«لا يمكن الوثوق بالشعر» رؤية معاصرة للشعر الحديث

«لا يمكن الوثوق بالشعر» هو عنوان كتاب نقدي للشاعر والناقد السوري عهد فاضل يتناول من خلاله الشعر العربي الجديد.
يرصد فاضل في الكتاب الذي يتألف من 34 مقالة منفصلة عن بعضها البعض نشر قسم كبير منها في الصحافة اليومية وتحمل كل واحدة منها عنواناً خاصاً بها «حقيقة النقص، عودة الغنائية، أسئلة الشعر تواجه سكون العالم، التخييل، شعرية الفقدان، خلخلة النموذج السائد، الجغرافي واللغوي، الاستثمار السياسي للشعر، الحكاية توحّد عالم القصيدة، الانترنت والأدب، أزمة جيل السبعينات، رحلة الطائر المجازية، اليقين والقلق، هادي دانيال وجدار التفعيلة، اليومي والأسطوري، التعبير والشكل الفني، أجيال شعرية جديدة، قصائد للحب، قيمة التشتت، قلق الهوية، دمشق المفقودة، أصوات تخترق المكان، علاقة مع المكان، الصداقة والشعر، الشعر والمنفى، الأبيقوري الغريب، في هجاء هذا الكوكب، لا يمكن الوثوق بالشعر، الأنا بصفتها جزءا من التاريخ، البحث عن القصيدة، التوقيعات، المثال الشعري، جماليات الشعر اليمني الجديد، موازاة المختبر الشعري.» 
يناقش الكاتب شعر أكثر من خمسة وأربعين شاعراً عربياً معاصراً يحاول فيها البحث في الشاعرية الجديدة التي ظهرت في آفاق الشعر العربي الجديد وجذور ومنابع هذه الشاعرية موضحاً في مقدمة الكتاب الأسباب التي دفعته إلى أن يكتب كتاباً من هذا النوع:
«تنبع جوهرية الفكرة التي جاءت عنوانا للكتاب، لجهة إثارتها لمفهوم المعيار الشعري. فقد دأب النقاد والشعراء، على حد سواء على التعامل مع موضوع المعيار من منطلق الوثوقية في كثير من الأحيان. هذه الوثوقية جعلت من قضية المبادلات النقدية أمرا بالغ الصعوبة. وقيمة المبادلات النقدية إنها تسمح للمعيار الذي تعرض للتغييب، تحت مسميات شتى، أن يظهر ويترك أثرا في الحركة الأدبية. هكذا تفهم التغيرات الجوهرية التي تسم حركات التغيير الأدبي. وإلا كيف يمكن فهم قبول معيار الآن، بينما كان يتعرض للرفض والأبعاد في زمن ماض؟ الرفض، هناك، والقبول، هنا، هو المبادلة النقدية، وهي قيمة الاختبار الأدبي. «
ويبين مدى أهمية الاختلاف في طرائق كتابة الشعرية ويعطي الحق للشاعر في أن ينقلب على نفسه في كل كتاب شعري أو حتى في كل قصيدة له لأن كل قصيدة تتبرأ الشعرية من أدواتها ، وتخون مسمياتها في أحيان كثيرة  فمن المعروف أن الشعرية لا تؤمن بالقانون والحتميات وأن  صياغة استمرار الشعرية ضمن مفهوم  الإعادة والتكرار يفقد نكهة اللذة العصية والغامضة في الكتابة. «الشعر لا يتكرر، بل يتجدد، في آلية عصية غير قابلة للتوضيح إلا من خلال الأثر» ص 8
يتضح هذه بشكل واضح وقوي في الشعر العربي الجديد, نتلمس ذلك بشكل ملفت في قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة ففي النثر تجدد الشكل والمحتوى حسب ما يريد الشاعر وفي التفعيلة يتغير الشكل بين البحور والنثر ليمنح شكلا حيويا أكبر في إيصال المحتوى :
«في كل قصيدة، ربما في كل لقطة أو صورة. من خلال كل كتاب تتغير الشعرية، وتتوقف مؤقتا، ولوهلة، عند النص ثم لا تلبث أن تتسرب إلى النص الثاني، أو النص الآخر. هنا لا يمكن الوثوق بالشعر إلا كاحتمال مفتوح على نقض نفسه.» ص10
ويتحدث عن أهمية الزمن وفقدانه في الشعر حيث يحلل ذلك إلى عوامل: الذاكرة والفقدان والتضاد, ويعتبر الزمن النبراس الذي يعكس العلاقة بين المعرفة والتاريخ من ناحية وبين الشعر والاجتماع من ناحية أخرى مستنداً في تناوله على مقولة (الإحساس الهيغلي بالثنائيات ويسميه الوعي الشقي) وبالإضافة إلى آراء بعض النقاد كهارولد بلوم وإحسان عباس التي يؤكد من خلالها أنها أحد عناصر المهمة التي ترافق التطور في النص الشعري وهو ما تتميز به التجارب الشعرية القوية.
إنه يرصد من خلال هذا المفهوم التجارب الشعرية في التسعينيات حيث قسم كبير من تلك التجارب تفتقد هذه العنصر الهام ويتناول داخل هذا المفهوم كتاب للشاعر جوزيف عيساوي يحمل عنوان «شاي لوقاحة الشاعر» ويرى فاضل بأن الشاعر نجح في تحقيق هذه الملامح ضمن حقول قصائد.
«يعكس الاحساس الطاغي بالوقت والزمن، وهو الاحساس الذي عبر عنه «غوته» في «الحقيقة والشعر» بأنه من مميزات الشعر. ومن المعروف أن مفهوم الإحساس الكبير بالتاريخ يعني، في السياق الغربي، استلهام الجذر اليوناني، وتغير المفهوم ليصبح علاقة بين المعرفة والتاريخ.
في كتاب الشاعر جوزيف عيساوي يتجلى هذا الإحساس من ارتهان لجذره المفهومي، بل يظهر نفسه شعرياً، في سياق من التأرجح بين تمجيد العالم والسخط عليه. هذا التأرجح هو العلامة الدالة على طبيعة تلك العلاقة، «ص 31-32
يتناول الناقد مجموعة من القضايا التي تمس روح الشعر في القصيدة ويبين مدى أهمية كل عنصر منها في بناء القصيدة ويطلعنا على أسرار وخفايا ونقاط متشابكة بالاشتغال داخل حقل القصيدة من عدد من المجموعات الشعرية من مختلف البلدان الناطقة بالعربية ومن هؤلاء الشعراء: أدونيس, عبد المنعم رمضان، سامر أبو هواش، محمد المزروعي، فوزي يمين، ناظم السيد، هادي دانيال وأحمد الواصل.
بالإضافة إلى أسماء أخرى يتناول كل منها على حدة بمنظوره النقدي الخاص.
يقع الكتاب ضمن سلسلة من الكتب النقدية الجديدة التي تحاول التأسيس لشعر عربي جديد وحديث في الوقت نفسه دون الانسياق تماماً خلف الفهم الغربي ولكن مع الاحتفاظ بمسافة كافية عن الشعر العربي الكلاسيكي ونقده الانطباعي.
الكتاب من إصدارات وزارة الثقافة والسياحة في اليمن ويقع في 318 صفحة من القطع الوسط.
 
دلـــدار فـــلمز
كاتب من سورية

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …