مختارات شعــــــــريّة

ترجمة: ع. م
رائحة الماء

أطلبُ السلامَ للقادرينَ على إعطائه
كأنّه ملكيَّتُهُم الخاصّة، شيءٌ من أشيائهم
السلام ليس حمامة فاتنة
إنّه أثر بسيط من قلب مألوف
كلمات متبادَلَة يمكن أن يتقاسَمَها البشر
لقَولِ الجوعِ والعطش، الخبزِ والشِّعر
المطر في نظرات الذين يَتبادلون الحُبّ.

الحِقدُ. الحقد.
أسيادُ السلامِ هم أيضاً
أسيادُ الحقد.
أسيادٌ صغارٌ، أسيادٌ كبارٌ، حِقدٌ شاسعٌ دائماً.
الفولاذُ هنا، المَعدِنُ الرماديُّ، الأزرَق
الذَّرَّةُ هنا ومنها نصنعُ ما هو أفضل من مُرَبَّياتِ
الفطورِ التي نأكلها
مع الزُّبْدَةِ والكرواسّان.

أسيادُ الحربِ والسّلمِ
يسكنونَ فوقَ الغيومِ في حَمَلايا
أبراجِ المصارف
أحياناً يرَوننا، لكنّ حِقدَهُم هو الذي يرى،
في أغلبِ الأحيان:
ولِحِقدِهم نظّاراتٌ سُود نعرفُها

ماذا يريدون؟ أن يتركوا أسماءهم في التاريخ
إلى جانب من هم من سلالةِ الإسكندر ونابليون
هتلر ليس غريباً عنهم
مهما قالوا:
على أيّ حال، صُنِعَ البشرُ لكي يموتوا
أو، عِوَضاً عن ذلك، لكي يُقتَلوا
وهم، على طريقتِهِم الفُضلى، يخدمونَ نظاماً ما
الفوضى من مهمَّةِ الكلاب، أمّا البشر فهذا يعني التمدُّن
إذاً على وَقعِ الجِزَمِ، وقصفِ المدافعِ والقنابل
لِيَسودَ النظامُ حيثُ كادتِ الحياةُ،
بفعلِ ضرباتِ أزهار المارغاريت،
تُعَطِّلَه

بفعلِ ضَرَباتِ المارغاريت والأصابع المتشابكَة،
ونكهةِ الضوء،
هذا الصمتُ الطويلُ الذي يستقرُّ فوقَ الأشياءِ، فوق كلِّ أثَرٍ،
على الشّفاهِ وجِلدِها السعيد،
حين يبدو كلُّ شيءٍ وكأنهُ يسيلُ من نبعٍ
كنَهْر يسيل
في عالمٍ ليس جامداً، عالمٍ ثمِل،
يذهب ويجيء، ويتنفَّس…

أيّها العالمُ… يا أنتَ مع جمالِ بحارِكَ،
مع أقاليمِكَ، خطوطِ الطولِ، القارّات،
رجالِكَ السودِ، رجالِكَ البيضِ، رجالِكَ الحُمرِ،
رجالِكَ الصُّفرِ، رجالِكَ الزُّرق،
ومع بهاءِ نسائكَ وسطوعهنّ
وقد امتلأنَ بعيونٍ وأثداء،
بظلالٍ شَهِيَّةٍ وسيقان
أيّها العالم، ومعكَ الثلجُ فوق القمم والكثيرِ من الثمار
في وديانكَ وسهولِك
الكثير من القمح، من الأرزّ الثمين، لو فقط أردنا أن
نتركَ “غايا” الكريمة تُنجِبُ الكثيرَ من الأطفال،
الكثيرَ من الأطفال،
وللملايين منهم، الكثيرَ من الذُّباب
أيّها العالم، لو فقط كنتَ تريد أن تُفَلّي الجمجمةَ الصّلعاء
من القَملِ، هذه الكائنات الجراد
وتُسِرّ إليها، كإملاء اليَعسوبِ،
شيئاً من حكمتكَ الأبديّة
أطلبُ السلامَ لجميعِ القادرينَ على إعطائه
وهم قِلّة، على أيِّ حال، رجالُ
العُنفِ والبرد
قد تَكونُ لهم أيضاً،
على الرّغم من المظاهر،
ذكرياتُ طفولةٍ، أمٌّ مَحبوبَة
أسطوانةٌ قديمةٌ طالما استمعوا إليها،
في الماضي
آه، لترجِعَ إليهم لحظاتُ الذاكرةِ هذه
مع باقةٍ من البَنَفسَج!
عندئذٍ، سيتذكّرونَ صباحاتِ النّدى
رائحةَ الماءِ ودخانَ الفجرِ
على سطحِ القمر.

ما نعرِف
العنيدة الجميلة، الأكباش الكبيرة المتوحّشة
أتذكّر خطواتها الخفيفة
على القمم الوعِرة للكلام
حيث يأتي النهار بعد النهار ويأتي الليل
ليعانق قسوة العالم والسماء
الكاوِيَة، بِخشبٍ حيّ، لياليها والوجوه
يا أيّها الحبّ الساخر
إلى أين تقودُ ظلالك
السعيدة بتدفّق الريح في الوادي
وادي بلاد الطفولة ودوائر أشجار تفّاحها
عظيم هو جوعي بين هذه الألبان المنتهية
أوطان ضائعة لهذا الطفل الأعمى الضائع
المنتظر صعود النُّسغ في جسده
كم كان يرغب لو ينسى ذلك كلّه
وينظّف أوراق الحديقة أمام بابه الصّافي
ثمّ يتوجّه إليّ: لا تقُل ما لا تعرف
وما تعرفه قُل منه القليل.

خطوبة النّداوة
عصافيري، أولادي، لماذا هذا الجبل
هو خطيب النداوة؟
مع النجمةِ الأعلى من الخريف
كمِثلِ عنكبوت شفّاف وماسِ الأراضي المحروثة
أيّها القمح، يا قمح الورودِ الحُمر
شمسٌ هائلة تهبط فوقَ رؤوسنا كوَبيل
من أغصانٍ دقيقة ورواسب كلسيّة عنيفة
لتساعدنا على النوم في أحلامنا.
ها هو المُطلَق،
التِّبن والفصول، من عام إلى آخر.
المرأة وظلّها، يدها على كَبْش القرون.
صامتة هي – هو : صامت – تحت المنحدرات.
كُتِبَ الكتابُ، انتهى، والملاكُ طَوى الجبل
وفي النهارِ الآفلِ، ثمّة رَجُل
يقفُ في رشاقةِ الشجَر.

ذات مساء
ذات مساء من نارٍ وعشب،
لامسَ الجنونُ العينين.
وجهُها حاشية من الدمع والأهداب
تُمنَح لملاك البرد
الريشةُ شعلة مفتوحة
تَمضي
تنحلُّ ملامحُها في الرماد
إثر وصولها إلى المرفأ المشتعل.

نُعاس الثلج
I
مسلّة نائمة مظلّلة بالثلج
في الريحِ الخاوية حيث يتعرّى البرد
كظلّ رجل مظلّل بالثلج
ومتوَّج ببقايا البرد
بُخار مظلَّل مختصَر بالثلج
في هذا البلدِ المشتعل فجأةً بالبرد

هذا الرجل الذي سيكون، سيأتي ليموت
في طيّةِ وردة من ورود البرد
وقد أعطى اسمه للثلوجِ
المولودةِ من الأرض، العائدةِ إليها
كمثلِ ماءٍ ليليّ تَقَبَّله القلب
هذا الرّجل الذي أعطى في أقصى النومِ
جسدَه، جسدَ الحبّ، ونسيانه
قليلاً من الثلجِ الحيِّ الخائفِ من البرد
الرجل الذي منحَ أعضاءه للرّيح
فارس العُري وحصانه
تآخيا وشربا حليبَ الرّيح نفسه
وهو من نَجمٍ ضائعٍ وحليبِ امرأة
فقيرة شديدة الفقر ومقيمة في الحلم
تجلسُ بيدَين محروقتَين
لملامسةِ بَردِ العُري
لامسَ الثلجُ أخيراً
عضوَه، عضوَ الرجل المعرَّى
ووالدته جاثية تطهِّره
وها هي يدها تصبح حلماً
مشدوداً إلى قلبها وهو شجرة الوريد
هذا الرجل الذي فقدَ اسمَه، اسمَ الثلج،
في الخارج، والدته وحصانه
أمّا هو، فيشرب الحليبَ ببطء
حليبَ الفتاةِ الأكثر عتمة
الأكثر عُرياً مع زغبها
جالسة حيّة وقُماش دمها
تحلمُ والماء على كتفَيها
يجعلُ الظلَّ يلمعُ من كتفَيها
في مغسله يساعدُ موتَه
المولَع بالتأمّل والذي يناوله ثمرة
يأخذ ثمرتين لحصانه ـ يخرج
ولا حصان أمام بابه، لكن
كألفِ قيثارةٍ هائلة فجأةً
الشعلة مع الشعلة مع المطر

II
لكن المُطلق، مُطلق الثلج
شعلة عالقة بحصان
هو الأصفى بينَ أحصنةِ الأرض
تقبله الحدائقُ والغيوم
بوصفها أشكالَ حياة
تحترقُ مساءً في مسارح الهواء
حتّى لا يعود ثمّة شيء آخر إلاّ الليل الحيّ
وإذا الحصان والشجرة
كلاهما يحمل الإشارةَ التي تؤمن
بالتقلّص
وبالتجرّد الموعود
لكن أصفى
ما في الشجرة سيتشكّل في النّفس
وتكسوه ليلاً الغيوم
أزهار وثَمَراتها معاً
قليل من أبديّة تصبح نهاراً
إنّهما معاً عند هذا الجانبِ من النّهار
مع الأبديّةِ كحصانٍ
يشربُ، جرعة واحدة، أبديةَ النهارِ
الناعمة والحاضرة في الشجرة
كجرّة محطّمة ومحترقة
صارت امرأةً لكنّها تلتهب
لكثرة ما تقيم في الصفاء
هي الحديقة وثمارها ثلج
كحديقةٍ من ثلج وثمارها كلّها
هي هذه المرأة التي لطّفتها الشّعلة
تمنح بيديها الاثنتَين هِبَةَ الثّلج
لعذابها، للبرد
يلمع قاطعاً كنفاذِ نَجم
تكاد تجتازه غيمةُ
فكرٍ تكاد تعكسها
هذه المرأة التي يعذّبها العالم
تحتَ سحابة ما لا يُعرَف
امرأة وجرح ومروحة تتأوّه
كحمام
يفتنها تمهّلُ
احتراق كيانها الذي لا يخمد
لا أحد هو، وهو هو
قليل من الموت مقابل المرأة الحيّة
النائمة المحروقة بالصّوَر
نائمة هي، وهي هي
أعيدَت إلى بلادِ الثّلج
مع كمنجاتها الطويلة، كمنجات الشفافية
التي عتّمها عبورُ الغيوم
وعنبها عنب المطلق
جسدها جسد المرأة حمامة مكتملة
ووجهها كثلجٍ ملتهب
يمنحه الليل كلّه للّيل

III
وعنبها غسله البحر
وغسله الزّبد وأحرقه
كجذرِ ماءٍ في فحمٍ
مسرح الظلّ
رماد خفيف
حيّ
في غبار الأحياء وعيونهم
تحت عذوبةٍ تخلقهم رماداً
مسرح عظام، جسد متاهة جميل
يضيئه مصباحُ تُرُنجانٍ
في مرآة الأرض المتلألئة
حيث تشتعل شجرةٌ مشمسة بالزمن
وتصبح عنفَ حمامةٍ
فوق حبّ، وجهه
سلاحٌ يستريح في الثلج
جسد جميل، يا للجسد المولود من شجرة
عالياً عالياً من نور الشجرة
يتوسّل وجهُك المهجور
أن يشعل العشب فوقه
حتى تأتي الأرض بعد الثلج
وبذارها التي من نار
لا تحبّ إلاّ الأكثر التهاباً، الطير الأحمر العنق
عصفور ضائع تحت غيمة التوهّج
يطوّق لهشاشتها اللبلاب
الذي يلتهب وحده أعلى من الموت
قرب مصباح – أُغرقَ في ظلامِ النّهار –
بطيء، ولكثرة بطء اشتعالهِ في الرّوح
كلّ حجر إليه إشارة وفأل
ليكن كلّ حجر هذا القليل من الأرض
الخارجة من الماء ككتفٍ تتوهّج
توهّج المرأة وبطنها الأنثى
لحمها المجروح يفتن الروح
كمثلِ نجمٍ تائه في أنهرِ
أرضٍ أخرى قديمة حيث سيسبق بالحجارة
أولئك الذاهبين ما وراء القمح
كمثلِ نجمٍ تائهٍ في الأنهر
هي هذه المرأة التي يشير إليها العصفور
مع الدّم الذي يسيلُ منها ويجعلها
جريحةَ القصَب.
حجر غامض وفخذاه حمام
شعلة طويلة قائمة في البرد
حتّى يتحوّل رجالُ الدّمِ حلماً
إنّها هنا صديقة النار، ومعها
ظلّ بلا غبار مع يدين
ووجهها ابن الثلج
مشتعلة نائمة في الشعلة
تمرّ بحمدها المظلّل بالدّم
بين النهر والنهر الآخر –
هذا الذي هوَ، هنا، موت وبيت

IV
وأيّ ثلج؟ هنا، في البيت
لا توجد إلاّ فكرة الثّلج
والرّجل أيضاً مع ظلّه وحده
والنّهر الكبير في غرفته: يراه
يجتمع بعيداً كمصباحِ مسرح…
الرّجل جالس في مغسله يساعد
التأمّليّ الذي يناوله ثمرة
يأخذ ثمرةَ تينٍ لحصانه – ويخرج
لا حصان أمام بابه، لكن، فجأةً،
كألفِ قيثارة هائلة
الشعلة مع الشعلة مع المطر.

رماد
أشعلتِ الشمسُ منزلَ الشمس
هدأت الموسيقى الفانية، طفلة الرمادِ
جميلة، شوَّهَتها نسمةٌ
جميلةٌ ومرحَّبٌ بها. في اللامخيّلةِ
ستنامُ الموسيقى
محاطة بطبولِ العدَم
منزلي من زجاج
ويحرسه هَزار
الهزارُ الأكثر ضماناً: الصمت

طيران فراشة في الجهة الغامضة
كنتَ طفلَ لوحة خضراء
معلّقة فوق جدار الريح السميك
ساقيةٌ تحتَ قدميك
أرنبٌ وسَرخَس
أيّلٌ في أصفى الغاباتِ ينظرُ إليك
مرَّ الوقت. كنتَ قرداً يعتلي شجرة
مرَّ الوقتُ ومرَّ الزّمان
القدَرُ، آكلُ كلّ شيء، يأكلك
يداك، قدماك، ملحك، سكَّرك
كلّ ما فيك، من الآن فصاعداً، خبزٌ
لِمَلاك غير موجود.
بيدٍ متيبّسة
ثمّة من يمحو فراشة فوق رأسك
فراشة، فراشة
.(نملة، نملة)
ليودِعَها صندوقَ قُمامةِ القمر
السديمَ والسؤال.
نشيدٌ إلى الوَقْع الدَّفين
دخلت شجرةُ الزيتونِ المنزلَ
لتحيّي عودةَ الروح
ترافقها نارُ الفصول الكثيفة
في أزرقها المرعب
حيث عشنا بِشغَف
(بشغَفٍ عشنا
بشغف ركضنا
بشغف تضاءلنا
بشغف متنا)
والآن طَوافُ البحيرات
طوافُ الأزهار
والأشجار، آه! الأشجار التي حيكتْ بالدموع…
أحدُهم (وقد يكونُ أنا نفسي) دارَ حولَ العصافير
ثمَّ نامَ على ظاهرِ يدَيه
في محاذاة الخسارة
القطّ الضائع يدخل في المَجاز
رآه الطفلُ وصرخَ باسمهِ الناريّ
واهتزّتْ جذورُ الجبل
هل حدثَ ذلك في ذاكرةٍ أخرى
ذاكرة من؟ ذاكرة ماذا؟
طالما أنَّ بلَّورَ وجهي لا يزالُ هنا
في قلبِ الجبل
منتظراً خَلاصَهُ في الخِرَق
يقولُ القطّ: “هذا ما سينتهي قريباً”
يقولُ الطفلُ: “هذا ما سينتهي قريباً”
في الصوتِ السابقِ للصمت
في الصمت
لونٌ لونٌ ملتمعٌ لا يُعَدّ

الراقدون
يتحدّثونَ عن الريح عند حلول الليل
مع عبور الآلهةِ خلسةً
ولصوصِ الظّلال.
أعطيناهم شَراباً عند الشَّفَق
فابتسموا ولم يشربوا
ومضوا.
هَبَّتِ الريحُ. حملتْ القليلَ من الزَّبَدِ
إلى الشُّرفة، تحتَ العِنَب
كانَ البحرُ يتمرّنُ
عند عتباتِ البرونز
ويَهذي بهُدوء.
كنّا نَهذي، نتركُ أيدينا
تتبعثرُ في مربّعاتٍ ضيّقة
والريشُ يَحومُ فوقَ الشُّرفة
وهي تَحومُ معنا، ونحنُ نيام

بعلبك
هنا بعلبك وأعشاشُ رُخامِها
تحت حمامات الصباحِ العابرة
ينام النّجم نصف إغفاءة في أسرّةِ الخُضرَة
حيث ينسحب الليل بخطى سريعة
تاركاً مسرح حجارة الروح
لما فجأةً سينبثق:
أسدُ هيوبوليتان الكبير ووجهه
الذي تلتهب فيه
سبائك العالم كلّها
صباح الخير يا بعلبك الصباح
صباح الخير يا الإله!
يا أبولون الراقص!
رقصتَ هنا علىَ الموسيقى
من أجلكَ ارتفعَ الغناء في لغات كثيرة
من أجلك اقيمَت المسرحيات
والمراثي
جلس الآلهة بين المشاهدين
بين المستمعين، والهواة،
وشربوا كلّهم، مع الكلمات والموسيقى،
نبيذ ضوء القمر
النبيذ القويّ المجرّد
ثمّة قمر كان أحياناً
أبولون الإله المقنّع،
أثناء لياليك العاشقة هنا:
تألُّق وبهاء
ستّون عاماً من الذاكرة الاحتفالية
إلهات الوحي يتذكّرنَ
لبنان، ما وراء الدّمع، يتذكّر
والعالم يتذكّر
وأهالي بعلبك

دائماً دائماً
مع الذكرى السعيدة تولد آلام
ويخفق
يخفق القلب.
لورايوس
فارغٌ هو العالم
العالمُ فارغ
فارغة هي الأرض
الأرض فارغة
فارغة هي السماء
السماء فارغة
فارغة هي الريح
الريح فارغة
القلبُ أيضاً
الحبُّ أيضاً
الأملُ أيضاً
رأسكَ أيضاً:
طَبَق.
المدنُ والقارّات
تحتَ مِنْحَتِ الفراغ
تنفصلُ
الأسماءُ والمعاني
الأضواءُ التائهة
وشاحُ إيزيس قوس القُزَح
في أفقِ المادّة المتوهّج
حلمُ المومياء مع أغماد مجفّفة
مومياء طائرة
في الأبديّة غير الأبديّة
تركت أحرفها الهيروغليفيّة تُمطر بلا مطر
في قلب المعنى للاَّمعنى الذي هو معنى
تقتفي أثرها فراشة
نَغَفَةٌ ومومياء
عدَم.
إشرب النَّفَس ولا نفَس لك
من دون نَفَس، خرجَ إله ضيَّعَ خطواته
أكلَ ثلاث حبّات زيتون
وتبدَّد
إله آخر ضيَّعَ خطواته
خرجَ وأكلَ الشّوكَ المعمِّر
وامَّحى
الإله الثالث لم يأكل
لم يخرج
لم يكن
يقول للفراغ المقعَّر: “لا حفرَة”
في الجهة المقابلة للفراغ، لم يقُل
تبدَّدَ. امَّحى. لم يكن
الحفرةُ استولت على القيادة. الحفرة كانت
لا تنطق الحفرة ولا تكون
تنشر السّواد على ألواح المدرسة
في ما يُجَفَّف
تشرب الإسفنجةُ العضويّة
قحلَ الأراضي
الحشَرة مصلوبة بين المجرّات
سيطرت وتحجّرت
خلايا ميتة: صحراء مدوّخة، فلنقف
عينُ العين فقدت ليونتها، لا شيء يفتحها
حركة الآلة الصدئة المسحوقة
من داخل ذاته يرى الحجر
الذي لا يراه، لا يرى
عماكَ عَزلٌ لعَصَب ثور
باقة لغات وألسنة مجفّفة في كثبان الرمل
تجويف صدر الحشَرة المتضامنة
مع الانحلال
والروح غابت
الكون في الموت
الكون خارج الموت الخارج داخل
الخارج هو الداخل
الداخل هو الخارج
ظلُّ الدّهلية
على جدار كلسيّ
الليل سمكةٌ ونظرتها جليد
الليل لا يرى الجدار
يصطدم به
إنّه طنين لانهائيّ
في جُلجُل المجرّات غير الموجودة
المجرّات
في الداخل والخارج
يعبرها الدخان البعيد
الوقت كلُّه الوقتُ كلّه
لا وقت لا كلّ لا وقت
ومع ذلك، يصيح الأولاد في باحة المدرسة
يعيشون كلّهم فوق حبّة رمل
هاربة
أجرام سماويّة غير موجودة
في الداخل والخارج
يجلس الوقت ويأكل طرائد أسماككم
تمثال صبيّة المتاحف أبيض اللوتس
يتصفّى أمام الشمس اللازورديّة
جسدها ودوائره في ثنايا مفقودة
فتاة مُغلَقة، عجلتها بيضاء
تتقاسم العشب وحده
والوادي عند انفراج فخذيها
خيط الماء الأخير
هذا، هذا وَهْم
سنديان، انعكاسات. برقشة
متخيَّلة.
وَهْم يُتَوَهَّم
من هو المتوهّم؟
ليس هو من أراد أن يكون هو.
هو لا أحد. هو، لا يشرب
من ثديي العدم الفاسق
ولا مغيب له إلاّ في الأفق البعيد
المحجّب بالرمل الأسود
والعدم مادّته الماسيّة
لا قماشة واقية للمظلّة
هل هي مظلّة ما ورائية؟
هل اشتعلت قُماشتها؟
بقي منه عود ثقاب فريد
وعلى رصيف محطّة بلا قطار
حقيبته وحياته.
كان ثمّة فردَوس
شعوب بَرزَويَّة
كان ثمّة شجرة حمقاء
رجل وامرأة، جراثيم جائعة
في حلقها رصاص
بائدون وموتى من دون أن يوجدوا
وُجدوا
وهم يحملون لافتات:
العدم
أجراس البرونز وُجدت هي أيضاً واختفت
اختفى البرونز وعاد إلى الرمل
الله في فردوسه ينظر إلى أصابع قدميه
في ظلّ شجرته
مفكَّكة هي
الأسماء
والمعاني
يا عبَّارة شائكة
ليُمنَح رأس أوزيريس وسادة
تتكاثر فيها الجعلان الدائرية
أبواب اللاشيء، يا باب الصين، عَتَبة المُطلَق
لتُفتَح المصاريع وتُغلق
على أوزيريس (المُغمى عليه) وقد أَعمته الجعلان
للأبديّة المزيّفة
أوزيريس هو الأكثر ابتعاداً عن الأحياء الأموات
وعينه بيضاء في الظلام الأبيض
الشمس ما عادت تناديه “يا حبيب””
وما عاد له حدقة للشمس
كلّ شيء صبّار. هو، المغلوب، سيسكن صلبانه
غُرزَ في الوسط الخنزير البرّي
وشقائق النعمان
تمطر فوق إيزيس
الراقصة المجرّدة بلون ريح الشمس
تضرب بعَقبها أرضاً متأجّجة
وترقص بخفاء في اللامنظور
شذرات من كتاب “إشارات وقرود”:
ثمّة عطش في الماء.
أن تكون وحدك، يعني أنّك تلعب مع بنات أفكارك.
* * *
الشعر هو غير المُدرَك وقد أصبح غير مرئيّ.
* * *
أن تدفن النار هو أن تحلم بالماء.
* * *
الفتاة الأجمل في المنزل هي المياه.
* * *
الشمس، تلك الدمعة الأبديّة.
* * *
إذا أردتَ ألاّ تهتزّ الأرض تحتك بعد اليوم، تصرّف وكأنّك غير متيقّن من شيء.
* * *
من الرمل ينسرب الإنسان. من الإنسان ينسرب الرمل.
* * *
الموت يجعلنا أجداداً. الطفل الميت هو والد أبيه الحيّ.
* * *
يطبق المنزل جفنيه في ذكرى شجرة.
* * *
بين الرجل وفكرته، يوجد جسد ممدّد. الأفكار المجرّدة من الجسد ليست شيئاً على الإطلاق.
* * *
الحياة تولد من الشعر. لا أطفال للموت.
* * *
تحبّنا الكلمات أكثر ممّا نحبّها نحن. النتاج الكبير يُقرأ ويٌنسى. تماماُ كما نتنفّس وننسى أنّنا نتنفّس.
* * *
الشمس تقتفي أثرنا. والريح تمحو الأثر.
* * *
اللون الأبيض هو الأكثر عبوراً. الأكثر روحانيّة.
°°
لكي يهرب من الوقت، يحوط الإنسان نفسه بالساعات.
الشعر اشتعالُ المظاهر.
* * *
ينبغي العمل بسرعة لأنّ الموت يعمل بسرعة.
ينبغي العمل بأفضل صورة ممكنة لأنّ الموت يعمل بأفضل صورة ممكنة.
* * *
ما نحفظه من الحياة يمكن اختصاره بعبارات قليلة. البعض منّا يمضي الوقت في البحث عنها. الآخرون، من وراء أكتاف الأوائل، ينقلونها ويعاودون نقلها.
* * *
ألَمٌ هو اسمُ الوردة.
* * *
نسكن طيفنا حتّى لا يسكننا.
* * *
هذا الشيء المرتبِك في القلب هو الوردة. هذا الشيء البسيط في النفس هو عطر الوردة.
* * *
النتاج الكبير ساذج لأنّ الحياة ساذجة. عالِم هو النتاج الكبير لأنّ الحياة عالمة. من هنا إلى هناك، بين العلم والسذاجة، تمضي نحلةُ اللغة.
* * *
الأمل واليأس هما من بحر وزبد.
* * *
حبّ البعض يحرمنا من حبّ البعض الآخر. حقدُ البعض يقوّي ضدّنا حقدَ البعض الآخر.
* * *
الهيكل العظمي هو العبارة الوحيدة المنظّمة.
* * *
أمام هذه العبارة الصافية تتلعثم الحياة.
* * *
المنزل الأجمل هو المسكون أيضاً من الخارج.
* * *
القلب في الصدر: نمرٌ في قفص.
ثمّة حاجة إلى الهواء لإضاءة الغرفة.
* * *
ضع قناعك ثانيةً لأتعرّف إليك.
* * *
من نافذة الغرفة الكونيّة نراقبُ الوردة التي تراقبنا.
* * *
نفاجىء الحياة. الموت يفاجئنا ونحن في أقصى الدهشة.
* * *
عنّا تبكي الدموع.
* * *
إذا بكيت عليّ، أجفّف دمعي.
* * *
أسلحة مرئيّة. معارك غير مرئيّة.
* * *
يقول النتاج الكبير: قدريّة هي الأشياء كلّها. ليس ثمّة نتاجات كبيرة حرّة. نيتشه الذي أراد أن يكون حراً كبّل نفسه بالجنون.
* * *
الكتابة عند حدّ الفَيض والنهر هي الطريقة الوحيدة للكتابة. ما دونها صيد بالصنّارة.
* * *
كلّ منّا بدمعتِه السريّة يسقي زهرة لا يعرفها سواه.
* * *
لا شيء في موضعه. كلّ شيء ينبغي أن يُعاد إلى وطنه. لكن إلى أين؟

* * *

(القصائد مأخوذة من عدّة مجموعات شعريّة، منها: “الكائن”، “الأوراق الأكثر خُضرة”، “الثعبان الذي يرى”، “نوم الثلج”، “إشارات وقرود”).

شاهد أيضاً

لِمَ ننادي بنظريّة نقدية عربية؟! الواقع المعرفي والثقافي يؤكد عالمية النظريات

فهد حسين إن الدعوة التي تطلق بين الحين الآخر في مشهدنا الثقافي والنقدي، وهي: الحاجة …