهوم قومي ينطلق من القاعدة العريضة المتنوعة للثقافة الشعبية, لتجاوز الخطاب الأحادي, والثقافة المهيمنة.

تحرك بنا كتاب الأمكنة ذهابا  وإيابا  في عدة أزمنة, لإعادة ارتياد الأمكنة. لذا فلا يتبع ترتيب الموضوعات تطور زمني, أو تقسيم كرونولوجي – ميقاتي – يتابع تقدم الأزمنة. الكتابات على اختلافها تدعونا لمعايشة الأمكنة في أزمنتها المتغايرة, لإدراك ما تنطوي عليه من تناقضات نتيجة التحولات الديموجرافية, والتفاعلات البشرية عبر البيئة المحيطة. فكتاب الأمكنة يقدم محاولات عدة لقراءة الاختلاف, لتبنيه ثقافة الاختلاف.

وعلى المستوى الشعبي, كان أول حدث في مصر هيأ العامة للتعرف على الاختلاف, هو إدخال الترام كوسيلة للنقل العام في شوارع القاهرة. والترام بوصفه وسيلة انتقال, يشفر لنا عملية التنقل, ويسهل رصد التحولات الطارئة, ويكثف في رحلة ما يجنيه المرء من تراكم خبرات لا تحصد سوى على امتداد زمني. وفي كتابته عن ؛ترام القاهرة«, يشفر لنا محمد سيد كيلاني تجربة اصطدام العامة بالحداثة. فمع إدخال الترام في شوارع القاهرة كوسيلة للتنقل, تشكل التحديث في وعي المصريين في صورته الملتبسة, فغدا نموذجا  للازدهار والانحطاط. فبينما رآه البعض وسيلة »للعصرنة«, امتنع عنه البعض الآخر للتشكك فيما قد ينطوي عليه من تفكيك لما هو سائد. ولكن أهم ما حققه الترام هو التعرف على الاختلاف, فقد أتاح حيزا  يشترك فيه أناس أغراب, يجلسون على مقربة لساعات, وربما يتبادلون النظرات, وهي ممارسات لم تكن متاحة فيما قبل في أساليب التنقل الخاصة, التي كانت تنفرد بها كل جماعة على حد دون مشاركة الجماعات الأخرى.

وفي نهايات القرن التاسع عشر, بدأ التعرف على الآخر عبر ترام القاهرة برفضه, فالغريب اتسم في مخيلة المصري بالغيرية. وتختلف هذه الصورة بتقدم الزمن ورسوخ الترام في شوارع القاهرة كما يتجل ى لنا في كتابة صافيناز كاظم. يغدو الترام بتقادمه كائنا  أليفا , جسدا  يتسع لكيانات مازالت تأنس بالآخر, كيانات تختلف, ولكنها تتشارك في معاناة الحياة, وتتآلف بفعل تلك المشاركة. والترام وهو يتهادى عبر شوارع القاهرة العتيقة يتيح لراكبيه تأمل ماضي الأمكنة وحاضرها. ويغدو وجوده الذي يبدو ثقيلا  للكثيرين, عنصرا  ضدي , يعترض طريق وسائل النقل الفائقة السرعة. وهو يشفر ضرورة التحكم في تقنية السرعة ووسائلها, لإتاحة مساحات لتأمل الآخر والإنصات إليه, مما يلم ح إلى إمكانيات التواصل, ومن ثم التعاضد الشعبي, فقد بقى الترام لبقاء من  يحتاج إليه.

في قراءة الدلالة الملتبسة التي ينطوي عليها الترام عبر نهاية القرن التاسع عشر والعشرين, تتكشف لنا العلاقة المزدوجة بين العام والخاص. فبينما يجسد الترام الفصل بين العام والخاص في نهايات القرن التاسع عشر, غدا نموذجا  لدمج العنصرين في نهايات القرن العشرين. وهذا التمييز للدور الوظيفي للترام ليس المقصود به الفصل الزمني للتنويه عن مؤشرات التقدم أو التقادم, فالفصل بين العام والخاص يظل في معظم الأحيان ملتبسا  للتناقض الذي انطوى عليه مفهوم التحديث. فلم يتماش التحديث الصناعي في المجتمع المصري مع المرجعية الفكرية السائدة, فظل معظم العامة يستقبلون كل ما هو جديد بريبة, بمزيج من الترحيب والرفض, مما عمق الهوة بين العالم الخارجي وعالم الأفراد الخاص. فالدولة – المتمثلة في الطبقة الحاكمة – شاءت استعارة عناصر التحديث  بما يجود لها بالمنفعة الخاصة, دون الاهتمام بوقع ذلك على العامة, أو محاولة توفير الآليات اللازمة لحرية المناخ لتهيئة الحداثة الفكرية على المستوى الشعبي. ترتب على ذلك, استقبال العامة لكافة  أشكال التحديث الصناعي, والترام نموذجا , كدخيل على المكان, كائن حديدي ينتمي إلى عالم السحر والجن وليس البشر. غدا الترام وكل ما هو حديث مرتبطا  بالآخر, في مناخ فكري لم تتح له فرصة التعرف على الاختلاف.

والتعرف على الاختلاف يبدأ بالتعرف على طبيعة المكان, فالتعرف عليه يعد أول خطوة لمقاربة الآخر, أو الخروج عن الخاص إلى العام. وتفضي عملية التعرف إلى التكيف مع المكان, أو إعادة صياغة الذات بالاحتكاك بالآخر. وفي مجتمع مازال يعاني من تناقضات التحديث, وقلق إزاء تشكل هويته, يجدر التنقل عبر جغرافيته المتنوعة, والتوقف في بعض محطاته لتأمل ما قد يفوت على الانتباه في زمن السرعة. واللقطات الفوتوغرافية لخالد جويلي, وإسلام عزازي, ومحمد سليمان تث بت العين على مقاطع من المكان, ومواقف من الحياة تدعو للتأمل لا التلصص, تختلف عما ألفناه في الكروت السياحية. والمشاهد تشترك في نقلها إحساس بالسكينة, وحينما تواجهنا وجوه الشخوص في قطع أمامي, يبدو أنها تباغتنا بنظرة محدقة, فنحن نتساءل ونسائل في آن, مما يمحو الحس بالغيرية الذي يحول دون التعايش مع المكان. أما نبيل بطرس فهو يتدخل في منافذ الإضاءة في لقطاته, ليتجلى لنا الجو السحري المحيط بالمشهد الواقعي. فالوعي بما وراء الواقع الذي تجلى للمصري في البيئة بشكلها البكر, ما زال يتجلى له في بيئته التي تشكلت بفعل  متغيرات ثقافية متعددة.   

  والتنقل عبر اللغة البصرية والمكتوبة في كتاب الأمكنة يكشف عن تنوع المكان, والكيانات الكائنة به, والتنوع عادة ما يعني تجاور الاختلاف.  وإدراك هذا التجاور يفضي إلى  دراية بالعلاقة بين الأنا والآخر, بين الخاص والعام, , بين الحدس والعلم, مما يفضي بدوره إلى تلمس أوجه التعددية في الهوية القومية. فالهوية القومية في تشكل دائم, لذا فهناك حاجة لتنمية الحس باحتمالات العيش القائمة في إطارها التاريخي وسياقها الجغرافي. فنحن بصدد تعريف جديد للحداثة لتغدو تجربة حية, وليست محاولة للتنظير المجرد. تتحقق الحداثة بفعل المشاركة الجمعية, الناجمة عن حس خاص بالمفردات التاريخية والموقع التاريخي للذات في علاقتها بالآخر. ومن هذا الموقع, تنتهج الحداثة ثقافة الاختلاف, لا لمجرد معارضة الاتجاه السائد, ولا باللجوء إلى كل ما هو مثير بغرض ترويع الجماعات التقليدية. أما المتبنون لتلك الرؤى المغايرة, فهم المناصرون للجماعات المهمشة, المستبعدة عن التمثيل الثقافي على الصعيد المحلي.

فالثقافة القومية لا تنمو في جزء من أرض الوطن دون غيره, ولا تتحدد بدايتها أو نهايتها بتوقيت محدد, بل هي ثمرة تفاعلات كافة المتغيرات الطارئة على جغرافية الوطن. ووجود الفرد في الحاضر لا يكتمل سوى بوعيه بماضيه, وقدرته على إعادة صياغة حاضره, والتنبؤ بمستقبله يرتهن بقدرته على مزامنة المتغيرات. ووعي الفرد بمكانه تاريخيا  وجغرافيا , يساعده على صياغة خصوصية ثقافته, وتأكيد مكانته, ومن ثم تحقيق المعاصرة على المستوى الفردي والجمعي.
 
ماري تريز عبدالمسيح ناقدة واكاديمية من مصر

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …