ما يخفيه الرمل…تفضحه الرؤيا

كانت  الظلال  المسرعة  تهوي على الجدار
ضربات قوية لا تجني  أثرا .
وقفت طويلا أرقب ذلك المشهد، وقد ملأ الهدوء الثقيل المكان بالسأم والترقب .
ظلال السيارات تهوي على الجدار، وأنا أرقب  كل ذلك وحيدا، وقد تصاعد الفتور إلى رأسي بعد أن يئست من إيقاف أيٍّ من الحافلات التي رفض أصحابها الاستكانة  في مثل تلك اللحظة من الليل، وفي مكان منزو وبعيد  .
 أسلمت ظهري للشارع وأمعنت نظري في الفوضى الصامتة أمامي، حيث الجدار الذي تتلاطم عليه ظلال السيارات دون أن تخدشه، الواحدة تلو الأخرى، وفي أعداد بدت لانهائية. داعب النعاس أهدابي، ثم رأيتني أغوص في بطن سيارتي، وأغلق الزجاج وأثني الكرسي  وراء ظهري، ومن هناك، من جوف السيارة المغلقة، أكملت المشهد المتحرك ذاك في سكون الليل، ظلال  تلقي بأطيافها على جدار دون أن تخدشه،  كان الأمر شبيها بصفعات تحدث في حلم لا تلبث آثارها  وأن تنمحي.
سمعت طرقات على زجاج النافذة، فذهنت والنعاس  يطوق جسدي بحبله الثقيل.
– لماذا تنام في بطن سيارتك وبيوتنا قريبة . . لو طرقت بابي القريب منك وفي أي وقت من الليل، لو طرقت فقط، لوجدتني صاحيا وفي استقبالك ولقضيت وقتا ممتعا معي،عوض النوم وحيدا في قلب الظلام وبلا أنيس أو غطاء .
– لم يقف لي أحد . طوال الليل  وسيارتي معطلة . وأنا متصلب  كالخشبة في وجه الهواء. لذلك اخترت النوم في جوف سيارتي في انتظار الصباح.
– لا عليك.اهبط من سيارتك وأغلقها جيدا، ثم اتبعني إلى بيتي إني احتاجك في أمر.
دخلنا .. كان بيتا شعبيا وبسيطا في قسماته وتوزيع غرفه، ورغم ذلك بدا منظما ونظيفا بسبب خلو  أرضه من الغبار ونتف الأوساخ الخفيفة التي لا تني تستقر على العتبات  في مثل هذه البيوت العتيقة المفتوح بهوها على الشمس وما تأتي به الريح. 
– كما ترى فأنا أعيش وحيدا . كنت في  البحرين، أعمل خبازا هناك، وحين رجعت اشتريت هذا البيت، وهو  خاو، وفي البحرين لم أجد زوجة ولم أفكر بها، ولكني الآن أحتاج إليها في وحدتي، ولأني غريب و غير معروف عند أحد ولأني أصبحت عجوزا فوق ذلك، ونصف فقير، فلم أجد زوجة. لذلك فإني  أحتاجك في أمر.
كان  نوعا من الناس الذين يستمتعون بتحريك لسانهم، حديثه المتسلسل ذاك كان يسيل عذوبة في مجرى حلقه، الأمر الذي قطع تأملي في تفاصيل البيت، فأنا حتى تلك اللحظة لم أكن قد نطقت سوى بكلمات يسيرة، خَرَجَتْ خافتة ومعتمة من بين شفتي، فالهدوء المسالم كان يسيطر علي ويصدني عن الكلام، ولكنه حين نطق بعبارته الأخيرة،
( أحتاجك في أمر)  أحسست رغم التعب الذي أحدثته تلك النومة العوجاء والقلقة في جوف السيارة، بحيرة تسكن جسدي،مافتئت وأن كبرت، لأجدني أركز نظرات مستغربة على  عينيه، وحين أوشكت على تحريك لساني المضغوط بالصمت، بادرني بالنهوض  ليختفي طويلا في إحدى الغرف .
أكملت تأملي للبيت، لكن عبارته الأخيرة تلك، بدت لي مسلية ومربكة في آن . فأي  أمر مهم يحتاجني فيه رجل أراه لأول مرة ؟
ثم ما لبث التوتر وأن تصاعد إلى أنفاسي ورأسي ( ربما أرادني فراشا تحت جسده أو غطاء فوق ظهره … فهو يعيش وحيدا، ربما يريدني لأجل ذلك، هل علي أن أهرب؟، أم أنتظر قليلا لأتيقن من ظني؟ ….) كان جسدي يستجيب لنقرات تلك  الأسئلة في هيئة توثبات خافتة تحفزني على الهروب ثم على الثبات في مكاني، وظللت صريع حيرتي تلك، إلى أن برق تسبقه ابتسامة وادعة تحوم كفراشة بيضاء حول وجهه، وصحن به طعام وإبريق شاي وكأسان :
– لقد تعودت أن أفعل كل شيء بمفردي . كانوا يسمونني في البحرين بالطباخ الأعمى  هل جربت أن تطبخ وأنت مغمض العينين طوال الوقت. أنا كنت أفعل ذلك، فحين تعيش وحيدا عليك أن تبتكر أشياء تبعثر بها وحدتك،  لذلك اشتاق كثيرا أن يكون لي أبناء رغم خوفي من ذلك في هذا العمر، فكل يوم يخرج عشرات الأطفال، وتتبعها عشرات الأسماء،ولكن من يهتم،  إن الآباء وحدهم من يحملون وزر كل ذلك، و كان هذا أكثر ما جعلني لا أفكر بالزواج. ولكن لابد في النهاية من ذلك  ولابد كذلك من أطفال،  فمهما صبرنا عنهم فإنهم سيتبعوننا حتى ونحن غاربون إلى القبور. أَلَمْ تسمع قصة الصياد وذئبة البحر….. إنها قصة حقيقية، مازال بعض أقاربه يعيشون بيننا.
صب لي كأسا ثم عدل من جلسته وأفرد وركيه ونبس كلامه باسترخاء، مسرحا عينيه وكأنما يعبُّ حديثه من بركة غائرة في النسيان:
  كان هناك صياد أفنى حياته في البحر. ولكنه حين كبر ألحت عليه رغبة الزواج، فتزوج من ابنة صديقه، وبعد ذلك ألحت عليه رغبة في أن يكون له ولد، انتظر طويلا حدوث ذلك، إلى أن جاءه اليوم الذي حبلت فيه امرأته، فأحس حينها بأنه بدأ يعود للوراء، إلى سنينه الغاربة، فملأت القوة جسده والأمل بحياة أطول.
ملأ لي كأسي الذي بدأ يفرغ، ورفع إلى فمه قطعة خبز مصبوغة بالعدس.
– أنا أفطر بالعدس كل يوم. لقد تعودت ذلك.
مضغ اللقمة، بلعها متمهلا، ثم رفع رمشين شاردين وأكمل:
 وحين بدأ الطفل يمد رجليه ويتعلم المشي، أخذه والده في رحلاته إلى الصيد وكان برفقتهما أحد أصحابه.
ثم أحنى رأسه متأملا وأغمض عينيه قبل أن يفتحهما في وجهي على سؤال مفاجئ:-
هل تعرف القرش الأبيض؟(لم ينتظر إجابة مني حين أطلق سؤاله وأكمل حديثه)
إنها  سمكة مفترسة، يسميها الصيادون بالذئبة، وهي تخيفهم، وتوصف بالمكر وحِدَّةِ الذكاء في افتراس ضحيتها، وحين تجوع فإنها لا تنثني عن أكل بني جلدتها وأحيانا عائلتها، هذه الذئبة حين تقترب من قوارب الصيادين فإن الحيلة الوحيدة التي يحتالونها للنجاة من مخالبها القاتلة، هي أن يتجمدوا في أماكنهم ولا يحركوا ساكنا  لأن أي نأمة ستجعلها تهجم على القارب وتفترس  كل لحمة نية تقع أمام فكها .
 أتمنى ألا أكون أخيفك بحكايتي هذه. إن نهايتها حزينة كالموت الذي يتبعنا، جميع هذه البشرية ستنتهي إلى نفس المصير، وهم فوق ذلك يتصارعون. أليس في النهاية ذلك القبر اللعين هو من سوف يحصد كل شيء ؟.
ثم فجأة، نظر إليَّ متمعنا وكأنما ليتثبت من انعكاسات كلامه على وجهي، قبل أن يكمل:
 ولكن ذات يوم.. حين كان الصياد وصديقه وابنه يجوبان بالقارب بساط البحر، أحس الطفل برغبة في التبول، فرفعه الأب  على حافة القارب وسحب له ثوبه، وفجأة فطن صديق الصياد لقدوم الذئبة، فأمر صاحبه أن يتجمد مكانه رافعا الطفل . وكان  لحظتها وجه الطفل  يقابل وجه أبيه، حين حدثت الفاجعة وهجمت الذئبة وسحبت النصف السفلي لجسد الطفل، فتجمدت إلى الأبد، نظرات الأب، أمام ذلك المشهد العنيف.
– قصة مؤذية.
أخرجت  عبارتي تلك  فبدت كالصرخة بسبب  صمتي الطويل فاستقبلها العجوز بارتباك محرج .
–  إنساها أرجوك أو اعتبرها واحدة من القصص التي نسمعها كل يوم في النشرات الليلية
– لا عليك. لا عليك أكمل الآن  . فيهمني متابعة ما سيحدث.
ما حدث بعد ذلك هو أن الصياد بعد أن رأى مشهد ابنه ذاك، أصيب بالخرس، وصعقته نوبة من الجنون الصامت . فلم يعد يُرَى في البلدة إلا هائما على وجهه لا يلوي على شيء  ولكنها لم تمض إلا أيام قليلة، حتى علم  الناس أن قاربه اختفى من البحر . بحثت  عنه عائلته وأهل قريته ولم يجدوه . فأيقنوا أنه قد ضاع في البحر أو رمى نفسه فيه واضعا حدا لعذابه. ولكنه  ما لبث وأن ظهر بعد أيام  رافعا  الذئبة بين يديه، وقد نهش بأسنانه الغاضبة لحمها نيا، و لم يعش بعد تلك الحادثة  أكثر من يومين، لقد  انتقم لموت ابنه قبل أن يتبعه .
– قصة مؤلمة وعجيبة .
– ألا ترى معي أن الصياد  انتظر الطفل كثيرا وحين جاءه  متأخرا، كان سببا في جنونه وموته، رغم ذلك فهي كائنات لابد منها، لتملأ علينا هذه الحياة القاحلة ….. والآن سأخبرك في ماذا أحتاجك، ولكني أطلب منك أن تخدمني. ربما ستتهيب لأنك لا تعرفني، ولكن صدقني فإن جميلك لن أنساه، فكما ترى فإني وحيد، وغيابي الطويل في البحرين حرمني العائلة والأصدقاء، ولا أظن أنني سأجد امرأة تقبلني بسهولة ولم يبق من أسناني إلا كما ترى .
فتح في وجهي الصفين الأماميين لبيت أسنانه، كان خاويا بالفعل فلم أر سوى ما يشبه كهفا ضيقا تنبو منه صخور صغيرة ولسان.
– هل بحثت جيدا
– نعم وجدت فتاة صغيرة، وجهها يغار منه القمر وهي مستعدة للزواج بي.
شعرت في تلك اللحظة بعدم جدية وجودي أمام هذا الرجل، وأني أضيع وقتا طويلا تاركا سيارتي المعطلة تغرق وحيدة في بحيرة الشمس.ولكنه ما لبث وأن بادرني بكلام حاسم مبددا كل ذرة شك من شعوري الفاتر.
– لا يذهب بك الظن أنني أمزح، فما أقوله حقيقة . لم أجد إلا هذه الفتاة ووالدها مستعد أن يزوجني بها وبأقل المهور، وأريد منك فقط أن تكون شاهدا على ذلك إنها من قرية  طيبه وأهلها كذلك، ولكن الشياطين  لا يتركون أحدا في شأنه.
صمت فجأة، وتفرس في وجهي وكأنه يبحث عن زاوية مطمئنة يمكنه أن يفرغ فيها سره، ثم نبس بنبرة حذرة:
– لا أعرف إن كنت ستوافق على مرافقتي إلى السجن
– إلى السجن ؟!
– اسمع . تستطيع أن تنسحب وبسهولة، وليس من داع أن أكمل لك  قصتي، وأعلم كذلك ان هذا لا شأن له بضيافتي لك، لقد رأيت رجلا ينام وحيدا أمام بيتي، ومن واجبي أن أقربه. تستطيع أن تنصرف في أي وقت تشاء وكذلك تستطيع أن تقيم معي أو تزورني في أي وقت.
– لا عليك يا عمي. لا عليك.  أنا مشوش قليلا، أعذرني،  فمنذ أن دخلت بيتك وأنت تفاجئني بالأمور الغريبة، ثم تريدني أن أرافقك إلى السجن.
 ذات يوم حين كنت في البحرين، وأنا منشغل بإلصاق العجين في فرني الملتهب، وكان الوقت فجرا.اقترب مني ظل وغطى فوهة الفرن، وحين استدرت لأرى القادم، وجدت وجه فتاة تفور من سحنتها هالة من الضياء، كان جمالها لا يقاوم حتى أن ريقي سال كثيرا في حلقي الجاف. بعد ذلك حدث الكثير ولكن في ساحة الصمت وحدها . تصور معي، أن يشرق صباحك على وجه كالذي رأيت. ماذا ستفعل ؟، ثم اختفت فجأة ولم أرها بعد ذلك، ولكن وجهها ظل يطاردني مثل صورة معلقة أمام عينيّ . لم أستطع النوم، وظللت أنتظر أياما طويلة وفي نفس ذلك الموعد علها تبرق فجأة، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. كنت حينها شابا . ولكن الأمر العجيب والذي لم أتبينه إلا حين وطأت تراب بلادي أنها بإطلالتها المفاجئة تلك، قد أغنتني طويلا عن كل زوجة. كانت هي امرأتي، وكانت تأتيني كل ليلة، وتنام إلى جانبي، ولكن حين أصحو في الصباح لا أجدها، لقد ظلت وفية لي، و لم أصح من سحرها ذاك إلا حين تنفست هواء بلدي، حينها فقط اكتشفت أن أيامي قد عبرت طويلا ولكن في إثر حلم طويل.
– وهل وجدتها
– الأمر لم يكن سهلا في بدايته، لقيت صعوبة في الاقتراب من السجن، وبالأخص سجن النساء، لقد بدا لي ذلك السجن شبيها بالقصر المنيع، ولكن قصة قديمة سمعتها في صغري سهلت لي المهمة كثيرا:
يحكى عن فتاة حسناء  يحيط بها حرس شديدو البأس، تمر يوما بجانب سور قصرها، رآها أحد الفتية فاستقر حسنها في رأسه ملهبا قلبه بجذوة ما فتئت تشتعل كل يوم . فتاهت روحه وأدمنت عيناه الشرود، رآه صديقه على هذه الحال فسأله وموجة من الحيرة تتلألأ في عينيه.
–  أرى أن حالك يتغير وأخشى أن يحل بك الذبول؟
– لقد أصبت. أصبت في قلبي ورأسي وعيني.
حاول الشاب وصاحبه أن يقتربا من قصرها بعد ذلك. ولكن شدة الحراسة تلك لم تسمح لعينيهما أن تعبَّان إلا من بريق الأسوار الصماء.
– يا صديقي سأجد لك حلا لا ريب. ولابد وأن تراها وإلا حل بك الجنون.
غاب عنه صاحبه أياما وهو يبحث ويسأل، ولكنه ما لبث وأن رجع إليه وبريق الحيلة يشتعل في عينيه.
– اسمع يا صديقي، وجدت حيلة تمكنك من رؤيتها، وما عليك سوى تنفيذ ما أطلبه منك، والآن قم لمرافقتي.
– إلى أين ؟ .
– لنخطب لك أمها، فهي لن تقاوم إغراء الشباب، بعد أن تركها زوجها وحيدة ردحا من الزمن.
– هل جننت؟. أتريدني أن أتزوج  أمها . وأنا قلبي هائم بابنتها 
  – لا تتعجل، ليس لدينا ما نخسره لدي خطة ربما ستمكنك من محادثة الفتاة، علينا فقط من أجل ذلك أن نطرق كل الأبواب، ونساعد القدر في مسيرته العجيبة.
اقتربا من بوابة القصر، وأخبرا رئيس الحرس بأنهما يودان محادثة الأم في أمر مهم،تركهما الحارس، بعد أن رشقهما بنظرتين جامدتين.و في غيابه وجدا بساطا سانحا لرؤية كل شيء تقع عليه رموشهم المتعجبة، تفحصا الألوان  ومداخل الزوايا حيث ترتعش ظلال الأشجار والطيور الهاربة، ظلال مترددة تخادشها  أصابع الضوء، وعلى حواف السواقي  كانت بعض الفراشات تعارك أعشابا نائمة، و في الأعلى  حيث ترتفع حواف سور القصر، رأوا حجم الرؤوس  الحديدية المسننة  في وجه الشمس .
 اقترب الحارس منهما  وهو يرسم في وجهه علامات الترحيب المتكلفة، ثم قادهما إلى صالة ضخمة وأمرهما بالانتظار حتى تأتي سيدة القصر. صالة عريضة، جدرانها تنطق برسومات لطيور عملاقة، وتتدلى من السقف ثريات ترش المكان بانعكاسات أضواء الشمس المطلة عبر صفوف الأشجار التي  تناطح فروعها وأوراقها زجاج النوافذ  المصفوفة في جهات القاعة .ثم ظهرالحارس مرة أخرى ليخبرهم بأن سيدته تنتظرهما في البستان، ثم أشار إليهما أن يتبعاه، دخلا ممرا طويلا أرضه معشَّبة، وتتدلى من جوانب سقفه رؤوس زهور وأعواد خضراء تتسلق منها  أعمدة القرميد مرسلة أطرافها بكسل جهة الشمس . ثم ظهرت بعد ذلك منعرجات البستان، فاستقبلت أعينهم صفَّة من الأطيار، ونافورة صيغت من المرمر الهادئ  يعلو من جوفها قوس من الألوان مصبوغا بالمياه المتصاعدة بغنج، وفي  مصطبة تقابل تلك النافورة، اقتعدت  سيدة القصر، سلَّما عليها و حيَّتهما بدورها وأجلستهما بجانبها وانتظرت حديثهما، فبادرها صديق العاشق بحديث متتابع.
سيدتي. هذا صديقي . لقد رآك يوما في السوق فهام بك، أذبله الوجد فجئت به إليك لتنقذيه، إنه يريد الزواج بك .
كان العاشق لحظتها منكس الرأس و قد استقرت عيناه في نقطة في الأرض وغاصتا  فيها طويلا .
– هل صاحبك متيم بي أم بشيء آخر ؟
–  ماذا تعني سيدتي ؟
– – ألا يمكن أن يكون متيما بهذا القصر، وأرادني عتبة للدخول إليه. ولكن اعلما بأن ألاعيبكما هذه لن تنفع، وما أنتما إلا محتالان، وأطلب منكما الآن أن تخرجا سريعا من القصر.
في تلك اللحظة ظهرت الفتاة، بقوامها وحسن طلعتها،  هنا ارتفعت عينا العاشق، لتلتقي بعيني الحسناء وتموجان طويلا وتبحران.
أمرت السيدة ابنتها أن تنسحب، وأومأت إلى  الحارس بأن يخرجهما  .
لكن الشابين رغم ذلك، ظلا مرابطين أياما وأشهرا أمام القصر، و قد نصبا خيمة هناك، وفي كل مرة كانا يقتربان من القصر والحرس يطردانهما، إلى أن ضجروا منهما وأخبروا سيدة القصر بقصتهما فظلت تراقبهما أياما قبل أن تأمر بإحضارهما.
– قل لصديقك الخجول هذا، الذي علمت بأن العشق قد غار عميقا في قلبه، وأن نحولا لا يتحمله الموت قد لعب به،  قل له بأني لن أجد محبا لابنتي خيرا منه.
 ثم نادت ابنتها بأن تتقدم. فرفع العاشق عينيه، وقد أشرق وجهه الغائر وتصاعد الهواء إلى  صدره ووجنتيه .
2
– طبعا لا يمكنني أن أستعمل تلك الحيلة الآن، ولكنني استعملت شيئا شبيها بذلك .

–  لم يكن سبب تفكيري بامرأة من السجن مصادفة، لقد ساعدني في ذلك صديق  من الذين جاءوا قبلي من البحرين، عرفت فيما بعد أنه يعمل بالسجن المركزي فزرته في بيته مرات كثيرة  وكررت عليه الزيارات، و في إحداها دار بيننا هذا الحديث :
– ماذا تنوي أن تفعل
– بيتي خاو كما تعلم ولا أحد يعرفني، فقد غدوت مسنا وغريبا، ولم يرض أحد بتزويجي،  ما أريده منك هو أن تبحث لي عن فتاة من عندكم .
– من السجن.
– نعم .
–  الأمر ليس صعبا، ارجع إليَّ  بداية الشهر المقبل، وستجد إجابة لطلبك.
وفي بداية الشهر رجعت إليه :
– هناك فتاة مسجونة بتهمة الحمل بدون زوج، وهي مستعدة للزواج بك، شريطة أن تخطبها من أبيها، ولحسن الحظ أن الجنين مات في بطنها، وسوف يغنيك ذلك عن تربية طفل جاء من صلب مجهول، وهي ابنة عائلة طيبة، وقد غرر بها أحد الشباب ثم هرب عنها، وإذا قبلت سأعطيك عنوان أبيها .
– اعتبرني موافقا .
– حين تتفق أنت وأبوها، عليك بعد ذلك أن تحضر معك شاهدا، وتوقع بعض الأوراق وتأخذها، وأريد أن أخبرك  بأنها فتاة جميلة، ربما لم أر فتاة في جمالها منذ أن أتيت للعمل في هذا السجن.
– هل يمكنني أن أراها .
– ليس قبل أن يوافق أبوها عليك. لا أستطيع إخبارها  بشيء قبل ذلك.
انصرفت عنه بعد ذلك، ولكني لا أخفي عليك، فقد كنت خائفا من أبيها، ومن ردة فعله، كان الأمر بالنسبة لي  شبيها بمن يعبر طريقا في الظلام فإما أن يخرج سالما منه أو يصطدم بجسم لا يراه، ولكني فوجئت باستقباله، تصور أنه يصغرني في العمر، ولكنه وافق فورا على  الفكرة  وحضنني صامتا عدة مرات والدموع تزاحم عينيه..ثم  اشترط علي أمرا ترددت في قبوله …قال لي إنَّ فِعلتها سببت له فضيحة كبيرة، وأن الكثيرين لم يعودوا يزورونه وأصبح يتوارى من نظرات الناس، تمنَّى لو قتلها،ولكنه لم يستطع . أحسست بأنه يعيش عذابا سببته له ابنته، ويريد مني أن أكمل معروفي وأساعده في إشاعة خبر بأنني هو من أوقع بها .
– و هل ستسكت الشرطة عنك .
– هو لا يريد مني اعترافا بذنب لم اقترفه، فلا يوجد أي دليل ضدي،  قال لي فقط ما عليك إلا أن تصمت عن أي إشاعة  تسمعها ولا تكذبها، ولا ريب في أن الناس فيما بعد سيصدقونها، وبما أنها ستصبح زوجتي فسيكون حينها  أمر عدم قتلها أهون عليه بكثير، ففي نهاية الأمر سيقولون بأنه استطاع أن يزوجها من الفاعل بها . هل فهمت ماذا كان يعني؟.
–   إذا عرف أبناؤك فيما بعد حقيقة الأمر . ألَمْ تفكر في ذلك؟ .
– إذا فكرت كثيرا فلن أعيش، هذا قانون الحياة، ثم إنني لم أتركها وحيدة بل تزوجتها، حتى وإن عرف أبنائي فإن في موقفي خطوطا خضراء لا تخلو من نبل، ولن أكون إلا رجلا غرر بامرأة ثم ندم بعد ذلك وتزوجها، رغم أني أعلم بأنني سأكون ميتا حين يبدأ أطفالي بمعرفة هذه الحقيقة. هل توافق الآن على مرافقتي بعد أن سمعت القصة كاملة .
– نعم وسأزفكما بسيارتي من السجن إلى البيت .
– قم بنا إذن لنصلحها .
2
بعد رحلتي تلك، قررت أن أنظر مليا إلى قدمي وإلى أين  ستجراني،  وكان لابد كذلك أن أكتشف مفتاحا قد نسيه صاحبه أو ألقاه في الأرض، في طرف ذلك المفتاح التصقت  ميدالية كتب عليها رقم هاتف وليس من اسم يدل على أحد.
حين أنثر حزمة من الأسئلة في الفراغ ولا أجد لها جوابا، فسوف أبدو كمن صرع  في حلمه غولا برؤوس كثيرة، ليصحو بعد ذلك، منهكا ومنتصرا في آن .
كان السؤال الأول هو :
– ما الذي رمى بهذا المفتاح أمام رجلي؟
والسؤال الثاني :
– ما الذي جاء برجلي لتطأ هذا المفتاح؟
والثالث :
– هل يمكن أن توجد في الحياة صدفا تمتلك مثل هذه الدقة من التحديد والمطابقة؟
 في أثناء خروجي من بيت العجوز، بعد ليلة صاخبة كان فيها  جهاز التسجيل مشتعلا كحلق عملاق في طريقنا من السجن إلى بيته. وأنا أزف له عروسه، وقد لففت هيكل سيارتي  بأنشوطات ملونة،زينة لعرسه.
كان الزوج  يحرك  رأسه بطرب، ولحيته المخضبة بالحناء تتهازز في طريق النغم  و من المرآة العاكسة أمام عيني،  بدت  لي صورة الفتاة وهي تردد عينيها الكحيلتين بفضول على  جنبات الشارع المضيء. كانت تبدو كمن  يرى وطنه بعد سفرة طويلة
حين أودعت العروسين بيتهما وودعتهما، خرجت منطلقا جهة سيارتي، قطعت الأنشوطات الملتصقة بها، ولكن  أنشوطة عنيدة أبت أن تنقطع، إلا بقوة الشد،
 فحين يشد أحد ما حبلا شديدا، ثم ينقطع فجأة لابد وأن رقبته سترتد للوراء دون قصد منه .
وهذا ما حدث لي، فحين ارتدت رقبتي إلى ما وراء جسدي، لمحت ضوءا يبرق في قلب الظلام .
أكملت نزع الأنشوطات الملونة، ولكن صورة الضوء رفضت أن تفارق فضولي، وحين خطوت ناحيته، وجدت ذلك المفتاح وكدت أن أضعه مكانه لولا أني لمحت أرقاما في ميداليته.
3
قبل ذلك . حين ذهبنا لخطبة العروس وتقديمي كشاهد على زواجه .طفحت من موظف السجن ابتسامة، يصعب أن أتبين مغزاها وأنا أنظر إلى وجه ألمحه لأول مرة، ولكني تيقنت بعد وقت قصير أنه حتى  القوة الخفية للتصنع لا يمكنها أن تكبح شعوره القوي بالسعادة لملاقاتي .
– لقد وجدته نائما في سيارته بجانب بيتي، وكأن القدر بعثه ليشهد على زواجي.
تأمل  آمر السجن ملابسي ثم صعد عينيه إلى وجهي، تفرس في عيني وغاص فيهما قبل أن يرفع رأسه ناطقا بوثوق:
– أمستعد أن تدخل معنا إلى  السجن .
– نعم
– وتوقع … على الكثير من الأوراق
– نعم . أنا مستعد لذلك.
– هل أحضرت بطاقة الهوية معك .
– هي في جيبي .
ثم تبادلنا حديثا طويلا، وتبادلنا أرقام هاتفينا وطبعنا الأرقام فيهما .
4
حين أدخلت  في هاتفي الرقم المسجل على ميدالية ذلك المفتاح، ظهر لي  اسم موظف  السجن، فأغلقت الهاتف في رنته الأولى .
ثم توالت بعد ذلك حزمة  جديدة من الأسئلة على رأسي . كان طابور طويل منها يطرق باب رأسي ويدخل في زحمة وتدافع .
بعدها  وجدتني أقف عند احتمالين لا ثالث لهما، في محاولة لدفع سيل تلك الحيرة التي فجرها وجود المفتاح بين يدي :
إما أن يكون المفتاح  قد سقط من العروس، أو أنها هي من قذفه في غفلة منا إلى  خارج نافذة السيارة  كدلالة قاطعة على رغبتها في إغلاق ملف قديم، ولابد وأن عذابا  كان يصطرع في جوفها، طوال طريقنا ذاك من السجن إلى  البيت، وقبل وصولها بلحظات حسمت أمرها وقذفت بالمفتاح .
ذلك الاستنتاج هو من تعزز في ذهني، وقد ثبّته، تأملي مليا المكان الذي سقط فيه المفتاح، رأيت آثار دواليب سيارتي، و طابقتها  وتيقنت أنه كان الاتجاه الذي دسناه معا في نهاية طريقنا البهيج.
أخذت مرارة الغيض تصاعد إلى حلقي، ووجدتني دون تردد أضغط على أرقام الهاتف وأنفاس حمراء تخفق في صفحة يدي .
– إن لم تأت إلي الآن فسأخبر عنك مسؤول السجن وسأجعل فضيحتك مع الفتاة  تنتشر .
توالت عليه عباراتي تلك كاللكمات في مكان واحد من جسده، فلم يستطع ردها سوى بهمهمات غارقة
– ماذا. ماذا تقول . ؟ أي علاقة تعني ؟.
– ان لدي دليلا قاطعا . وان لم تأت بعد ساعة، فسأجد غدا من يرتب أمور فضيحتك.
حتى تلك اللحظة كان استنتاجي ذاك الذي  حولته بثقة إلى  يقين حاسم، ينقصه اليقين، إلا أن ما أكده وحسمه  هو حضوره  في المكان الذي حددته له،  في أقل من ساعة، رغم بعد المسافة، إلى جانب هيئته غير المرتبة ونظرتيه المحبطتين :
– يا أخي أخشى أنك قد أخطأتني، صدقني فلا يوجد شيء مما تقوله .
– اسمعني، إذا أصررت على إنكارك،فإني سأترك لك هذا المكان ولن تراني بعد ذلك إلا في مكتب رئيس السجن .
– صدقني كان ذلك شيئا قديما، والآن كما ترى سيحيل الزواج بيننا .
– ولماذا لم تسترجع مفتاحك منها ؟.
استقبل سؤالي ذاك مصدوما، وقد بلع دفعات من ريقه وأحنى ظهره قبل أن يجيب بصوت منكسر  :
– يبدو أنك تعرف كل شيء، كيف تسنى لك ذلك وأنت لم تظهر إلا منذ يومين .
– إن أكثر ما يغيظني، هو تعامله معك وكأنك قد أسديت له معروفا، وأنت لا تريد سوى أن تتخلص من عبئها . وربما هي طريقتك في تنفيذ وعودك لليائسات في  الخروج من ذلك السجن الداعر.وملاقاتهن بحرية بعد ذلك.
– صدقني  قطعت كل علاقتي بها، لم يعد لها أي موطن في قلبي ورأسي
– لا يكفي أن تقطع علاقتك بها . هل تفهمني؟
– ماذا تريدني أن أفعل ؟
– أن تقطع علاقتك به هو، وإذا رأيته  مرة معك، في أي مناسبة أو صدفة،  فسأفتح هذا الملف عن آخره وستتحمل وحدك العواقب مهما كان نوعها . هل تفهمني ؟ فمثلك لا يستحق أن يكون صديقا لأحد .
– كما تشاء، صدقني . فلن يراني بعد اليوم، حتى وإن طرق بابي فلن أفتح له .
5
استيقظت، كان مفتاح سيارتي  محصورا  في قبضة يدي،  وقد ارتسم  على راحتها صورة أخرى لمفتاح جلدي، وخلف الكرسي الذي نمت عليه، تشكل ما يشبه بركة صغيرة هبطت طوال الليل خيوطا رفيعة من إبطي وظهري ورقبتي. وحين نهضت  شعرت كمن يحمل كيسا ثقيلا من عظامه. فتحت نافذة سيارتي واستقبلت الشارع ببصقة تخلصت فيها من مرارة كانت تربض تحت لساني، ثم فتحت أهدابي الثقيلة  في وجه الرداء الحارق للشمس، كان العطش قد رسم خريطته الجافة في حلقي. أدرت رقبتي جهة  الجدار الذي كانت تتعارك  في الليل على صفحته ظلال السيارات،  ثم لاحت لي البقعة الرملية المتربة التي رأيت فيها المفتاح في حلمي فتقدمت إليها .استقبلتني  صدمة كدت أن أسقط على إثرها، حين وجدت  مفتاحا مدفونا في بطن الرمل، أدرت ظهري  بعد ذلك جهة البيت الملاصق لسيارتي، وتقدمت باحثا عن ماء، وصوت العطش يفح من أنفاسي، طرقت الباب  طرقتين وانتظرت، ثم ظهر لي وجه الرجل الذي رأيته في الحلم، فشعرت من إثر الصدمة  بأن قدمي ليسا إلا عكازين واهيين  يغوصان في الوحل، فترنحت ساقطا  فوق حضنه.
– ما بك يا بني . ادخل . ادخل، احتاجك في أمر .
محمود الرحبي
 قاص من عُمان

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …