أخبار عاجلة

ليس هناك ما يبهج

نحن هنا في مواجهة حكايات محكية بمهارة الحكاء الذي يعرف كيف يشوق مستمعيه وكيف يسترسل بدون ترهل . حكايات تخلق أو بالأدق تعيد خلق العوالم المهمشة والمقهورة والمبعدة في مملكة الصمت والنفط قبل أن ترصد تأثير ذلك الأخر على المكان وعناصره وقيمه وتقاليده . وتطرح اسئلة جديدة في بحث عميق حول عناصر الضعف الإنساني دون تعاطف رومانسي (رغم الحس التشيكوفي أحيانا) ودون تكوين مواقف عدائية في نفس الوقت . وإنما هناك رصد محايد ودقيق للحالة الانسانية في تناقضاتها. . قوتها وضعفها ومحاسنها وشرورها.. باختصار في مواضعها المتعددة .

  ففي قصة "رشيد الحيدري " التي تبدأ بها المجموعة والتي هى في تقديري أجمل قصص المجموعة وأكثرها طرافة تمثيل كامل لهذا الرصد في قصة يتكثف بها الاحساس الإنسانيوتسير كما كافة قصص المجموعة بموازاة عالم رمزي آخر تفك شفراته بنية القصة الواقعية الممتلئة بعناصر الحياة اليومية والأحداث الواقعية بكافة تفاصيلها الدقيقة التى تجري عيوننا على سطورها ومن ثم نعايشها.

والقصة التي تبدأ باختفاء "رشيد الحيدري " وتحوله إلى أسطورة يتنفسها أهل الحي وتعيش في خيالهم – استلهاما من الواقعية الأسطرية أو السحرية التي تفرض نفسها بقوة على الكتابة العربية الآن – وتنتهى بالواقعة التي سببت هذا الاختفاء الموازى لحضور اسطوري تنتقل دون ترتيب لبيان تفاصيل حكايته . . هذا الاعمى الذي " اشتهر منذ طفولته المبكرة بالشغب .. ذلك الشغب الذي أودى بفقدانه بصره . وقد روت أخته عائشة الحيدري هذه الرواية : لم يسلم أحد من أذى رشيد فقد كان صبيا معجونا بماء الأبالسة كما وضعته أمى والتى روت مولدتها أن وليدها سيكون نقمة ما لم تحجبه خلال الأربعين يوما من عمره وأكد على مقولتها تلك بأن الوليد يحمل شارة في جبينه لا تأتي إلا مع الصبية الذين يمسسهم الشيطان أثناء ولادتهم ".

– أما قصة فقدانه البصر فتبدأ بعد أن " انفرد أبواى بنفسيهما في غرفة منعزلة من الدار ولم يكن يدر بخلدهما أن عين رشيد تتربص بهما من خلال النافذة المفتوحة، وعندما أناخ أبي بلذته سريعا سمع صوت ابنه يصيح به من خارج الغرفة .

– أفا على الرجال .. ظننتك فحلا فإذا بقذفك أسرع من حنميش .

وقد كلفته تلك الجملة بصره حيث خرج أبي غاضبا ومقسما أن يطفىء له ضوء عينيه ولم تفلح توسلات امي عن ثنيه عن تنفيذ قسمه فسحق عدة قرون من الفلفل الأخضر وذراها بعينى رشيد ليعيش ما تبقى له محروما من البصر.

ولكنه ورغم فقدان بصره ولأنه معجون بماء الاباليس – وفي ظني أنه معجون أيضا بطاقة مدهشة لحب الحياة – لا يستسلم ولا يتوقف عن شغفه "فلازالت الحارة تذكر له تلك الحادثة التي جعلت المصلين يتضاحكون متناسين حرمة المكان الذي هم فيه ، ففي احدى الجمع تأخر الخطيب وكان المصلون  يتهامسون بذلك ولم يشعر الناس إلا ورشيد يتلمس طريقه صوب المنبر وقد ألجمتهم المفاجأة ولم يشعروا الا وهو يقف فيهم خطيبا. كانت خطبته مزيجا من النكات والمواعظ السيارة على أفواه العامة . ولم يعرف كيف ينهى خطبته فاستطالت حتى دخل عليهم وقت صلاة العصر ولم ينتبه لفوات الوقت إلا اليوسفى الذي كان يتحرك في مكانه متمهلا ثم تهامس مع جيرانه في الصف فتحركوا وانزلوه وهو لازال يخطب مما حمل المصلين على الضحك بصوت مرتفع .. واصبحت تاريخا من تواريخ أهل الحي حيث يقولون مات فلان قبل خطبة رشيد بأيام أو ولد فلان بعد خطبة رشيدكا.

ولكن هذا الشخص الذي يفقد بصره بشكل شديد العبثية يظل دائما محافظا على بصيرته التي تجعله يصرخ بعد هزيمة – إسرائيل ستتنفس هواءنا يا أولاد الكلب .

"فتركوه يهذى وهم يلعنونه في كل كتاب – أهل القرية – وعادوا إلى مخادعهم بينما ظل يجوب الأزقة صائحا بصوت محرو ق – لن تقوم لنا قائمة بعد اليوم .

وصرخة رشيد هذه هى علامة فارقة في حياته فقد تغيرت أحواله بعدها .

– وليس وحده . . فهذا تقريبا ما حدث لجيل كامل عاصر المد القومي ثم الهزيمة التي مازالت تشرق هذا الجيل حتى اللحظة

– وانقلب تماما ولم يعد يستمع إلى الاخبار البتة وانما أصبح مولعا بسماع الاغاني النسائية . فيبدأ بالاهتمام بنفسه وتشذيب لحيته وشاربه والتأنق والتعطر والاستماع الى "ليلى نظمي " كما المجنون .. لدرجة تدفق مائه كلما سمع صوتها في المذياع وحتى أصبح أطفال القرية يركضون خلفه وهم يصيحون :" إدلع يا رشيد على وش الميه". وبدأ يبدى اهتماما بصديقات اخته ونساء الحى اللواتي كان يصفهن لمن حوله كأنه يراهن وصفا شديد الدقة ويميز كل واحدة منهن بالعطر الذى اقترحه عليها لأنهن كن يحببن سماع غزله في محاسنهن .

إلا أنه شغف تماما بميمونة رغم شراسة زوجها وضربه له عدة مرات بسبب تحرشه بها. ولما أصابها التعب من شر ملاحقته لها دبرت له مكيدة فدعته الى بيتها وطلبت منه أن يريها فحولته قبل أن تصحبه إلى باب خلفى يقود إلى الطريق العام ليجد نفسه يقف عاريا تماما امام زوجها وأهل الحارة فيركض  مصحوبا باللعنات والضحكات ونخس العصى ثم الاختفاء التام .

ويتحول إلى أسطورة اخرى من اساطيرنا نتغنى بها ونبكي عليها في دلالة قوية على ازدواجية المجتمع العربي الذي تعمى بصيرته عن نبوءة رشيد: ،" لن تقوم لنا قائمة بعد اليوم ". .

منشغلين بمواجهة مشاكل الحياة اليومية واطعام الافواه المفتوحة.

هذا الصراع الذي يجسده عبده خال في قصة "أناشيد الرجل المطارد" . الصراع بين تلبية الاحتياجات الاساسية..

الطعام والغذاء وبين القيم لدى الفقراء الذين لا يجدون ما يأكلونه لا هم ولا أطفالهم تحت سمع وبصر الحكومات والسلطة والاثرياء الذي لا يتورعون عن قطع يد السارق ولا يأبهون بصراخ الأطفال الجياع . على طريقة العدل العربي ! .

فالرجل الذي يسرق لإطعام ابنه الصغير وزوجته بعد أن تقفل في وجهه أبواب الرزق . . تقطع يده . . ويدرك الطفل باحساسه أن هناك علاقة وثيقة بينه وبين اليد المقطوعة للأب الباكي فيركض ويقبلها في لهفة رغم صراخ الام وعويلها وهى تشدد عليه بألا يقبل يدا مارست السرقة . وعندما يسجن الأب بعد تعدد سرقاته لأنه لم يجد بديلا وبعد ان تتعب الأم من شدة الارهاق وهى تكد من أجل اطعام الولد تطلب منه أن يعمل ليواجه المأساة بنفسه هذه المرة وهو يطلب ابواب الرزق المسدودة فلا يجد أمامه إلا حظائر الدواجن لسرقتها. . ويكرر التاريخ نفسه .. عندما يقبض عليه الشرطي وهو يوجه اليه التهمة التي توجه فقط للصغار والفقراء والمحتاجين : يا لص !

ويقدم "عبده خال" في قصة  "برحة عنبرى" نموذجا مأساويا لقيم النفط المدمرة من خلال شخصية "العنبرى" الذي راح يركض لاهثا وراء وهم النفط الذي اكتشف أن أرضه رشحت به فيحاول اقناع أهل القرية بمساعدته في اعمال الحفر طويلا وهو يبشرهم بالنعيم الذي سيغرقون فيه . وتبدأ أعمال الحفر بالفعل بحثا عن النفط وكلما مل العمال اندفع خلفهم ممنيا اياهم بالنعيم ومؤكدا أن النفط يوجد في الاعماق فقط فيما سادت المنطقة رائحة نتنة انتشرت في ارجائها. وانتهى الامر فجاة بموت العنبرى ملطخا بآثار الزيت مختنقا بعد أن ظل يستنشق رائحة الزيت فرحا طول الليل . ليعيش اهل القرية بعدها فترة وهم يشمون الرائحة النتنة التي تملأ فضاء المكان قبل أن يفاجئهم السائل اللزج الكثيف خارجا من جوف الارض يشققها ويندفع يطمر كل ما أمامه في قوة مخلفا الموت والدمار والخراب والاندثار.

ويضعنا الكاتب في مواجهة اجابة تحمل بين طياتها اسئلة كثيرة.. هذه الاجابة التي تحمل عنوان المجموعة والقصة الاخيرة فيها واطول القصص على الاطلاق في هذه المجموعة . .

"ليس هناك ما يبهج " فهذا النص يطرح اسئلة عن مدى جدوى الثروة في تحقيق الامان للانسان ؟ ومدى تأثيرها على النفوس .

ما الذي يخلق الجشع والطمع ؟ وما الذي يخلق تعاسة الإنسان ؟ ثم ما الذي يسلبه القدرة على البهجة ؟

إن الابن الذي ينسلخ من جلده بزواجه بسيدة ثرية يعجز عن دفن جثة ابيه خوفا وحفاظا على مشاعر هذه الزوجة صاحبة العز والجاه وهو لا يدري أن رائحة جثة ابيه ما تزال عالقة به من كثرة ما حملها بينما يبقى عاجزا لسلبيته وبسبب ضعفه أمام امرأته وأمام حلم الثروة فلا هو يحقق الصفقة التي منعته عن سفن جثة ابيه ولا هو يستطيع لرضاء زوجته المتعجرفة وهو لا يعمل وبالتالي لا يستطيع التخلص من سيطرتها عليه ثم انه أخيرا.. يعجز عن سفن جثة أبيه فيما رائحة العفونة تصل إلى كل مكان يصل اليه بينما تنازعه نفسه بالقاء حمولته والهرب !.

تبقى الاشارة إلى أن الواقعية التي تسيطر على أجواء هذه المجموعة ليست واقعية كلاسيكية كما قد يبدو من سياق هذا العرض . بالعكس .. فالتسلسل الزمني في اغلب قصص المجموعة لا يسيل منتظما بل انه يتفتق – أحيانا الى درجة اثارة شبهة القصدية والتعمد ضد تلقائية القصة كما في (البشارة" مثلا – وأحيانا ينقطع انسيال الحكى بتغيير الضمير من ضمير الغائب إلى ضمير المتكم بشكل مباشر كما في "رشيد الحيدري " او غير مباشر كما في قصة "ليس هناك ما يبهج " . . ولكن في النهاية تظل لغة الحكى منسالة في حدة واحدة خلال قصص المجموعة كلها لتشير إلى مهارة الحكاء الذى استطاع أن يستلهم من بيئة تبدو شديدة الجفاف عالما فنيا قصصيا شديد الخصوبة .
 
المؤلف : عبده خال(قاص سعودي)  
الناشر: مركز الحضارة العربية للنشر 
عرض: ابراهيم فرغلي

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …