أخبار عاجلة

مروان قصاب باشي الطبيعة الصامتة… النور الكامد

رحلة مروان مع الطبيعة الصامتة لافتة للنظر وهامة، لأنها تمثل تطورا في الوانه، كما تقدم مفهوما مغايرا لموضوع الطبيعة الصامتة، بالمقارنة مع عاذ كبير من الرسامين اضافة الى أنها تشي بشخصيته التصويرية المميزة، ويتطوره اللاحق . بدات مرحلة الطبيعة الصامتة في أواسط السبعينات، بعد اقامته الطويلة، نسبيا، في باريس، اثر فوزه بجائزة (cite des arts)،وحصوله على منحة دراسية .

كان أول ما فاجأه في اقامته الجديدة، في باريس، النور، خاصة بعد أن "غرق " في شحوب النور البرليني الكامد طوال سنوات متعاقبة، الامر الذي جعله يستعيد من جديد حيوية المتوسط وألقه من ناحية، وان يتمعن طويلا،وأكثر من قبل، بأعمال الانطباعيين الفرنسيين،خاصة مونيه ويدرك لماذا نشأت الانطباعية في هذا البلد، لا في غيره من البلدان الأوروبية، وان يستخلص في النتيجة روح هذه المدرسة بأساليبها المتعددة من ناحية ثانية .

يقول وهو يستعيد تلك الفترة "لا يمكن فهم تجربة الانطباعيين الفرنسيين الا اعتمادا على الضوء، ضوء باريس وضوء المناطق الفرنسية الأخرى".

ليس ذلك فقط، ان انطباعية باريس تختلف عن انطباعية بحر الشمال، عن انطباعية جنوب فرنسا على ضفاف المتوسط، حتى أن الفنان الانطباعي نفسه تتغير ألوانه تبعا لكمية الضوء التي يقع تحت ثقلها! يكتب مروان الفنان نذير نبعة، بعدا لشهور الستة التي قضاها في باريس : " لقد لاحظت فرق الضوء بين باريس وبرلين، كما لاحظت أن تغيرا أو منعطفا قد دخل الى أعمالي خلال نصف العام الماضي".

إن الألوان، دلالاتها وتغيراتها، عالم شاسع، كما تحتمل تفسيرات كثيرة . ورغم أهمية هذا الجانب لفهم الفنان، المصور، وتطوره إلا أن اللجوء الى الوسائل البسيطة والمباشرة، أو الخضوع لاغراءات علم النفس في التفسير، يمكن أن يؤدي، أحدهما أو كلاهما، الى فهم خاطيء أو ناقص،والى رؤية حالة أو مظهر جزئي في تطور هذا الفنان .

واذا تركنا العام الى الخاص،وتوقفنا عند أعمال مروان، مرحلة الوجوه تحديدا، وما ميز تلك المرحلة من ألوان، وأردنا أن نقرأ الطبيعة الصامتة، ألوانها بشكل خاص، نجد الفرق بين المرحلتين كبيرا.

هذا الفرق اذا أخذناه ضمن النظرة الأولى، باعتباره سياقا متصلا، فانه ينحو الى التبسيط الذي من شأنه أن يخل بالعمل الفني. اذ بالاضافة الى اختلاف الموضوعين، وما يتطلبه كل موضوع من ألوان تلائمه، فان الفنان،عملا بعد أخر، مرحلة بعدأخرى،يصل الى ألوانه الخاصة،وهي نتيجة التجربة والمعاناة الاقرب الى الصراع . فاللون قطعة من الروح اذا جاز التعبير. ولذلك فان اعتماد معادلة بسيطة في تفسير الألوان الجديدة في وضعها ضمن تصنيف مدرسي يفتنه ويهمه العام والمشترك لابد أن يؤدي الى خلل كبير في قراءة الفنان أو قراءة المرحلة التي وصل اليها.

إن الفنان وهو يختار ألوانه انما يفعل ذلك نتيجة : المعرفة والتجريب والحدس، بحيث يصبح اللون الأخير هو الفنان ذاته، وليس اللون الذي يقدمه المصنع، أو تمليه الامكانية الجاهزة .

لنستمع الى مروان كيف عانى هذه التجربة،وكيف وصل الى ألوانه الخاصة "تتغير علاقتي بالألوان مع الزمن، واستطيع أن أتحدث عن هذا بعد تجربة طويلة، و!لتغير يأتي عضويا،وهكذا يصنع الفنان لنفسا (باليت ) أي مجموعة خاصة من الألوان، وهذه لا تأتي من المصنع مباشرة أو من الكيمياء،انها تأتي من الأصابع من القلب، ثم من عملية اكتشاف مستمرة، ولا تخلو من عنصر المغامرة ".

مروان وصل اذن الى ألوانه نتيجة المعرفة والتجربة والحدس، وهذه الألوان لا تتغير تبعا للموضوع فقط، بل وتنفير أيضا بتأثير عوامل داخلية وخارجية، بما فيها التقدم بالعمر!

كما أن " قراءة " اللون أي لون، تختلف حسب معرفة المشاهد وثقا فته وحالته النفسية،وفي حالات كثيرة تختلف الدلالات وتتغاير تبعا للسياق، أو زاوية الرؤية . حول ذلك يوضح مروان المراحل والدلالات بأن يقول : "يوجد تأثير خارجي له علاقة بمتغيرات زمنية أو نفسية، وهذا لا يأتي بشكل حد فاصل، كنتيجة لعملية حسابية وانما يكتشف مع الوقت .

ان الاصرار على لون معين، ونوعية ذلك اللون، يقدمان شيئا من المسيرة الذاتية للفنان ".

وعن تأثير الرحلة الفرنسية عليه، وما تركت من تغير على ألوانه بشكل خاص يجيب : "لقد كان عام 1973 ذات تأثير كبير، اذ شكل منعطفا في تجربتي الفنية وفي تجربة اللون والضوء تحديدا، اذ لا توجد مدينة في العالم تشبه باريس وضواحيها بما يتعلق بالضوء".

وحين يسأل مروان عن اللون الأسود يجيب : "لم يكن للون الأسود معنى خاص بالنسبة لي، وغالبا ما كان بعيدا عن لوحاتي في المرحلتين الأولى والثانية صحيح ان للأسود معنى شعريا، وله صلة بالحزن والليل، أما تصعيده في وقت لاحق، في الأعمال التالية، فقد أخذ معنى جديدا. لقد حاولت في السنوات الأخيرة ان أصنع لوحات تمنيت أن تكون سوداء، وربما كان الدافع لهذا الاكتشاف اني كنت في أصيلة المغربية، وكانت شوارع المدينة بيضاء، وجدران بيوتها مطلية بالكلس الأبيض، ثم كان الضوء الهائل الموجود في المغرب .. قلت لنفسي : في هذا المكان لا يستطيع الانسان أن يرسم الا بالأسود ويكون للأسود هنا معناه الخاص والمختلف .".

تحت هذا الضوء الهائل الذي ينبع من كل مكان، والذي يتساقط من الشمس الافريقية على أصيلة، وعلى معظم سواحل المتوسط، يصبح للون الأسود معنى ودلالات مغايرة للأمكنة الأخرى، وحول ذلك يقول مروان : أدلا يوجد فرق فني بين الأسود ونور الشمس، لأن الأسود يأتي من الشمس، والشمس تأتي من السواد، وبهذا تتغير الصفات وتغير المفاهيم، فتبعث بالشمس السواد،ويرسل السواد شمسا".

أما عن الألوان الأخرى، بما فيها اللون الأحمر، بتعدده، ورغم ما فيه من اغراء بالنسبة للفنان، وقوة جذب للمشاهد، فان مروان يجانبه الا فيما ندر. وحين يسأل عن الأحمر يقول :

"الأحمر فخ، تضعه على الباليت يضيء، تضعه على اللوحة غالبا ما يحطمها، خاصة عندي"وحين يشار الى بعض اللوحات، وما فيها من حمرة .

يجيب :"… لا استعمل الأحمر الا قليلا. استعملته في الماريونيت (الدمية ) كنت اتلاعب به وألعب معه وكان يعبر عن عاطفتي".

ولأن هذه الاجابة لا تكفي، لنستمع الى أحد النقاد الالمان وهو يتحدث عن الطبيعة الصامتة،وعن الألوان،لدى مروان، يقول روبرت كوديكا "منذ مرحلة الطبيعة الصامتة أصبح التوتر أكثر خصوبة وأكثر جمعا للمنجزات الحضارية . اللون، هنا، الغالب، هو الأخضر، لون الفردوس الذي لا تخفي الالته . واذا كانت الانطباعية في الفن الأوروبي تعتريها وصمة السطحية والسذاجة، فانها عند مروان، في مرحلة الطبيعة الصامتة، تكتسب عاطفة وحية حافلة بكل ما يزخر به الجوهر من جاذبية وأصالة، وكأن نمرة الأشياء استحوذت عليه، ثم أطلق سراحها في بهجة العين ".

لأن اللون هو ضوء معنى ما، فان ضوء باريس الذي أدهش مروان،وذكره كثيرا بدمشق، بالشرق جعله ببحث بالحاح عن مرسم ملي ء بالضوء في برلين . لنقرأ ما يقوله عن لمسفة اللون، وهو يبحث من المرسم الذي يريده :

"الضوء في المرسم، أو المنطقة التي يرسم فيها العمل، له تأثير كبير، ولكن الفرح، مهما كان مصدره، يأتي أصلا من عملية الخلق، ولو كان ظاهر اللون حزينا".

وفي محاولة للقبض على كم اضافي من النور، بعد أن هجم الخريف بأيامه القصيرة على برلين، يواصل مروان البحث عن المرسم – الحلم، والذي يحدد مواصفاته كما يلي : "سأحاول استئجار مرسم في الأيام القادمة . أريده أن يكون كبيرا واسعا بحيث يلعب فيه الحمار (على وزن الخيال ) هناك مكان معروض سأراه في مطلع الأسبوع القادم " .

ويمر الخريف طه، وبعده الشتاء،وفي منتصف الربيع يجد مروان المرسم الذي يبحث عنه . كان كبيرا، واسعا، مضينا واليه سوف ينقل الطبيعة بعد أن تعذر عليه الخروج الى الطبيعة . وفي المرسم سيكتشف المزايد والضرورة في مكان مثل هذا. يقول "صار واضحا لي مدى أهمية اتساع المرسم من أجل الرؤية الصحيحة، خاصة اذا كانت اللوحة كبيرة . والأمر ذاته ينطبق أيضا على اللوحة الصغيرة، حيث يندمج حس التفاصيل والتقنية الى جانب الشكل والقوة والصواب، ولرؤية العمل من قريب ومن بعيد".

لقد أشرنا، في صفحات سابقة،الى مدى تعلق مروان بمرسمه، وكيف يشعر أثناء وجوده فيه بالالفة والقوة وكيف أخذ يقيم علاقة خاصة بالطبيعة التي تحيط بالمرسم أو ترى منه، وبالتالي تعمقت رؤيته للموجودات حوله، مهما كانت صغيرة ويومية .

ان نظرته الجديدة للموجودات والأشياء تشبه، في المرحلة الجديدة، النظرة اليابانية الى حد كبير. هذه النظرة التي لا تمل أبدا من البحث والاكتشاف، وأيضا رؤية الجديد في الشيء كل يوم . وهكذا أخذت تتبدى الأشكال بمنظور جديد، أو برؤية غير عادية، وبالتالي تأملها لاكتشاف مدى جدارتها بأن ترسم .

صحيح أن الطبيعة الصامتة لم تأت فجأة أو دفعة واحدة، فقد بدأت في وقت مبكر من السبعينات لكنها كانت بمثابة استراحة المحارب، كما يقال حين كانت الوجوه تتوالى وتتطور فترة بعد أخرى.

كانت بداية الطبيعة الصامتة، كما يشير مروان بطاقة بريدية وصلت اليه من صديق مقيم في الجهة الأخرى من المحيط . اذ بعد أن قرأ البطاقة عدة مرات تركها على الطاولة ومر وقت بحيث أصبحت البطاقة بعضا من أشياء الطاولة الدائمة .

زرقة السماء في البطاقة البريدية، وزرقة البحر، استوقفتا مروان مرات كثيرة، ومع ذلك مر عليها دون أن " تقبض " عليه،لأن هم الوجوه كان أقوى من أي تحريض آخر. أما حين أتعبته الوجوه وهي تتفتت وتتآكل وتغيم معالمها، فقد بدت الزرقتان، زرقة السماء، وزرقة البحر، أكثر اغراء من قبل، ثم أخذت تلح عليه، وفي محاولة للتخلص منها، لاسترضائها رسمها!

رسم مروان الأشياء الموجودة على الطاولة،وكانت تلك الأشياء تتراكم دون قصد ودون ترتيب أو افتعال خلافا لما يحصل عادة في رسم الطبيعة الصامتة لدى الكثيرين، حيث تنظم الاشياء ضمن نسق لتعطي جمالا أو دلالة من نمط معين . وهكذا بدأت تظهر لدى مروان في الطبيعة الصامتة : أرغفة الخبز،حبات الفاكهة، الأدوات التي تستعمل في الرسم، سكين لقطع الخبز والفاكهة، وأشياء أخرى مشابهة ومعها في كل الحالات : البطاقة البريدية المليئة بالزرقة، وألوان أخرى لم يستعملها مروان في مرحلة الوجوه .

حين يسأل عن البطاقة البريدية يجيب بأنها "اشارة الى الحلم الى البعيد، الى الرحابة والأمل ". أما عن رؤيته للطبيعة الصامتة فهي "ليست بهرجة الشكل أو السعادة الزخرفية العابرة تنقل أشياء جميلة، انما هي رؤية جديدة للحياة، رؤية جديدة للأشكال تنصهر مع الرسام ثم ينظمها بطريقة خاصة ويعطيها معناها الخاص، ويربطها بنظامه في الطبيعة بتوقيت الزمن وتأخذ معنى جديدا".

أما عن علاقة الطبيعة الصامتة بما قبلها من مراحل، وما سوف يكوها، خاصة بالوجوه، فكل القرائن تشير الى هذه العلاقة رحمية، ومن يدقق في طريقة بناء اللوحة يكتشف الروح الواحدة التي تجمع كل هذه الأعمال، لأن الهم الأساسي الذي يستحوذ على مروان "ليس عملية التصوير بحد ذاتها وانما ادراك واستيعاب البناء بشكل جيد، البناء الذي نبحث عنه دائما، وهذا لا يأتي من المنطق ولا يأتي من العقل وحده .، وانما يأتي أيضا من الابتكارالداخلي لرؤية العالم لرؤية هذا البناء".

ان مفهوم الزمن في الطبيعة الصامتة له دلالات تجعله مختلفا عن الزمن العادي، ولذلك تكتسب الأشياء المصورة معنى جديدا، فهو هنا -أي الزمن – يتوقف أو يصبح هو ذاتها الأشياء الموجودة في اللوحة وبهذا المعنى فان الطبيعة الصامتة قول جديد عن مفهوم الزمن .

لقد اعتمد مروان في اختيار مادة الطبيعة الصامتة على الأشياء اليومية، ورغم "ان المفردات تبدو متباينة، إلا أنها تبدو في حالة تلاؤم وانسجام " كما يقول (كنون تيغرز) أحد الذين تابعوا مروان، ويضيف أن "الحياة والتفسخ يتداخلان وكأنهما في وحدة متكاملة ونجد ونرى الموت حاضرا باستمرار الى جانب الامتلاء بالحياة النابضة ".

أما الناقد (شميت ) الذي كتب عن أحد معارض مروان عام 1985 فيقول عن الطبيعة الصامتة : ادانها تعبر عما يريد الفنان قوله، همومه وما يشغله، أفراحه وآماله، وأيضا الحزن، رغم أن المواضيع خارجية، مستقلة، كما تظهر فيها الحياة المستمدة من روح الفنان . في هذه الصور نشاهد التجربة الانسانية بنفس القسوة والعمق والتنوع، كما هي صورة الانسان الحقيقية ".

ويورن ميركريت، مدير متحف برلين للفن الحديث، والذي يعتبر أكثر النقاد معرفة بأعمال مروان، وقد تابع سيرته عن قرب، فيكتب عن تأثير الرحلة الفرنسية على أعماله، يقول :"منذ رحلته الفرنسية، وصل مروان بلغة صوره الخاصة الى الحدود القصوى في مزاولة عملية ذوبان وانحلال الشكل، الى أن تبدأ عملية الخلق وتكوين الصورة التي تبقى بدون عملية تجميل واضحة، وفي انفتاح شامل على الموضوع ". أما عن الألوان، ولعل أبرز ما يتبدى ذلك في لوحات الطبيعة الصامتة ثم الدمية، فيقول : "أصبح اللون لا يلتصق بالأشياء أصبح يتفجر منها، ينطلق كضوء ملون، يخترق الصورة الى أعماق الظل، مهتزا متماوجا بذبذبات دقيقة بحيث أصبح الشكل واللون يتداخلان في الصورة، لكي يتحلل الموضوع، ثم ينضما من جديد الى عملية الخلق في الرسم ".

أما عن الطبيعة الصامتة فيقول ميركريت : "حتى الطبيعة الصامتة، التي تحتفظ بمزايد المنظر الطبيعي تشابه الرؤوس، اذ تنبعث الحركة، كما الحياة من الأشياء، كما في محيط الصورة شكلا ولونا".

وهكذا نجد أن الطبيعة الصامتة ليست تعبيرا عن جمال خارجي قدر ما هي تجليات تعكس روح الأشياء وصيرورتها، وتعبر، في نفس الوقت، عن أعماق الفنان، وما يعتمل هذه الأعماق من أشواق وذكريات وألم، وما تتطلع اليه من صبوات واحتمالات الأيام القادمة .

الكأس الموضوعة على الطاولة، مثلا، يذكر ويقول حياته كلها. اذ رغم سكونه وحياد يته يضج بالحركة ورغبة الاعتراف، كما يرتبط بود ظاهر بكل ما حوله من أشياء وهذا الارتباط، أو هذه العلاقة تعطيه معنى اضافيا بحيث يصح أكثر من كأس، حتى ليبدو معتزا وضروريا.

أما الفاكهة التي تكتشف على الطاولة فانها ذكرى الأيام الماضية، لكن ضمن قناعة أكيدة وراضية انها اكملت دورتها في هذه الحياة، تماما كما تفعل الجدة ازاء الأحفاد: صحيح انها تغادر، لكن تركت الكثير قبل أن تمضي، والأمر لا يحتاج الى برهان ما دام الاحفاد موجودين، ويواصلون الحياة .

أما الأشياء الجميلة، الكبيرة التي سنواها في وقت لاحق، فقد كانت من قبل . كانت صغيرة منيبة، خجلا أو خوفا لكنها تظهر في الوقت المناسب . وحين تفعل تبدو قوية مكتملة شديدة الحضور، تماما كمن يعيد اكتشاف ابنائه بعد سفر طويل .

ما كانت الدمية، أحدى مراحل مروان، لتظهر لولا الطبيعة الصامتة . فتلك "المخلوقة " المنزوية، المكتفية الغارقة في الصمت والوحدة، تظهر، لنقل فجأة، ولكن لتملأ المسرح كله . لقد كبرت في غفلة عنا، وما كان هذا ليحصل لولا السهو، أو لعدم قدرتنا على رؤية الأشياء في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة، ويقع اللوم علينا قبل أن يقع على أحد آخر. فالدمية تنظر بسخرية الى عجزنا أو تأخرنا في الاكتشاف والمشاركة في دورة الحياة .

قد يكون من جملة الأوصاف الخاطئة التي يمكن أن تطلق على أعمال مروان في الطبيعة الصامتة انها "صامتة " هذه الأعمال تضج بالحركة، بالصخب، برغبة البوح والاعتراف وقد تكون بعض الأحيان نضاحة، لأن الهمس يصل الى درجة الصراخ، والتخفي يبلغ العري وتلك الألوان التعبيرية للغاية تستعيد من الانطباعية شموسها، لا لتظهر البراعة والجمال الخارجي، وانما لكي تضيء أعماق الروح، وتجعل الأشياء، تخرج الى ضوء الحقيقة العارية، تماما كما تترآى حورية البحر، اذ ترى ولا ترى في نفس الوقت، يردها من يريدها، من يشتهيها وتغيب عن الذي لا يعرف كيف يرى.

تقول شلبية ابراهيم، الفنانة القطرية الرائعة، انها لم تستطع أن تبقى وحيدة مع أحدى لوحات مروان . كانت اللوحة تتحرك، تتغير يغادرها كل ما فيها من بشر وأشياء وروائح، الأمر الذي جعلها تدير للوحة ظهرها، ثم اضطرت لمغادرة الغرفة !

الطبيعة الصامتة، وقد سميناها هكذا اصطلاحا، لا تعرف الصمت ولا تعترف به، انها باستمرار حالة من الحركة والضجة والسؤال تماما كالأطفال، اذ حين تهدأ حركتهم، أو تتطاعن أصواتهم يبد أون بالأسئلة أو الأسئلة "تفضح " كل سكينة موهومة وتولد قلقا فارقا لا يعرف الكبار كيف يدارونه أو يهربون منه . كذلك لوحة مروان في الطبيعة الصامتة، ثم في الدمية، انها سؤال يحمل خطرا لا يمكن تفاديه .

محطة مروان في الطبيعة الصامتة كانت فخا، حتى بالنسبة له . فالأسئلة التي أتعبته، وجعلته يأرق ويقلق كثيرا وطويلا، وبدل أن يكتم هذه الأسئلة، أطلقها ودعا الكثيرين الى هذه الوليمة "المرة " دعاهم لكي يشار كوه المرارة والتعب وأرق الليالي، ليس بهدف أن يعذبهم، وانما لكي يشتركوا معه في الاجابة على الأسئلة التي لا يمكن أن يجيب عليها انسان بمفرده .

وبمقدار ما يبدو على البشر الاستعداد للتضحية، الا أن هناك أسئلة تحتاج الى كم من المعاناة والتعب والتأمل، وهذا ما يريد مروان أن يكون الناس مستعدين للتعامل معه .

الطبيعة الصامتة بمقدار ما تبدو استراحة المحارب، وبريئة فانها بداية التورط والتورط طريق المعرفة للخروج من المأزق أو بداية الخياب .

مروان، وهو يبدأ الطبيعة الصامتة، اكتشف أنه يدخل في طريق يقوده الى الدمية، ثم الى الوجوه مرة أخرى لأنه بمجرد أن اتخذ اتجاها معينا، لم يعد بامكانه ان يتراجع وهكذا واصل السير في الاتجاه الاجباري. فعل ذلك دون ندم، ولابد أن نسير معه لكي نشاركه في الغبطة من خلال الاكتشاف .

مثلما خرجت حواء من ضلع آدم، كما تروي الأسطورة، خرجت دمية مروان من الطبيعة الصامتة .

كانت الدمية في البداية أحدى مفردات المرسم الكبير، شيئا من الأشياء الكثيرة الموجودة . كانت منزوية صامتة لا يكاد يحس بها لكن النظرة الجديدة، التي أخذ يطل من خلالها مروان على الأشياء، اكتشفها وبعد أن تأملها طويلا أفسح لها المجال لكي تظهر في لوحات الطبيعة

الصامتة .

بدت أول الأمر مملوءة بالخوف والخفر، لكن مع كل خطوة تخطوها الى الامام تكتسب ثقة تجعلها تنحي الاشياء، أو تتنحى لها الأشياء لتحتل في النهاية بمفردها الساحة كلها،ولتصبح أحدى مراحل مروان المميزة .

واذا كانت الطبيعة الصامتة تتصف بالكثير من العفوية والبراءة فان الدمية لا تخلو من مكر جميل، لقد تحولت من شي ء الى كائن، وهذا الكائن الذي سيطر عليه الخوف والخفر أول الأمر ما لبث أن تخل عنهما. وهكذا أصبحت للامية، لوحة بعد أخرى، أفكارها وعواطفها، ورغباتها وكل ما يدور في مخيلة أو يشتعل في قلب . ليس ذلك فقط، أصبحت تعلن هذه العواطف بوضوح، وفي حالات معينة بشكل مثير. فالعينان، النظرة التي تتخللهما وضعية الجسد حركة الأيدي أو مكانها تشي بالعواطف والرغبة . أكثر من ذلك أصبحت الدمية مستقلة عن خالقها.

هذه الطريقة في خلق الكائنات، ليقال من خلالها الكثير، مألوفة في الأدب والفن في الرواية والمسرح، وأيضا في عدد مهم من اللوحات الفنية .

ولعل من دوافع خلق هذه الكائنات على الأقل كتخطيط، أو كنوديا، ان تكون أقنعة لقول الكثير، والذي يحسن أن يقال بطريقة غير مباشرة، وخالية من الوعظ . لذلك يستعان بحالات يمكن أن توفر المناخ الملائم، كأن يستغل الجنون أو السكر، أو يحتل المهرج، في المسرح وفي اللوحة، مكانا مميزا، ينوب عن الآخرين في "قول " ما يراد قوله أو في القيام بعمل يتردد "العقلاء" ان يقوموا به .

واذا كان ما ينطبق عل الرواية، طريقة أو نسبة، يسري ويصح في اللوحة، فإن الشخصية الروائية من النوع الذي أشرنا اليه، كثيرا ما تتجاوز الحدود المرسومة لها، أو تتصرف ضمن شروطها الخاصة، بحيث تتخلى عن كونها قناعا، أو تنزع القناع الذي يراد أن تستمر في ارتدائه، لتكون هي ذاتها أو لتملك هامشا مستقلا خاصا بها.

دمية مروان التي بدأت بشكل معين، ما لبثت أن اكتسبت صفات خاصة بها، تميزها، وأية مقارنة بين الدمية الأولى والدمية الأخيرة توضح لنا الفرق ومدى التطور الذي حصل . وهذا التطور رغم ما يتبدى من صراع بين الخالق والمخلوق، وهامش الاستقلال الذي يطمح اليه الآخر، فانه يمثل تحديا للفنان، اذ مطلوب منه تلبية مطلبين متناقضين في آن واحد. فالدمية لم تعد شيئا. ولا تقبل أن تستمر قناعا، والفنان لديه من الهموم والأفكار والأحلام ما يجعله يبحث عن وسيلة لكي يقولها، أو يوصلها وأيضا بشروطه الخاصة، ومن هنا تنشأ المعاناة وتحتل مساحة واسعة في العقل والقلب والضمير، في محاولة للوصول الى معادلة توفق بين المطالب والارادات المتصارعة .

ولأن لدى مروان الكثير، غير الدمية، ليجسده على القماش والورق، فان هراعا من نوع ما يبرز بين فترة وأخرى. واذا كان قد وضع لنفسه، منذ وقت مبكر، شعارا أساسيا يتمثل بسؤال مركزي: هل لهذا العمل من ضرورة وأجاب عليه بطريقة حازمة : "العمل الفني ليس بدعة انه فعل ضروري اخلاقي يربط المتعة والفرح بالحقيقة بضرورة تجسيد العمل بصورة فنية ". فإنه يضيف موضحا: "كنت عندما أرسم الدمية أو الطبيعة الصامتة أو الوجوه الأولى أحن لرؤية جديدة، ولكن تلك الرؤية أكون قد خبأتها حتى يأتي دورها، لأني شعرت بحق اكمال المرحلة التي كنت فيها، فأنا أتصور أني لو توقفت عنها فربما يصعب أو يستحيل العودة اليها".

وكما ذكرنا في الفصل السابق : وصلت وجوه مروان الى حالة من العذاب والتفتت، الأمر الذي جعله يوقف هذه المرحلة ويبحث عن آفاق جديدة . كانت البداية للطبيعة الصامتة، والتي تخللتها الدمية، ثم أصبحت الدمية وحدها موضوعا لعمله لبضع سنين .

"ولأن الدمية هي عالم الحرية والوقت المديد والقناع أو لفعل أشياء كثيرة، فان الرمز هنا يلعب دورا أساسيا." هكذا يكتب ديتر ران وهو يستعرض مراحل تطور مروان . لكن هذا الناقد يضيف في محاولة لتفسير اختيار الدمية وليس الموديل، فيقول : ولأن الموديل غير مباح عربيا اسلاميا، يستعيض عنه مروان بالدمية ان هذا التفسير لا يعكس الواقع خاصة لفنان مثل مروان عاش معظم حياته في أوروبا، في المانيا تحديدا، اذ يفتقر التفسير الى الدقة أو ربما عدم المعرفة . فالأكاديميات الفنية في المنطقة العربية بأسرها تستعين بالموديل، وبالتالي ليس هناك تحريم في هذا المجال كما يفترض الناقد.

إن ما دفع مروان لاختيار الدمية، على الأقل في مرحلة معينة، الحرية التي لا حدود لها في التعامل مع الموضوع، وتكييفه لأقصى مرونة يتطلبها وأيضا يحتاجها الفنان .

يكتب مروان، حول هذا الموضوع، رسالة الى صديق يقول "… عملت بعض اللوحات الصغيرة، والتي تقارب تصوري في هذا المجال أي حررت العين والعقل من الشكل الموجود خارجا، وبدأت أتحرر وأعطي التفاحات – أو الأشياء الأخرى – والتي تتجمع مع الوقت، وتصبح شيئا من وجودي، معنى آخر، تصويريا، وبعض هذه الأعمال صار له بشكل عفوي طابع المنظر.."

وحين يتحدث عن الدمية تحديدا يقول في رسالة أخرى عام 1983: أدان شيئا جديدا في داخلي يتفاعل ويريد الخروج . أود رسم بعض الرؤوس، وأحيانا أتصور اني أدرك الخطوط الأولى للصورة، ثم تضيع مني وعني، ومن ناحية أخرى أريد نهاية الطبيعة الصامتة وقد نفذت بعض أعمال الحفر للماريونيت . بعد أن توقفت عن رسمها منذ منتصف 1981، وربما عدت اليها من طريق آخر بعد سنوات، بشكل جديد، وباستخدام موديل حي، وهذا حلم لي، وانت تدرك ان ايجاد الموديل الملائم، ثم جعله شيئا يوميا تابعا لحياتي، أمر ليس من السهل الوصول اليه ".

الصعوبة إذن، ليست من حيث المبدأ وانما بالوصول الى الموديل الملائم، الى الصيغة التي توفر الحرية والمرونة والهدف الذي يسعى الى تحقيقا.وهذا الأمر لا علاقة له بالدين أو التقاليد السائدة بقدر تعلقه بما يراد الوصول اليه.

فاذا عرفنا ان طريقة مروان في التقدم نحو هدف تعتمد أسلوبا غير مباشر، حلزونيا أو لولبيا، بحيث يتحقق الصعود بهدوء وبعض الأحيان دون أن يحس به، فان الحلقات المترابطة التي تجمع البدايات مع المراحل اللاحقة، تتضح في الماريونيت أكثر مما تتضح في مراحل أخرى. إذ بعد أن تخل عن التشخيص، وأخذ يتناول أجزاء يعتبرصا أكثر أهمية في الانسان، ويتبدى ذلك في الوجوه، ثم في الطبيعة الصامتة، فقد رجع في الدمية الى اعتماد الشكل الكامل، ربما لاختبار احتمالات معينة، وهكذا أصبحنا قادرين على أن "نقرأ" في الدمية الكثير من الأفكار والرغبات، وحتى الشهوات، التي يمكن أن نواها بوضوح في هذه الصيغة، لا بصيغة أخرى، رمزية، أو غير مباشرة .

يقول برتراند شميت عن معرض 1985: "الدمية تقدم طيفا عريضا للفنان لكي يصب مشاعره وعواطفه واحساساته في الصورة "0 ويضيف، وربما هذه الاضافة توضح الفكرة التي بدأنا بها هذا الفصل : "اذا كان وجه الانسان قناعا فخلفه يكمن ما يجري البحث عنه ".

حين نعتبر وجه الانسان ذاته قناعا، فإن الدمية قناع مزدوج، ولذلك فان البحث ما وراء القناعين أمر يتسم بأهمية خاصة، وقد يؤدي الى اكتشافات جديدة !

ولأن الدمية لا تخلو من مكر، فهي تحتمل تفسيرات كثيرة، اذ بمقدار ما تبدو ذات صلة بمراحل سابقة، خاصة من حيث التشكيل، فانها امتداد للوجوه الجديدة التي ستظهر في المرحلة التالية . ودمية مروان التي لم تترك لتجربة ان تعقب عليها، كما يقال، حيث تجسدت بأشكال وحالات كثيرة وصلت في المراحل الأخيرة الى الخلاصة التي يبحث عنها بالحاح : "حين يكون هناك كم كبير من العاريات والعري، لا يستطيع الانسان أن يتنفس " ولذلك ترك للامية أن تعبر عن الكثير من العواطف والأحاسيس والرغبات : "كانت الدمية تتجاوز الخجل . كانت تتحسس الجسد، النهد، السرة، ما دونها وبالتال قالت، بالنيابة كل شيء".

كانت "دمية مروان تقف في وسط الطاولة تقريبا: الكتفان ملتصقتان بالرأس، الذراعان متدليتان الى الجانبين .. اللباس الساقان، الذراعان .. كلها منفصلة عن بعضها بوضوح، كما لو كان الشكل منظورا اليه من الخلف " هكذا يقول تيفرز، ثم يتابع : "في لوحة ثانية تلفى الحدود داخل اللوحة، تنداح الأشياء لتترابط، من جديد، في نفس الوقت " كل هذا من أجل التعبير عن حالة أو موقف، لأن "الدمية ليست لعبة، انها جذابة وخطرة، مستسلمة مطواعة، وفي نفس الوقت معقدة بنفسها "إنها، ظاهريا، سلبية لكنها متجاوزة وتعبر عن الصراع" ويتضح ذلك في الوجه بشكل خاص، اذ قد يكون "ساخرا، حادا، وكاريكاتوريا أحيانا،وكل هذا تعبير عن موقف هذا تعبير عن الصراع ".

إنها في هذه الحالة مخلوق، كائن، أكثر مما هي قناع أو دمية، اذ تعبر بقوة عن هذا الفيض الداخلي الذي يملأ القلب وتريد أن يتواصل مع الآخرين، أو أن تقول لهم، على الأقل، كم تضنيها الصبابة وكم يتآكلها الشوق، وانها في الحياة مثل الآخرين، وعلى الآخرين أن ينظروا اليها هكذا.

مرحلة الدمية بالنسبة لمروان مساحة للتأمل واعادة ترتيب الأشياء والعلاقات، لأنها بمقدار ما تعبر عن الشي ء، الا أن الشي ء ذاته يخرج عن صيفته الأولى ليصبح امتدادا لمخلوقات الطبيعة الكثيرة والمتباينة، وبالتالي تتحدد ساهيته من خلال النظرة اليه، ومن خلال علاقاته بما حوله والدور الذي يمارسه في هذه الحياة، وقد تكون لهذا النظرة صلة بعدم فناء المادة ويتعدد حالات ظهورها ويتجدد وظيفتها وبالتالي استمرارها الى ما لا نهاية .

من خلال هذه النظرة يصبح كل شي ء في الطبيعة مهما، وله وظيفة وله دور، الامر الذي يقارب بين الانسان وكل ما حوله من كائنات وأشياء، "حتى في الدمية فان مروان لا يتكلم عن موت الأشياء، بل عن حياتها الخفية وطبيعتها الساكنة " هكذا يقول ميركريت، المتابع لأعمال مروان، ويضيف : "الموضوع العادي ينبعث منه السحري، الروح في صورة الانسان المجهول، وهذا يحصل فقط بواسطة الرسم . هذه الطريقة السحرية في خلق الأشياء والأشكال وهكذا تظهر العواطف الكثيرة المتعارضة ".

ان أحدى مشكلات مروان، وميزته أيضا،رغم مظهره الهادىء، انه يجابه، يقتحم، ولا يتردد في أن يحارب . كل ذلك من أجل الوصول الى ما يعتبره حقا وصدقا. هذا الوصف ليس له علاقة هنا بالسياسة وانما نصوير بالدرجة الأولى . انه يبحث عن العواطف الأكثر صدقا، عن القضايا الأكثر جوهرية عن البؤرة المركزية التي تطيع من خلالها أن يرى الأشياء والعلاقات دون بهرجة أو تزييف .

وحين أعطى الدمية،أو اكتشف فيها، كل الرحابة وامتحن احتمالاتها الكثيرة والمتناقضة، فقد اعتمد وقفتها أساسا للوجه الشاقولي الذي سيحتل كامل عقد الثمانينات وجزءا من معينات .

لقد بدأت الدمية مستلقية في لوحات الطبيعة الصامتة كرة، وف فترة لاحقة أخذت شكل الجلوس . أما حين نهضت . تشذ أولم تحتمل أن يكون أحد آخر معها. ورغم ما ميز فاتها .من تحد ومن تعب ودعوة وشهوة .. وضعف أيضا، ن تلك الطريقة بالوقوف منتصبة، والعنفوان في التصرف، ملا مروان يستعيد وجوه السبعينات لكن بطريقة شاقولية، وتدية، بعد أن ذابت وجوه المرحلة السابقة مع تضاريس الأرض، وأخذت تتلاشى أو تغيب، انتظارا لأمطار جديدة من أجل أن تحيا مرة أخرى.

وحول بعض الصفات التي قد تظهر في اللوحة، واختلاف وجهات النظر حولها أو طريقة التعامل معها، يوضح مروان رأيه فيقول : "حتى الضعف في الملامح الذي قد يتبدى في الوجه يمكن أن يصبح ذروة القوة، وقد يكون القبح موضع جمال في بعض الأحيان . هذا التباين في وجهات النظر حول القبح والجمال، حول القوة والضعف، يكون غالبنا نتيجة اختلاف المقاييس واختلاف القيم أو النظرة .

ولأن مرحلتي الطبيعة الصامتة والدمية متقاربتان ومتداخلتان، فالكثير من الصفات التي تنطبق على الطبيعة الصامتة تنسحب أيضا على الدمية، خاصة من حيث الألوان، بل إن ألوان الدمية تبدو أكثر اشراقا، وتتسم بالمهارة العالية والروح التجريبية معا، رغم ما فيها من خطورة أو لكونها ألوانا غير مألوفة بالنسبة لمروان بالذات، وقد أشار بشكل خاص الى الأحمر الذي لم يستعمله من قبل .

إن ألوان الدمية تجاوز لوني لكل أعمال مروان السابقة، حتى بالنسبة للطبيعة الصامتة،انها، في أجيان كثيرة عنيفة مهاجمة خلافا لألوان الطبيعة حيث تصبح في لوحات كثيرة شديدة الشفافية وأشبه ما تكون بضوء القمر.

ومن الدمية نكتشف ملامح مرحلة الوجوه الأولى، ونكتشف أيضا نواة مرحلة الوجوه الثانية، من حيث بناء اللوحة وطريقة استعمال اللون وكثافته. وربما ساعد على وجود هذه العلاقة الموضوع ذاته، فمروان يركز في الدمية على الوجه . صحيح أن الأجزاء الأخرى تحظي بقدر كبير من الاهتمام، لكن مركز الثقل هو الوجه بالدرجة الأولى . وهذا ما يفسر عودة مروان للوجوه مرة أخرى. إذ بعد أن اكتشف آفاقا جديدة وهو يعالج موضوع الدمية، كانت العودة الى الوجوه منطقية وقوية في آن واحد.

كما نلاحظ في وجوه المرحلة الجديدة ميلا الى ألوان الدمية، ولكن ضمن منظور متطور ومتقشف، كما يحصل بالنسبة لعدد كبير من الرسامين حين يصلون الى الخلاصات التي ظلوا يبحثون عنها فترة طويلة .

ولابد هنا من وقفة ذكرى، ووقفة مقارنة :

فتلك المرأة، خدوج، القصيرة ذات الحدبة، المخيفة بقصصها ووشاياتها، وأيضا بالصفعة التي طبعتها على خد مروان، هذه المرأة لم تغب عن

ذاكرته، وقد "خلدها" بأكثر من لوحة .

لكن من يمعن النظر في الدمية، بشتى مظاهرها وتجلياتها، منذ أن كانت طيفا، وحتى اللوحة الأخيرة، يجد شيئا من خدوج، أو هكذا توادت لي وأنا أتأمل طفولته واستعرضها من ان الكراهية في مرحلة معينة تنقلب في مرحلة لاحقة الى شفقة، الى نوع من الرثاء. وحتى التشوهات الخلقية التي تبدو مضحكة أو مقززة في فترة معينة تتحول في فترة أخرى الى عطف، وربما تجمل أيضا في محاولة للتعويض .

ومع ذلك يجب إلا تقودنا هذه ا لقراءة النفسية أو الأدبية الى تلخيص العمل الفني الى كلمات، أو تجريده من صفاته التصويرية والتي وحدها تعطيه القيمة التي يستحقها،. إن هذه الملاحظة قد تضيء جانبا من العمل الفني، وقد تخلق تشويشا يفسد التعامل معه،لكن مثلما كانت القطة تعني شيئا هاما لبالتوس، قد تكون خدوج تمثل شيئا مقاربا بالنسبة لمروان . وكذلك الحال بالنسبة للسيقان التي اختارها بيكاسو لنسائه في مرحلة معينة، فقد التقط هذا النمط من السيقان حين كان طفلا،وكان يراقب النسوة وهن يغزلن الصوف، أو يقمن بالعمل وحول ذلك يقول مروان حين زار متحف بيكاسو في باريس، ورأى ضمن مجموعته الخاصة عددا من أعمال رينوار، وكان معظم هذه الأعمال نساء عاريات .

يقول مروان " تعجبت في البداية، ولكن،وبعد التفكير وجدت التفسير: عاريات رينوار يرفلن بالياسمين، أما نساء بيكاسو فكن دون عطر، ورغم أن الاثنين اعتمدا مقاييس الجمال الاغريقي في رؤية الجسد، الا أن سيقان نساء بيكاسو لم تكن ممتلئة فقط وانما الامتلاء والقوة معا".

أما المقارنة الضرورية في هذا المجال نفع فنان يعني الكثير لمروان : سرتين .

لقد رأينا في القسم الأول من هذه الدراسة، ان سرتين من جملة الرسامين الذين لفتوا نظر مروان، منذ كان في دمشق، كان يقول في تفسير ذلك : "ان العنف الحسي والذكاء واللون والغضب والفرح في تلك الألوان، وفي معالجة ذلك الشكل، لفت انتباهي وتعلقت بها. ولقد بقي هذا الاعجاب مستمرا حتى اليوم، اني أعتبر سرتين من أهم فناني هذا العصر بسبب الطبيعة والأشياء".

ويضيف مروان، وهو يتذكر :"ذكر ناقد برليني معلقا عل أول معرض لي، وكان العنوان الذي اختاره لذلك التعليق : "مطاردون يطاردون " كتب ذلك الناقد : "بين سرتين ومروان خمسون عاما وما يربطهما انهما جاءا من الشرق الأول من أقصى الشرق، من روسيا الى باريس، والآخر من دمشق، من الشرق الآخر، الى برلين، وان هناك رابطا حسيا بينهما في رؤية الأشياء وعلاقة الرسام مع الخارج وماهية هذا الخارج ".

ويشير روبرت كود يلكا وهو يستعرض سيرة مروان الفنية :"ادوارد مونج كان مثالا يحتذى، وكذلك سرتين، لكن مروان، في لقائه مع هذين الفنانين، أو غيرهما لم يكن مسيرا أو خائفا،كان معجبا ومستقلا".

إن من جملة القضايا المشتركة بين مروان وسرتين الاعتماد على السلاسل، فحين يرسم سرتين الذبيحة أو الشجرة، ويفعل ذلك عشرات المرات، وعندما يتحول الى عيون مفتوحة لاكتشاف التفاعلات والآثار التي تترتب على كل حالة، واحتمال توالدها، أو ان تكون أساسا أو نواة لعمل لاحق، كل ذلك دون أن تشبه لوحة أخرى، اذ تبقس لكل واحدة خصوصيتها، فان مروان وهو يتأمل تجاربه بعين الناقد واحساس الفنان في محاولة لاكتشاف آفاق جديدة يعتمد المبدأ ذاته دون أن يقع في التقليد، ودون أن تلتبس شخصيته في نفس الوقت .

إن "القرابة " اذا جازت هذه الصفة بين مروان وسرتين، تتبدى أكثر ما يكون في الطبيعة الصامتة، خاصة في الدمية، وتتبدى هذه "القرابة " من حيث الألوان وبناء اللوحة، وذلك التكرار الصاعد، الذي يقود من حالة الى أخرى من مرحلة الى مرحلة تليها.

لكن أكثر من هذه "القرابة " بين الاثنين الرؤية، وكك الروح في التعامار مع العمل الفني، الأمر الذي لم يكن سهلا فهمه في الغرب الأوروبي والمعتمد عل الاستبطان الداخلي الذي يلتقي ويتماس مع التجريد، لكن لا يصل الى التجريد الكامل نظرا لاختلاف الدوافع ولما يراد أن يحققه العمل الفني.

 
 
 
عبدالرحمن منيف  (كاتب وروائي عربي يقيم في سوريا)

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …