أخبار عاجلة

كلمة العدد

 (القمر الضاح)
في هضاب المكان
وموجة رقطاء تغمر الأزمنة
   

كنت أرقب طلوع القمر من ساحل "البستان" بتعرجات جباله المسننة. كان قد بدأ في الظهور بما يشبه تهاويل نائم على سفح، ثم كشتلة تتنفتح تدريجيا لا تلبث أن تتحول إلى غابة عائمة في الأفق: بلطخة الحبر المائلة للسواد، تميمة القمر في أسفاره اللامتناهية ينير الأكوان. كنت أرقبه على هذا النحو حتى يهيمن اكتماله على المشهد البحري الفسيح بكامله، حين اتصلت المرأة العريقة في الذاكرة، وعلى الفور سألتها: هل ترون القمر في داركم: قالت: كل يوم في مثل هذه الأوقات (ضاح) في البيت، على شرفاته وفي هضاب المكان. لم أعد مفتونا بالقمر في هذه اللحظة، بل بالتعبير عنه بكلمة (ضاح) في اللهجة العمانية الصميمة التي لم أسمعها منذ ثلاثين عاما. هذه الكلمة بدلالاتها الإشعاعية الكثيفة المبهجة، تلك القادمة من  أزمنة الطفولة التي أوشكت مفرداتها على الانقراض.

ها هو فجر الصحراء والجبال ينشق مع صوت المؤذنين ويعبر قارة غامضة من الأطياف والظلال الثقيلة… اكاد المح حشد العميان في القرى البعيدة وهم يهرعون من المنازل شبه المهدمة نحو المساجد كأنما يطلقون صوتا واحدا أو صرخة تحمل في تضاريسها طحالب النوم والألم وتلك الوحدة القاسية.

كلما تسمو بي لحظة تفكير خاطفة نحو سماء الروح ورفعتها اللامحدودة، أفاجأ بمطب أو حفرة تستغرق وقتي لتفادي السقوط في غياهبها الموحلة.

يحمر الأفق، تزفر الريح ويزحف الموج كجبال مزبدة بالغضب، وأنا مضطجع على العشب الطري فريسة أنياب خفية، منتظرا لمسة الملاك المفاجئة.

 تزهر التناقضات في سريرة الكائن وطواياه، جرف تلطم فيه الأمواج بعضها، مرعى وحوش ضارية في قفي. هكذا يولد الجمال والحب من براثن هذا العمق الهادر.

وداعة النسيم

البارحة

رأيتني أكتب كلاما متلعثما

كأنما هو معمول على مناكبا أشباح

كلاما يتدفق من مسارب خفية

كمن يطارد حلما في صحراء

رأيتني أحبل بصرخة ترفض الخروج

ترفض الولادة

ولادتها عسيرة

أريد أن أصرخ

أن تكون صرختى بلون أعصابي

بلون دمى وأحشائي مر

بلون الأصدقاء الذين ماتوا قبل قليل

– لا بلون عشيرتي-

بلون طائر يعبر الطوفان.
البارحة

رأيتها تعبر المسافة

لا، لقد عبرتها قبل ذلك بكثير

وتستقر في حضني

تداعب شعر رأسي

والجسد المثخن بجراحها دمائها

رأيتها ترتب أيامي

كما ترتب صمت الفاكهة وأثاث المنزل

تقفزمن تلة  زمنية الى أخرى
حتى تصل الى يوم بعينه    

يوم ليس كباقي الأيام يقينا
فأفأجأ بالصفعة تدوي على خدي

لم أسألها السبب

نمت في حضنها بوداعة النسيم

بوداعة ثور أفرغ هياجه

قبل أن يمتطي أنثاه

نمت نومة المجرم في رحم جريمته

رأيتني في مسرح ملئ بالمرايا

يشبه كهفا

كان السحرة يتحركون داخله بكسل

ويتبادلون الأضحيات

كان الجو عابقا بالبخور

كانوا يصمتون بجلال

كلما عوى ذئب أو نعق غراب

مشرعين النوافذ للضباع

كي تقفز أسرابا الى باطن الكهف
غيمة

أي غيمة ستنام على سريرك

هذه الليلة

وأنت يحلقين من حلم إلى آخر

في أرض البحيرات المسحورة ؟
مدينة النساء

أطلق حصان خيالي

في مدينة النساء النائمة بين أنقاض الشهوة

والاضواء

وسط هالة من البخور والزعفران

يرقمها الحصان الناعس بشبق

كأنما تجرفه ذكريات غزيرة

لإناث عبرنه في الحلم.

يغيم الجو, يسقط مطرخفيف

يواصل الحصان رقصته التي أصبحت عنيفه من

فرط الهياج الأعمى في حديقة تبدو مهجوره إلا

من الزفير والأنفاس المتقطعة التي تطفو

كاسحب فرق مياه آسنة.

يظهرفلليني بين حشود النساء يقود وحيد

القرن ويبدو مفتونا بالمشهد لا يلبث أن يصيبه

الضجرفجأه  يتلفت يمينا وشمالا باحثا عن

فجوة للهروب.

الحصان كأنما يمتطي جسرا يمرمن تحته نهر

النيل أو المسيسبي وعضوه يتدلى في الفراغ.
شاي

اليوم تصنعين لي شاي الصباح

قبل عشرين عاما صنعت لي القهوة التي أقلعت

عنها مؤخرا

بالأنامل نفسها.

وبالخوف الذي   ازدهت أعمارنا

في ظلا له.

تذهبين الى المطبخ مباشرة

تفتحين الأدراج  تضعين الإبريق

أراقب المشهد في صمت

أنتشل نفسي من ضباب السنين

لكنك القديرة

بارتجاف وضجرتبعثرين الرفوف
تستعيدين حكاية " الدقي" و "الميريلاند "    

الأفكار والسرية

وحارس الحديقة الأعور

الذي يرقب العشاق في قبلاتهم الخاطفة

كي يبتزمنهم بضعة دراهم.

مسرنمين في عبق الحكاية

 وفيضها الذي لا ينتهي (رغم رداءة الطقس)

 حين فاض الأبريق على ناره

كما فاضت السنون فجأة

وأغرقت الوجوه والمكان.
اماديوس

أطل من غرفتي الى الفراغ الشاسع

الفراغ المعجون بقسوة خبيئة

ووجوه فقدت ملامحها بالمرة

أستمع الى موسيقى موتسارت

التي أهدتني اياها صوفي قبل رحيلها الاخير

أتذكر ضحكته التي تشبه صهيل حصان يوشك

على السقوط

في فيلم "أماديوس"

السماسرة والعوز يفترسان أعماقه الشفيفه

بينما الطائر نفسه في الشجرة المجاورة

كأنما يقرأ كل منا في الآخر عزلة عريقة

ربما تذكر مثلي شجرة الفرصاد في بيتنا القديم

ربما حط رحله ذات دهر على أعصانها

وخاطب الرب في سمائه البعيدة.

نمر الجزيرة العربية

قوس قزح ناحل يمشي على الارض
موجة رقطاء تغمر الأزمنة

قبل ثمانية آلاف عام قبل الميلاد

كنت تسرح في الأكمات والغابات الخضراء

الشديدة الخضرة

حتى دارت الطبيعة دورتها الكبرى

وضربها فى زلزال الجفاف

انقرضت سلالتك القطية

انقرض الأسد والفهد الآسيوي

وبقيت وحيدا تائها في الصحراء

كأنك من اختاره القدر لمهمة الوجود الشاقة

وبإرادة لا ينقصها الشتات

بقيت رفيقا لليباب والعدم

حتى يومنا هذا.

كانت العرب تسميك الأبرد والعسير

فوق قمم عاتية وعصية

وفي أغوار كهوف لا قرار لها

حافظت على نسلك الفريد

حافظت على صفاء الوحشة في أعماقك

يا من تموت باكرا

بعمر لا يتجاوز العشرين عاما

أي لغز في حياتك الحسنة وموتك السريع

أي جمال لا يضاهيه جمال آخر

في جسدك وفي الألوان الباهرة

التي تطرز فراغ قفزة في الهاوية.

في جبال سمحان بظفار

معقلك الأخير

هادئا تحدق في المغيب

تستريح من سفر العصور.

السلحفاة
نصحو في رأس الحد    

على فجر يبتكره صيادون ورعاة

أمواج تخبط الشواطيء الجصية من غير هوادة

أمواج المحيط

أوالبحر الحدري كما يسميه العمانيون

حيث كان اليعاربة يدفعون سفنهم نحو افريقيا.

وسط عتمة خفيفة

نلمح القوارب من بعيد

والسفينة الجانحة فوق الصخور

وعلى رأسها إكليل من الطير

يهم بالصحيان أيضا

نمشي قيلا كمن يتنزه في النوم

وسط بساتين خيالية

نلمح السلاحف يقذفها المحيط

نحواليابسة

صفوفا تتقاطر كجنود ذاهبين إلى حرب

بمعرفة ثاقبة وهدوء ناعس

تمضي إلى مساكنها البرية

بعد رحلاتها الطويلة في أعماق المحيطات.

يا من احتار العلماء في تحديد طبائعك

وازمانك الفلكية.

قبل مئتي مليون عام وأنت موجودة

على صفحة الأرض المتقلبة.

في المراحل الجوراسية

عشت عيد الأوائل في الكوكب المفعم

بحيوات فتية

قبل ان تلوثه أقدام البشر.

سنواتك العشر الأولى

وصفها المختصون بسنوات الضياع

في اللجج البعيدة

لأنهم لا يعرفون عنها شيئا
وفقوا عاجزين أمام السر الأكثر رهبة من

معارفهم.

لكن الضياع قادك الى المعرفة

فالطريق واضحة أمامك

رغم تلك الأزمان المتراكمة.

نحو رأس الحد

أو أقصى جزيرة في الصين

وهذا ما ينقص الإنسان الذي سيفترسك مع أول إطلالة

بعد أن نجوت من ذئاب المحيطات.

امرأة

أيتها المرأة التي تقطع الشارع

باتجاه الغيب

ثمة كائن خفي ينظر بشبق اليك

كلب في مرآب المبنى

أو رجل في غابة

نمر فقد أنثاه

أو امرأة في مقهى

ديك احمرت عيناه من الصياح عند الفجر

صوفي تخترق نظراته الحجب

ذكر دلفين في الأنهار الباردة

العيون شاخصة

الجوارح ترتجف

ثمة كائن يسيل لعابه

وأنت تقطعين الشارع
باتجاه المغيب    

كان زعيم آلهة بابل (مردوخ) قد شكت اليه هذه الآلهة من العطالة والضجر وانعدام الحيلة، فلم يعد هناك متعبدون يقدمون لها الأضحيات. على الفور خلق لها البشر لتتسلى بهم وتقضي على أوقات الملل الضارة بالتأكيد. خلق البشر من جسد (كنجو) إله الشر المطلق بعد أن فتته وأذابه الى طينة الخلق الأثيرة على قلب الأساطير.

ترى لماذا الحيرة فيما وصلت اليه ذريته اللاحقة المتطورة من فظاعة ودموية وتوحش يندي له حتى جبين (كنجو) وبطشه المتواضع؟

البارحة تجاوزت في المشي حدود فندق البستان نحو القرية المتاخمة التي تحمل نفس الاسم (البستان) الذي كان يشمل المنطقة بأكملها قبل تشييد الفندق على هذا النحو الخرافي كأنه طالع للتو من إحدى قصص ألف ليلة وليلة.

كان هناك مجموعة صيادين يدفعون قاربا ثقيلا نحو البر، الى الأعلى خوفا من أن تجرفه أمواج الليل العارمة. وكان بمحاذاتهم كلب أعرج ينبح بإلحاح.. شيئ ما يحرك هذا النباح المنتحب غير مرئي بالنسبة لنا. سمعت نداءهم للمسا عدة، فذهبت وفي رأسي طنين أيام العمل الجماعي كل شهر حين كنا في القاهرة أو الشام في ذلك الزمن الآفل.

كانوا يغيرون بين الفينة والأخرى لوح الخشب الصلب المثبت تحت دفة القارب، يستجمعون قواهم التي شتتها سهر الصيد في أعماق البحر، فيندفعون في زفرة واحدة (يوس) سرحت بعد سماع كلمة (يوس) تذكرت أن كل الصيادين في النواحي البحرية الذين رأيتهم في طفولتي ينطقون بها حين يدفعون قواربهم باتجاه الشاطيء، كأنها مفتاح القوة الخفي، بوصلة المواجهة والوصول.

الموج يلثم الصخرة

وبعنف يخبط محيطها الطحلبي

بينما شجرة لا اعرف اسمها،

تلوح كالطل من بين مفاصل جبل اجرد

وحيدة في هذا العراء الكاسر.

ابن المقفع: لا أجالس إلا من هم على شاكلتي…

بعد قرون لوتاريمون يبحث عن كائنات تشبها حتى لو كانت أنثى القرش وهو يحدق في عينيها الهائجتين بنظرة حنان فريدة.

سليمان الحكيم في مملكته المترامية الأمصار والكائناث والعواصف والطيور أراد تأديب الهدهد بأن رماه في العيش مع جنس غير جنسه. كان ذلك أسوأ عقاب حتى من التعذب المباشر والقتل.

من خبر أرق الليالي وعظائم المحن مثل من هو عكس ذلك على الإطلاق، مادام الموت خاتمة الجميع! في ضوء هذه الأطروحة إذن لا فرق بين العظمة والحقارة، بين السمو والانحطاط؟ هكذا يتسلل عوام "الوجودية" و "العبث" إلى منابر الفكر وألغازه الصعبة.

يحدوني شوق الحياة إلى شخوص وأزمنة بعينها حتى إذا أدركتها ذرفت دموع الحنين إلى أخرى مختلفة ونقيضة.

شعاره: لا أحد يستطيع أن يفهمني، سابق لعصري وأواني، عميق الغور وستحيل على الجميع.. وجه اخر من أوجه البلاهة السطحية الكبرى.

ليس هناك من هو كالغزالي حدة وشراسة ضد الفلسفة والفلاسفة حتى صار عدوها النموذجي، مع ذلك نجده في مناطق كثيرة أكثر تفلسفا وعمقا من أسماء وأفكار كرس وقته لدحضها تحت قناع العداء إياه للفلسفة !!!

يؤسطر المؤرخون، الأبطال والرموز والمدن، لكن بالكاد يدخون في تفاصيل الحريق ووقوده البشري وفيض ضحاياه. بالكاد يدخلون فيه الا كأرقام عامة.

الجندي المجهول، ربما هو البطل الوحيد الحفيفي في التاريخ.

يبدو أن ميلاد الشعوب والأمم في التاريخ كقوة حاسمة تكتنفه شروط بالغة الالتباس والتعقيد، حين يخرج من إطار التجريد والخرافة، إلى أرض الوقائع والتجسيد الحي.

رغم تلك الأطنان الخطابية واللفظية التي لا تفتأ تبشر بالولادات، السخية غالبا، هل كان ابن خلدون في "دوراته" التي تشبه نوعا من قدرية صارمة لكنها بصيرة في قراءة الأحداث حول انبثاق الحضارات وصعودها وموتها، هل كان محقا في إمساكه بالجوهري وما عداد باطل أو تفاصيل؟

نظر إلى وجهه في المرآة. كان الفجر قد بدأ يندلق على الصحراء الهرمة التي تطوقه من كل الجهات، وهو لم ينم بعد. صرخ، يا إلهي. هذه الكهولة التي تقضم جسدي بسعار أكبر. هذه السنوات التي بدأت في تحويلي إلى ملهاة، لقد فلتت من بين أصابعي وعجزت عن متابعتها، أسراب بوم ناعبة في الظلام.

ــــــــــــــ
هذه الصفحات من كتاب بعنوان (يتيمة الدهر؛ تأملات في الجفاف واللاجدوى) نشر جزء منه في العدد الرابع والعشرين من نزوى. ومطلع العنوان كما هو واضح مأخوذ من الثعالبي لكن في سياق آخر.

رأس الحد: منطقة بحرية في عمان

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …