أخبار عاجلة

كلمة العدد

الصناعة  اللفظية  الثقيلة

  لا ينجو الخطاب الثقافي – الفني مما اقترفته السياسة بوجهاتها اللفظية المختلفة، على ما اخذت في الوطن العربي والعالم الثالث، لا ينجو من تلك الصناعة اللفظية ونبرتها الصاخبة، وبما انجزته وتوارثته في هذا المجال مشكلة تقاليد وتراكمات يركن اليها الخلف بعد السلف. حتى ولو كان هذا الخلف طامحا الى اجتراع الاختلاف للسائد وعناصره الآنية والتعبيرية المهيمنة. فهو في نزوعه هذا لا يتجشم عناء التجربة والبحث والسؤال بالمعنى الحقيقي، حتى ولو توسل بهكذا منحى وذهب بعيدا في تبني نبرة التجريب والهدم والافتراق عن أشباح خصومة الذين عفا عليهم الزمن وتجاوزتهم الوقائي والرؤى، فهو واقع في قلب هذا الركام اللفظي، الشعاري الجاهز، الذي يظن أنه يخوض معركته ضده، كعلة وجوب ومبرر بقاء. فالصناعة اللفظية الجاهزة، كما في السياسة، بنبوع تحليلات ورؤى، يذهب ادعاؤها في الادب حد التأسيس على غير مثال ونموذج، مذاهب شتى من غير أن تكلف نفسها أي دخول في مختبر الوقائع والزمن والتاريخ، تاريخ البشر الذين تدعي تمثيلهم ابداعيا والتعبير عن اشكالاتهم المختلفة المنازع والجهات.

نحن أمام حالات أفرزتها منطلقات تفكير وتهويمات واحدة وان ادعت التحارب والاختلاف لاحقا، مجانبة الوقائع والتاريخ والتحليق في فضاء التجريد اللفظي، هي السمة الجوهرية لها. بمعنى آخر ان الكثير من دعاة التجديد الجذري في اللغة والرؤية وتجاوز السلف الفكري والابداعي الذي مهما كان قريبا في الزمن وطبيعة الانتاج والتوجه، أصبح موصوما بالقِدَم والتقليدية وأصبح موضع مزايدة وتعال حتى ممن ما زالوا يخطون خطواتهم الأولى كتابة وتفكيرا وحياة. هكذا ببساطة القلم اللفظي السيال، يتم سحق السابقين في الزمن والابداع تحت سطوة ذلك الوهم المتراكم الذي أصبح إرثا ومنطلقا للأجيال التي تولد مع كل عقد، في الغاء بعضها والبدء في التأسيس الموغِل في بياضه وفراغه عن السابق والمتحقق على مر الأزمنة البعيدة والقريبة. كل جيل ضحية لاحقه والعجلة تدور في سعارها اللفظي.

***

يضج المشهد العربي بالترجيعات والترديدات التي أصبحت في موضع الشعار وربما المثل السائر من فرط تكرارها وأصبحت محور أسئلة الصحافة المائجة في أكثر من قطر عربي وربما الاقطاع كلها، فهي صاحبة الارث المشترك في اللغة والتاريخ والجغرافيا والحضارة الغاربة التي أفضى بها الزمان إلى ما هي عليه ومن البداهة أن تكون كذلك في تقمصاتها واستيهاماتها الفنية والثقافية.

أصبحت الساحة تموج بتلك المياه الضحلة لنثار المفاهيم والمصطلحات، التي أخذت تحل محل الحقيقة الابداعية، والتي ابتسرت من تاريخها وسياقاتها حيث تلقفها اللفظيون مرغمينها على أوضاع ثقافة تفارقها في أكثر من جهة ومناخ وتكوين.

بداهة لا يعني هذا عدم سفر المفهوم والمعرفة من مكان إلى آخر ومن تربة الى غيرها بل يعنيه في السميم ويعني الترجيع والتطبيق العشوائيين، خاصة حين تأتي المسألة كردة فعل لغضب مشروع لكنه غير موفق على صعد المعرفة والابداع ويكون أول ضحاياه أولئك الذين لا يمتلكون أبسط حصانة وتجربة حياة وثقافة، فينساقون وراء البريق السرابي لتلك المفاهيم والمصطلحات في استلهام ما ينضح به سطحها وبعض الشروحات المتعالمة "الغامضة" التي تندرج في سياق الصناعة اللفظية التي تخترق وتسود أوجه الحياة العربية بعد أن أصبحت راهنا تستغل انجازات الصورة بمختلف سبلها لحشودها اللفظية في ترويج بضائعها وتزويق الكارثة.

***

ضحايا بريئون أحيانا، أولئك الذين يدفع بهم خواء الحياة والعطالة إلى استيهام سلوك وقيم ليست في أقل تقدير، على أبسط علاقة بسياق حياتهم المادي والروحي مثل ذلك القاص الذي فاجأنا ذات مرة في الشام قادما من أحدى بلدان الخليج، يمكن أن يصدف من بلد آخر، وقد ارتدى ملابس رثة متقمصا سلوكا بوهيميا متصعلكا، رغم الظروف المختلفة على الأقل من هذه الناحية، نجده في تفاصيل تصرفاته وحركاته أشبه بممثل رديء في فيلم من أفلام الترسو. وفي المنحى نفسه من السهل أن نجد في أي بلد عربي من لم يكتب البدايات وربما ما زال يحلم بها، لا يرضى بأقل من أحداث جسام مثل موت التاريخ والأسماء الكبيرة وانهيار الايديولوجيات وانقلاب المفاهيم، طبيعة كاملة من الكلام المنتفخ والسعار اللفظي.

ليست التجربة هنا محل خلاف أو حتى شك لكن افتعالها على هذا النحو المضحك المؤذي، كصدى تجارب ومفاهيم، من غير وعي أصيل بمكرها وانقلاب تأثيرها المعاكس، لا تبطل أهميتها فحسب وانما تصبح مضحكة وقاتلة.

هنا مكمن رعبها المفارق الذي يربض بصور مختلفة، على الحياة العربية، التي تتوزع بين ذاكرة الموتى التي تحاول إدارة دفة التاريخ والواقع الحي عنوة وقسرا بما يعني ذلك من افرازات تطرف في الفكر والسلوك. او استعادة حداثة "الآخر" ورؤاه بحذافيرها من غير وعي نقدي، بما يعني من تشوهات وحفر عميقة في الفكر والسلوك أيضا. لحظتان متقاسمان الماضي، ماضي "الأخر" وماض الذات الوطنية والقومية لحظتان مهما نشب الصراع والتحارب بينهما، يقفان على المكان المشترك، إلغاء ومجافاة الزمن والوقائع والكائن المندرج حتما في هذا الاطار.

الصناعة اللفظية حين تسود أوجه الحياة، تعبير لا ينقصه الوضوح، عن خواء هذه الحياة والأفكار، فبدل من أن يوجد فكر وأدب حقيقيان يوجد محترفون أذكياء في صناعة الأبنية اللفظية الخالية من النحوى والدلالة وترويجها وتعميمها.. في النقد وانه دب يمارس هؤلاء المحترفون اللعبة بمقوماتها وعناصرها موهمين مريديهم بذلك الطقس الأسطوري الصعب الذي يحوم حوله المريد من غير قدرة النفاذ إلى أعماقه ودلالاته المترسبة في القاع أو. في الأعالي الميتافيزيقية التي لا يصلها إلا شيوخ اللعبة، فيقع المريد في الترديد اللفظي والترجيع الفارغ الذي هو في واقع الحال دين أساتذته الذين لا عمق لهم إلا الصناعة اللفظية التي تبدأ من اللغة الخالية من الروح والوجود وتنتهي بها.

هكذا سوقت مفاهيم تحت يافطات مضللة "كالبنيوية" التي تحولت عربيا إلى ملاعب تتقارع فيها الألفاظ والكليشهات والمصطلحات من غير وصول يذكر الى أستشفاف روح النص وأعماقه وهكذا "ما بعد الحداثة" التي تدور رحاها عند المريدين الآن مفصلين نصوصا وكتابات على ما وصلهم من فتات تلك المفاهيم التي أفرزتها صيرورة الحضارة الغربية ومساراتها وشروطها.. وهكذا تتدمر مواهب وملاح إبداع محتمل في جلبة هذا الغبار اللفظي المغري.

ربما من جهة أخرى كانت ردود الفعل التي يواجه بها النازعون نحو التجديد كسياق طبيعي في أي كتابة من قبل "الرافضة" وهم في أحيان كثيرة من أولي الحداثة والتجديد في مرحلة، يغري بردود الفعل العنيفة التي تصل حد الفلتان. فأولئك الذين يتوهمون حجب الشرعية والاعتراف، بلغة المؤسسات الدولية، يكابرون في زمن مختلف وفي مناطق تنهار وتنبني باستمرار في أرض الكتابة. وكان الأحرى بهم أن يتبينوا الحقيقي من الزائف والأصيل من المدعي، الذي أخذت تجرفه رمال السجالات اللفظية.. وهو ما تفعله بعض الوجوه الابداعية والنقدية من أعمار ومناطق مختلفة.

تمني الحياة العربية مثقلة بإرثها اللفظي وتركته الثقيلة، الذي أخذ يحتل المشهد أكثر فأكثر مدعوما باكتشافات الحضارات الأخرى وأخذت مساحة الصدق والعفوية والطفولة، تضيق وتتقلص، في نمط الحياة والكتابة، وأصبح الإنسان الحقيقي لا محالة يعيش اغترابه الساحق أمام المشهد الكاسر للكذب والادعاء.. حشود من الأقنعة تحتل الحلبة.. والتشابه المحض في عناصر المشهد البشري والفكري هو الهدف. لا مجال لشبهة التمايز والاختلاف. وليكن ذلك في إطار الحتمية الصارمة لقوانين المشهد ذاته. والصناعة اللفظية والاعلامية وتعميم قيمها وأنماطها أفتك وسيلة لتحقيق هذا التماهي وهذا الالتباس اللاإبداعي. والأدب الذي نشير اليه في هذه العجالة واقع بوعي أو بدونه في هذه الفخاخ المنتشرة على المستوى الكوني.

في حومة هذا السعار اللفظي وترجيعاته والتبني السيىء والقاصر للأفكار والمفاهيم والرؤى، ومحاولة إقصاء التجربة البشرية عبر عصاب النقل والمسخ تكفينا نظرة سريعة لما آلت اليه أفكار وابداعات الكثير من المدارس والاتجاهات والشخصيات الكبيرة في التاريخ البشري، كيف مرغت في وحل ذلك الوعي وبترت عن سياقاتها ومقاصدها بقسوة وجهل: من مفكري سوسيولوجيا الاقتصاد الأوروبي ونتاج بنيانه وعناصره وتشابكاته التي وصلت طورا معقدا في التاريخ (ماركس وانجلز) حيث حولا بقدرة العرافة والسحر، في مناطق بالغة البساطة والعشائرية والتخلف، إلى نبيين يقودان تلك المجتمعات إلى الفراديس الأرضية عبر خطاب طفولي مثل طورا من الصناعة اللفظية الثقيلة، قاد إلى مزاح وصدامات، وكأنما الخطاب القبلي، المذهبي القابع في العقل الباطن لا يكفي بل بحاجة الى النجدة والسند من خطابات مختلفة حتما، بصورة جذرية.

وليست الاتجاهات الأخرى بأحسن حالا. وعلى مستوى الأدب والثقافة يضر المشهد العربي بالتمثل السيىء واننهب أحيانا؛ على هذا النحو أخذت الصوفية بكل مكابداتها الروحية ورؤاها العميقة ولاحقا السوريالية والوجودية وقبلهما الدادائية ولم يسلم المتنبي والمعري ورامبو والقائمة لا حد لها: مهما تنكبت الادعاءات وجهات مختلفة ماضيا وحاضرا، تطل سمة التمثل السيئ عند البعض وعملية النهب والمسخ الذي يتعرض لها الكبار في مرايا صغارهم الأدعياء هي المشترك بينهم وعبر أجيال مختلفة كتابة وسلوكا..

ليس هناك تأثر ولا "قراءة". هذه المسألة إن كانت أحيانا تمضي على محور المراهقة الفكرية والحياتية وبما يشبه انبهار الاكتشاف الأول وبراءته، فهي بشكل أساسي، عند آخرين بلغوا "سن الرشد" نمط تفكير ومكانة وتسلق شهرة.. وأحيانا استهسال الأمور مهما كانت في العمق، جديتها وصرامتها، ومكابداتها اللامحدودة، عظ الحياة السهلة التي تنزل على أصحابها من غير أبسط معاناة ولا سعي مؤلم مثل الذي عرفته البشرية في معيشها: حياة جاهزة ومعطاة سلفا.

القلة التي ذهبت الى المعنى العميق للقراءة كهاجس وجود ومصير، كون الكتابة هي إعادة قراءة عميقة للنصوص والثقافات المختلفة، كما للحياة والوجود بمختلف تجلياته وأشكاله.
سيـف الرحبـي

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …