أخبار عاجلة

مسامرات الأموات رجل الزورق والشعراء الموتى

(المسامرة الاولى)
أنسي الحاج: الرأس المقطوع)
خارون: من هذا الراهب النازل على السلم وفي يده رأسه؟
النادل: إنه أنسي الحاج
خارون: وماذا يفعل في هذا النزل؟
النادل: لا يفعل شيئا، إنه ينتظر.
خارون: ماذا ينتظر وهو معتكف ! المعتكف يعتكف ليتذكر.
النادل: أو لينسى.
خارون: ماذا يريد أن يتذكر؟
النادل: إنه يحاول أن ينسى.
خارون: لبنان لا ينسى
أنسي الحاج: لبنان تركه في " لن " أتذكر شيئا و«لن » أحاول، حتى أن أتذكر، لسوف أبقى وحيدا وراء باب إلى أن تنفلق الصخرة تحت يدي ويتجلى الذي ظل عصيا كلى التجلي.

خارون: والعالم ؟
أنسي الحاج: العالم هو الوجه الأبشع للحقيقة.
خارون: لماذا تكره نرجسية الأخر؟
أنسي الحاج: لانها تمنع علي استمتاعي بنرجسيتي.
خارون: ما هو أكر ما يثير الرجل ؟
أنسي الحاج: المرأة الضحية.
خارون: لماذا؟
أنسي الحاج: لأنها مثيرة جنسيا.
خارون: لماذا ثانية ؟
أنسي الحاج: لأنها تؤنسنه وتحيونه.
خارون: لماذا ثالثة ؟
أنسي الحاج: لانه يصير أداة لها من حيث يظن انها جاريته.
خارون: لمن أنت مدين ؟
أنسي الحاج: للذين، من زمان، تحدثوا الي بالقليل والغامض أكثرمما أنا مدين للذين علموني طويلا وبوضوح.

خارون: إنك مصر على أن تصعد وتهبط ورأسك على يدك، ما معنى هذا؟

أنسي الحاج: معناه أنني ولدت من نفسي، وأنني طالما حفرت قبري بيدي، بحنيني، بشغفي، ومازلت أحفر وكلما حفرت وجدت سماء أجمل.

خارون: ما الذي يفسد الكتابة ؟
أنسي الحاج: وعيك لقرائها.
خارون: من هو "الناقد"؟
أنسي الحاج: هو الشخص الذي لا يعرف أن يمدحك إلا إذا ذم غيرك، يسبح في البغض كالسمكة في الماء واذا غادره قليلا الى الاعجاب يختنق بلسانه.

خارون: ما الذي يرعبك ؟
أنسي الحاج: ان أقرأ اسمي بين اسماء شعراء أخرين.
خارون: ما هو الاكتشاف الجدير بالكلام عليه هنا؟
أنسي الحاج: اكتشافي ان اللذة برهان ديني.
خارون: كيف ؟
أنسي الحاج: اكتشفت ان اللذة الجسدية روحية أجل، والمتعة الجنسية ليست محض لحم ودم، اطلاقا بل هي برهان على أن الحسد هو بداية لا نهاية، وان المادي ممر شكل الروحي، هو شكلا فقط لا بديله ولا نقيضه.

خارون: ما هي الحرية يا أنسي؟
أنسي الحاج: ان تكون وحشيا.
خارون: ما هو الأهم من المهم ؟
أنسي الحاج: أن أقول مثلا: أهم من كتابة أثر خالد، العيش ابعد من الكلمات، لان الكتابة هي صوت واحد من أصوات كثيرة.

خارون: أتحدث اليك، بينما نحن نتأهب لنستقل المركب ونبحر في مدى السعادة بعد التطوع القصير في نهر الظلمات، أقول، إنني أتحدث اليك بصفتك مجددا أعني شاعرا، ما الذي تشتهيه لنفسك وتحس فيه شيئا من السخف أنسي الحاج: أن أكون ابديا..

خارون: والنعمة، متى يصيب المرء النعمة ؟
أنسي الحاج: يوم يرى اللحظات التي تسمه فيها الحجارة وتبصر وتتغير.
خارون: من هم الأبناء في الشعر؟
أنسي الحاج: هم الأشخاص الذين لم يولدوا شعراء.
خارون: إنك توصفهم بقليل من الحب.
أنسي الحاج: بل بكثير من الاشفاق.
خارون: لو وجدت نفسك في جزيرة وما من قارب للعودة الى سطح العالم. ما الكتاب الذي تشتهي ان يكون معك لتظل تقرأ ؟

انسي الحاج: يداي الخاليتان.
خارون: ما هو تفسيرك لإيثار الشعراء كتابك "لن " على شعرك الأخر؟
أنسي الحاج: رغبتهم في الانتقام من الكتاب المقدس.
خارون: الا يخيفك أن تصبح حكيما؟
أنسي الحاج. بلى.
خارون: الا تلمس ضربا من الحكمة في "خواتمك "؟
أنسي الحاج: بلى.
خارون: أما يخالف هذا تمرد شعرك على الحكمة ؟  أنسي الحاج: يخالفه بالضرورة، وما أنا إلا بشر وتاريخ من التخالف والمتعارض، ولم يحصل تجنب الخوف، ولعلي ولعت به، وها أنا أمضي الى زورقك يا خارون خائفا قليلا، ومغتبطا قليلا، وعزائي فيما يمكن أن أخلد اليه من سكينة وتأمل وراحة وتطلع، ضاربا (وشاقا) بيدي الجسد عن الروح، ومحررا عيني، لأكون في طواف خفيف، هازئا حتى بالعصيان الذي تحررت من صخرته، لأنال في النسيان حصتي الكبرى من جمال البياض.

خارون، هل أنت من قال:
أخذت ما يؤخذ وما لا يؤخذ
وتركت ما يترك وما لا يترك
وحين حصلت على الأكثر من أحلامي
حصلت على الأكثر من الصحراء
أنسي الحاج: أنا هو.
خارون: اذن، تفضل أيها الشاعر، لقد حررت لك زورقي، ولن أتقاضى منك قرشا واحدا عن الرحلة.

 (المسامرة الثانية (
محمود درويش: الشاعر الميت والحمار الحي
 (الشخصات: خارون، محمود درويش)
خارون: من هناك يطرق بابي في هذا الوقت المبكر؟
محمود درويش: افتح، أنا محمود درويش.
خارون: أسف لم يأت دورك، ما يزال  وتجارب مؤلمة وبلدان تتشرف
بمعرفتك، أنت وشعبك، عد من حيث أتيت واتركني أواصل نومي.

محمود درويش: لا مكان لي لأعود اليه ء وما أضيق الأرض التي لا أرض فيها كلحنين إلى أحد، جهز زورقك ياخارون، واحملني إلى فلسطين، أريد أن أمشي على أرض فلسطين من النهر الى البحر وأذهب لأولد مجددا في قرية صغيرة، واشب وأصبح معلم مدرسة، تحبني طالبة صغيرة ويكون لي بيت وأخت وخال يجر حصانا إلى الماء، وقمر يرشف ماء التوت عن شفتين.

عيا يا خارون، أيها الأنبل بين من عرفت، ولا تنس أن تعرج بي على مساكن أصدقائي في عالمك، سألتقي غسان وماجد وتوفيق وعز الدين وراشد ومعين، وأنا مستمد ,لان أحمل رسائلهم الى الأهل.

خارون: لقد طيرت النوم من عيني، سيما وأنك لتهج بذكر هذه النخبة المغدورة من الرجال، امهلني ريثما أضيء شمعتي، فالظلام مازال وغبش الفجر لم ينجل.

محمود درويش: خذ وقتك يا خارون، فلقد مشيت الليل بطوله اليك.
خارون: لعمري، لكأني أنظر صورة فارقتها الروح، انك نحيل كخيال، ماذا استطيع ان أفعل من أجلك ؟

محمود درويش، جهز زورقك واحملني الى فلسطين، مذ خرجت منها لم أنم ليلتين في سرير واحد.

خارون:أسف أن أقول لك أن زورقي لا يبحر الى تلك الوجهة، اذهب بالطائرة.
محمود درويش: الطائرات تحتج على وجودي في أراضيها.
خارون:اذهب بالسفينة.
محمود درويش: السفن تمر بالموانئ وصوري مغلقة في كل ميناء ولم يبق لي  الا زورقي، يا خارون.
خارون: مستحيل، زورقي مخصص للنقل الخارجي وانت تقصد الديار المقدسة وهي ديار داخلية، فتش لك عن وسيلة أخرى.
محمود درويش: خلني اضع قدمي في زورقك وسوف أكرس له ولك قصيدة عالية تخلدكما أبد الدهر.
خارون: من يضع قدمه في هذا الزورق يخرج من العالم المرئي ويذهب في الحلم، ولا سبيل الى هذا السبيل إلا لمن رن جرسه، وأنت على رغم شخوصك أمامي، الأن

كخيال، إلا أنك مازلت حيا!

محمود درويش: أريد أن أموت.
خارون: الحمار الحي خير من شاعر ميت.
محمود درويش:إنك تستعير كلماتي لتنتصر بها علي؟
خارون: غريب امرك، أيها الشاعر، الشعراء يساقون الي مكبلين بالحبال وبعضهم مغلولا بالحديد، يسبقهم الي بكاؤهم ورجاؤهم ء أن أرحم مصائرنا، يا خارون، وأجل نزولنا إلى عالمك، وأنت تقاتلني لتدخل !

محمود درويش: خلك شهما ودعني أمر.
خارون: إنك تضعني في موقف عصيب، بل إنك لتغامر بمستقبلي إذ كح على المسمى قبل ان تدق سامحتك ولو انسقت وراء كلامك لسوف أفقد زورقي ومرتبي ولا أنال بعد خدمتي الطويلة في العالم السفلي إلا اللعنات، ليس أعمامك إلا أن  تتريث.

محمود درويش: لا أستطيع، إنني محروم من متعة التخطيط  لسبعة أيام مقبلة، أنني مخطوف، دائما، الى لا مكان.
خارون: مظهرك يشي بخيبة أمل كبيرة هل أنت نادم على شيء؟
فمحمود درويش: أبدا، حاجتي إلى المكان هي التي قادتني اليك، أريد مكانا في المكان لأعود  إلى ذاتي، لاضع الورق على خشب أصلب، لاكتب رسالة أطول، لأعلق لوحة على جدار لي لأرتب ملابسي، لأعطي عنواني لامرأة أو صديق، لأربي نبتة منزلية، لأزرع حوضا من النعناع، لأنتظر المطر الأول، كل شيء خارج المكان عابر وسومح الزوال، ذلك هو ما يجعلني عاجزا عن الرحيل الحر وقادما اليك لتعيدني إلى بلادي ولو مكفنا بالخشب.

خارون: انك توجع قلبي بطلبك اطلب شيئا أخر.
محمود درويش: طلبي الوحيد هو المثول امام السرير الاول في الغرفة الاولى قبالة النافذة الصغيرة على المنظر الأول.
خارون: لماذا تصر على إبداء الشعور بالوحدة فما تخلو قصيدة لك من مفرداتها؟
فمحمود درويش: لكثرة أصدقائي صرت يتيما.
خارون: ولديك إحساس أنك فريد؟
محمود درويش: كل زي مصير هو شخص فريد.
خارون: لماذا تورطت بـ "وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافر".
محمود درويش: لأكون العبرة فلا يعتبرني أحد.
خارون: ما هي أجمل قصائدك ؟
محمود درويش: "سجل أنا عربي".
خارون: وابلغها؟
محمود درويش: "عابرون في كلام عابر".
خارون: ماذا اذن تكره الأولى وتتجاهل الثانية:
محمود درويش:….
خارون: لمن أجمل الأصوات طرا ؟
محمود درويش: لي أنا، فهو صوتي وقت لا نامة تسمع ولا شيء يرى، صوتي وقت يتنبه مذعورا لينبه في وجودي.
خارون: ما القصيدة لك ؟
محمود درويش: تعويذة خائف.
خارون: هل انت موسيقي؟
محمود درويش: أنا شاعر جوال أتعبه بياض العشق.
خارون: إذن، أنت أندلسي، على عرفت السيد فدريكولوركا؟محمود درويش: التقيته مرة راجعا من قرطبة، وكنت أمشي في حلم طويل فصار زقاقا، ورأيت في يدي قمرا. فأخفيت يدي.
خارون: لماذا تحب الاطالة في الشعر؟
محمود درويش: لأطيل حياتي على طريق، وليسبقني صوتي على تلك الطريق.
خارون: والأن؟
محمود درويش: مذ تركت بيروت، رغبت بالأقل: يوم اقل، خبز أقل, ورد اقل.
خارون: هل انت فنان تشكيلي؟
محمود درويش: أنا ترو بادور فلسطيني من ايبيريا العربية.
خارون: لم أسمع بهذه البلاد، أين تقع ؟
محمود درويش: في قلب العالم، كانت تقع في قلب اله لم.
خارون: والأن،
محمود درويش: في مؤخرة جمجمته، فكرة في اللاوعي، ما ان يلتقطها العقل حتى تتحول الى لابوس.
خارون: وشعبها، أين يسكن ؟
محمود درويش: في صفحات الجرائد.
خارون: أشعب هو أم أخبار مجموعة ؟
محمود درويش: شعب في الأخبار أندلس في الأوكسجين.
خارون: ونحت المثقفة أين هي؟
محمود درويش: في الطائرات، يأكلون ويشربون ويفكرون ويكتبون، ويمزقون ما كتبوا، ويحلمون في الطائرات وعندما يموتون، يدفنون في الطائرات، وان عاشوا في الهواء طويلا فإنهم ما أن تطأ أقدامهم الأرض حتى ينهمر عليهم الرصاص.
خارون: أشعب هذا أم ميثولوجيا؟
محمود درويش: إنهم فكرة بريئة يلهو بها قدر شرير، أما الارومة الشعبية فهي زمر من الاهلين باتوا ضيوفا على الممالك في سجونها وحقولها ومراتع الامها، ولو لم أكن أتيتك في عجلة من أمري لاستعرت صوت:هوميروس ونايه ورويت لك ما يروى وما لا يروى.

خارون: عرفت هوميروس، إنه صاحب سيرة مؤثرة ومشؤومة.
محمود درويش: والأن، أما تفتح لي هذه البوابة الصغيرة وتتركني أتنير سبيلي؟
خارون: أسف، لا استطيع، مازالت لك في الدنيا كأس ماء.
محمود درويش: لا اريدها.
خارون: ولقصتك بقية.
محمود درويش: يا أخي، أنا يائس، وما أظنك تجهل قوة اليأس في شخص. خارون: لا تجرح المجرح في، أنا نفسي أقف على أرض اليأس، وما كلامي غير شيء من عسل الموت، لكنك تعاند القدر، وهذا لا يعاند!
محمود درويش: يعاند من لا يعاند.
خارون: انك تبدو كمن يريد فلسطين كاملة.
محمود درويش: أريدها كاملة.
خارون: ما أشبه الوضع البشري بالعماء الأول، وما أشبهنا بشخوص يخلقهم قدر وتسوغ مصائرهم المأساة، إنك يا صديقي كمن يجرب ان يزحزح صخرة عملاقة، فإن كنت مصرا على سلوك مسلك الحاسم امرا فما عليك إلا أن تصعد هذا الجبل، وتطير من على قمته العالية، كلامك وخلاك وخطاك وما ان تمسك الأرض، حتى تكون يدي في يدك، حينئذ تصير معي الى زورقي، ومن هناك معا، إلى ديار ما رأتها عين،تلك هي ديار الشعر الكبير.

 ( المسامرة الثالثة)
السياب وحاوي: لقاء غير متوقع
(الشخصيات، بدر شاكر السياب، خليل حاوي)
(بينما كان خارون يربط زورقه في وتد عند هاوية المنتحرين، ويحاول اتزود ببعنص الماء العذب، قبل ان يعود الى الدنيا ليصطحب معه ميتا جديدا من موتى الشعراء هو ادونيس، وقعت مفاجأة سارة لبدر شاكر السياب).
بدر شاكر السياب: بربك ألست انت الاخ خليل حاوي؟

لعمري إنك لتشبهه كثيرا، ان لم تكن هو بعينه كيف حالك ياخليل، لقد كنت شخصا لطيفا، رغم ان أهلك – ايليا خصوصا- قاتلوا بك كثيرا، ولمعوك ليحطوا من شأني، الا تتذكرني.. انا بدر يا خليل !

خيل حاوي: بدر؟ بدر من؟
بدر شاكر السياب: ولكن ما لها جمجمتك يا خليل. انها مفتوحة كما لو كانت ثقبت بماسورة مياه، وما الذي تفعله هنا عند نهر المنتحرين، لا تقل لي انك انتحرت، والا اعتبرتك كبير الحمقى بين شعراء الحداثة أجمعين.

خليل حاوي:  اعتبرني ما تعتبرني، ولكن لا تعتبرني شاعرا حداثيا!
بدر شاكر السياب: الحداثة تذكرني بلبنان، كيف هو لبنان ؟
خليل حاوي: انتحر هو ايضا.
بدر شاكر السياب: حرامات لبنان ! ويوسف، كيف هي أحوال يوسف كتبت اليه ومسالة من درام، ولم أتلق جوابا عليها، (يستدرك) هل قلت ان لبنان انتحر؟!
خليل حاوي: نشبت فيه حرب أهلية من الداخل، وقامت عليه حرب من الخارج فقام وانتحر بلا رجعة.
بدر شاكر السياب: حرب في لبنان، من المؤكد انك تمزح..
كيف يمكن لبلد صغير وجميل مثل لبنان ان ينتحر؟ لا أصدق !
خليل حاوي: مزقوا اربا اربا ورموه لليهود.
بدر شاكر السياب: من هم ؟
خليل حاوي: أبناؤه الأشاوس.
بدر شاكر السياب: مستحيل !
خليل حاوي: يجب ان تصدق.
بدر شاكر السياب: وهل مات فؤاد رفقة ؟
خيل حاوي: كلا.
بدر شاكر السياب: وشوقي ابي شقرا؟
خيل حاوي: كلا.
بدر شاكر السياب: وادونيس ؟
خليل حاوي: كلا.
بدر شاكر الساب: والشاعر السوداني صاحب " اذكريني يا أفريقيا" ما
اسمه.. ذكرني به.
خليل حاوي: تقصد محمد الفيتوري؟
بدر شاكر السياب: الفيتوري، نعم الفيتوري كيف هو:
خليل حاوي: أصبح ليبيا.
بدر شاكر السياب: مستحيل، كيف ؟!
خليل حاوي: كان يجب أن تعيش حتى. الثمانينات من قرن العشرين  لتسمع وترى ما يجعلك تنفر من الدنيا ومن عليها!
بدر شاكر السياب. والمأغوط، حل مات الاغوط ؟
خليل حاوي: تركته في دمشق يرزق هو واريد لحام.
بدر شاكر السياب: أمازال فقيرا.
خليل حاوي: لست أدري.
بدر شاكر السياب: لقد اشتقت الى هذه العصابة الجميلة، عصابة
الحداثه، ولو سمح لي خارون وهرمس بالعودة الى الدنيا ليوم واحد، لما اخترت جهة أقصدها غير بيروت.
خليل حاوي: أنت واهم.. وضعيف العقل يا بدر، ومن المؤكد انك لم تعاشر هذه النخبة من المنافقين، ولو كنت فعلا عرفتهم، عن قرب، كما أنا، لما كان مصيرك بأفضل من مصيري، انظر الى جمجمتي، أترى الى الثمن، لقد ضاقت بي الدنيا في بيروت، ومللت الصعود الى (ضهور الشوبر) هاربا كل صيف من نقيق الشعراء، ومماحكاتهم ودسائسهم ومؤامراتهم، وتواطؤهم مع السيد ابن سينا فما برحت بي الحال حتى تناولت البندقية وحشوتها وتخلصت من الجميع.
بدر شاكر السياب: أخشي أنك تبالغ يا عزيزي وصديقي.
خليل حاوي: لا تقل عزيزي وصديقي، وأنتبه الى كلامك يا استاذبدر، فأنت شاعر حساس وأنا شاعر ورجل منطق وفلسفة، انك تستعمل مفردة تتقرب فيها من مشاعري، ولم تكن مشاعرك صافية نحوي أيام كنت في الدنيا، وليس من سبب لدي يجعلني اتقبل منك هذه العاطفة الداهمة نحوي وأنا ميت.

بدر شاكر السياب: نحن في حالة حرية، وليس من سبب يجعلني أتودد اليك غير الود الحقيقي الذي أشعره نحوك الأن، أيام كنا في الدنيا، كانت جرعة شعر تكرهك، وكنت أنت تكره أعضاءها، وبدوري كنت على صداقة مع الخال وادونيس، ولم اكن على عداء معك.

خيل حاوي: لكنك كنت تجاريهم في بغضهم لي، فتظهر الموافقة وربما كنت شاركت في ابداء موقف بائس مني، على أي حال مازلت اعتبرك شخصا عفويا، ومن المؤكد ان انجليزيتك ركيكة، رغم انك شاعر جيد، ولست أدري كيف كان ادونيس والخال يثقان بانجليزيتك، وهما اللذان دأبا على تزويدك،لكتب التي ترغب مؤسسة فرانكلين بترجمتها الى العربية.

بدر شاكر السياب: دع انجليزيتي جانبا، وكن على ثقة من انني أكن لك مشاعر الحب.

خليل حاوي: لا تجعلني أغضب، لا تجعلني أنادي على

خارون، ليذهب و،أتينا من الارشيف برسائلك الى يوسف الخال دع الحال مستورا وغير الموضوع، أو فلتذهب في سبيلك وتتركني في سبيلي.

بدر شاكر السياب: ولكن كيف حال يوسف الخال لم أتوصل بأخباره مذ وصلت هذا المكان.
خليل حاوي: لعله مات، من المؤكد انه مات، ولم لا يموت، مادام توفيق نفسه مات !
بدر شاكر السياب: وأدونيس هل مات هو الأخر؟
خيل حاوي: أدونيس لا يموت، أنه يحب الخلود لذلك فهو لن يموت.
بدر شاكر السياب. وتوفيق صائغ هل مازال في أمريكا؟
خليل حاوي: قلت لك انه مات، مات بالسكتة القلبية وهو في المصعد الكهربائي.
بدر شاكر السياب: حرامات توفيق… كنت معجبا بثقافته الجنسية، كانت ثقافة رفيعة جدا، وكنت تجد في مكتبته كل كتاب في الجنس، حتى لو طبع في الهند، ولو ان شعره كان موزونا لكان واحدا من افضل الشعراء العرب. لابد ان نبحث عنه، ونعثر عليه، عسانا نتوصل منه باخبار الخال.
خليل حاوي: انك تثير غضبي، يا سيد بدر، ولو كنت ستظل
تتقصى اثر "جماعة شعر"، في حديثك فلا تقترب مني، ولا تخالطني، فأنا شخص يهرب من المتاعب، وقد نلت نصيبي الوافر منها.
بدر شاكر السياب: كأني بك تتهم "جماعة شعر" بانتحارك.
خيل حاوي: هذا كلام فارغ، ما احلاني وانا منتحر من اجل بضعة شعارير صغارا لقد انتحرت لانني ضقت ذرعا ومللت من الوقوف على شاطئ البحر في منطقة المنارة، متطلعا في الفراغ.

كل شيء كان فراغا في تلك السنوات: الحب فراغ، الحرب فراغ، الماضي فراغ، المستقبل فراغ، الجامعة فراغ، التلاميذ فراغ، الفلسفة فراغ، كل شيء كان مجوفا وفارغا وخلوا من كل شيء.

بدر شاكر السياب: والشعر: الشعر أيضا كان فراغا؟
خليل حامد: ما هو الشعر، يا بدر، أليس الشاعر نفسه جوهره العميق، بصيرته الغريقة، تحت، بلا دليل. أليس الشعر هو نحن؟
بدر شاكر السياب: بلى.
خليل حامد: وعندما تكون هذه الانا هذه النحن شاعرة بفراغها وخلوها من كل ما هو حقيقي وسيق وجاذب. الا يعني هذا انه الموت ؟
بدر شاكر السياب: ربما!
خيل حاوي: بل، قل بلى.
بدر شاكر السياب: بلى.
خيل حاوي: اذن لماذا لا يتطابق ساعتها الجوهر والمصير، ويصبحان شيئا واحدا كاملا، مريحا، مستريحا!
بدر شاكر السياب: (باعجاب) أنت فيلسوف يا خليل ؟
خليل حاسد: بل شاعر، شاعر متشائم ولهذا أبدو لك فيلسوفا.
بدر شاكر السياب: هل تطمئن على أخيك ايليا؟
خليل حاوي: لا تذكرني به، فهو شخص أحق.
بدر شاكر السياب: بابا. عيني، خليل، هذا ما يجوز! ايليا يحبك كثيرا، وهو أخوك.
خليل حاوي: هذا لا يمنع انه أحمق، وان لم تصدقني فلسوف أنادي على خارون ليأتيك هن الارشيف بالكتب التي صدرها عني هادفا الى تخليدي، فاذا به يدفني ثانية!
بدر شاكر السياب: عجيب!

(المسامرة الرابعة)
نزار قباني: دليل العاشقين
(الشخصيات: نزار قباني، خارون)
نزار قباني: أنا نزار قباني، أم كلثوم الشعر العربي، اذاعت ولادتيمئذنة في دمشق وكتفتني امة جائعة الى الحب، أنا رسول أحلام العذارى، حامل اختام ورسائل المغرومين، موقع القاصرات في هوى البالغين، مدرب العاشقين، قارىء ابراج الحظ لغزاة المخادع، الملهم الملهم، من له الحظوة، لدى الجمهور، سرا وعلانية، في الدساكر والمتصرفيات والايالات والسناجق، يرهبني الحكام وتعشقني بناتهم فيخبئن اشعاري في ضفائرهن وقمصانهن، مؤخرا وصلتني رسالة من عاشقة كتبتها على ساقها خوفا من الرقيب (اذن) انا رسول الحرية.

خارون: مهلك، ودعني أسألك سؤالا مناسبا.
نزار قباني: (متابعا)… وأنا شاعر المرأة ولو كرد الكارهون قراء ونقادا ومتين، حيث حللت حل المجد، لم ألن في حياتي كلها لسلطان، إلا سلطان النوم، والأن  واأسفي علي.

 (يبكي) ها إن إلا سلطان زاهق الأرواح يسوقني اليك صاغرا ياخارون، متقلبا بي من النور الى الظلمة، ومن المجد الى العدم، فما من رجعة لنفسي، كأنني لم أولد ولم يكن لي في الدنيا وجود.

خارون: هدئ من روعك، يا نزار، فأنت قادم من دار الفناء الى دار الخلود.

نزار قباني: ليتني اقتنع، فما أنا بقنوع، ملأت الدنيا وشغلت الناس.. (يبكي)، ولسوف تستكثر علي، هنا ياخارون في عالم الاشباح، ما كان محتقرا لدي في دنيا الأحياء.

خارون: هون عليك وأجبني بربك إن كنت ترغب أن تشارك شاعرا او ناقدا سكناه، أم انك تفضل اعتكافا يتيح لك المتأمل ونظم الشعر؟

نزار قباني: كنت أفضل الا أضع قدمي في زورقك يا خارون، ولا أمر على هذا العالم أبدا، وما دامت حيلتي ضعيفة أمام سطوة الموت، فإن كل موضع صالح  لاقامتي بشرط الا يقترب منه المدعو عبدالوهاب البياتي، فهو فار من الجندية ويائس، واخشي ان يرتكب حمافأ تزلزل بدني.

خارون: أضمن لك أن تكون اقامتك في مكان قصي، ولا أضمن عدم وصول السيد البياتي الى ذلك المكان، فالعالم السفلي، على رغم القوانين الصارمة التي تتحكم "، فهو بلاحدود أو حواجز.

نزار قباني: هوذا ما كنت أخشاه،فأنا شخص لطيف ومهذب وحروبي ضد الحكام وشعرائهم خضتها بقوة الكلمة، ولا استبعد ان يخرج البياتي لمواجهتي وفي يده غصن شجرة.

خارون: مالك والبياتي.. فهو اليوم مقيم تحت شجرة الانساب وقد سرق الحسنى ابتسامته وسيطرت عليه الكابة، يقلب (بمساعدة من ناقد اسمه محيي الدين صبحي)

 أوراقا دونا عليها أسماء أجداده، يحسب ويجمع ولا يتوصل الى ما يرضيا ويفرج من غمه، ولا اظن انه سيكون متفرغا لشيء أخر غير نفسه.

نزار قباني: انت لا تعرفة، يا خارون ولا تعرف ناقده الذي ذكرت فهما من طينة غريبة.

خارون: ماذا تقصد؟

نزار قباني: أقصد انهما، هو وناقده، شخصان مواريان متواطئان ضدي، كما خارت هزيمة أداهما سنده الأخر، في الستينات، أذكر التاريخ تماما، نشر السيد محيي الدمن صبحي مقالا ناريا كشف فيه عن سرقة ارتكبها البياتي في مسرحيته "محاكمة في نيسابور" مستعملا في كشفه أرقاما ووثائق.

خارون: ومن كان المسروق ؟

نزار قباني: كاتب أوروبي اسمه هارولد بلوم، والسرقة وقعت من كتابه المسمى "عمر الخيام " والغريب ان البياتي الذي اكتشف فجأة، ناقدا يقف ضده، ظل وراء هذا "الناقد" مدة عشرين عام ونيف، حتى استماله اليه وكتبه رسالة دكتوراة

كاملة تحت عنوان ( الرؤيا في شعر البياتي).وقد حضر كاتب هذه المسامرة الوقائع الطريفة لمناقشتها في الجامعة الامريكية في بيروت من قبل عدد من الاساتذة، كان بينهم الفاضل محمد يوسف نجم، والالمعي نديم نعيمة، وقد ورد على لسانهما عبارات ألهبت القاعة بالسرور وندي لها جبين الناقد. والذي أدهشني في أمرهما- الناقد والشاعر- ليس انقلاب الاول، وانما دأب الثاني وصبره وحنكته:

وليس – ايضا- اعتبار الناقد شاعره المفضل البياتي وحيد عصره، وفريد زمانه، ولا شبيه له، وكل هذا مدون في "الرؤيا في شعر البياتي"، وانما البياتي نفسه.، وهو يعرف انه ليس هكذا، ولن يكون له هذا أبدا، وان ما كتبه هذا الناقد ليس غير كلام يسهل محوه !

المهم يا سيد خارون، انني بازاء جنابك أقف، وما من شرط لي فير أن تجنبني هذا الشاعر، ولا مانع لدي في ان استقبل السيد محيي الدين صبحي تائبا. فهو ما يزال مقبولا من جانبي خصوصا انه صنف كتابا كاملا أوقفه على شعري وأطلق عليه

عنوانا لن أنساه ما حييت: "الكون الشعري عند نزار قباني".

خارون: سوف أكون مساعدك، ولن أتخلى عنك، ليس لانحيازي ,الى جانبك بازاء ما  ذكرت من ترهات النقاد وأوهام شعراء أصابهم بؤس الخلود، فارتكبوا في الشعر أفعالا غريبة عليه وإنما لأنك أنزلت القصيدة العربية من عليائها وأجلستها على ركبتك كطفل، مرحت تدللها، المي أن كبرت فأطلقتها لتكون كائنا بين الناس منظورا ومحبوبا.

نزار قباني: لا اقبل أن يكون السبب هذا فقط، وأحب منك ان تقول مثلا: ولكوني، أيضا حررت القلوب من الاقفال ورميت بسهم شعري كل مراهق، ولما بلغ العمر مني مبلغ الحكيم، وجاءت على العرب نكسة حزيران (يونيو)، تركت قافية الحب، واشعلت الأرض بالحاكمين.

خارون: خلني أخالفك لنكون صديقين، وتسامح ولا تغضب اذ اقول لك، انك لمم تكتب بيتا من الشعر اللامع العظيم منذ نكسة حزيران ( يونيو) وحتى اليوم، وكان يكفيك ما بنيت للشعر من قبل لان كل سطر أسلمت فيه الشعر الى السياسة عرض ويعرض عمارتك الشعرية الصرفة للهدم.

نزار قباني: هذا كلام مخيفا ومؤثر، وهو يحزنني ويطربني، فهو يعطيني حقي من المجد، ويجعلني أقف على اخطائي، التي طالما عرفتها وتجاهلتها، فلقد هيجت الجمهور من حيث شئت وقسطت، وما هكذا كان قصدي قبل حزيران، كنت

قبله شاعر القصيدة والجمال وأصبحت بعده هجاء بلا شعر.. ولسوف أقبل كل نصح منك يا خارون، فأنت شخص عادل، وكلامك طالع من المحب.

خارون: تعال الأن، إلى زورقي، أيها الشاعر، لسوف أكلل جبينك بالغار، فأنت منتصر وما ان تضع قدمك في هذا الزورق الخشبي الصغير، حتى ينفتح باب التاريخ ويتقبلك كأول شاعر حديث احبته العرب واختلفت عليه بعد الشاعر المتنبي، من رئيس الجمهورية المي طالب الاعدادية، ومن الملك الى موظف الاعلانات،

ولا تبتئس، لان حسناتك غالبة سيئاتك واعترافا مني بشا عريتك سوف أتقاضى منك نصف ما أتقاضاه عادة من زبائني، أما إكليل الغار فقد سددت ثمنه سلفا.

إرشارة:
هذه المحاورات كتبها الشاعر نوري الجراح سنة 1989 وهي من أصل 25 محاورة متخيلة مع شعراء عرب أحياء ومترفين يضمها كتاب سيصدر هذا العام في بيروت تحت عنوان (رجل الزورق – مسامرات الأموات).

في هذه المحاورات يستوحي الشاعر الحديث طريقة الفيلسوف  والأديب السوري- اليوناني القديم الساخر لوقيانوس السميساطي في كتابه "محاورات الموتى" وقد نشر بعض هذه المسامرات في الصحافة اليومية اللندنية تحت عنوان جامع هو "مسامرات الاموات " في هذه المسامرات يتوارى الشاعر وراء قناع خارون الشخصية الميثولوجية الاغريقية ليستضيف في كل محاورة شاعرا عربيا ويعرضه المساءلة النقدية الطريفة، اما خارون فتقول الاسطورة الاغريقية انه يحق بزورقه العالم ألحي الى عالم الفناء عبر نهر ستيكس ومعه الموتى العظام واللئام معا، وكانت هذه المسامرات قد انقطع نشهما أواخر الثمانينات بسبب المشكلات التي عرضت لكاتبها من الشعراء الذين كان أغلبهم ما يزال حيا، كالقباني، والحيدري، والبياتي، والذين لم يتورع خارون، على رغم كل ما لهم من سطوة، عن نقلهم بزورقه أحياء، ومحا كمتهم نقديا خلال الرحلة، وذلك من قبل أن يرحلوا عن عالمنا، ويعتبروا من كبار شخصيات العصر.
 
 
محاكمات ساخرة :نوري الجراح (شاعر من سوريا يقيم في قبرص)

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …