مختارات من قصائد «يوليا غيرغي»

ترجمة: محمَّد حِلمي الرِّيشة

شاعرةٌ منْ رُومانيا، تكتبُ الشِّعرَ باللُّغةِ الإِنجليزيَّةِ. نشرتْ مجموعتَها الشِّعريَّةَ: “سجناءُ سِينما باراديسو” فِي العامِ (2012م). نالتْ لقبَ: “شاعرُ العامِ” مِن موقعِ: “Destiny Poets”، فِي العامِ (2014م). فازتْ بمسابقةِ: “Black Water Poetry” عنْ قصيدتِها: “Lost in Blue Curtains”، فِي العامِ (2015م). كانتْ ضمنَ المختاراتِ الشِّعريَّةِ: “The Significant Anthology”، فِي العامِ (2015م). تساهمُ فِي العديدِ منَ المجلَّاتِ الإِلكترونيَّةِ.
• بسببِ الوباءِ
نَمتْ جدرانُ حيَاتي تعانقُ
غابةً سِلكيَّةً ضخمةً تفقعُ عينيَّ
خارجتَيْنِ معْ رُوحي أَيضًا
صارتْ بساطًا مطحونًا عَلى الكرسيِّ ذِي الذِّراعينِ
أُلصِقَ عَلى شاشةٍ ضخمةٍ
اُستعبِدتْ مِن قِبلِ شياطينَ غَير مرئيِّينَ.
بسببِ الوباءِ
رَفيقتي فِي السَّكنِ تعطسُ موتًا
خياشيمُها كهوفٌ ضخمةٌ ابتلعتِ الوقتَ
لقدْ فقدتُ الدَّربَ
بدأْتُ أُخربشُ عَلى الجدرانِ بهذهِ القصيدةِ تحديدًا فالخوفُ يُسيلُ دمًا سائبًا.
بسببِ الوباءِ
تحطَّمتِ الأَقنعةُ وأَنبتنا غيرَها جديدةً

• كآبةُ “مُونِيه”
(كلود مونيه (1840- 1926م): الرَّسامُ الفرنسيُّ الشَّهيرُ)

مَا منْ أَملٍ فِي هذهِ اللَّوحةِ،
بينَما أَقفُ وحيدًا فِي زقاقِ الحياةِ،
والشِّتاءُ الأَبديُّ يحفرُ قَبري.

 

أَقفُ وحيدًا تحتَ هذهِ السَّماءِ الكثيفةِ؛
يتبلَّلُ حِذائي،
وتتجمَّدُ أَطرافي،
وتتحجَّرُ رُوحي.
صمتٌ وحشيٌّ يأْتي منْ جدرانِ البيوتِ القديمةِ،
والموتُ فِي الأَشكالِ المُزرقَّةِ دائمًا…
نثرتُ حُزني علَى الثُّلوجِ المُتَّسخةِ،
فمَا منْ أَملٍ فِي فَصلي هذَا؛
أَقفُ وحيدًا مثلَ هذهِ الخرائبِ
مُلطَّخًا بمزاجِ شِتائي.

• بحرُ الصَّيفِ العاصفِ
لأُسبوعينِ وإِلى الآنَ لمْ تتوقَّفِ الرِّيحُ
تَشعرُ كأَنَّ البحرَ يئنُّ بشكلٍ متواصلٍ عَلى نوافذِكَ
بحرٌ منَ الأَشجارِ يرسلُ موجاتٍ هوائيَّةً تعبرُ شقَّتي وتنتشرُ عَلى نطاقٍ واسعٍ
لَنْ تتوقَّفَ عنِ الرَّقصِ
إِنَّها تتحرَّكُ مثلَ آلافِ الأَشباحِ فِي حالةِ نشوةٍ
تغلقُ الأَبوابَ بضربةٍ عنيفةٍ فِي مكانٍ مَا فِي المَبنى
ربَّما كتبَ أَحدٌ مَا سيمفونيَّةً واستعملَ الأَبوابَ بدلًا منَ الطُّبولِ هذَا الموسمَ
مِن وقتٍ لآخرَ تندفعُ أَمواجٌ مدِّيَّةٌ [تسونامي] مِن صافراتِ الإِنذارِ فِي الجادَّةِ
تتخطَّى أَنتَ دقَّاتَ القلبِ والموتُ يمرُّ فِي مركبةٍ صغيرةٍ منَ الصَّفيحِ
أَتساءَلُ مَا مَدى ارتفاعِ الضَّوضاءِ فِي ذلكَ المستَلمِ
أَتساءَلُ إِذا ذلكَ الصَّوتُ الرَّهيبُ يخيفُ الفيروسَ بعيدًا
ثمَّ تُوصِلُ الرِّيحُ الضَّربَةَ النِّهائيَّةَ
وهكذَا يَنتهي الصَّيفُ فِي صمتٍ
لقدْ بدأْتُ هذهِ القصيدةَ لأَتذمَّرَ منَ الرِّيحِ وكيفَ أَنَّ هبَّاتها تذهلُ كَلبي
كيفَ، فِي بعضِ اللَّيالي الآنَ، كلبٌ ومالِكهُ يطاردانِ لحظةَ صمتٍ
لكنْ فِي مكانٍ مَا فِي المنتصفِ، سرقتْ صافراتُ الإِنذارِ قصيدَتي بعيدًا، وبنغمتِها العاليةِ
تحفرُ الصَّمتَ تحتَ البساطِ

• إِدمانُ الشَّاشةِ الكبيرةِ
منَ الواضحِ أَنَّ القمرَ سيتحرَّكُ
هدفُهُ غُرفةَ مَعيشتي
مِن عندِ كرسيِّي ذِي الذِّراعينِ
أَستطيعُ رؤيةَ بُقعهِ الرَّماديَّةِ
إِنَّها تَبدو مثلَ بقعِ شَيخوختي
القمرُ عجوزٌ
أَنا عجوزٌ
مَن يعرفُ أَينَ تذهبُ هذهِ القصيدةُ
أخيرًا أَصبحَ اللَّيلُ هادئًا
يحدِّقُ القمرُ بشاشةِ تِلفازي الكبيرةِ
ربَّما مِن مُعجبي الشَّيطانِ “لوسيفر” أَيضًا
الكلبُ نائمٌ
مِن تلكَ المسافةِ، قدْ يربِكهُ لأَجلِ سجَّادةٍ
تشتدُّ الدِّراما، تمَّ القبضُ عَلى القاتلِ الآنَ
أَستطيعُ أَن أَرى كيفَ يخجلُ القمرُ
يُخفي وجهَهُ خلفَ سحابةٍ
يَبدو نحنُ الاثنينِ سنَقضي ليلةً طويلةً، طويلةً
استدارتهُ المثاليَّةُ هيَ دليلٌ عَلى أَرقي

• أَصفادٌ منْ ضبابٍ
أُمسيةٌ طويلةٌ باردةٌ
مِثلَما يحدثُ فِي أَيلولَ فقطْ
ترقصُ الظِّلالُ علَى الشَّوارعِ
حيثُ الأَشجارُ لَا تزالُ بكاملِ أَرديتِها
أَرسلَتْها لهمْ للرَّقصِ
فِي الضَّوءِ المُبهجِ لغروبِ الشَّمسِ الصَّبورةِ جدًّا
ترقصُ الظِّلالُ صاعدةً مِن حُزنِنا
سيحرقُ الشَّخصُ الأَوراقَ حتَّى نُواتها
وسيسحقُ الشَّخصُ العنبَ منْ أَجلِ النَّبيذِ الجديدِ
الشَّخصُ الَّذي سيحوِّلُ بخارَنا الدَّاخليَّ ذيولًا طويلةً منْ ضبابٍ
أَلقَى الظِّلالَ علَيْنا
مخاوفَ تتَّخذُ شكلَ رقاقاتِ الثَّلجِ
موسمٌ جديدٌ سيبتلِعُنا
كلِّيَّةً
بينَما نحنُ لَا نزالُ علَى قيدِ الحياةِ وننتظرُ التَّعذيبَ الجديدَ
نخطُو علَى الأَلواحِ الجانبيَّةِ لشهرِ أَيلولَ
حيثُ لَا تزالُ الأَصفادُ حرَّةً

• عادَ العبثُ…
لَا شيءَ خلفَ نُجومي
نعم، كلُّها تَنتمي إِليَّ
أَتذكَّرُ أَنْ أُحدِّقَ فِيها كلَّ مرَّةٍ
لَا أَستطيعُ أَنْ أُخبرَ كيفَ هيَ مطيعةٌ تنفشُ رموشَها
لتُحيَّيني

كمَا كنتُ أَقولُ: لَا شيءَ خلفَ نُجومي
سِوى بطانيَّةٍ داكنةٍ وموجةٍ منْ شيءٍ يُدعَى أَمرًا مَا
أُغطِّي نفْسي بذلك الشَّيءِ وأَذوبُ فيهِ
كمَا لوْ أَنَّني أَكتشفُ مَهمَّةً بينَ خلايايَ وغبارِها
تُسمَّى هذهِ العمليَّةُ الآنَ كالتصاقٍ واحدٍ بنجومِ دربِ التَّبَّانةِ
لَا شيءَ أَكثرَ منْ شيءٍ لَا يوجدُ
مثلَ لصقِ عمودِكَ الفقريِّ
علَى خطِّ السَّماءِ…
أَتناولُ إِفطارًا بحُبوبٍ منَ الشَّمسِ
لَا شيءَ هوَ شيءٌ ترتشفُهُ
حينَ تقدَّمُ خدمةُ القهوةِ علَى ذيلِ المذنَّبِ
ولَا قشدةٌ أَو حَليبٌ، فقطْ الأَزرقُ يحرقُ شفتَكَ

• داخلَ هُراءٍ
أُشطرِ الذَّرَّةَ
وأَوجدْ ملجأً داخلَ الفراغِ الدَّاكنِ
أُشطرِ الفراغَ أَكثرَ
تجدُ أَشباحًا أَو بَقايا مَدخنةٍ لإِلاهِ
أُشطرِ الإِلهَ
تجدُ هُراءً فوقَ هُراءٍ
انشطارَ البشريَّةِ إِلى شَظايا

• سفينةُ الحمقَى
تعالَوا، تعالَوا اصعَدوا علَى سَفينتِي.
ثمَّ ذهبُوا؛
سَحرهُمْ بابتسامةٍ ساخرةٍ!
تعالَوا أَعرضُ عليكمُ السَّماواتِ، والثَّروةَ، وأَحلى الأَكاذيبِ.
وذهبُوا للرَّقصِ، والغناءِ، مُشِيدينَ بحظِّهمْ.
تعبرُ حُمَّى سوداءُ مجرَى دمِهمْ.
تعالَوا انظُروا إِلى واحَتي الذَّهبيَّةِ، وفْرةٌ تحتَ ظلالِ العذارَى.
وذهبُوا، يلدغُ بَعضُهمْ لحمَ بَعضٍ، ويخطُوا بَعضُهمْ علَى جُثثِ بَعضٍ،
ويتلذَّذُونَ بدماءِ جيرانِهمْ.
تعالَوا اشرَبوا مَعي السُّمومَ.
لنْ تكونُ للحياةِ نهايةٌ وبدايةٌ.
وذهبُوا صُمًّا وعُميًا
تَمشي هياكلُهمُ العظميَّةُ
الحيَّةُ الميِّتةُ
يقودُها، فقطْ، الغضبُ والجشعُ اللَّانهائيَّانِ.
الحمقَى مِن جميعِ الأُممِ
التُّربةُ لأَنواعٍ جديدةٍ
منَ الدِّيناصوراتِ القديمةِ الجديدةِ.

• متلازماتُ العزلةِ
أَخذَ المرضُ عقلَهُ، ولكنْ ليسَ كلِّيًّا.
يصرخُ بأَلسنةٍ رطَّانةٍ مِن نافذتِهِ كلَّ صباحٍ
لساعاتٍ، وكلُّ الجيرانِ مأْسورُونَ بابتهالاتِهِ.
ثمَّ تسمعُ الحديثَ العقلانيَّ:
أَنا جائعٌ.
بعدَ ثوانٍ، صمتٌ يَحكمُ الشَّارعَ مرَّةً أُخرى.
استمعَ أَحدٌ مَا، سمِعهُ أَحدٌ مَا.
جاءَ أَحدٌ مَا لإِنقاذِنا.
أَطعمَهُ.
حرَّرنا مِن ذنْبِنا.
وحينَ يأْتي المساءُ…
يا الله، لقدْ قمتُ بتدريبِ أُذنيَّ علَى عدمِ سماعِهِ…
الشُّعورُ ذاتُهُ حينَ تكونُ فِي كنيسةٍ والكاهنُ يبقبقُ بتعاويذهِ،
وتفهمُ أَنتَ “آمينَ” فقطْ.

• هل تَسمعُ سعالَهم
كمْ هوَ مسمِّمٌ الجشعُ…
كمْ هوَ جنونٌ العطشُ إِلى السُّلطةِ…
يحجبُ أَيَّةَ علامةِ تعاطفٍ فِي روحِكَ.
مَا هوَ الخطأُ الكيميائيُّ فِي التَّحدُّثِ معْ دماغِكَ؟!
كيفَ ستغذِّي جوعَكَ للحُكمِ إِذا قُمتَ بوضعِ حدٍّ لشعبِكَ؟
لَا مدن باقيةٌ، ولَا سكَّانٌ،
أَطلالٌ وجثثٌ، فقطْ،
فِي الجحيمِ الكيميائيِّ حتَّى اخْتَنقتِ الملائكةُ.
هلْ تسَمعُ سعالَهمْ؟

• مرارًا وتكرارًا
استيقظتُ، وكانَ العالمُ مليئًا بالمهرِّجينَ؛
كلُّهمْ يرتدُونَ ابتساماتٍ كبيرة، ويضعونَ أَحمرَ شفاهٍ،
وكلُّ لعابُ الأَكاذيبِ مِن قرنفلِهمُ الأَحمر.
لدَيْنا المهرِّجُ الرُّوسيُّ يَظهرُ فِي التَّقويماتِ السَّنويَّةِ؛
هذَا يعرفُ “الكاراتيه”، ويَظهرُ لنَا فِي صورةِ شهرِ أَبريلَ،

 

 

 

وذُو الشَّعرِ الأَشقرِ لديهِ أَصلٌ غربيٌّ
يريدُ بناءَ جدرانٍ تجاهَ أَشجارِ الصَّبَّارِ،
والبدينُ يلعبُ بالقنابلِ كمَا لوْ هيَ مفرقعاتٌ ناريَّةٌ.
المهرِّجونَ فِي كلِّ مكانٍ، فاختَرْ لِتَرَ،
بغضِّ النَّظرِ عنِ النِّظامِ السِّياسيِّ الحاكمِ.
لكنِّي نسيتُ مُهرِّجينا؛
هذَا النَّوعُ يبتسمُ فِي وجهِكَ بينَما يداهُ تفرغُ جيوبَكَ،
ويخطبُ سياسةً هرائيَّةً، ويتصنَّعُ أُمورًا وطنيَّةً،
بينَما يُخفِي الملايينَ فِي الجُزرِ الغريبةِ، والغاباتِ المحطَّمةِ، والبيئاتِ المتغيِّرةِ.
سُؤالي هوَ: لماذَا فِي قمَّةِ الهرمِ
يظهرُ المهرِّجونَ هكَذا بسهولةٍ فجأَةً
مرارًا وتكرارًا.

 

• تقاطعاتٌ بيضاءُ
ربَّما فِي وقتٍ لاحقٍ
ستأْتي الكلماتُ،
ويغمرُ الشِّعرُ البراعمَ الصَّغيرةَ.
ربَّما فِي وقتٍ قريبٍ
سيحرقُ الأَملُ النُّدوبَ القديمةَ،
وتعصفُ أَزهارُ الكرزِ بالحزنِ بعيدًا.
ربَّما الآنَ
سيلفُّ الوقتُ اعوجاجاتهِ بجناحيهِ،
ونطيرُ فوقَ خَطايانا
خلفَنا تقاطعاتٌ بيضاءُ ستنكزُ السَّماءَ
فِي محاولةٍ يائسةٍ لبدءِ هذَا.

 

شاهد أيضاً

قسوة ومحبة

ظبية خميس رغم أنك تظن أنك ممتلئ بالمحبة كم هي قاسية أحكامك وألفاظك وأحيانا نظراتك. …