أخبار عاجلة

كلمة العدد

أدونيس..
ومملكة مترامية الانهار على شرفتي

 

* ادونيس خارطة المتناقضات وسراب المعني

أدونيس، هذا الاسم الذي يأخذنا دائما – من غير كلل، ومنذ طفولتنا البعيدة – الى أفاق فسيحة لا محدودة وقصية، الى أعماق السؤال الجمالي في الأدب والحياة.

الشخصية الأكثر جدلا ومجالا في جيله الذي أسس عبر أراض منكفئة على إرثها السلفي، لحداثة

المخيلة والابداع والثقافة. والأكثر عطاء وتشعبا في هذا الفضاء العميق، من فكر وابداع واستقصاء لتخوم التراث في محليته وكونيته الشاسعة.

منذ بدا يات ذلك الطفل المتحذر من الأقاصي الجبلية للساحل السوري وحتى اللحظة الراهنة، هناك ما يناهز ستة عقود من الزمن. أرخبيل هائل من المجازر والتحولات وعدم اتساق المعنى وتشظيه. ابتكر فيها أدونيس طريقة حياته وموته، أصدقاءه وأعداءه، وحرث الأبجدية وطوعها لمعطيات الرؤى الجديدة.

تلك الأبجدية التي أرادها أن تعبر عن حدا ثة مجتمع شاملة، لكن الوقائع والتاريخ كانت بمكان أخر. خلال ذلك كله لم يكن أدونيس إلا الشاهد الحقيقي على هذه الحقبة المضطربة من تاريخ العرب والعالم. لم يكن فيها إلا الفرد الباحث عن دفئه وحريته خارج استقطابات القطيع ودوائره المغلقة. كانت روحه المتوثبة من مدينة الى أخرى تؤلف كتاب المدن والحضارات، وتقرأ في خطوتها المرتبكة مصائر البشر على هذه الأرض الرهيبة مثل توثبها في كشوف المعرفة وحقول الإبداع المختلفة. كان شاعر الرؤيا وشاعر المعيش.

قلما نجد منذ عهود، شاعرا استطاع أن يدمج كل تلك الوشائج والعناصر، ذلك المركب الصعب، بين الفردي والجماعي، بين الظاهر والباطن. المرئي وما وراءه. التاريخي والمعيش، في وحدة القصيدة وفضائها المفتوح على اللا اكتمال باستمرار.

لم تزده الانهيارات العربية والتقهقر الحضاري المريع لبني جلدته، إلا مضيا وتيها أكثر في صحراء المعرفة والشعر وغرز مبضع التحليل في هذا الجسد المثخن بغيبوبته، التي هي ليست غيبوبة النشوة يقينا وانما العذاب والمنفى خارج التاريخ.

لم تزده إلا انفصالا عن الفكر السائد والشعار السائد مهما كان بريقه وشعبيته، التي لا تؤشر في نظر الشاعر – الرائي، إلا لأفق أكثر جهامة وانحطاطا وقمعا. إن ما يموج به السطح العربي غير ما يعتمل في دواخله.

في أوج صعود الحركات القومية واليسار العربي، لم يقف بجانبها، إلا ناقدا وندا، مكتشفا ما تمور به أعماق الأرض العربية وتجليها السياسي المتفائل، ما هو عكس ذلك من سياقات تدميرية شاملة. ليست الحروب الأهلية، إلا ثمرة طبيعية في مسارها هذا.. راهنا حين تغيرت أحوال السياسة والاجتماع وصعدت الحركات الاسلاموية المغالية، لم يكن أدونيس إلا واحدا من أهدافها العدائية.

أدونيس الأستاذ والشاعر الأكثر خطورة في إشغاله "الناس" (ما اجتمع اثنان من المثقفين إلا وأدونيس ثالثهما) هذه العبارة التي كانت تتردد في المنتديات والتجمعات الأدبية تدل على الاشكالية الخلافية والفروق التي قذف بها أدونيس في وجه الجمع المطمئن. فهو بجانب إنجازه الفكري والشعري، من مؤسسي أهم المنابر التي لعبت دورا مفصليا في تاريخ الثقافة العربية الحديثة بجانب الراحل الكبير يوسف الخال وآخرين، وممن لهم حضورهم المميز دائما في مختلف الفعاليات الأكاديمية والأدبية عربيا وعالميا. وكأنما الفردية الخلاقة لديه لا نتحقق بالعزلة وحدها وانما في ضوء الجماعة وصعودها وانكسارها.

هل أدونيس بهذا المعنى ورث شيئا من دور المصلح الاجتماعي والمثقف الموسوعي منذ ما أطلق عليه "بعصر النهضة" أو غيره؟

أستطيع الزعم مثل غيري أن أدونيس ورث وتأثر وأفاد مثلما أثر، من تيارات ووجهات وأمزجة مختلفة ومتناقضة أقصى حالات التناقض، تاريخا ومعاصرة، لكنه استطاع دمج هذه السياقات جميعها في السياق الأدونيسي.

إن الكتابة إعادة قراءة "للآخر" والعالم. لقد تشرد بين ساهج ومرجعيات، حتى ظل داخلها وخارجها في الوقت نفسه، حافرا عبر قنواته الهاضمة، طبيعته الإبداعية والفكرية، نهره الخاص، ذلك النهر الذي ما فتىء يتجدد بطفولة وعمق نادرين.

أدونيس خارطة المتاقضات والمعنى في سرابه وهروبه الدائم في قلب المتاهة.

تحية لأدونيس الأستاذ والصديق.

وتحية لمعهد العالم العربي على هذا التقليد الحضاري في الاحتفاء والتكريم للابداع برموز. المضيئة. وهذا واحد من أدوار وجوه. الأساسية في قلب أوروبا، إذا ترفع على التصدعات القطرية والمصلحية التي بدأت تطفح على السطح مهددة وجوده بالكامل، واستلهم جوهر المشروع الثقافي والحضاري الذي انبنى من أجله.
رواد

بداهة أن المسافة الزمنية التي تفصلنا عن بدايات الممارسة الشعرية والثقافية الحديثة عربيا والتي وسمت بعناوين كالتأسيس والريادة اختزلت تلك المرحلة برموزها وأسمائها وتجلياتها المختلفة. هذه المسافة المفعمة بالتحولات والمجازر والانعطافات واقعا وتعبيرا، وضعت تلك المرحلة بنصوصها وانجازاتها على محك المساءلة والنقد والتقييم، أي في إطار اختبار الزمن ومكره وتشظيته للنص والكائن.

"الريادة" و "الرواد" كلمات فضفاضة وعامة وليست ذات دلالة عميقة إذا لم تدخل في إطار التقييم

النقدي والتمايز. فليست هناك ريادة بالمطلق وليس كل من كتب في مرحلة بعينها كان رائدا بحق، بمعنى الممارسة الشعرية والثقافية التي ترتفع الى مستوى الإنجاز الإبداعي المقروء في زمان ومكان مختلفين بمعنى أن الزمن لا يفترسها بمثل هذه السرعة ويحولها الى ما يشبه الفلكلور بفضح هشاشتها ومحدوديتها.

هذا التمايز هو الذي يقود الى ذلك الفرز النقدي القاسي بكشف بعض تلك الأسماء الراشدة في كونها لا تتجاوز الظواهر الاعلامية والأيديولوجية التي فرضت قسرا ضمن معطيات تلك المرحلة الآفلة وهناك من الأسماء التي أسست ووادت بشكل فعلي وما زالت تواصل وتتواصل إبداعا، فهي ليست رهينة شروط مرحلة بعينها. إنما الروح المتجددة في الأبناء والأحفاد، في السلالة الإبداعية اللاحقة.

هذه السلالة التي تواصلت مع إنجازات المرحلة السابقة بمعان مختلفة. فلم يعد الزمن العربي السابق بمعطياته وشروطه، ثمة انكسار عميق في البنيات وطرق التفكير والتخييل. الالتباس يستبد بكل شيء والشاعر نهب أسئلة حادة حول المصير والوجود والحياة أكثر من ذي قبل، الحياة العربية التي أضحت بؤرة انهيارات لا سقف لها ولا قرار. كل هذا التشظي عن مراكز التعبير والرؤية السابقين دفع بالشعرية العربية الى اختبار ذاتها ولغتها من جديد، دفعها الى طرق سبل خطرة. نوع من مغامرة في التعبير والمكان. وهنا أتكلم عن الجانب المشرق في الشعرية الجديدة المفارقة لأن السيىء كثير كما هو حال المراحل السابقة.. هناك سياقات مختلفة، لكنها ليست سياقات قطيعة وبتر نهائيين كما يروج البعض. مثل هذا الكلام غير المسؤول ليس تجاه مرحلة الريادة التي نحن بصددها الآن وإنما مع كل إنجازات الإبداع البشري.. لا أحد يولد من هكذا "قطيعة" إلا في وهم صغير وليس في وقائع ابداع ونصوص متجسدة.

كل تاريخ الابداع يشير قطعا الى نقيض ذلك. النص إعادة قراءة الآخر كما هو، قراءة صميمية للحياة وعناصرها بأفرادها وجماعاتها.

شعارات القطيعة هذه والانفجار المطلق من فراغ وبياض تشبه شعارات الآيديولوجيا في قطعيتها واستيهاماتها. سيبقي الكثير من شعر تلك المرحلة مع غض النظر عن الظرف الذي كتبت فيه، ومن تنظيراتها ورؤاها فقد كانت الطليعة الصدامية الأولى مع أرض المحافظة والجمود. وسيتهافت الكثير – كما أشرت – لتبقى مياه الابداع تجدد نفسها في هذا المسيل الليلي الطويل.
مراكز وأطراف

من حق أي مثقف ينتمي الى بلد ما في خضم هذا المحيط العربي أن يتلمس خصائص.  بتجلياتها المختلفة جغرافيا وروحيا وتاريخيا، وأن يحاول في العمق طرح تمايز. واختلافه في إطار محيطه وانسانيته، وهو واجب المثقف والكاتب وضرورة وجود وبحث، وليس التماثل المزعوم إلا ضربا من الأوهام والسذاجات التي قادت الجماعات والأفراد الى الكارثة التي نعيش سطوعها العبثي الكبير.

وهو ما نحاوله – أي الاختلاف – ويطبع وجودنا وكتابتنا في المستويات المختلفة، لكن وهم التماثل والتماهي الوحدويين لا يقود في رأيي إلا الى خلق أوهام جديدة حول انزياح المراكز التقليدية للثقافة العربية وإحلال مراكز أخرى «الخليجية» في هذا الطرح محل تلك الغاربة والمتلاشية الى غير رجعة حسب هذا الوهم الجديد.

ربما تلك البلدان التي عشنا ودرسنا فيها زمنا ليس بالقصير تراجعت عن تلك الهيمنة وأوهام المركزية المطلقة التي تغنت بها زمنا، لكن هذا لا يعني انطفاءها لصالح أخرى بالمطلق فهي مازالت في سباق الإنتاج والإبداع بمستويات مختلفة وما زالت مؤثرة الى حد كبير.

إن المسألة ليست صراع إخلالات وابدالات. إن تاريخ العلاقة بين أطراف وروافد الثقافة العربية وتاريخ الأفكار وترحلها وتأثيرها المتبادل أكثر تعقيدا من هذا التبسيط الذي لا يقود إلا الى مجموعة أوهام أخرى مثل أوهام التمركز والتفوق التي سبقتها.

لقد نمت حركة ثقافية وشعرية في بلدان كانت مهملة قبل عشرين أو ثلاثين عاما مثل بلدان المغرب العربي أو بلدان الخليج والجزيرة العربية تحت ذلك الثقل المركزي المتوهم لبلدان المشرق المعروفة. وبلدان المغرب أكثر اتساعا في هذا السياق من بلدان الخليج، وهذا النمو والتقدم الثقافيان في هذه البلدان أستطيع فهمه كروافد مهمة في إطار إثراء الثقافة العربية الشامل، وليس صراع إقصاء وبحث عن هيمنة ووراثة.

وهكذا أفهم الاختلاف والخصائص الوطن العربي و"أطرافه" و"مراكزه" بواديه و"حواضره" وانشطاراته وفرقائه في هذا السياق ويتبين أيضا انبثاق وتأسيس المنابر الثقافية في بلدان الخليج كالمجلات التي أشار اليها السؤال والمنابر والمنتديات والجوائز الأخرى وهي حصيلة ليست كبيرة وحاشمة على كل حال مقارنة بالإمكانيات المادية التي تميز هذه البلدان ولا يحق لأصحابها كل هذه المفاخرة عن تأسيس "مراكز" بديلة.

العولمة والثورة المعلوماتية والرقمية ودراسة الكثير من أبناء الخليج في الغرب وانفتاحهم على ثقافات وعصور مختلفة من غير وساطة "المراكز" التقليدية التي كانت سائدة. كل ذلك أعطى زخما إبداعيا وقوى هذا الرافد الثقافي والمعرفي وجعل مساهمته في الثقافة العربية والإنسانية أكثر فعالية وعمقا من غير تلك الاستيهامات التي راودت عقول وخيالات مثقفين من بلدان المغرب ولبنان والآن الخليج، في الانفصال عن المحيط العربي كي تحرز رهان التقدم، فنحن جميعا – أردنا أم لم نرد – محشورون تحت سقف كارثة واحدة ومصير واحد، رغم مظاهر الفروق التي لا تعدو أن تكون فروقا (برانية).

ليس للابداع الفردي المميز مراكز وأطراف، فمكانه المخيلة البشرية الشاسعة سواء بين جبال عمان أو جبال الأطلس أو في القاهرة وبغداد وبيروت و….الخ.
مغتربات

تغيم حالة الوطن – المغترب أو المنفى في الثقافة العربية الماثلة وتلتبس في أوجه شتى لا تتضح في مرآتها فروق أساسية تذكر.

الثقافة المنتجة هناك "المغتربة" لا تقول هذه الفروق ولا تشي بها، رغم الاختلاف الجذري في المناخ السياسي الاجتماعي، الديمقراطي. وإن وشت ببعض الفروق فلا تتجاوز التفاصيل والاستثناءات. أي لا تمس العمق الثقافي والتعبيري ببنياته المتشعبة. متن الثقافة العربية في هذا المنحى واحد موحد فهو محشور في روايا مغترباته ومنافيه بين الهنا والهناك.

متن يظل على هامش مؤسسة المجتمعات العربية، غير مقلق كثيرا وغير خطير.

لا تتضح فروق أساسية خاصة في الفترة الأخيرة حيث فرض التقدم التكنولوجي على الرقابات العربية بعض التنازلات في نواحي التعبير وساحته بتجليات مختلفة.. منذ زمن بعيد كانت مؤسسات الثقافة العربية "المغتربة" ليست إلا امتدادا للداخل العربي وكذلك أنماط السلوك والتفكير إلا نادرا، كأنما قدر الثقافة العربية هو هذه الوحدة المأساوية التي لا تقول الاختلاف مهما شطت بها المسافة والفروق ! شعريا وفنيا يفرض المناخ الجغرافي الطبيعي بعض التبدل البديهي ربما في قاموس الشاعر ومفرداته.

الشاعر الذي يسكن مغترب الطقس البارد يكون تعبيره عن منفاه واغترابه عبر "لغة" مشتقة في الكثير منها من معطيات هذا الطقس ومفردات المكان. والعكس صحيح بالنسبة لقاطني التخوم الحارة والشديدة الحرارة.. كم أحن في أن أكون بينكم في هذه اللحظة يا ساكني مغترب المناخات الباردة والربيعية التي تتفتح الازهار فيها على كل منعطف وطريق.

أما هنا فالشموس متفتحة حد الانفجار في اليقظة والنوم.

وسيصلني حنينكم حين تدلهم سماء الشتاء العاصفة عندكم الى شموس ستكون عذبة على صفحة مياه دافئة.
مملكة مترامية الأنهار على شرفتي

الى أبى محمد محمود بن زاهر

أستيقظ هذا الصباح، لاكتشف على شرفة منزلي المطلة على أشجار باسقة، أخذت تذبل من فرط القائلة وتسقط أوراقها. لكن مازالت، للناظر من وراء الزجاج المفعم بلطافة الهواء للمكيفات التي تنتحب ليل نهار، تتراءى كغاية ندية. يمكنك تخيلها على مقربة من قصر العجائب البهيج في زنجبار، أو بجزيرة على خط بحر العندمان النائي.

استيقظ لأكتشف خلية نحل كهدية جادت بها سماء الصيف ملتصقة بزجاج الشرفة تشبه الرحى في حجمها لكنها مستطية قليلا. اجتاحني الذهول، كيف كبرت إلى هذا الحد ولم ألاحظ. لكأني غارق في غياب وزوغان، حتى لو ذئبة تناسلت على الشرفة في المرة القادمة فلن أعرف الا بعد فوات الأوان!

عمى مؤقت ربما أو الطقس…

الجواميس البرية تلتهم الملح في افريقيا. اسماك القرش توغل في الأعماق. الأصدقاء يضحكون من وراء الأجداث، والحروب تواصل سيرتها بنهم اكبر، وثمة رجل وحيد يرقب النحل يبني مملكته المترامية الأنهار والمتاهات على شرفة في الطابق الثالث من العمارة، في الحي الذي يقطنه خليط بشر وسلالات. ربما حلم النحل وهو يعبر جبالا صفراء بلون الورس أو دكناء قاحلة، إن هناك شرفة بعيدة عن الضجيج واللغط الذي يعكر صفو حياته القصيرة ويجعله دائم الهرب والبحث، بحيث يمكنه سماع موسيقى هادئة كل صباح والخلود إلى الأمان المستحق في الليالي الطويلة. طافت الهواجس واحتدمت وأنا انظر بين الفينة والأخرى بحذر يشبه التجسس، على الخلية الضاجة بالحركة والذهاب والإياب كمعسكر فرسان على أهبة المعركة.

الخلية أو "النكفة" كما نسميها في عمان، صارت نوعا من حدث فريد في حياتي أقمت معه وشائج خفية وتهاويم وأحلاما. في الماضي الذي أضحى بعيدا، كنا نرى خلايا النحل في السهوب والوديان معلقة في فراغ الأشجار، نحسبها لأول مرة قرب البدو المليئة بمياه الينابيع الجبلية.

استحضر عمارة، أحمد شوقي.

(مملكة مدبرة تحكم فيها قيصرة)

وتنهمر الأسطورة الواقعية لملكة النحل القوية برفعة لا تضاهى لدرجة ان ايا من المخلوقات ليس مؤهلا لمنافسة ذلك الجمال الخارق لممارسة القوة.

القوة التي تتسم غالبا بالقبح والبطش، ستتحول لدى ملكة النحل ومملكتها بجميع طبقاتها وقوانينها ولحمة نسيجها، إلى رهافة وجمال. حشد الذكور الذي ينطلق في موسم التلقيح وراء الملكة التي منحها الإلة القوة والنعمة، وذلك النزوع الانتحاري المحموم للذة والتضحية. الذكور في رحلتهم الملغزة هذه، يعرفون انهم آيلون إلى الهلاك والموت. ولا من أمل أو هدف ظاهر للعيان، عدا الرحلة في حد ذاتها. التجربة الكيانية المجردة هي التي تحرك عزيمتها في هذا السياق الأسطوري الشاق. وحتى حين يصل أحد الذكور بعد أن يتساقط البقية صرعى في الطريق، هذا الواصل بعد عناء ومكابدة وبعد أن عركته المحن والأزمات، لا يهنأ بوصوله وإنما يطفئ رغبة الملكة في الحب والتلقيح ويفوز بعسل لذتها الذي يسلمه إلى الموت الفوري. هذا الشبق الكاسر إلى اللذة والموت، التوحد والانفصال. اللذة العظيمة في عرف مملكة النحل مثل الانتصار العظيم والجمال العظيم توأم الموت.

حين يتراءى للظاهر قرين الحياة، فكأنما ذلك الموت الرمزي المماثل في الحكايات والكتابة يجد تطبيقه المتطرف في هذه المملكة المفعمة بأسرارها، الشديدة التنظيم والانضباط. اتصل بالصديق محمود بن زاهر لأخبره، فهو بالنسبة لي، ذلك المرجع الموسوعي بنبله وتواضعه العميق هذا الطراز من الخاصة المعرفية الذي أوشك على الافول في مجتمعات تفترسها المنفعة والسطحية. فحين أمارس لذة الكسل وما أكثرها في هذا المجال، عن الرجوع إلى أمهات الكتب والمراجع حول مسألة ما، اتصل أو اذهب إلى أستاذنا الجليل، لأجد ضالتي في أفقه الشاسع كفضاء عمان الملفع بكبريائه وصمته وعزلته. ولا اخالني مبتعدا عن السياق الذي أنا بصدده، حين استدعي الأستاذ محمود بن زاهر هو الذي يستحق منا اكثر من ذلك، فهو يشبه النحل في بعض صفاته البعيدة الغور، المشعة بلهب المعرفة والتجربة والحيوية الروحية والعطاء الذي لا ينتظر مردوده، العطاء اللامنفعي واللاغائي والذي يفوق حدود الطاقة البشرية المعاصرة. كقوله تعالى "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة".

فكأنما هذا المعلم الذي من غير مريدين ولا تلامذة، ينتمي إلى عصور ذهبية غاربة لتقاليد المعرفة وقيمها.

كانت الأمسية مع أبي محمد، حول النحل ومناخاته وطقوسه بعمان واليمن والعالم، ومن ثم انتقلنا الى فنون العمارة وأنماطها وجمالياتها في عهود شتى. العسل العماني لا يأخذ على عموميته، فحتى البري منه والحر، أي ليس المسجون في مناحل خاصة، يتسم بفروق دقيقة بين منطقة وأخرى وحتى بين شجرة وأخرى، فالفحل الذي يبنى عالمه على شجرة (السدر) ليس مذاقه كالذي على شجرة (السمر) مثلا. ويمكنك أن تجد مساكن النحل على سفوح وهضاب جبلي الأخضر والكور. وليس في الذرى والأعالي حيث تسرح الوعول الكبيرة والنسور طليقة في المياه العصية للمغيب. العسل يزدهر ويطيب عيشة في المناطق الحارة لذلك فأفضله في عمان بمناطقها المختلفة. وفي "دوعن" بحضرموت. أما عسل المناطق الباردة فله مذاق أخر بالطبع يميل إلى الخفة. هناك عسل "الغابة السوداء" التي خلدها الفلاسفة الألمان، فكانت قبلتهم التي تنفجر في جنباتها هواجسهم وأفكارهم التي غيرت مسار التاريخ.

هذا العمل الذي يفتخر به الألمان ربما يشبه في بعض طبائعه أولئك المفكرين العتاة في عزلتهم وتأملهم فهو طوال الشتاء لا يغادر مناحله حتى الربيع والصيف. هل حدق فيه ذات يوم "فريدرك نيتشه" وهو مفعم بنشوة القوى الخفية التي يحلم بها لإنسانه المستقبلي بعد أن قصم ظهر. الانحطاط والتقدم الكاذب؟

ربما تنتهي هذه الأسطر اليتيمة، لكن لا تنتهي الهواجس والتهريمات حول قرية النحل الرائعة التي قذفت بها الصدفة إلى ثمرفتي الموحشة، والتي تشعرني بالانسحاق أمام الفتها وروحها الجماعية الباهرة، أنا الإنسان الذي يحمل قدر الانتماء إلى مرتبة أعلى في سلم تطور الكائنات، أو هكذا يفترض. لذلك سأعمد قريبا جدا إلى أعرق عملية انتقامية يمارسها البشر ضد أنفسهم والغير: القتل والتدمير لمصلحة او بدونها فليس هناك اسهل من الذرائع والتبريرات التي وقفت وراء كل تلك الطوفانات من المذابح والتنكيل والابادات.

منذ فترة، اصطدم بسيارتي أمام مدخل فندق البستان، طائر "صفرد". كان يحلق منتشيا مع أنثاه، بملامح ربيع قادم، ربيع على أرض خياله الواسع اكثر مما هو على ارض البشر. لقد ترك على ما يبدو حذره وريبته الشديدتين جانبا من فرط اندفاعه شوقا وهياما. هذا الطائر الذي أحببته كثيرا والذي يتبدى شكله وكأنما قد من بيئة الجبال والسفوح العمانية ونحت من ألوانها وغموضها. بعد ارتطامه بالحديد سقط على العشب الأخضر من غير حراك. أخذته من غير حزن ولا ذكرى عاطفة، إلى المنزل وأكلته في كلبخة لم اعرف لها مثيلا في الطعم والمتعة.

بعد أيام تذكرت الحادثة وبقيت على شئ من الدم وألم الضمير، حتى وجدت ضالة عز ائي في

حكاية "سلفادور دالي" و "غالا" زوجته..

كان ثمة أرنب أحبه الاثنان وهما في سن الشيخوخة، وربياه خير تربية وتدليل. حتى جاء اليوم الذي أمرت فيه «غالا» بذبح الأرنب وطبخه..

أثناء المأدبة أخبرت "دالي" بواقعة ذبح الأرنب فتقيأ كل ما في امعائه أما "غالا" فكانت ترى أن المحبوب ستكون ذروة حبه والتوحد به، هي تلك الطريقة في افتراسه وذوبانه الكامل في أحشاء المحب وامتزاجه المطلق.

لقد أسست "غالا" من خلال ذبح الأرنب "نظرية" في الحب والجمال والوجد الممزق للعاشق. أما أنا فوجدت بعض عزاء من خلال هذه الحادثة والرؤية الجمالية التي تبعتها.
الى تلك المرأة

غيابك الذي يترك الموسيقى

هائمة على وجه الصحراء

تبعث عن انسجامها العميق.

غيابك الأكثر أزلية من البحار

حين عبرتها غيمة عينيك الوارفتين

غيابك الذي لا حضور له

إلا في السر

والجسد بانقلاباته المفاجئة

ضحكتك التي ترن بنبرة يمام بري

في الظهيرة.

صداعك والأرق الذي تصفينه

ببراكين صغيرة خامدة في الرأس.

متاعنا المشترك

في ليل العالم الدامي

غيابك الأكثر حضورا

من عاصفة
مطر

لا تتستري

لا تغطي جسدك الساطع

أتركي عريك

يمطر فوق أعضائنا

اتركيه يمطر

فوق قلوبنا العطشى.

 

سيف الرحبي

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …