أخبار عاجلة

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان رجل محترم يدعى دوتيلول، وقد أوتي ذلك الرجل موهبة فريدة تتمثل في المرور عبر الجدران بكل سهولة ويسر. كان ذا نظارة أنفية بلا ذراعين، ولحية صغيرة مدببة، سوداء. كان يعمل موظفا في الدرجة الثالثة في وزارة الإحصاء. في الشتاء يذهب إلى عمله في الأتوبيس وفي الصيف يقطع المسافة سيراً على قدميه معتمراً قبعته المستديرة السوداء. 
  وبعد أن بلغ عامه الثالث والأربعين بقليل اكتشف دوتيلول قدراته. فذات مساء فاجأه انقطاع الكهرباء وهو واقف على عتبة شقته الصغيرة ذات الغرفة الوحيدة، فراح يتحسس سبيله في الظلام للحظات، وعندما عادت الكهرباء وجد نفسه خارج الشقة أمام بسطة سلم الطابق الثالث. ولأن باب شقته كان مغلقا من الداخل بالمفتاح فقد دفعه ذلك للتفكير، وبالرغم من أن عقله كان يعارض تلك الفكرة، فقد قرر أن يعود إلى شقته بنفس الطريقة التى خرج منها، ألا وهي باختراق الجدار.  
 لم تكن قدراته الغريبة تلك لتحقق له أي أمل أو تطلعات، ولم يستطع منع نفسه من الضيق ذرعاً بهذا الأمر. كان اليوم التالي هو يوم سبت ولأنه يعمل بنظام الأسبوع الإنجليزي أى خمسة أيام، فقد ذهب لعيادة أحد أطباء الحي وعرض عليه حالته. اقتنع الطبيب بأن دوتيلول يقول الحق، وبعد الفحص، اكتشف أن سبب المشكلة هو تصلب حلزوني في الغشاء الداخلي للغدة الدرقية . 
شخص الطبيب حالته بأنها إرهاق حاد في العمل، وأوصى بتناول قرصين سنوياً من نترات مسحوق البيريت رباعية التكافؤ المحتوية على خليط من الأرز المطحون وهرمونات القنطورس. 
تناول دوتيلول القرص الأول ثم وضع الدواء في أحد الأدراج ونسي أمره تماماً . أما عن الإرهاق الحاد في العمل فقد كانت طبيعة عمله كموظف عمومي تحكمها العادة ولم تكن تستلزم أي إفراط في الجهد، وكان يقضي وقت فراغه في قراءة الجريدة أو في جمع الطوابع، ولم يكن ذلك أيضا يستلزم منه أي إهدار غير مبرر للطاقة. 
وبعد مرور عام ظل يحتفظ بقدرته على المرور عبر الجدران سليمة، لكنه لم يستخدمها أبداً عن قصد، فلم يكن يحفل كثيرا بالمغامرات، وكان عنيدا لا يستسلم لشطحات الخيال. كذلك لم تخطر على ذهنه أبداً فكرة دخول شقته مستخدماً أية طريقة أخرى سوى الباب، وذلك بعد فتحه حسب الأصول بالمفتاح. 
  لربما كان بوسعه أن يعيش عمره كله بنفس عاداته المسالمة وألا تغويه أبدا فكرة اختبار مواهبه، حتى وقع له فجأة حدث غير عادي قلب حياته رأساً على عقب.
فالسيد مورون، نائب المدير، رحل عن المكتب بعد نقله لمنصب آخر، وحل محله السيد لوكويير ذو الحديث المقتضب، والشارب الشبيه بفرشاة الأسنان. ومن أول يوم تضايق نائب المدير من السيد دوتيلول لأنه يضع نظارة أنفية بلا ذراعين، معلقة في سلسلة، ولأنه ذو سكسوكة سوداء، ودأب على معاملته وكأنه شىء قديم مزعج وحقير بعض الشىء. لكن أخطر ما في الموضوع أنه عزم على القيام ببعض الإصلاحات العظيمة الشأن في إدارته صنعها خصيصا لتنغيص حياة مرؤوسه السيد دوتيلول. فمنذ عشرين عاما، والسيد دوتيلول يبدأ خطاباته بالصيغة التالية: «إيماءً إلى خطابكم المبجل الوارد إلينا بتاريخ كذا من الشهر الحالى، وتعقيبا على ردكم على مراسلاتنا السابقة، فيشرفنى أن أحيط سيادتكم علماً بـ…» وهى صيغة استبدلها السيد لوكويير بجملة ذات وقع أكثر أمريكية: « ردا على خطابكم بتاريخ كذا نحيطكم علماً بـ…»
لم يستطع دوتيلول التكيف أبداً مع تلك الطريقة في المراسلات البريدية، وعاد رغما عنه، في عناد آلى، لطريقته التقليدية مما جعله يكسب عداوة متزايدة من السيد نائب المدير. 
صار الجو العام في وزارة الإحصاء يبدو لدوتيلول خانقاً. في الصباح، يذهب إلى عمله وهو يتوجس شرا. في المساء، وبينما هو في سريره، يظل في أغلب الأحيان مستيقظاً، يقلب الأمور في رأسه لخمس عشرة دقيقة كاملة، قبل أن يروح في النوم. 
كان السيد لوكويير مشمئزاً من التقاعس المقصود الذى راح يهدد نجاح إصلاحاته، ولهذا نقل مكتب دوتيلول إلى غرفة صغيرة معتمة تقريبا مجاورة لمكتبه. كان الدخول فيها يقتضي الولوج من باب ضيق واطئ يطل على الردهة، ومازال يحمل بحروف كبيرة لافتة باسم «نفايات». تجرع دوتيلول تلك الإهانة غير المسبوقة صاغراً مستسلماً . لكنه في بيته، كان كلما قرأ عن حادث دموى تذكره الجريدة في صفحة الحوادث، يجد نفسه رغماً عنه سادراً في أحلام يقظته ومتخيلا أن السيد لوكويير هو الضحية.
وذات يوم، اقتحم نائب المدير الغرفة الصغيرة، وهو يلوح مهدداً بأحد الخطابات وأخذ يجأر في صوت عال: 
«أعد لى كتابة هذا الخطاب النتن مرة أخرى. عليك أن تعيد كتابة هذه القطعة من الهراء التى تجلب العار لإدارتي». 
حاول دوتيلول أن يعترض، ولكن السيد لوكويير صاح به بصوت يشبه هزيم الرعد أنه صرصار روتين. وقبل أن يرحل، كوم الخطاب في يده وألقى به في وجه دوتيلول. صحيح أن دوتيلول كان متواضعا ولكنه لم يكن بلا كرامة. جلس وحيدا في غرفته الضيقة وهو يغلى من الغيظ، وفجأة هبط عليه الإلهام، فقام تاركاً مقعده ودخل في الجدار الذى يفصل مكتبه عن مكتب نائب المدير. كان حريصاً على ألا يظهر سوى رأسه فقط من الناحية الأخرى للجدار. أما السيد لوكويير فكان جالساً على مكتبه، ممسكاً بقلمه النزق، منهمكاً في دق بعض الفواصل لمذكرة قدمها له أحد موظفيه لاعتمادها، وعندما سمع صوت سعال في مكتبه، رفع الرجل رأسه، واكتشف -وهو في حالة من الذهول يستحيل وصفها- رأس دوتيلول، ملتصقاً بالحائط وكأنه أحد تذكارات الصيد. كان ذلك الرأس حياً، ويسدد نحوه، عبر زجاج النظارة ذات السلسلة، نظرة كراهية عمياء. والأدهى من ذلك، أن الرأس بدأ في الحديث قائلا:
«سيدى! أنت سافل، ووضيع، وعديم التربية.»
كان السيد لوكويير يحدق فاغراً فمه من الرعب، ولم يكن باستطاعته أن يحيد ببصره عن هذا الشبح. وفي نهاية الأمر، اقتلع نفسه اقتلاعاً من كرسيه، ووثب إلى الممر وراح يعدو نحو حجرة دوتيلول الوضيعة. كان دوتيلول جالساً في مكانه المعتاد، ممسكاً بقلمه في يده في هدوء واستكانة موظف مكافح.
نظر نائب المدير نحوه وراح يتفرسه ملياً، وأخيراً همهم بكلمات مبهمة، ثم عاد إلى مكتبه. لكنه لم يكد يستقر على مقعده حتى عاود الرأس الظهور على الحائط قائلا:
«سيدى! أنت سافل، ووضيع، وعديم التربية».
وعلى مدار يوم واحد فقط، ظهر الرأس المشبوه على الحائط لثلاث وعشرين مرة، وفي الأيام التالية عاود الظهور بنفس الوتيرة. ولأن دوتيلول صار يجيد تلك اللعبة، فلم يعد يكتفي بتوجيه السباب لنائب المدير، بل راح يكيل له تهديدات غامضة، فمثلا يصيح به بصوت يشبه عواءً يخرج من أعماق القبور، تتخلله ضحكات شيطانية بحق: 
«احذروه، إنه الرجل الذئب، فاحذروه!
هاهاها…  المستئذب كثيف الشعر يجوس في الطرقات فاحذروه. لن يرحم أحدا، ستقتلع صرخاته قلوبكم يامعشر البوم، فاحذروه. هاهاها…»
وكلما سمع السيد نائب المدير المسكين ذلك، ازداد وجهه شحوباً وصدرت عنه حشرجة مختنقة. ووقف شعر رأسه، وكان الرعب يجعل عرقاً بارداً يسيل على ظهره. لقد نقص وزنه رطلا في اليوم الأول فقط، وبعد أن انقضى الأسبوع الأول أخذ الرجل يذوي حتى صار حطاماً، لقد راح يشرب الحساء بالشوكة ويلقي التحية العسكرية على رجال الشرطة. ومع بداية الأسبوع الثاني، جاءت عربة إسعاف إلى مسكنه ورحلت به نحو المصحة. 
الآن صار بوسع السيد دوتيلول، بعد أن تحرر من عبودية السيد لوكويير، أن يعود إلى صيغة مراسلاته الأثيرة «إيماءً إلى خطابكم المبجل الوارد إلينا بتاريخ كذا من الشهر الحالى…» ومع ذلك لم يكن راضياً. كانت تعتمل في داخله رغبة جديدة، ملحة، ومستبدة، في اختراق الجدران.
كان يمكنه بسهولة أن يطلق العنان لتلك الرغبة في بيته مثلا .والحق أنه لم يفوت الفرصة. لكن رجلا مثله يمتلك تلك الموهبة الفريدة لم يكن من السهل عليه الاكتفاء بممارستها على مستوى متواضع. فالنفاذ عبر الجدران ليس هو الغاية في حد ذاته. بل مجرد خطوة أولى على طريق المغامرة. خطوة تتبعها خطوة أخرى، ثم تحسن في الأحوال، باختصار، مكسب مادى. لقد وعى دوتيلول ذلك تماما. وأحس في داخله بحاجة ماسة لتوسيع نشاطه، ورغبة متزايدة في تحقيق ذاته وتحديها في آن واحد.
كان يتجاذبه شعور لذيذ مؤلم وكأنه نداءِ من خلف الجدار. لسوء الطالع، كان يفتقر إلى هدف، فراح يقرأ الجريدة بحثاً عن شيء يلهمه. اهتم بوجه خاصَّ بأقسامِ السياسةَ والرياضةَ، فقد بدت له نشاطاتَ شريفةَ، لكنه أدركَ في نهاية المطاف أنّها لاتقدم أية فرص حقيقية لمن يمكنهم اختراق الجدران، بيد أنه عندما استقر على أخبار الحوادث، وجد أنها أكثر إيحائيةِ.
حدثت سرقة دوتيلول الأولى في مؤسسةِ ماليةِ هامة على الشاطئ الأيمنِ. لقد اجتاز اثني عشر حائطاً وجداراً ووصل إلى خزائن مُخْتَلِفةِ، حيث مَلأَ جيوبَه بالأوراق النقديةِ، وقبل رحيله، لم ينس أن يوقّعَ على عملَه بالطباشير الأحمر، مستخدما اسمَ الشهرة « الرجل الذئب»، بخط آية في الجمال والروعة مما جَعلَه يظهر في الصفحة الأولى لكُلّ الصُحُف صبيحة اليوم التالي. وبعد أسبوع واحد، اكتسب اسم الرجل الذئب شهرة استثنائية. نال هذا اللِص الرفيع المستوى الذي استهزأ بالشرطةَ بكل معانى الكلمةً تعاطف الرأى العام.
وراح يعلن عن نفسه كلَّ لَيلة ببَعْض المآثرِ الجديدةِ؛ فأحياناً كان يستهدف مصرفاًً، وفي أحيان أخرى محل مجوهراتِ أو منزل أحد الأغنياء. لم تكن هناك امرأة واحدة في باريس أو في المقاطعات الريفية، إلا وتراودها في أحلامِ يقظتها، رغبة حارقة في أن تهب نفسها جسماً وروحاً لذلك الرجل الذئب المثير للرعب. بعد سرقةِ ماسِ محلات «بورديجالا» الشهيرة واقتحام بنك التسليف الوطني في نفس الأسبوعِ، بلغ حماس الجماهير درجة محمومة أجبرت وزير الداخلية على الاستقالة، مسقطاً معه وزير الإحصاء . مع هذا، ورغم أن دوتيلول صار الآن واحداً من أغنى أغنياء باريس، فقد ظل حريصاًَ جداً ودقيقاً في عمله الوظيفي؛ حتى أنه كان هناك كلامُ عن منحه وسامِ الاستحقاق الأكاديمي. كل صباح، في وزارةِ الإحصاء، كانت متعته أن يستمع لزملائه في العمل وهم يناقشون مغامراته في الليلة الفائتة. كانوا يقولون «هذا الرجل الذئب رجل عظيم، سوبر مان حقيقي، عبقري». فيحمر وجه دوتيلول خجلاً وهو يسمع مثل هذا المديح، وكانت نظراته تتألق بالشكر والامتنان من خلف نظارته المعلقة في السلسلة. 
وذات يوم، زاد هذا الجو المتعاطفِ من ثقتِه إلى حد كبير، حتىَ ظن أنه لن يستطيع كِتمان سِرِّه أطول من ذلك. فبينما التف زملاؤه سوياً حول صحيفة ليقرأوا عن سرقةِ بنك فرنسا، راح ينظر نحوهم باستحياء، ثمّ أعلنَ بصوتٍ خفيض، «الحقيقة أنني، أَنا الرجل الذئب.» قوبل اعتراف دوتيلول بضحكات طويلة مدوية، وصارت كنيته على سبيل السخرية «الرجل الذئب». ولما حل المساء، موعد انتهاء العملِ في الوزارة، كان قد صار هدفاً لنكات لا تعد ولا تحصى مِنْ زملائِه، وبدت له الحياة أقل بهجة من ذى قبل.
  بعد ذلك بأيام قلائل، تم القبض على الرجل الذئب على يد دورية ليلية في محل مجوهراتِ يقع في شارع السلام. كان قد أثبت توقيعَه على عدادِ المبيعات وراح يَغنّي بصوت مخمور وهو يُحطّمُ نوافذَ العرضِ المُخْتَلِفةِ مستعينا بقدح أثري ذهبي صلب. كان باستطاعته بكل سهولة أن يغرس نفسه في جدار وأن يَهْرب من الدوريةِ الليليةِ، لكن الأمر برمته يحملنا على الاعتقاد بأنه أراد أن يقبض عليه، ربما يرجع السبب الوحيد في ذلك، لرغبته في أن يغيظ زملاءِه؛ الذين كان عدم تصديقهم له قد جرح مشاعره بقسوة. 
وفي الواقع لقد فوجئ الزملاء في اليوم التالى بنشر الجريدة في صفحتها الأولى صورة دوتيلول. لقد ندموا أشد الندم لأنهم قللوا من شأن رفيقهم الرائع، وفي تعبير عن مشاعر الاحترام فقد حيوه جميعا بإطلاق سكسوكات صغيرة. استبد بالبعض الآخر الندم أو الإعجاب فحاولوا تقليده، وامتدت أيديهم إلى محافظ أو ساعات اليد المتوارثة لأصحابهم ومعارفهم. 
 يمكن للبعض أن يعتقد أن مسألة ترك نفسه ليقبض البوليس عليه من أجل إثارة دهشة بعض الزملاء هى دليل على طيش وتهور كبير لا يصدر عن رجل فذ مثله، لكن بالرغم من أن هذا الفعلِ يَبْدو غبياً بعض الشىء فإن إرادته لم يكن لها دور يذكر ساعة اتخاذه القرار. لقد اعتقد دوتيلول أنه بالتخلى عن حريتِه، سيستسلم لرغبة مغرورة في الانتقام منهم. بينما كان في الواقع، ينحدر بكل بساطة ليواجه مصيره المحتوم. عندما يكون الرجل قادراً على اختراق الجدران، فلا يمكن القول أنه ذو حرفة حقيقية إلا لو جرب السجن مرّة واحدة على الأقل.
عندما دخل دوتيلول سجنِ «لاسانتيه»، شَعرَ كما لو أن يد القدر تدللـه . كان سُمك الجدران وليمة حقيقية لَهُ. في الصباح الأول من سجنه، اكتشف الحرّاس المذهولين أن السجين قد دق مسماراً في جدار زنزانته وعلق عليه ساعة جيبِ ذهبيةِ تَعُودُ إلى مدير السجنَ. ولم يستطع أَو لم يشأ تفسير كيف صار هذا الشيء في حوزته. أُعيدتْ الساعة إلى مالكها الحقيقي، لكنها وجدت في اليوم التالي على وسادة الرجل الذئب، مع المجلدِ الأولِ مِنْ رواية الفرسانِ الثلاثة الذي استعاره مِنْ مكتبةِ مدير السجن الخاصّةَ. كان موظفو السجنَ بين شقى الرحى.علاوة على ذلك، اشتكى الحرّاسُ من تعرض مؤخراتهم لرفسات قدم غامضة كانت تسدد إليهم من أماكن مجهولة؛ بَدا أنّ الحيطانَ لَمْ تعد لَها آذانُ فقط، بل صار للحيطان أقدامَ أيضاً. كَانَ الرجل الذئب قد قضى في السجنِ أسبوعِاً واحداً عندما وَجدَ مدير السجن الرسالةَ التاليةَ على منضدته عند دُخُوله مكتبِه في الصباحِ:
عزيزى السيد مدير السجن/
إيماءً إلى خطابكم المبجل الوارد إلينا بتاريخ السابع عشر من الشهر الحالى وتعقيباً على تعليماتكم السابقة بتاريخ الخامس عشر من السنة الماضية، فيشرفنى أن أحيط سيادتكم علماً بأننى قد أكملتُ لتوي قراءة المجلدِ الثانيِ مِنْ الفرسانِ الثلاثة وبأنّني أَنوي الهُروب اللّيلة بين الساعة الحادية عشرة وخمس وعشرين دقيقة والحادية عشرة وخمس وثلاثين دقيقة .ً
وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الاحترام
         الرجل الذئب.
وعلى الرغم مِنْ خضوعه تلك الليلِة لمراقبةِ شديدة، َهْرب دوتيلول في الساعة الحادية عشرة وثلاثين دقيقة. 
عندما وصلت الأخبار الشوارعَ صباحِ اليوم التاليِ، استقبلها الناس في كل مكان بعاصفة من الحماسِ. مع هذا، وبعدما قام دوتيلول بسرقة جديدة رَفعتْ شعبيتَه إلى عنان السماء، بدا غير مبال بالاختفاء، وراح يتَجوّل بحرية في أنحاء مونمارتر دون أية احتياطات. وبعد هروبِه بثلاثة أيامِ، تم اعتقاله في شارع «كولينكور» في مقهى «دى ريف» قبيل الظهرِ، وهو يَستمتعُ كؤوس النبيذِ الأبيضِ والليمونِ مع بعض الأصدقاءِ. 
أعيد دوتيلول إلى سجنِ لا سانتيه وحبس في زنزانة انفرادية قذرة ذات ثلاثة أقفال؛ هَربَ منها مساء ذلك اليوم وقضى ليلته في شُقَّةِ مدير السجن، وتحديداً في غرفةِ الضيوف. في صباح اليوم التالى، حوالي السّاعة التّاسعة، دَقَّ الجرس للخادمة حتى تعد له فطورِه. تم استدعاء الحرّاس فتركهم دوتيلول يقبضون عليه وهو جالس في السريرِ، دون مقاومةَ. جن جنون مدير السجن فعين حارساً على باب زنزانة دوتيلول وقصر طعامه على الخبزِ والماءِ. عند الظهر تقريبا، ذَهبَ السجينُ لتناول الغداء في أحد المطاعم القريبة من السجنِ، وعندما أنهىَ قهوتَه، اتصل تلفونياً بمدير السجن قائلا:
«مرحباً! سيادة المدير، أنا آسف لمُضَايَقَتك، لكننى عندما خَرجت منذ قليل، نسيت أن آخذ محفظتِكَ، والآن هاأَنا ذا في المطعمِ دون نقودِ. هَلْ تتكرم وترسل لي أحداً لدَفْع الفاتورةِ؟»
هرول مدير السجن إلى المطعم بنفسه، واستشاط غضباً فراح يصرخ ويكيل الشتائم والتهديدات لدوتيلول. أصيب كبرياء دوتيلول في الصميم فهرب في الليلة التالية هروباً بلا رجعة.
هذه المرة احتاط لنفسه فحَلقَ سكسوكتَه السوداءَ واستبدلَ نظارة عاجية بنظّارته القديمة ذات السلسلة . أكمل تحوله وتبدله كاسكيت رياضي وبذلة ذات مربعات عريضة تتماشى مع بنطلونِ جولفِ. استقر في شقة صغيرة في شارع جينو، حيث كان قد نقل فيها قبل أن يقبض عليه في المرة الأولى، بعضاً مِنْ أثاثِه، هذا مع بعض من ممتلكاته الثمينة. 
بَدأَ دوتيلول يشعر بالملل مِنْ متاعب الشهرةِ، فمُنذُ إقامتِه في سجنِ لا سانتيه، وهو يسأم بعض الشيء من المرور عبر الجدرانِ. راحت أسمك الجدران وأكثرها غروراً تبدو له الآن مجرد ستائر، وجعل يحَلم باختراق هرم هائل. وبينما هو مشغول بتدبير خطة سفره إلى مصر، كان يعيش حياة في غاية الهدوء، مقسما وقتَه بين مجموعةِ طوابعِه، ومشاهدة الأفلام، والتسكع في مونمارتر. 
والحق أنَ تحوله كَان في غاية الاكتمال بِحيث صار بوسعه أَنْ يمر بوجهه الحليق ونظارته العاجية أمام أفضلِ أصدقائِه فلا يعرفونه، اللهم إلا الرسّام جين بول، الذي لَن يفشل في مُلاحَظَة أيّ تغيير مفاجئ في طلعةِ جاره القديم في الحى، ففضح أخيراً هويتَه الحقيقيةَ. 
ذات صباح وَجدَ نفسه وجهاً لوجه مَع دوتيلول على ناصية شارع لابروفوار، فلم يستطع منع نفسه من القول بلغته السوقية المبتذلة: «على فكرة مفقوسة قوى، حتة من عـ الحبل تزوغ بيها من دبابير الحكومة» وهذا يَعْني، تقريباً، «أَرى أنّك قد تنكرت في شخصية متأنق َحتى تشتت انتباهِ رجال الأمن»
غمغم دوتيلول : آه! لقد عرفتنى»، وجعله ذلك الحادث يشعر بالضيق فقرر أن يسرع في تنفيذ مشروع رحيله إلى مصر.
في عصر نفس ذلك اليوم، وَقعَ في غرام فاتنة شقراء التقاها في شارع «ليبيك» مرّتين خلال خمس عشْرة دقيقة. وعلى الفور نَسى مجموعةَ طوابعِه ومصر والأهرامات. أما الشقراء فقد نَظرتْ إليه باهتمام غير عادىِ، فلا شيءُ يَأْسرُ قلوب فتيات اليوم مثل ملابس الجولفِ والنظارات العاجية. هذا يشحذ خيالهن السينمائيِ ويجعلهن يحلمن بحفلات الكوكتيلِ وليالي هوليود.
لسوء الطالع، عرف دوتيلول مِنْ جين بول ِأَنَّ هذا الجميلةِ متزوّجة مِنْ رجل غيور، غليظ القلب. علاوة على أنه يعيش على البلطجة في شوارعِ باريس ويصَرفَ لياليه وهو يجوس في أنحاء المدينة. يَتْركُ زوجتَه كُلَّ لَيلة مِنْ العاشرة حتى الرابعة صباحاً، لكنه قبل أن يغادرها، يتَأكّدَ دائماً من صك غرفتِها بقفلين ويحكم إغلاق النوافذ. أما أثنَاءَ النهار فيراقبها مراقبة دقيقة، بل ويحدث أن يتبعها أحياناً في شوارعِ مونمارتر.
«خلاص الأمورة لحست دماغك، ماشى، بس خد بالك اللي يخش عش الدبابير يستاهل اللي يجري له.» لكن هذا التحذير من جانب جين بول ألهبَ عاطفةَ دوتيلول. في اليوم التالي رأى فاتنته في شارع «تولوزي». تبعها في جرأة إلى معمل ألبان، وبينما كَانت تَنتظرُ في الطابور، أخبرَها بكل احترام أنه يحبَّها وبأنّه يعَرفَ كُلّ شيءِ عنها: الزوج القاسي، والباب المغلق والنوافذ الموصدة، لكنه سيكون في غرفةِ نومها في هذه الليلة بالذات. احمر وجه الشقراء خجلا ؛ ارتعدتْ زجاجة الحليبَ في يَدِّها وترقرقت عيونها بالحنان، وندت عنها تنهيدة وانيةً: «بكل أسف يا سيدى، هذا مستحيل».
في مساء ذلك اليوم البهي، حوالي الساعة العاشرة، وقف دوتيلول وكأنه خفير نظامي في شارع نورفان، يُراقبُ سور الحديقةِ المكينِ؛ الذى يقع خلفه البيت الصغير. أمكنه فقط أَن يَرى دوارة الرياح والمدخنةَ. لقد فُتح باب في ذلك الجدار وخرج منه رجل، وبعد أن أوصد الباب خلفه بالمفتاح في حرص شديد، مضى نحو شارع جينو. انتظر دوتيلول حتى رآه يغيب عن ناظريه، بعيداً بعيداً جداً، عند ناصية الشارعِ أسفل التَلِّ، وبعد ذلك راح دوتيلول يعد إلى عشرة. وحينئذ، أسرعَ للأمام، ودخل بقفزة رياضية في الجدار، واستمر يَرْكضُ خلال العوائق حتى اخترق غرفةَ نوم الجميلة المنعزلة عن العالم بأسرهِ. فاستقبلته بنشوة، واستمر يضاجعها حتى ساعة متأخرة من الليلِ.
في اليوم التالى، أحس دوتيلول بصداعٍ رهيب. وبالتأكيد لم يكن ليدع شيئاً تافهاً كهذا أن يمنعه من لقاء محبوبته. واتفق أن وجد أقراصاً مبعثرة في أحد الأدراج فابتلع واحداً في الصباحِ وواحداً بعد الظهر. بحلول المساء صار صداعه محتملاًَ، وجعلته حماسته المهتاجة ينسى ماكان من أمرها. كَانت الفاتنة تَنتظره وهى تتحرق شوقا تثيره فيها ذكريات البارحة، وتلك الليلِة راحا يمارسان الجنس حتى السّاعة الثّالثة صباحاً. 
عندما غادر مضجعها، عبر دوتيلول من خلالِ جدران البيتِ وأحسَّ إحساساً غير عاديِ بشيء يفرك وركيِه وكتفيِه.
إلا أنه لم يجد الأمر يستحقَّ اهتماماً كثيراً، في الحقيقة، عند دخوله في جدار الحديقةَ شَعر شعوراً مؤكداً- لحظتها فقط – بشيء يقاومه. كما لو أنه يتحرّكُ خلال مادةِ هلامية ما زالت سائلةَ لكنها أخذت تَنْمو وتصير أثخن وأقوى من ذي قبل. عندما نجح تماما ً في أن يغرس جسده في سُمكِ الجدار، أدركَ أنّه لَمْ يَعُدْ يَتقدّمُ للأمام. 
مُفزوعاً، مرتعباً، تَذكّرَ أمر القرصين اللذين تناولهما ذلك اليومِ. لقد ظن أنها أقراص أسبرينِ لكنها في الحقيقة كانت تحتوى على مسحوقَ النترات الرباعية التكافؤ التي وصفها له الطبيب في سنته الماضية. كان تأثير ذلك الدواء بالإضافة إلى العمل المركز، قد نتج عنه رد فعل مفاجىء .
صار دوتيلول حبيساً مشلولا داخل الجدار. هو هناك إلى يومنا هذا، مسجون في الحجارةِ. 
عندما يذهب الناسَ للتسكع في شارع نورفان في ساعة متأخرة من الليل بعدما يخمد نشاطِ باريس َ، يَسْمعونَ صوتاً مكتوما يَبْدو آتيا من وَرَاءِ القَبرِ؛ فيَحسبون أنه صوتُ الريحِ وهى تَصْفرُ في شوارعِ مونمارتر. لكنه الرجل الذئب دوتيلول يَرثو نهاية مهنتِه المجيدةِ ويَنْدبُ غرامياته الموجزة. ويحدث أحياناً في ليالي الشتاء أن يحمل الرسّام جين بول قيثارتَه ويتجول في شارع نورفان الوحيد المنعزل ليواسي السجينِ المسكين بأغنية، فتنفذ النغمات المتسربة مِنْ أصابعِه المخدرة، وتَخترقُ قلبِ الحجر، وكأنها قطراتِ من ضوءِ القمر.
 
هامش
– «القنطورس» أو الـ«السنتور»: طبقاً للميثولوجيا الإغريقية هو كائن نصفه العلوى جذع رجل ممتلئ العضلات، أما نصفه السفلى والخلفي فعلى هيئة حصان بحوافره الأربع، وهو معلم الابطال الإغريق لفنون القتال .
– صدرت قصة «عابر الجدران» عن صدرت عن دار النشر جاليمار 1943

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …