ماكينة الفراشة

في تلك الليلة حين كان عزان زوج سالمة راجعا من السهرة عند البدو تملكه إحساس بالنشوة، كانت الرمال تحت قدميه ناعمة جدا وقد خلع نعليه ليستمتع ببرودتها الهادئة، آنسه اكتمال القمر وهو يطبع ظلالا أليفة على الكثبان الرملية، من بعيد لاحت له أنوار «العوافي» وكأنها عالم لا يعرفه، لقد أمضى مع أصدقائه من البدو شطرا من الليل في الأحاديث والسمر، أنشد بعضهم وضحكوا، عزفوا على الناي والربابة، وقد قرر عزان أن يعود إلى العوافي مشيا تاركا سيارات أصدقائه ذات الدفع الرباعي، لم تكن بيوت البدو المتناثرة تحت عرق الرمل الكبير تبعد كثيرا عن العوافي، لكن البلدتين لم تتماسا قط، ظلت العوافي متمسكة بثباتها وطابعها الزراعي، وظل البدو – على الرغم من استقرارهم الظاهري واستبدالهم بيوت الاسمنت بخيام الشعر – يحتقرون فكرة الثبات وغرس الجذور، ويعتمدون أساسا على رعي الجمال والغنم، لقد ظلوا محتفظين بزيهم التقليدي وطباعهم الحرة، وبالحدود الصارمة التي تفصلهم عن «الحضر».
لم يعد عزان يشعر بالانقباض في جلسات السمر هذه، ولم تعد تلك السحابة الثقيلة تحط على قلبه كلما انخرط معهم لتمثل له أن كل أحاديثهم وضحكهم مجرد لهو دنيوي، لم تعد ذكرى ولديه الميتين تنشب في حلقه كالغصة وسط الغناء، ولم يعد يحس أنه مثقل بالدنيا ويريد أن يتلاشى عن زيفها، لم يعد الإحساس بالفرح إحساسا مذنبا في أعماقه ولا المتعة سرابا ينبغي عدم الوقوع في شركه. كان يستعيد بعض مقاطع المنشدين ويحاول ضبط إيقاع قدميه على إيقاع النغمة في رأسه، تراءى له وجه حفيدته الجديدة، لقد أصبح جدا وهو في منتصف الأربعين، أحس فجأة باللهفة للوصول إلى بيته والدخول للغرفة الوسطى ليرى وجهها الصغير النائم، كان يبتسم لنفسه ويكاد يدندن طربا حين باغته ظل بشري بين الكثبان، بسمل عزان وتراجع خطوتين للوراء لكن الظل تقدم نحوه بثقة، صاح عزان: «من هناك؟» ففاجأه صوت أنثوي: «أنا». بعد هنيهة كانت امرأة فارعة الطول قد وقفت قبالته ونزعت برقعها عن وجهها. هدأ روعه وسألها: «من أنت؟ وماذا تريدين؟» نظرت المرأة مباشرة في عينيه، أربكه جمالها المصمم وبريق عينيها الواسعتين، أربكته رائحتها الفاغمة وقربها المبرح منه، لكن كلامها أفقده السيطرة: «أنا نجية وألقب بالقمر وأريدك أنت». ستظل عبارتها تطن في رأسه أعواما كثيرة بعد ذلك: «أنا نجية وألقب بالقمر وأريدك أنت». لم يعرف عزان نساء كثيرات في حياته ولم يعرف بكل تأكيد امرأة على هذا القدر من الجرأة، تلقب بالقمر؟ إنها تستحق لقبا أعظم، إنها أجمل من أي شيء رآه أو سيراه في حياته، لقد لاحت له تحت ضوء القمر كأنها من الحور العين التي بشر الله بها عباده المؤمنين. مالت عليه فتأبط نعليه وهرب، ركض بأقصى سرعته باتجاه العوافي عاجزا عن التفكير في أي شيء.
لم تعد نجية لبيتها وإنما ذهبت لبيت صديقتها، وقفت عند الباب الخشبي وصاحت: «يا خزينة..يا خزينة»، فخرجت خزينة تسوي برقعها على وجهها: «خير يا القمر؟» قالت: «تعالي، ستبيتين معي الليلة». سارت معها خزينة طويلا حتى لاح بيتها : «أخي راقد في عرق الرمل الشرقي وأنا وأنت سنبيت بالداخل»، حين أقعيتا متقابلتين قالت خزينة: «ايش صار؟» ردت صديقتها بهدوء: «هرب» ضحكت خزينة حتى انبطحت أرضا: «حاشا لله هذا ما رجل!!..هرب؟ هاهاها!! ..هرب منك يا القمر؟..» لكن نجية لم تضحك. انتظرت حتى فرغت صديقتها من الضحك ثم قالت: «أريده وسأحصل عليه»، مسحت خزينة دمعها الطافر بطرف ردائها وأضافت مزيدا من الخشب للنار المتقدة بجانبهما، ثم قالت: «يا القمر هذا الرجل باين عليه ما نافع للنسوان». تمددت نجية وقالت: «لكني أريده وسيأتيني، القمر لا تريد شيئا ولا تحصل عليه». هزت خزينة رأسها: «يا أختي هذا الرجل متزوج بنت الشيخ مسعود، شيخ قبيلتهم كلها.. تظنين أنه سيتركها ليتزوجك أنت؟»، ضحكت نجية، ضحكت ضحكتها المجلجلة الشهيرة، قالت خزينة لنفسها وهي ترى أسنانها اللؤلؤية: «ما أجدرها بلقب القمر..كاد الناس أن ينسوا أن اسمها نجية»، وضعت نجية يديها خلف رأسها وقالت لصديقتها: «من قال لك أني أريد أن أتزوجه؟ القمر لا تؤمر أحدا عليها..أنا لم أخلق لأخدم رجلا وأطيعه .. يسرق حلالي ويمنع عني أخي وصاحباتي…يوم يقول لا تطلعي، ويوم يقول لا تلبسي، ويوم يقول تعالي ويوم يقول روحي..لا..لا..لا يا خزينة عزان سيكون لي ولن أكون له…سيأتيني حين أشاء ويذهب حين أشاء…منذ رأيته في الرمسة مع الرجال وأنا أعرف أن هذا الرجل سيكون للقمر..وهرب؟..هرب!! ركض كأني جني فاجأه وهرب!.. يرفضني أنا؟ القمر؟ لم يخلق الرجل الذي يرفضني بعد يا خزينة..سيأتيني عزان هذا جاثيا على ركبتيه». سكتت الصديقتان طويلا ترقبان النار التي خمدت شيئا فشيئا ثم نامتا.
حين كبرت نجية كان بيتها هذا – المكون من غرفتين مفتوحتين على صالة مطلة على الحوش بجدار واطئ لا يصل للسقف- مجرد خيمة واسعة وكان أبوها متلافا للمال. لم تر أمها منذ خلقت ولم تشغل نفسها بالسؤال عنها. أحبت شيئا واحدا فقط في العالم: أخاها الأصغر، كل آثار الجروح في جسدها ناجمة عن المعارك التي خاضتها مع الصبيان دفاعا عنه، كانت تهرع من المدرسة الابتدائية إليه لتسأله عمن آذاه، تحشو مريولها المدرسي الأصفر داخل البنطال الواسع وتنطلق إلى معاركها اليومية، وحين توقف الصبيان عن ضرب أخيها أو مناداته بالمخبول كانت قد وصلت إلى المرحلة الإعدادية، وفي الإعدادي عرفت أنها لم تخلق لتجلس في صف رطب مع خمسين طالبة تسمع كلاما غريبا عن النحو والأرقام والعلوم من الفجر إلى العصر، لم تحب أحذية المدرسة البيضاء التي يتحول بلاستيكها إلى اللون الأسود بعد أسبوع على الأكثر، ولا زي الإعدادي الرمادي الخالي من أي زخرفة، المتجعلك باستمرار بسبب الزحام والحر، ضايقتها لهجة المدرسات المصريات والسودانيات الغريبة، ولم تستوعب فكرة الجلوس في مكان واحد طوال اليوم، تركت المدرسة وتخلصت من الركوب منحشرة في سيارة بيك آب مع عشر بدويات أخريات تترجرج أجسادهن الصغيرة وتصطفق من الريح المحملة بالرمل ساعة أو أكثر حتى يصلن إلى المدرسة.
استغرق أبوها في جلسات الشواء والشراب والزار فأمسكت ماله ورعت غنمه وإبله حتى تضاعف في سنوات قليلة، أطعمت النوق الأصيلة تمر الخلاص والسمن البلدي وعسل النحل، وشاركت بها في سباقات الهجن حتى نجحت في بيع إحداها لأحد شيوخ أبوظبي بعشرين ألف ريال، استخرجت للناقة جواز سفر أسمتها فيه «غزيلة»، وشحنتها إلى أبو ظبي، وحين قبضت ثمنها استبدلت بالخيمة بيتا من الاسمنت المسلح اشترت له السجاجيد والمناديس من سوق مطرح، سخرت علنا من جيرانها الذين بنوا بيتا بطابقين وظلوا يقضون حاجتهم تحت شجيرات السمر الصحراوية خارج البيت الجديد المزود بخمسة حمامات، لم تستسلم لتبطل أخيها المنغولي فدربته على رعي الغنم والإبل، حين مات أبوها تنفست الصعداء وأحكمت سيطرتها على حياتها ومالها وحريتها، ولما تفتحت أنوثتها ووصل خبرعبيرها القاصي والداني لقبها الناس بالقمر، استهزأت بخطابها الكثيرين وتفرغت لأخيها وثروتها، قالت لنفسها إنها حين سترى رجلها ستعرفه وستأخذه، اصطفت الصديقات وتاجرت بمشغولاتها اليدوية المميزة، أصبح بيتها قبلة للضيوف والمحتاجين وهابها الرجال والنساء.
حين أصيب أخوها بكساح مفاجئ أغلقت بيتها وأقامت معه شهورا في مستشفيات الحكومة البعيدة معتمدة على صديقاتها في رعاية غنمها وإبلها، طُرِدتْ مرارا من أقسام الرجال في المستشفيات فلفت بطانيتها عليها ونامت في الممرات، قال لها الأطباء تصريحا وتلميحا إنه منغولي أصلا وقد عجزت رجلاه الآن فماذا ترجين منه؟ دفعها الناس لانتظار خلاصه بالموت فاعتزلتهم، حين يئست من المستشفيات حملته للبيت وأغلقت عليهما الباب، داوته طويلا بكل ما وصفه المجربون وما ابتكرته هي من خلطات الأعشاب، واظبت على دهن رجليه العاجزتين بزيت الزيتون الساخن ومسحوق القرنفل وعلى محاولة إيقافه مستندا عليها، ألقت بثقله على ظهرها القوي وجرجرت رجليه في الصالة ذهابا وإيابا، مزجت الحنظل مع عشبة «المخيسة» وسقته الشراب المر كل صباح، مسحت لعابه بكمها ولم تسمح لنظرة العجز في عينيه الضيقتين المستطيلتين بثنيها عن عزمها، صمَّتْ أذنيها عمن يستهزئ بمحاولاتها ونذرت حياتها لأخيها. حين فتحت نجية بنت سعيد باب بيتها ونحرت ناقتين للصدقة، كان أخوها يمشي على قدميه.
فصل من رواية قيد النشر.
جوخــة الحـــارثية
روائية من عُمان

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …