كمال الصليبي، وجه ثقافـي.. وجه بيروتي

هوذا الدكتور كمال الصليبي الذي جعلني أنفض المريول، والثوب كله، وأظنه لأنه رحل عن المكان وعن بهجة الحياة ورونق العمل، لا يزال يكتب، ولا تزال الأوراق تحن إلى قلمه وإلى طاولته وإلى فكره الذي يشتغل طوال الخلق وعلى وقع النار التي هبت في العليقة، وعلى وقع الأيام التي كانت له وكان لها وكان مثمراً لأنه شجرة لأنه معرفة لأنه ذلك المقتدر وذلك الأكاديمي الممتلىء والدسم السمات.
ولا أزال أحفل بتلك الصداقة وتلك الرفقة الداخلية، وبأنه طالما كان ذلك الآتي نحوي وذلك الضيف في مكتبي في الحمراء، وأنا في جريدة «النهار» من القرن الماضي.
وكان دائماً من حملة الأفكار من حملة الرأي، إذ هو في ملعب أبحاثه عما يدعى الصواب والتصويب وأن يكون متقدماً بالحجة التي تتراكم وإذا هي توائم في توائم وإذا هو هادىء الجلوس، هادىء الكلمة، ويكاد من فرط استقامته أن يكون يوشوش ويرسل عرضه ومقولاته كما هو المطر الناعم وكما هو الحوار اللطيف. بلى وكل ذلك كأنه في إناء من البلور، وفي مبخرة من القداس قداسه الذي لم ينته منه وإنما أضاف إلى السلسلة، إلى الزوايا وإلى القارىء، أطيب العطر، وأرق النسمات من مزماره من دولابه الهوائي من ذاته المحكمة من صناعته الخاصة ومن خبزه الذي إن قسمته زاد فلقات وقطعاً ولقمة فوق لقمة.
وكان الصليبي يزدان بالتؤدة وكان في المجلس حيث هو وأنا ذا دراية وذا حضور في ما يجري هنا وفي الخارج حين يتصل به هذا اتصالاً قويماً وغارقاً في المياه الصافية والنقية إلى ركبتيه، إلى مشعله الذي بين يديه والذي يبقى مضيئاً ولو نزلت العتمة مثلما ينزل الغراب.
والصليبي لعله من الأجلّ من جراء الفهم ومن جراء النكهة في عرصات التاريخ وما يتبع من المدونات ومن الكتابات في شتى الأحداث وأسراب الوقائع.
وأذكر له أنه كان ذا حمية تكمن في الداخل، وذا بسطة من القول إلى مجمل الشك والعكوف على القضايا في بلادنا، وفي بلدنا لبنان وفي سائر ما هو مطروح  تاريخياً. إلى ما هنالك من الصفات التي تتطلب البصيرة الثاقبة وأن يبلغ المركب، وأن يصعد إليه وأن يمد الشراع في كل اتجاه.
والصليبي كان من المدركين لما هو الأوان الذي نحن فيه وتحت خيمته وتحت إلحاحه وإندفاعه وكان يطلع القمر من فضائه، ينير لنا الدروب الترابية وكأنها في سياقه، في مساره الذاهب إلى الأكمة، إلى النقطة، إلى القمر عينه، وإذن هي الصراط، وهي اللقيا، وهي المكافأة. إذ كان صبوراً، وذلك هو المفتاح. وفي التاريخ يتكىء الصبر على المتن وعلى الهامش، ولا ما يتيح الشرود، ولا ما يعطل الاقتناع ويعطل البيان عن الأحداث، وأن تكون جامدة لدى المؤرخ وأن تكون أيضاً في تحولاتها وفي مجاريها نحو الغاية نحو التجلي ونحو الجلاء عن الغامض ونحو التفسير حتى منتهى القصة وأن تتبدد الغصة والزحام الذي يغطي الدرع، يغطي العقل. فلا هروب من ذلك في أي وضع وأي إنتقال.
والصليبي على المدار يدور، وكان يبوح بما عنده نحو هذا أو ذاك من المؤلفين في التاريخ. وكان، إذ يتردد إلى غرفتي، كأنه يرغب في أن يكون الصدى أنيساً له، وأن تكون العذوبة وأن تكون صحة الرأي هما ما يتجلى وما يجعله أقرب إلى الناس، أقرب إلي. وكان على رأي أول ثم رأي آخر، ورأي يستند إلى محطات في ذهنه، في رحلته إلى المصير الآني والمسافر إلى ما بعد. وهو البروتستانتي والمؤمن والمدقق حراً وعلى غاربه حتى كأنه ارتدى الرداء الجميل، وإرتدى رداء النظرة الجديدة إلى التوراة. وكان الذي سار في هذا المجال، سير الكاشف عن الغموض، وعما هو يجول في رحاب معالمه من الأدلة، من التقدم في المضمار، مضمار بلوغ الهدف وأن يكون على بينة مما أمامه، مما هو دراسات كاملة ومتناقضة وحيث النقيض وضده، وحيث الضد يصارع الضد، ولا أحسن من ذلك عنده. ذلك أنه فضفاض في الدرس والتأمل، وفي الفطنة فطنة البحث والانغماس في بعض الطروحات والمقدمات والنصوص القديمة والحديثة.
وكان الذي يعجن كل هذا ويمتلك عصا القيادة ليكون الرغيف ويفنى الجوع. وأنني، من ذكريات معه، وكانت في أوائل العهد، ومطلع الاكتمال ومرحلة الابتكار ظهر أن الصداقة هي الجوهر، وأن القيم هي القيم، وانني تجاه الجميع، أراه يكبر في الممات مثلما كان في الحياة.
ولعل الصليبي، في مشواره السابق والأخير، نموذج الأكاديمي اللبناني، ونموذج في التحري عن وثائقنا وعن كوننا نلتهب لأننا في العطش الدائم. ولأننا لا ندري ما علينا أن ندري، ولأننا، وحرصاً على المقام، ذلك سبب في اللوعة وفي الحرقة. إذ الحتف حتفه كان باكراً، وإذ لا أحد ألا يرقى إلى اعتبار الصليبي يتزيا  بزي العالم، ونضيف أنه العالم الذي له لغته وهي جمعاء تشكل تعبيراً عن مراحل، عن حقبة من العلماء ذوي البصائر النادرة وذوي الكثافة في أي سطر له وأي مقطع له وأي تأليف له.
ولا غياب عنه ولا نحن ننسى كونه من العازفين على الوتر الراهن، على ربابة العصر، وعلى أننا نفقد به بعض جسدنا العلمي رويداً رويداً، واننا وكمال الصليبي الذي انقضى لم ينقض شأنه. ونحن نرحب بآثاره لتجلو لتمحو الداكن ليرتاح قلمه الذي يبقى عبيره في ربوعنا. ويعز علينا أنه لن يكون وجهاً بيروتياً يعيش الواقع ووجهاً لامعاً في وسطنا الثقافي. ويعز علينا أنه إشتغل في التاريخ وسكب عليه ماء النقاش وسبك المعلوم والمجهول وضرب ها هنا ضربته الشامخة نحو الصدق في المزاولة ونحو النمو من حبة وحبتين إلى قبة بل إلى قباب هي للتأمل وهي للناس وهي العلامة في أي حفل أي سباق.

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …