مختــــــارات شعريــة

  عبداللطيف اللعبي شاعر الحرية والعدالة والمواقف الانسانية.. نال مؤخرا جائزة أكاديمية غونكور الفرنسية عن مجموع أعماله الشعرية.
ولد الشاعر المغربي في فاس سنة 1942. أسس سنة 1966 مجلة أنفاس التي ضخت دماء ثقافية جديدة في المشهد الثقافي المغربي.
اعتقل سنة 1972 لثماني سنوات بسبب مواقفه الثورية وأفكاره المنحازة إلى المظلومين والمحرومين.
بعد حملة دولية حقوقية استعاد حريته سنة 1980 لعبت فيها زوجته ورفيقة دربه جوسلين دورا كبيرا،  ثم هاجر إلى فرنسا حيث يقيم بشكل دائم إلى يومنا هذا لكن هذا لم يمنعه من الحضور الثقافي والعضوي في بلده المغرب كلما وجد فرصة لذلك.
من بين أعماله الصادرة في فرنسا نجد:
«أزهرت شجرة الحديد» 1974.
«عهد البربرية» 1980.
«قصة مصلوبي الأمل السبعة» 1980.
«خطاب فوق الهضبة العربية» 1985.
«جميع التمزقات» 1990 .
«الشمس تحتضر» 1993
«سويداء الدارالبيضاء» 1996 .
«شذرات من تكوين منسي» 1998.
العين والليل 2003.
تجاعيد الأسد رواية 2007 .
قريني العزيز 2007.
شذرات من تكوين منسي 
حان وقت الصمت
وتنحية المكملات
والأطقم
الأحلام
الآلام
والبطائق البريدية
 حان الوقت لإغلاق القوسين
وإيقاف اللازمة
بيع الأثاث
تنظيف الغرفة
وتفريغ صناديق القمامة
حان الوقت لفتح قفص
عصافير الكناري التي كانت
تمنحني النشيد بسخاء
مقابل شيء من الطعام
وأقداح ماء
 حان الوقت لمغادرة
بيت الأوهام
إلى عرض محيط النار
حيث يمكن أن تنصهر
معدني البشري
حان الوقت لمغادرة الغشاء
والاستعداد للسفر
طرقنا تفترق
يا صيقي الهارب
لدي بعض الجنون
هو بذرتي الخاصة
اختيار آخر
عن الافتراق
لدي معرفة صغيرة
عن المعاني الأخيرة
للويلات
 مرة
مرة واحدة
يحدث أن أصبح إنسانا
كما تعظم الأغنيات العاطفية
وحدث هذا
في منتصف الحب
الحب
الشيء الأخف لحقيبة ظهر
حينئذ سأحلق
بلا أسف
سألتزم بالصراخ
القديم
 مخضبا بنيران النحس الدائم
سأصعد دفعة واحدة
سلسلة الإجهاض
سأداهم الهباء
واستعداداته
سأستدعي إلى أهوالي
شعبا أغلبه أعراج
أرواحا مهزومة
شهداء الحب المنبوذين
عذراوات ضحايا ملوخ الخصوبة
 شاعرا منشدا مطرودا من المدينة
دينصورات وديعة كالحمائم
مصعوق في ذروة الحلم
نساك كل الأزمنة
الذين قاوموا في كهوفهم
جرافات التاريخ
لا اعرف شعبا اخر
غير هذا الشعب
المعافى من الاختطاف والقتل
من اشتهاء الجثث المعوزة
من الافتتان
من الاستسلام
ومن القوانين الغبية
لا اعرف شعبا آخر
غير هذا الشعب
البلا مخرج من عشيرة
الرحل الليليين
الذين يتركون الفواكه في أشجارها
وللحيوانات حرية الحياة
الذين يقتاتون من حليب النجوم
مستأمنين موتاهم
لسخاء الصمت
لا اعرف شعبا آخر
غير هذا الشعب
المستحيل
نحن نحن سنلتقي في الأهوال
سيجددنا الرقص
ويمكننا من اجتياز الغياب
 سيبدأ سهاد آخر
إلى تخوم الذاكرة
هذا النور
لا يمكن وصفه
إنه يشرب
أو يؤكل
 الأصفر ينتظر الأزرق
الذي يتأخر مع الأخضر
الأبيض يبتسم
من حرد الحبيب
يقيم في جسده
ليس مريحا
إنه مسكون بالارواح
حقل ألغام
من المفروض اكتراؤه
لفترة العطل
الندى
مجرد  ماء
لكنه ماء عاشق
 لا أنفي أبدا
أن الكتابة ترف
لكنه الترف الوحيد
الذي لا يستغل فيه الانسان
سوى ذاته
 النبي يحطم الأوثان
بينما الطاغية
يشيد النصب
أفتح  نافذة
حديقتي السرية
حطم المجتاحون كل شيء
أخذوا معهم
حتى سر حديقتي
  غالبا
ما أحس بالنقص
ومذنب في مكان ما
عندما أتلقى التهاني
لا انتظر شيئا من الحياة
أنا ذاهب
للقائها.
الأرض أكثـر صبرا
تنتظر منشدها
الذي يتأخر قليلا
ثم يحضر
ممالئا جميلا
بسرعة ينال العفو
لأنه يعزف الموسيقي قليلا
ورسام يحقق انجازه بنفسه
وبواسطة كلمات
تعرف طريقها إلى القلب
ها هو
 ينشد بنبرات صادقة
لازمته القديمة
كانت الأرض تتظاهر
أنها تسمعها للمرة الأولى
حيل في الحياة
  حتى وإن كنا أبرياء
من دم قريب لنا
فيحدث
أن نقتل
الحياة فينا
عدة مرات
بدل المرة الواحدة
 الحجاب
الذي يغطي عيوننا
و فؤادنا
  الحواجز
التي ننصبها
حول جسد مشبوه
   الشفرة الباردة
التي نواجه بها الرغبة
 الكلمات
التي نبيع ونشتري
في سوق الأكاذيب المزدهر
الرؤى
التي نخنقها في المهد
الجنون المقدس
الذي نحتجزه وراء القضبان
الذعر
الذي يصيبنا به الخارج عن المألوف
حوار الطرشان
الذي رفع إلى مرتبة الفن الكامل
الدين
الأكثر تقسيما
باللامبالاة
 رسائل عديدة
ما زالت تدق أبوابنا
هل من أحد في البيت؟
– قل لي
في اتجاه أي عدم
يجري نهر الحياة
ما هي آخر مرة
استحممت فيه؟
فواكه الجسد
 فواكه الجسد
كلها لذيذة
الجلد
الرحيق
اللحم
حتى الجبلة
فهي لذيذة
بئيس مخادع
من يصعد السرير
بقدمه اليمنى
ذاكرا اسم الرب
قبل أن يجامع
من الباب
المطل على الرغبة
لن يطلعوا
 إلا على ثقب الأعمى
للقفل.
ترهقني قراءة
بحوث علم الجنس
ورياضة الجمباز تضجرني
إذا لم يكن الحب ابداعا
وعملا شخصيا
فإني سأهجر مدرسته.
سويداء الدارالبيضاء
أسدل الستائر
كي أدخن بارتياح
أسدل الستائر
كي أشرب كأسا
على نخب أبي نواس
كي أقرأ آخر كتاب لرشدي
بعد قليل، من يدري
يجب أن أنزل إلى القبو
لأغلق على نفسي جيدا
كي أستطيع
التفكير
على طريقتي 
 الحراس في كل مكان
يتسيدون على حاويات القمامة
المستودعات
صناديق الرسائل
الحراس في كل مكان
داخل القوارير الفارغة
 تحت الألسن
وراء المرايا
الحراس في كل مكان
بين اللحم والظفر
 ما بين الخياشيم والوردة
العين والنظرة
الحراس في كل مكان
في الغبار الذي نبتلعه
في القطعة التي نبصق
الحراس يتكاثرون ويتضاعفون
بهذا الإيقاع
سيأتي يوم
نصبح فيه جميعا
شعبا من الحراس.
 أمي البهية
أنت يا من تستعدين لوضعي في هذا العالم
أرجوك
لا تسميني
لأن القتلة لي بالمرصاد
أمي
اعملي أن يكون جلدي
بلا لون
القتلة لي بالمرصاد
أمي
لا تتكلمي أمامي
أخشى أن أتعلم لغتك
القتلة لي بالمرصاد
أمي
اختبئي عندما تصلين
دعيني في منأى عن إيمانك
القتلة لي بالمرصاد
أمي
يمكن أن تكوني فقيرة
لكن لا تلقيني في الشارع
القتلة لي بالمرصاد
يا أماه
لو أنك تمانعين
تنتظرين أياما أفضل
كي تضعيني في العالم
من يدري
قد تكون صرختي الأولى
مصدر ابتهاجي وابتهاجك
سأقفز إذن في الضياء
كهبة من حياة لحياة.
إلى روح إبراهيم بوعرام، شاب مغربي تم إغراقه في نهر السين بباريس في الأول من شهر ماي سنة 1995، من طرف عصابة عنصرية قادمة من تجمع للجبهة الوطنية التي تنتمي إلى اليمين المتطرف.
لغة أمي
 لم أر أمي منذ عشرين عاما
تركت نفسها تموت جوعا
يحكون أنها كانت
تنزع كل صباح
منديل رأسها
ثم تضرب به الأرض سبع مرات
لاعنة السماء والطاغية
كنت وقتها في المغارة
حيث المحكوم بالإعدام يقرأ داخل الظلمة
ويرسم على الجدران
محبسا لوحوش المستقبل
لم أر أمي منذ عشرين عاما
كانت قد تركت لي طقما صينيا  للقهوة
تكسرت فناجينه الواحد تلو الآخر
غيرآسف عليها، لأنها كانت بشعة
اليوم، عندما أكون وحيدا
أستعير صوت أمي
 أو بالأحرى ما يتكلمه لساني
بكل تجديفه، وفظاظته،ولعناته
بالسبحة الضائعة للمستضعفين 
 وكلماتها المهددة لكل الكائنات
 لم أر أمي منذ عشرين عاما
غير أني الرجل الأخير
الذي يتكلم لغتها.
ساعتان في القطار
 خلال ساعتين في قطار
أستعرض شريط حياتي
بمعدل دقيقتين لكل عام
نصف ساعة للطفولة
وأخرى للسجن
الحب والكتب والتشرد
تقتسم الباقي
يد رفيقتي
تنصهر شيئا فشيا في يدي
رأسها فوق كتفي
أخف من يمامة
عند وصولنا
سأكون في الخمسين
من العمر
سأستمر في الحياة
ساعة أخرى .
 
عبداللطيــف اللعــبي             ترجمة وتقديم سعيد بوكرامي كاتب ومترجم من المغرب 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …