محمد خضير في السرد التنظيري ولذة الكتاب المخطوط والمطبوع

 شاعر وصحفي من العراق.

كتاب (السرد والكتاب) للقاص محمد خضير ينقسم إلى قسمين الأول هو استعمالات السرد والثاني استعمالات الكتاب، في القسم الثاني يتحدث الكاتب عن لذة الكتاب المخطوط والمطبوع، وهي مقالات جاءت بلغة شعرية يقل فيها تنظير الكاتب، قياسا بالقسم الأول، اما القسم الأول استعمالات السرد هو عبارة عن مقالات تنظيرية او السرد التنظيري في القصة والرواية والرمز والواقع والخيال والتشكيل والاغتراب، وبما أن مقالات الكاتب تقوم على أساس فكرتين متمازجتين الفكرة التنظيرية والفكرة السردية اذن هي خاضعة للحوار والنقاش خصوصا إنها قريبة للنقد، لذا ستكون قراءتنا عن القسم الأول من الكتاب أي عن استعمالات السرد، اذن سأعطي بعض تعاريف السرد وما يتعلق به كما ذكرها سعيد علوش، السرد هو خطاب مغلق حيث يداخل الزمن الدال (في تعارض مع الوصف) فهو خطاب غير منجز والقانون السردي هو كل ما يخضع لمنطق الحكي والقص الأدبي، أما السارد هو الشخص الذي يصنع القصة وهو يختلف عن الكاتب ذي التقليد القصصي الأدبي، والمسرود له كما حدده (بارت) هو الشخص الذي نصنع له القصة ومثلما يختلف السارد عن الكاتب لا يلتبس أيضا المسرود له مع القارئ فالمسرود له هو قارئ متوهم (اما القارئ هو المتفحص والمنتج) وعلم السرد عند (تودوروف) هو علم القصة، وثمة كثير من المصطلحات تعد كمشتقات للسرد كالبرنامج السردي، المسافة السردية، المسودة السردية، التركيب السردي، البنيات السردية، المدار السردي، وبإمكانك مراجعة كتاب معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة للدكتور سعيد علوش للاطلاع على ذلك، اذن محور حديثنا سيكون عن استعمالات السرد.
يبدأ الكاتب محمد خضير بالاستعمال الأدبي ويقسمه إلى قسمين الأول يستعمله الأديب استعمالا صحفيا لينال الشهرة في مرحلة معينة وهي مرحلة الأديب نفسه، ويفقد الأديب رصيده المستقبلي بعدما استنفد رصيد نصوصه في صحافة أمسه وشهرتها وقد سمي هذا الأديب بأديب المرحلة، وهو مستعد أن يتنازل عن شهرته في المستقبل لأي أديب ينافسه، أي اذا دخل في مرحلة أخرى، اما الاستعمال الثاني هو نقيض أديب المرحلة كما قال الكاتب «والنقيض من أديب المرحلة هذا، أديب تدفعه حقيقة الاستعمال الأدبي إلى موضعة ذاته الأدبية في سياق رؤيا متحولة احتوت زمانه الشخصي وزمان أعماله التاريخي» ص21, لكن الأديب في بداية مشواره ان لم يحقق شيئا يثبت جدارته الأدبية، فلا يستطيع ان ينال هذه الجدارة وهذه الكفاءة الأدبية في نهاية المشوار، بل حتى الكاتب نفسه قد نال هذه الجدارة في بداية المشوار منذ مملكته السوداء في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ناهيك عن امبرتو ايكو الذي بدأ كاتبا صحفيا وفي نهاية المطاف أصبح من أكبر الأدباء في العالم، كذلك يقول الكاتب عن أديب المرحلة (انه على استعداد للتنازل عن شهرته لأي أديب ينافسه) وكأن الكاتب يريد أن يبقي الشهرة حكرا على نقيض أديب المرحلة الذي يستعمل الأدب الى موضعة ذاته الأدبية، وهذا يحيلنا إلى الرجوع الى المربع الأول وهو التعظيم والتقديس للرمز، واعتقد أن جميع الكتابات الحديثة تحاول أن تنبذ الرموز فلا يوجد اليوم الشاعر الأوحد أو الكاتب الأوحد وما شابه ذلك. أنا في حقيقة الأمر لست مع أديب المرحلة نهائيا، ولكن طرح الكاتب للموضوع لا يخلو من إشكال.
ثم وضع الكاتب شروطا للاستعمال الأدبي الصحيح حسب رؤيته هي (ديمومة الإرسال وترابطه، نسبية الإرسال واحتمالية حدوثه، تعدد محطات الإرسال، تبدل أدوار المرسِلين، مجهولية الكينونة الإرسالية)، وبعد شرح هذه الشروط المبهمة اعترف الكاتب بان شروطه أشبه بشروط العلم وليس الأدب إلا انه علل ذلك من ناحية ايجابية.
أما في استعمال الواقع قدم الكاتب درسا راقيا للأدباء والكتاب، معولا على آراء الروائية الفرنسية (ناتالي ساروت) حينما قالت «إن الأدب يرتكز على (البحث) بالاتجاه الخاص الذي ُيفترض فيه، لأن نوعا أدبيا مثل الرواية أو القصة يهدف مؤلفه الى أن يكشف عن (واقع مجهول) أو (واقع مخفي) تعاد صياغته بأشكال وطرائق غير اعتيادية»(ص27) وحينما تحدث الكاتب عن روجيه غارودي بأنه اختتم عصر الواقعية في كتابه (واقعية بلا ضفاف) لم يكن يقصد غير الواقعية المرئية، فالواقع اللامرئي والواقع المخفي والواقع المجهول، وكل مفاهيم هذه المصطلحات تغترف من بحر الواقع وتصب فيه، لذا أرى أن الكاتب المبدع من استطاع أن يكتب نصا فنتازيا مستنبطه من صلب الواقع شريطة أن يكون هذا الواقع واقعا غير مرئي. ولدينا الكثير من الكتاب الذين أبدعوا بكتابة القصة من الجدير بالذكر فقصة أنفلونزا الصمت للقاص باسم القطراني، وقصة المعطف للقاص رمزي حسن الذي اختزل فيها الزمن اختزالا رائعا مما ينتج نصا آخر في ذهن القارئ, وأنت تقرأ بهكذا قصص تحس بأنها قصص خيالية إلا أنها مستحلبة من ضرع الواقع.
يقول الكاتب محمد خضير «إن التعاقد على استعمال الواقع استعمالا خفيا سيطرح أمام القارئ فرضيات غير مألوفة » (ص28) تماما هذا ما يريده صاحب النص المنتج، يريد من القارئ أن يبحث في ما موجود داخل النص لأنه كتب عن واقع غير مبتذل لذا يتطلب البحث كما أشارت بذلك (ناتالي ساروت) ويختم الكاتب هذا المقال بقوله « الواقعية محاولة اتصال بين البطل وعالمه، بين كاتب وقارئه، وتحديد مواقع جديدة لهذا الاتصال، أي صنع نسخة مرئية من نسخة لا مرئية».
أما في استعمال القصة فان الكاتب يفضل مسوغات صنعة القصة لأنها تنطلق من وحدة المعايير البنيوية للسرد على مسوغات تكتب بدافع النشوة الذاتية باتجاه مرحلي مؤقت، وقد ضرب مثلا بالجاحظ وبالجرجاني وكان الأخير يماثل بين صياغة النص وصياغة السوار او الخاتم وقد أشار الكاتب إلى ملحوظة تعد درسا نقديا حديثا، بل ان الكتاب برمته من الكتب النقدية بامتياز اذ يقول الكاتب « فإذا كان لنا ان نذم تأليفا فليس المذموم تأليفا (مصنوعا) أو تأليفا (مبتدعا) وإنما المذموم في هذه الحالة تأليف لا ينتج من (الموضوعات المطروحة على قارعة الطريق) سوى تأليف للمعنى بلا زيادة عليه (ص32)، بمعنى أخر لا يوجد نص جيد ونص رديء بمعنى المفردة، بل يوجد نص منتج ونص غير منتج، فالنص الرديء هو الذي لا ينتج سوى معناه فقط، لذا يقول الكاتب: القصة التي تكتب لإنتاج معنى هي دون القصة التي تهدف إلى زيادة المعنى بأعمال التفكير والتدبير ومواصلة التأمل. أعطى الكاتب دروسا للقصاصين في كيفية صنعة القصة، كما أعطى بورخس محاضراته في صنعة الشعر، فقد استبعد محمد خضير الحبكة من القصة شريطة أن تكون هذه القصة سائرة سيرا حثيثا إلى خاتمتها، وثريا النص أما أن يكون هادرا كزئير الأسد أو ناعما كمواء القطة، فالكاتب يحث على صناعة القصة ولكنه يرفض الإيغال في الصنعة بدون معرفة مبادئها على حساب المتعة والجمال، وضرب لنا خير مثال بالقاص عبد الستار الناصر الذي ساوم على الصنعة مقابل المتعة، وراهن على الوهم دون الإبداع فأدخل القصة القصيرة مسلخا أكل لحمها وشرب دمها وجعلها هيكلا بلا روح. بعدها ينوه الكاتب عن اللحظة القصصية المتزامنة التي يحركها القاص من موقع ثابت في زمانه خلال نص غير ثابت في زمانه، لذا على القارئ ان لا يزمن القصة من موقعه الثابت كما يقول الكاتب «ان القارئ الذي يريد تقييد الزمن أو تقسيمه هو قارئ لا يريد أن يصدق بان وجود لحظة تزامنية تجمع الأبعاد في لحظة قص اختزالية »(ص36).
أما في مقالة استعمال الرواية، وربما ستكون هذه المقالة أكثر جدلا من المقالات الأخرى ففي بداية هذه المقالة يقول الكاتب «لم أؤلف غير كتاب واحد ينتسب بصعوبة إلى فن الرواية وستحتل (كراسة كانون) محور انشغالي بنظريات هذا الفن»(ص38) وهنا أود أن أطرح سؤالا, إذا كانت كراسة كانون من الصعب أن تنتسب إلى فن الرواية، اليس من المفترض أن لا تكون محور الانشغال بنظريات فن الرواية؟ ويقول في نفس الصفحة (لن أتكلم على رواية محققة، وإنما على نص روائي لم أستحقه)، ولم أفهم هذه الجملة الأخيرة (نص روائي لم استحقه) ماذا تعني بــ(لم) استحقه هل هو (نص كراسة كانون) أعلى مستوى من الكاتب, والكاتب اقل منه شأنا ؟، ام العكس هو الصحيح فلا اعلم ماذا يقصد الكاتب بــ«لم استحقه»، علما حينما أنظر الى المملكة السوداء أنظر إلى محمد خضير، وحينما أنظر إلى رائحة الشتاء انظر إلى محمود عبد الوهاب، فالنص مرآة عاكسة للناص، ودائما يؤخذ الناص بنصوصه، وإذا كان جسد النص غير جدير بالانتماء إلى فن الرواية، فعلام الكاتب يتلمس جسد نصه المسجى كما يتلمس الهندي الأعمى جسد الفيل؟.
في هذا المقال يتحدث الكاتب عن الرواية بصورة عامة و بدايتها كانت بكراسة كانون إلا انه أوضح الكثير من الأمور في الفن الروائي، فقد تحدث عن علي بدر ومصابيحه الأورشليمية وباموك وكتابه الأسود وعن غوغول وأرواحه الميتة وقد أشار إلى التناص الموجود في رواية (الكتاب الأسود) للروائي التركي اورهان باموك والمأخوذ من كتب التراث القديمة، كما أشار إلى ملحوظة مهمة وهي المغالطة والالتباس الموجود في ترجمة مصطلح (موت المؤلف) الذي تـُـرجم من الفرنسية إلى الانجليزية فالعربية بالمعنى الحرفي، والذي كان من المفترض أن تكون ترجمته إخفاء الراوي أو كما قال الكاتب (مجهولية المؤلف) بدلا من (موت المؤلف).
إن الذي أوقفني في هذا المقال هو تلميع وصقل الكاتب لكراسة كانون الرواية (غير الناضجة) فهو يقول في (ص44) «إن أفضل الروائيين أولئك الذين يفكرون وهم يتقدمون مع شخصياتهم أي وهم يسردون الخيالات كأنها حقائق والحقائق كأنها خيالات في منطقة مشتركة بين التصور والتخيل، هكذا لا ينشأ ثمة حاجز نظري بين النظرية ومصادرها ويصبح مبدأ (ثق بالرواية ولا تثق بالنظرية) او فكر كما تروي المصدر النظري الوحيد للعمل الروائي، وكان هذا مصدري في كتابة كراسة كانون أيضا اذ كان السرد والتعليق عليه يسيران جنبا إلى جنب بنسب متساوية بين الوقائع والتدليل عليها» (ص44)، ولمناقشة هذه المسألة التي أثارها الكاتب أولا كان من المفترض أن يدلي بهذا الكلام كاتب آخر غير محمد خضير، من باب عدم مدح المنتج من قبل صاحبه، إذ حينما سئل برنادشو: ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وان كان حقا؟ قال: أن يمدح الإنسان نفسه، وفي الكلام أعلاه ثناء سافر لكراسة كانون من كاتبها، ثانيا ان الكاتب كتب كراسة كانون عام 2001 وبعد مضي تسع سنوات من كتابتها وقد علم إنها لا تنتمي إلى فن الرواية ولم تأخذ تلك الأهمية او نصيبها من المتلقي بل جوبهت بالإهمال فبعد مضي تسع سنوات على إصدارها اخذ الكاتب يضع تنظيرات في الرواية وفق كتابة كراسة كانون، وما هو إلا تبرير لعدم نضجها أو عدم انتسابها لفن الرواية، محمد خضير لا يختلف عليه اثنان بأنه قاص مبدع من أفضل القصاصين العرب، ولكن كذلك لا يختلف عليه اثنان بأنه ليس روائيا على الرغم من تنظيراته في فن الرواية.
والأعجب من ذلك حينما يتحدث الكاتب عن الروائيين العراقيين في موضوعه (رواية محظوظة ومؤلف سيء الحظ)(ص49) يقول عن الروائي العراقي (انه أقل الروائيين إنتاجا في العالم يعمل في داخل نطاق ٍ مفخخ ٍ بالهواجس الميتة تحوم حول رأسه الطائرات الحربية، وتدجج أحلامه الأسلحة المنظورة وغير المنظورة» وهذا تحليل خاطئ لان الحرب هي أخصب أرض لزراعة الروايات، ولو كان لدينا روائيون مبدعون لاستغلوا عقود الحرب الأخيرة الحرب العراقية الإيرانية، حرب الخليج، الحرب الطائفية بعد سقوط النظام السابق، ولكننا لا نمتلك روائيين لهم القدرة على استحلاب الواقع وتخثيره وصبه في قالب روائي رصين، بل ان الكاتب يعلل قلة الإنتاج الروائي العراقي ليس بالفشل بل بسوء حظ الكاتب، فالرواية العراقية رواية جيدة ولكن المؤلف ليس لديه حظ وافر وسيأتي اليوم الذي تكون روايته أوفر حظا من روايات الماضي وان روايته وحدها ستنتصر ؟؟؟؟؟ حقيقة انا اندهش حين اقرأ مثل هكذا كلام يخرج من كاتب مثل محمد خضير لذا فلن أعلق على هذا الرأي أبدا.
وأنا أفضل ان يبدأ الروائي بكتابة الروايات الواقعية، ويا حبذا الواقع المرئي شريطة أن تكون الرواية مأطرة بأطر حداثوية كرواية لعنة ماركيز للروائي ضياء الجبيلي، أما اذا جاء روائي يريد ان يكتب رواية مشفرة ومرمزة أو يكتب عن واقع مجهول أو مخفي وهو لا يجيد الكتابة في النصوص عن الواقعية المرئية فهذا أشبهه ببعض شعراء قصيدة النثر الذين دخلوا الى قصيدة النثر من «تحت النصوص» ان التعبير كتبوا قصيدة النثر وهم لا يفقهون شيئا عن الوزن والقافية ولا علم العروض.
كما أعطى الكاتب دروسا في استعمال الرمز وبدأ من العصور الأولى ما قبل اللغة وما قبل الفكرة حيث كانت الأصوات تتراقص برموز صوتية وصورية وأحال الفضل الى الإنسانين العراقي والمصري فصورهما رموزا كتابية تمثل الموجودات وهنا أود ان أنبه كم كانت الأصوات تتشابه وتتكرر فيما بينها هذه هي الإلتفاتة الرائعة التي أشار إليها الكاتب اذ أن الرمز يكمن بالاكتشاف والتكرار معا، فالحكاية أو القصة اذا استطاع الكاتب أن يكررها عن حكاية أو قصة قديمة ويكشف فيها رموزا جديدة تنتقل من عصر إلى آخر فقد نجح في الاستعمال الرمزي، هكذا بدأ محمد خضير يحلل الرمز واستعمالاته ونوه عن الحكاية الشعبية والخرافة العربية اذ انها لا تخلو من نظام رمزي وضرب لنا مثلا بحكاية الثعلب والطبل وكما ذكر ان الحكاية تخفي مستويات عديدة يصعب على المؤلف العصري تكرارها في حكاية أخرى. اما الاستخدام الحديث للرمز والذي يستخدمه الروائي المعاصر ذكر لنا الكاتب قصة (الاستيقاظ) لآرثر كلارك اذ أن أحد شخصيات القصة ركب سفينة فضائية غادرت الأرض وعادت إليها وبعد مئات وآلاف وملايين السنين واستقرت على سهل صخري فيجد هذا الشخص جيلا جديدا من ورثة الأرض إذن سيبدأ التاريخ من جديد من الموقع الموحش كما بدأ أول مرة، أي بمعنى أخر هي عملية تكرارية لاكتشافات قديمة برموز جديدة، وفي نهاية المقال يؤكد محمد خضير بان الكاتب العظيم يغني استعمالاته المتكررة ولكنه لا يقلد.
رحلة إلى فلاسفة اليونان
أما في المشغل الخيالي تحدث الكاتب في المقال الأول عن إهمال العرب للقصة وعدم تدريسها في مدارسهم مقارنة بالمدارس والجامعات الأمريكية والأوروبية، ثم عرج بنا لمدارس أثينا القديمة كمدرسة زيون الرواقية ومدرسة أبي قور الابيقورية ومدرسة أرسطو المشائية، وأخذنا إلى أروقة الإسكندرية ومدارسها وغاص بنا إلى أعماق التاريخ اليوناني وأدخلنا مع فلاسفة اليونان ولم يترك مدرسة أو أكاديمية فارسية أو هندية أو إسكندرية أو دمشقية إلا وأدخلنا فيها وعرفنا على أساليبها ومناهجها. سرد تاريخي عذب في رحلة مع قاص مبدع من فيلسوف إلى فيلسوف ومن مدرسة إلى مدرسة ومن مدينة لأخرى، في المقال الثاني يركب محمد خضير جمجمته الفضائية وينطلق فيها عبر الزمن، يغوص في التاريخ ويسمع مزمار بليك وأصوات عمر الخيام وهو يغني بقيثارته، ينطلق إلى الأعلى فيخترق الألفية الثانية والثالثة بجمجمته الآلية، فيدرك صراعات البشر على سطح المريخ والأجرام السماوية، صاغ الكاتب في داخل هذه الجمجمة حوارا مسبوكا محبوكا عن الخيال وأنواعه وتعاريفه بين محيي الدين ابن عربي الزعيم البرزخي وبين كولرج الزعيم المسرحي، كما اشتد الجدال بين زعماء فريق الآلة بين جون فيرن وبين ويلز الذي صمم آلة للزمن. فأول تعريف للخيال أدلى به ابن عربي حيث قال «إن عالم الخيال هو عالم مشترك بين عالمين، عالم أعلى هو عالم الغيب، وعالم أدنى هو عالم الشهادة العياني، فالخيال هو البرزخ المتوسط بين العالمين، وتجلياته ترى في الحلم والمرآة » أما كولرج فقد كان تعريفه للخيال قائلا: (إن مستوى الخيال مرتبتين أولية مطلقة وثانوية مدركة، تتجلى في الأولى قوة الخلق وفي الثانية قوة التشكيل، وما الخيال إلا قوة تتوسط القوتين) لقد صاغ الكاتب حوارات فلسفية رائعة عن الخيال بأسلوب شعري وشفاف، وقد أغنى القارئ بمفاهيم الخيال، حتى جعل القارئ يعتقد بأنه إذا أمسك كتابا ويقرأ به فليس عمله هذا سوى خيال في خيال.
استبدل الكاتب في سرده التشكيلي ثلاثة أشكال تقليدية بأشكال حداثوية وهي:
(1) لغة الوصف الشيئي / فقد استبدل الكاتب هذا النوع من السرد واستعاض عنه بــ(لغة التوليف البصري) أي المونتاج أي الصورة الفوتوغرافية والسينمائية.
(2)  ابتعد الكاتب عن (وحدة الفكرة وتتابع الأحداث) واستعاض عن هذا الشكل بــ(ترابط الأحاسيس والمدارك)
(3) ابتعد عن (إنتاج الدلالة) واستعاض عنها بـ(إنتاج الأثر البصر ي والذهني)
بهذه الأشكال الثلاثة كتب محمد خضير معظم قصصه كقصة القطارات الليلية في مملكته السوداء، وقصة الصرخة واحتضار رسام في مجموعة 45 درجة، كما استغنى الكاتب عن (موضوعية) القصة فهو يقول: أحتاج الى (حالية) القصة أكثر من حاجتي الى موضوعية القصة هذا في استعماله للواقع أو التجربة المعيشية التي يستمد منها حالية القصة.
أما في دفتر اليوميات فقد ألقى الكاتب نوعا من العذل على الأدباء والكتاب العرب في الفترة السابقة الذين استغنوا عن كتابة يومياتهم أو مذكراتهم وأشار الى مذكرات بوشكين وانتقالها من دولة الى دولة على يد أحفاد الشاعر، كما ذكر كثير من الأدباء ممن احتفظوا بيومياته كماركيز واناييس نن وفرجينيا وولف، وأيضا كثير من الأدباء ممن جعل مذكراتهم أو يومياتهم طعاما شهيا للنيران.
أما بالنسبة للاغتراب السردي كان من الجدير أن يكون عنوان المقال (الاغتراب) فقط مجردة من أي إضافة لأن الاغتراب ليس في السرد وحده بل الشعر أيضا والعمل وحتى في اليوميات أو المذكرات التي تكتب في مرحلة مبتدأ من حياة كاتبيها، فالشاعر او القاص حينما يبدأ بكتابة نصوصه في مراحله الأولى فبعد ثلاثين أو أربعين سنة ستكون هناك فجوة أو هوة شاسعة بين الكاتب ونصوصه، يحس بان نصوصه غريبة عنه وهو غريب عنها، وهذا الاغتراب موجود حتى في الحياة المعيشية وضرب الكاتب مثلا بالعامل الذي يعمل طوال الوقت أمام آلته فانه لا يشعر بالاغتراب مثلما يشعر به ويدركه في يوم عطلته.
ان محمد خضير يريد ان يغير هذه الظاهر الإنسانية من الميدان العملي الآلي إلى ميدان العمل الحكائي (الرمزي) اذ قارن بين إنتاج العمل الآلي والإنتاج السردي وقد نجح في ذلك في حكاية عن حكايات بصرياثا التي أعاد روايتها في نهاية المقال.
 
* صدر كتاب (السرد والكتاب) للقاص محمد خضير في مايو 2010 ضمن سلسلة كتاب مجلة دبي الثقافية.

 

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …