أخبار عاجلة

مسرح جــــورج شحــــادة مهاجر بريسبان

 
شخصيّات المسرحيّة:
مهاجر بريسبان/ الحوذي/ سنيوري لويجي روكّو، رئيس بلديّة بلفنتو/ توتينو، سكرتير البلديّة/ بيكالوغا/ روزا، زوجة بيكالوغا/ سكاراميلاّ/ لورا، زوجة سكاراميلاّ/ باربي/ ماريا، زوجة باربي/ شيشيو/ بينيفيكو/ آنّا الصغيرة/ بادري أوروري الشاب الذي في الصورة/ مهاجر آخر/ مزارعون ومزارعات، والحصان كوكو.
(تدور الأحداث قرابة عام 1925، في إحدى قرى صقلّية).
 
تشكّل مسرحية «مهاجر بريسبان» للشاعر والكاتب المسرحي اللبناني باللغة الفرنسيّة جورج شحادة محطّة مهمّة في تجربته المسرحيّة. ولقد تمّ تقديمها علىمسارح فرنسية عدّة، كما قدّمت عام 2004 في إطار «مهرجانات بعلبك الدولية» في لبنان من خلال ترجمة جديدة وضعها الكاتب والشاعر عيسى مخلوف وأخرجها المخرج المسرحي نبيل الأظن. ولقد أفادت هذه الترجمة الجديدة من إنجازَي الفصحى والمحكيّة اللبنانيّة. من جهة الفصحى، فهي تنقل نفحة الشعر العالية والتأمّلات الفلسفية للقائل: «من يحلم يمتزج بالهواء»، «نداوي الكآبة بالأسرار»، «وحده الأبديّ لون العصافير»… أمّا من جهة العامّيّة فتسعى إلى إيجاد معادلات لنبرة الحياة اليومية.
تتألّف المسرحية من تسع لوحات ننشر منها، هنا، اللوحات الثلاث الأولى، بالإضافة إلى اللوحة السابعة.
 
 
اللوحة الأولى
 (ساحة في قرية صغيرة جاثمة فوق تلّة. في الوسط، ينبوع من حَجَر. ليل مليء بالنجوم. تكون الخشبة مطفأة لدى إزاحة الستارة. نسمع من بعيد صوت عجلات. بعد قليل، تظهر عَرَبة بمصابيحها الوامِضَة. تتوقّف، وتُضاء الخشبة.)
المشهد الأوّل
الحَوذيّ، المهاجر
الحوذيّ (جالساً على مقعده):
هنا، يا أستاذ! وصلنا. المكان يَستحقّ التكريم. (يرفع قبّعته ويحيّي). كِرمَى لكْ. تفضّل، تفرَّج… أنا أنتظرك. (يُسمع نباح كلاب.) لا تهتمّ بالكلاب. في صِقِلِّية، الكلاب تغنّي. (يضحك.) ليلة رائعة يا أستاذ! (يشير نحو السماء.) مع هذا الفَلَك المتألِّق، ونفحة الهواء المنعشة… الساخنة قليلاً، والتي لا تجدها إلاّ في صقلّية. (يضحك.) انظر، أمامك قرية سانت أنطونيو… في الأسفل، سان لوتشيو بابا حيث يطرطق الحدّادون في النهار… وفي الأعلى، توجد سانتا كلارا المتوَّجة بالنور… وراء ظهري، سان فِرمينو، كأنّ كنيسة انفجرت وجميع القدّيسين تبعثروا في الطبيعة. جميعهم، الذكور منهم والإناث. (يضحك.) المجد لله! (بعد برهة من الصمت، يستدير وهو على مقعده بدون أن يرى باب العَرَبة ينفتح.) وصلتَ يا أستاذ.
المهاجر: (ينزل بهدوء من العرَبة.)
 (هو رجُل كبير القامة، مَشيق، يعتمر قبّعة ويرتدي معطفاً أنيقاً. شعره خطّه الشيب. يخطو خطوات قليلة، يتوقّف، وينظر حوله.)

الحوذيّ، (بعد أن راقبه):
آه، أن يعود الإنسان إلى قريته بعد دهر، شيء مؤثِّر فعلاً!… طالع ع بالي البكي، كِرمَى لكْ. (يُرَبِّت على كَفَل حصانه). ما هَيك يا كوكو؟
المهاجِر، (يتقدّم بخطوات منهكة نحو ساحة القرية الصغيرة. يترنّح):

الحوذي:
انتبه يا أستاذ. (يبدو المهاجر كأنّه على وشك السقوط)! (يخطو خطوات عدّة نحوه، ثمّ يجمد في مكانه قرب العرَبة وهو يتابع مراقبته.) إيه يا أستاذ، شايف… كلّ شيء يتغيّر… كلّ شيء تغيّر… كلّ شيء مضى يا أستاذ، كلّ شيء يمضي… هي ثوابت شعبيّة. ولا حاجة إلى تخرُّج أو إلى شهادة علميّة لتفهم. (آخذاً حصانه شاهداً.) ما هيك يا كوكو؟
المهاجِر، (ينظر حوله):

الحوذيّ:
هل تغيّر عليك المكان؟… وسبيل الماء، هل شاخَ وهرم؟… لكنّ خريره لم يتغيّر، وهذا ما يبقى يا أستاذ (بعد برهة.) مع الوقت، يذوب الرخام والشمع.
المهاجر:

الحوذيّ (يسمع نباح الكلاب من جديد):
آه! هذه الكلاب. ليست هي ذاتها التي كانت هنا يوم ذهبت، ما هيك؟ (بعد برهة.) ما اسم الكلاب التي عرفتَها؟… نادها فنعرف.
المهاجر(وهو ينظر من حوله):
… 
الحوذيّ:
الأشجار هي أيضاً كبُرَت، ولها أخوات… مثل نابليون. (يضحك. يغيّر من نبرة صوته.) العصافير التي استمعتَ إليها ماتت ألف مرّة. (يأخذ حصانه شاهداً.) إيه يا كوكو؟… (بعد برهة.) وحده الأبديّ لونُ العصافير، قال أحد الصبَّاغين.
المهاجر، (ينظر إلى البيوت المحيطة بالساحة الصغيرة):

الحوذيّ:
أمّا البيوت يا أستاذ، هذه الأكوام من الحجارة والكِلس، فلا ذاكرة لها… لا ذاكرة إلاّ حين تكون لها شرفات. لماذا قلتُ: حين تكون لها شرفات؟ إيه يا كوكو؟… (بعد برهة، متوجّهاً بكلامه نحو المهاجر:) على أيّ حال، البنّاؤون الذين بنوا هذه البيوت… راحوا.
المهاجر:

الحوذيّ:
ما عمرك يا أستاذ؟… حسابُ العمر بحساب الكآبة. السؤال فيه تطفُّل، صحيح… لكن أمام هذه النجوم!…
المهاجر، (يجلس على جذع شجرة ويضع يده على قلبه):

الحوذيّ، (يجلس عند سُلَّم عرَبته، يفتح صحيفة فيها طعام ويبدأ الأكل. يقول بين لقمتَين:
أنا في انتظارك يا أستاذ).
المهاجر:

الحوذيّ، (بعد برهة، وهو يأكل):
كم هو جميل هذا المكان في الليل، رغم الحزن النابع منه. أحلف بأنّ الرسل الإثني عشر مرّوا من هنا، فلا شيء على الأرض جميل إلاّ وداسته أقدام الرفاق الإثني عشر، إيه يا كوكو؟… (يرسم إشارة الصليب وهو يتابع الأكل).
المهاجر:

الحوذيّ:
متى تركتَ صقلّية؟ من زمان، ما هيك؟ فهمتُ فوراً. الأنف هو أكثر ما يتغيّر بعد الأسفار، (موجّهاً كلامه إلى المهاجر:) أنفكَ أنت يا أستاذ صار إنكليزياً. (ناظراً إلى حصانه كما لو أنّه الشاهد.) إيه كوكو؟…
المهاجر:

الحوذيّ: (بعد صمت طويل، وهو يبتلع لقمته الأخيرة):
والآن ماذا لو نعود يا أستاذ؟… رأيتَ كلّ شيء. (تنبح الكلاب.) وسمعتَ كلّ شيء. تذكّر أنكَ قلتَ في المحطّة: «وقتي كتير قليل».
المهاجر:

الحوذيّ:
وماذا لو تركتَ ظلّكَ هنا… مع الكلاب؟ هكذا يبقى في القرية دائماً. لمَ لا؟ نعالج الكآبة بالأسرار. إيه يا كوكو؟…
(في هذه اللحظة وفوق جرس بالكاد تمكن رؤيته في الليل، تدقّ الساعة أربع مرّات متتالية.)
المهاجر، (يرفع رأسه ببطء):

الحوذيّ (يُخرج من جيب سترته ساعة كبيرة):
منتصف الليل يا أستاذ (بعد صمت، وهو يراقب السماء.) بدأت النجوم تسقط بشكل خطير. هي بالتأكيد قِطع فضّية بعيدة تعبر… لكن هناك أيضاً النيازك!… والنيازك ليست ريش النعام حين تسقط فوق رأسك.
المهاجر:

الحوذيّ:
يَلاّ يا أستاذ، تَعا نرجَعْ. رأيتَ أجمل قرية، بالمعنى «الإستيتيكي»، وأهنّئك لأنها قريتك. فنّانو باليرمو يقصدونها يوم الأحد ليجعلوا منها روائع فنية. إيه يا كوكو؟…(فجأة.) أسمع صفيراً في أذني وأتساءل: هل هو قطارك؟ (يضحك.)
المهاجر:

الحوذيّ:
منتصف الليل يا سيّد. الساعة متأخّرة والعَرَبَة قديمة والسائق مسنّ. علينا أن نجتاز أربعة أودية قبل الوصول إلى المحطّة.
المهاجر:

الحوذيّ، (يقفز إلى مقعد عرَبته وينتظر. يلقي من وقت إلى آخر نظرة نحو المهاجر الذي تتشوّش أفكاره ويزداد ضَياعاً. ثمّ يقول بِجزم وهدوء).
عُد إلى العرَبة يا أستاذ… وإلاّ مضيتُ.
المهاجر: (يبدو أنّه لا يولي كلامَ الحوذيّ أيّ أهمية).

الحوذيّ:
سأمضي يا أستاذ.
المهاجر:

الحوذيّ:
أرفع سَوطي، ليس ضدّ كوكو- لا تعتقد ذلك-، ولكن لأنهال بالضرب على المصابيح وأمضي إلى الأمام. (ينظر إلى المهاجر.)
المهاجر:

الحوذيّ:
إسمع جيّداً: لن تجد مكاناً تنام فيه. لا فنادق هنا، ولا مأوى لتشرب أو تأكل. فنّانو باليرمو يحملون كلّ شيء في سلالهم يوم الأحد. وبَعدينْ، مينْ يلّي رح يعرفكْ بِالعَتم، بعد هالغيبة الطويلة…
(ينطفئ النور على الخشبة. نسمع وَقع السَوط بينما العربة تتقدّم وتختفي. المهاجر يحني رأسه إلى الأمام.)
الستارة
(نهاية اللوحة الأولى)
 
اللوحة الثانية
(الديكور نفسه الذي طالعنا في اللوحة الأولى. يتحلّق سكّان القرية في الساحة الصغيرة حول رئيس البلديّة، وهو فلاّح طويل القامة أسود الشاربَين، هادئ وصموت. قبالة الجمهور يقف توتينو، سكرتير الرئيس، حاملاً طبلاً على كتفه، مستعداً لتلاوة إعلان. من شرفة البلديّة، بادري أوروري، كاهن بلفنتو، يراقب المشهدَ بكثير من الاهتمام.)
المشهد الأوّل
(المختار، السكرتير، شيشيو، روزا بيكالوغا، لورا سكاراميلا، ماريا باربي، آنا، بيكالوغا، سكاراميلاّ، باربي، مزارعون، مزارعات، بينيفيكو وفي يده هَرمونيكا، وبادري أوروري على الشرفة).
رئيس البلديّة (يناول السكرتير لفافة من الورق.)
السكرتير:
بأمر من رئيس البلديّة (يقرع الطبل، يفتح لفافة الورق ويبدأ قراءة ما جاء فيها بصوت عال جداً.) «يا سكّان بلفنتو!…»
رئيس البلديّة (مقاطعاً):
النساء في الصفّ الأمامي (ثمّ يشير إلى السكرتير ليتابع القراءة).
السكرتير:
«يا سكّان بلفنتو!… أمس، قبل صياح الديك، في وقت لا هو نهار ولا هو ليل. هو النهار والليل معاً. في هذه الساعات الأولى، ذهب شيشيو، وهو مزارِع من بلفنتو، ليتفقّد مزروعاته. فوجد في الساحة رجلاً ميتاً بالسكتة القلبية. أثبتَ الدكتور كوتّو الوفاة قرب هذا السبيل اللامبالي. دُفِن الرجل في مقبرة بلفنتو مع أنّ هويته لم تنكشف تماماً. المراسم الكنسيّة أقيمت له بعد وفاته بفضل كاهن بلفنتو وهو إنسان خَدوم أوّلاً، وعالِم بالفِراسة ثانياً. (للتدليل على ما يقول،يقرع السكرتيرالطبل بعصا واحدة). سنعرض فوراً صورة وُجدت في جيب الميت وتمثّله في شبابه. كبَّر الصورة المايسترو إيتّوري أرّاندا، مصوِّر باليسترو. فلنقدِّم له الشكر علناً لمساهمته الفنية والعملية. (قَرْع الطبل بعصا واحدة). نطلب من البالغين في بلفنتو أن يمرّوا أمام هذه الصورة، ويبحثوا في أعماق ذاكرتهم، لعلّ الوجه الذي فيها يذكّر بأحد أو بشيء. ومن يتذكّر فليتوجّه إلينا بأسرع وقت.
لويدجي روكّو،
رئيس بلديّة بلفنتو.
(قَرْع الطبل بالعصا. وبينما يخرج رئيس البلديّة، يتخلّى السكرتير عن الطبل ويعلّق على شجرة صورة كبيرة لرجل شاب ووسيم يرتدي بذلة من النوع الذي كان سائداً عام 1900. يقترب المزارعون من الصورة.)
السكرتير:
النساء أولاً! ليقف الرجال هنا في انتظار دورهم. هيه! شيشيو، أخبرهم كيف وجدتَ الميت وهو في قبّعته المتماشية مع العصر وحذائه الذي كان يلمع في ليل ما عاد ليلاً. من يدري، قد ترفع لكَ بلفنتو تمثالاً من رخام، لهذه الخدمة.
شيشيو:
عَنْ جَدّْ؟!…
السكرتير (متوجّهاً نحو شيشيو):
أيّها المواطن، نحن لا نمزح أبداً. (بعد برهة.) النساء أولاً، بأمر من رئيس البلديّة. يرجى منهنّ أن يتقدّمنَ وينظرنَ إلى هذه الصورة كما ينظر المرء إلى أعماق بئر. على كلّ، في الماضي كانت هناك بئر محلّ السبيل بالتّمام. والنساء كنَّ يتحلّقنَ حولها. لنترك النساء يتذكّرنَ ويُخبرنَ ما إذا كنَّ التقينَ هذا الشاب حول البئر. (بعد برهة.) المسألة علنيّة. (بحركة من يده، يستدعي إحدى النساء للاقتراب من الصورة). مدام بيكالوغا…
روزا بيكالوغا (امرأة لم تتجاوز الأربعين ولا تزال تحافظ على جمالها):
لماذا أنا أوّلاً؟
السكرتير:
افعلي ما يُطلب منكِ. بأمر من رئيس البلديّة.
روزا بيكالوغا (تتفحّص الصورة):

السكرتير (بينما تتفحّص السيدة بيكالوغا الصورة):
هل عرفتِ هذا الشاب في بلفنتو زمن البئر؟ يومها كنتِ جميلة يا روزا… كنتِ حلوة… مع تَكتكة كعب سْكَرْبِينْتِكْ.
روزا بيكالوغا (تشيح بنظرها عن الصورة):
لا يا سكرتير.
السكرتير:
تخيّلي هذه الصورة… أو هذا الشاب العائد إلى بلفنتو… وهو يقول لكِ، بهذه الطريقة: «صباح الخير يا روزا…». فهل كنتِ تعرّفتِ إليه؟ (برهة.) وماذا لو كان يدخّن سيجاريلّو ويتأمّلكِ وأنتِ تتخايلين أمامه، وهو يتّكئ، كما تتّكئ صورته الآن، على هذه الشجرة؟
روزا بيكالوغا:
لا، ما كنت تعرّفت إليه.
السكرتير (واضعاً حدّاً للمقابلة):
شكراً مدام بيكالوغا.
روزا بيكالوغا:
مينْ هُوَّي؟ شو عم بيصير؟ وليش عم تحكي عنّي لمّا كنت صبيّي بالنسبة لواحد مجهول متل هيدا.
السكرتير:
شكراً مدام بيكالوغا، شكراً.
روزا بيكالوغا، (تبتعد):

السكرتير، (متوجّهاً بحديثه إلى امرأة أخرى لم تبلغ الأربعين ولا تزال تحافظ على جمالها).
معكِ يا سنيورا سأكون دقيقاً لأنّ طبعكِ حادّ ولسانكِ فالِت. ما حدا فيه يلقطو. (برهة.) آه! مدام سكاراميلاّ، لينعم الله عليك بالملائكة عندما تنظرين إلى هذه الصورة.
لورا سكاراميلا:
فيكْ تسكتْ شويْ تا شوفها عَ رواقْ.
السكرتير:
من عشرين سنة…
لورا سكاراميلاّ (تقاطعه بازدراء):
من عشرين سنة، ما كنت خلقت بعد!
السكرتير:
خلّيني كمِّل… من عشرين سنة، قبل ما تخلّفي إبنكْ التاني…
لورا سكاراميلا:
مش قليل حضرة الداية! شو بتريد؟
السكرتير:
ياخدِك إبليس. أجيبي: من عشرين سنة، هل التقيتِ بشابّ تذكّركِ به هذه الصورة؟
لورا سكاراميلاّ:
ما بيخصَّكْ.
السكرتير:
طبعاً يا سنيورا. هيدا آخر همِّي. لكنكِ ستجيبين على أيّ حال. (يسحب من حمّالة بنطاله عصا الطبل. يقرع الطبل الملقى على الأرض على بعد خطوات منه). لأنّي أكلّمكِ الآن نيابةً عن رئيس البلديّة وباسم القانون.
لورا سكاراميلا:
طيِّب، لم ألتقِ بأحد. لم أرَ أحداً يشبه هذا الشخص، لا من قريب ولا من بعيد. (بعد برهة) هذا ما أقوله لرئيس البلديّة. (برهة) أمّا لك فأقول: إنتَ واحدْ أجدَبْ (تضحك بهدوء).
السكرتير (وبعد لحظة من الارتباك):
لنقل إنّي لم أسمع شيئاً… باسم القانون (متوجّها إلى امرأة أخرى في الأربعين من العمر ولا تزال جميلة). دَورُكِ الآن مدام باربي.
ماريا باربي:
أجيبكَ فوراً، ودون أن أنظر إلى الصورة. ما شفتو بحياتي. لو هنّي شافوه كنت أنا شفتُه. إنت ناسي إنّا عايشين بضَيعة واحدة.
السكرتير:
لا أطلب منكِ يا سنيورا أن تقدّمي تحليلاً فلسفياً. نظرة وبَسّ.
ماريا باربي (تتّجه نحو الصورة وتتفحّصها عن قرب):
لا يذكّرني بأيّ شخص عرفته هنا.
السكرتير:
وفي مكان آخر… خلال سَفَر؟
ماريا باربي:
عم تمزح يا سكرتير. في الماضي، كان العالم بالنسبة لنا ينتهي عند الطريق العامّ.
السكرتير:
وهل التقيتِ هذا الشاب في الماضي على الطريق العامّ؟
ماريا باربي (تنظر إلى الصورة مرّة أخرى):

السكرتير:
تذكّري، كنت تمرّين على الطريق العامّ وسلّة كستناء سمراء تحت ذراعك… أنتِ أيضاً امرأة سمراء، وكم يحلو النظر إليكِ… بينما العربات تتّجه نحو المدينة.
ماريا باربي:
لم يعد في البلاد عربات يا سكرتير، ولا أتذكّر أبداً أنّي تكلّمت مع هذا الشاب. (تعود إلى مكانها).
آنّا، (فتاة في الثالثة عشرة، تتقدّم وتنظر إلى الصورة بحنان. تردّد:)
جنتيلي. (لطيف، بالإيطاليّة).
السكرتير:
أيّتها السيدات، انظرنَ جيّداً إلى هذه الفتاة. عندما كنتنَّ مثلها ألم تتعرّفنَ على شابّ… مثله؟… (يشير إلى الصورة).
النساء الثلاث:
يجبنَ بالسلب(بهزّ الرأس.)
السكرتير:
ما كانت ولا واحدة منكنّ عاطفية… في الماضي؟
روزا بيكالوغا:
نْسِيتْ يا سكرتير إنّا كلّنا نسوانْ متزوّجين.
السكرتير:
قلت: «في الماضي». إذا سمحتِ!
روزا بيكالوغا:
حتى هالشي، ما كان لازمْ تقولُه. قبل وبعد، نحنا لرجالنا.
السكرتير:
لا تبالغي يا ستّ. شو ما قلتِ ما رَح صدِّق إنكن خلقتو سوا أنتِ وزوجك وإنكن كبرتو سوا وضلّيتو سوا حتى صار هوّي الرجل الفَحل وأنتِ عروس!… حتّى العَدْرا، وقتها، تنزَّهت. والزواج ليس سرّاً بوليسياً مقدَّساً.
لورا سكاراميلاّ:
بسّ وْلاَ، حاجي تعرّي روزا بكلامكْ وتتلصلص عليها من بخش الساقوطة… كرمال واحد غريب.
روزابيكالوغا:
واحد غريب، حملناه أمس إلى المقبرة ودفنّاه بكلّ خشوع وأعلام القرية مرفوعة.
السكرتير:
ليس غريباً عن بلفنتو، يا ستّ، ليس غريباً.
(يسحب من حمّالة بنطاله الجلدية عصا يقرع بها الطبل الملقى على الأرض على بعد خطوات منه.)
ماريا باربي:
بسّ مين هوّي هالمجهول يلّي إجا يموت بِبلفنتو بالليل متل اللصّ؟
السكرتير (يقرع الطبل مجدداً بعصا واحدة):
مش مجهول يا ستّ، مش مجهول.
روزا بيكالوغا:طالما إنّو مات، الفظ اسمو قدّامْ ألله وخلّينا نعرف.
لورا سكاراميلاّ:
حاجْ تشتغلْ فينا. بقّْ البحصة وخلّصنا.
ماريا باربي:
ما تتركنا متل بغالْ تلاتي معلّقَة برَسَن بهالصورة… يلاّ قول.
السكرتير:
ولا كلمة بعد الآن. انتهى التحقيق: ولا واحدة منكنْ تعرَّفتْ عْليه. جرَّبتْ اخدمكمْ وألله شاهدْ.
(يحمل السكرتير طبله ويستعدّ للخروج.)
لورا سكاراميلا:
إذا فهمتْ قصدكْ منيح، بدّك تخلّي روزا تعترف إنّو يلّي إجا ع بلفنتو كان عاشق ملهوفْ… وراجع يشوفها قبل ما يموت.
السكرتير:
ولكِ يا سنيورا، أقول الشيء ذاتَه. (يتابع) تذكّري عندما كنتِ تنشرين الغسيل والفلفل الأحمر بشعرك. والشباب يلتفّون حولكِ.
لورا سكاراميلاّ (لرفيقاتها:)
آه، عم يحكي عن عشيق يمكن يكون مَرَقْ من هونْ بالزّمانات. (تضحك.)
السكرتير:
لمَ لا؟ … مدام سكاراميلاّ، لمَ لا؟ الفضيلة مياه شفّافة وعميقة لكنّها تتحرّك، مدام سكاراميلاّ، وتحرّكتْ… بشكل معقول.
روزا بيكالوغا (تنادي:) 
بيكالوغا، تعال، تعال اسمع ما يُقال عن زوجتك.
بيكالوغا (وهو يقترب):
شو القصَّه يا سكرتير؟…
السكرتير:
مجرّد افتراض… كنت أفترض أنَّ زوجتك كانت جميلة في الماضي. غَلَط؟
بيكالوغا:
إيه، لأ.
روزا بيكالوغا:
جميلة … ولَعوب، هذا ما قاله.
بيكالوغا:
نعم، ما بقى عم تلعبي بشي اليوم (يضحك بهدوء.)
سكاراميلاّ (الذي تابع كلّ المشهد من بعيد، يدنو مهدِّداً:)
اسمع يا سكرتير، يمكنك أن تقول كلّ ما يخطر في بالك طالما أنّك تحمل الطبل، لكنّي أحذّرك من اللعب بالشرف والفضيلة. انتبه، الدم بلّش يغلي براسي. هالنسوان كانوا الأحلى بالضيعة. وإذا كانوا كبروا، الشرف ما إلو عمر. فهمت يا سكرتير؟!… (يسحب فجأة من جيبه سكّيناً، يفتحها، ويطعن بها الصورة). خود تا قلّكْ، هيدا للميّت تبعَك!
(بادري أوروري على الشرفة، في وضعيّة من الذهول. تخرج كلّ الشخصيات بصمت باستثناء آنا الصغيرة التي تنظر إلى الصورة بحنان، وتسند رأسها إلى الشجرة.
 
الستارة
(نهاية اللوحة الثانية)
 
اللوحة الثالثة
(الديكور نفسه، والوقت ليل. يدخل بينيفيكو بحذَر، يتبعه شيشيو وفي يده قنديل. عند جذع الشجرة حيث لا تزال صورة المهاجر معلّقة ومطعونة، تنام آنّا الصغيرة وقد لفّت كتفيها بِشال. لا يلاحظ الرجلان حضورها عند دخولهما.)
المشهد الأوّل
بينيفيكو، شيشيو
وآنّا الصغيرة النائمة
بينيفيكو (بصوت خافت:)
تَعا يا شيشيو… تعا.
شيشيو:
(يؤرجح المصباح حوله وينظر.)
بينيفيكو:
بيكفي، حاج تمرجح هالقنديل… مش شايف كيف عم تطلع هالخيالات من حولك؟ والمقبرة مش بعيدة، وهونيكْ في رجال ونسوان ممدّدينْ ومتلهّفينْ يسلّمو عليّي. 
شيشيو:
رح أطفي هالقنديل تا ضلّ منسجم مع الليل.
بينيفيكو:
أريَح بكتير الليل المعتَّم من لسان الحيّة الأصفر هيدا. (يشير إلى شعلة المصباح.)
بينيفيكو وشيشيو (ينفخان طويلاً بدون أن يتمكّنا من إطفاء الشعلة.)
أفّ… أفّ…
شيشيو:
هيدي شلش النار وواقفي بوجه الهوا. 
بينيفيكو:
نار سافلة بدّها تسمع كلّ شي بعد ما شافتْ كلّ شيء!
الرجُلان (ينفخان معاً.)
أفّ…
بينيفيكو (بعد أن ينطفئ المصباح:)
يَلاّ يا شيشيو، خبّرني.
شيشيو:
يَلاّ يا عَمّ. (يسير بضع خطوات ويشير إلى مكان محدّد). هون لأيتو مَيِّت والكلاب نايمي ع إجرَيه. (ينطّ انفعالاً في مكانه ما ان يتذكّر.)
بينيفيكو:
طيّب، هَدّي حالَك.
شيشيو:
كان كإنّو نايم… (يجلس عند جذع الشجرة ويأخذ وضعيّة المهاجر نفسها) هَيك… والكلاب عم بتنوح عَ إجرَيه بهدوء. ميِّت نايم. الخوف بيغيِّر هيأتَك. لساني علق بِسَقف حلقي وفكّرت إنّي صرت أخرس وبعدين أطرش. (يحاول السيطرة على ارتجافه). بسّ لازِم نروق. (يجرّ بينيفيكو نحو أبعد نقطة في المسرح.) هون شفت زبل حصان…
بينيفيكو:
كان في حصان عم ينتظرُه؟
شيشيو (بغموض:)
نعم.
بينيفيكو (بعد صمت وشعور بخيبة أمل:)
هيدا كلّ شي؟…
شيشيو:
شو بدّك أكتر يا عَمّ؟ حصان وميّت بعزّ الليل. أسطورة مار جرجس مش أحلى.
بينيفيكو:
وَطّي صوتك شيشيو. ما تنسى إنّو المقبرة مش بعيدة والقنديل بعدو حامي، يمكن يشتعل من جديد.. (برهة صمت.) وبَعدين؟
شيشيو:
بعدين؟… ركضت لعند رئيس البلديّة. كان نايم وشخيرو متلاّ الدني. «قوم لويجي، قلت لُّه، جيب فردَك وتعا! بالساحة في رجّال عالأرض، عيونو مبحلقة وما بيحكي». كانت كلّ الكلاب ورايي، لاحقتني كإنّي ساحر. قام لويجي بالبيجاما واحتشاماً حطّ برنيطة عَ راسو، ورحنا بسرعة تا نشوف عن قريب. بعدين رحت وَعِّي السكرتير يلّي صرخ بِوجِّي: «روح نام يا شيشيو، هيدا كابوس. بلِّغ رئيس البلديّة أنّي بِغَيرْ دني.» وبعدين، هرولت لكعب الوادي تا إندَه للدكتور كوتّو. وإجا الدكتور وفلفَش الميّت وشال قبّته والكرافات بلكي بيرجَع نَفَسُه، بسّ نفَسه ما رجع. هيدا يلّي صار يا عَمّ، مبارح، مع الفجر، لمّا كنت رايح إتفقَّد بستاني وإطَّمَّنْ إذا الخضرا عم تنتفخ.
بينيفيكو، (بنبرة من يعرف الكثير.)
كلّ هيدا ما شي يا شيشيو. برأيي ما بتعرف شي.
شيشيو:
شو؟
بينيفيكو:
إنت طيّب يا شيشيو، إنت طيّب… ناقصَك جَعلَكي. ناقصك دعكْ.
شيشيو:
ولَوْ يا عَمّ؟
بينيفيكو:
ما تزعل يا شيشيو، ما تزعل. (بغموض.) لمّا بتخبِّر عن يلّي شفتو ما عم بتقول شو صار. ولمّا عم بتقول شو صار، ما عم بتخبِّر عن يلّي شفتو!
شيشيو:
…؟
بينيفيكو:
متل ما عم قلَّكْ!
شيشيو:
وشو يلّي ما شفتو إذا بتريد؟
بينيفيكو، (ينظر إلى اليمين ثمّ إلى اليسار ويحرّك قبضة يده كأنّه يهمّ بحمل حقيبة جلديّة):
شَنْتَة الجلد! (بعد برهة.) تبَع المرحوم.
شيشيو:
صحيح، ما فَكَّرتْ بهالأكسسوار.
بينيفيكو (منتصراً.)
ولَو! (بعد برهة، آخذاً شيشيو على حدة.) برأيي فيها ثروِة.
شيشيو:
مين قلّكْ كان معو شنتة؟… ما بساعتها كنت بتختَك ملفلف حالكْ بالشرشف وقاعد تحكّ قفاك.
بينيفيكو:
شيشيو، قلبك قلب زنبقة!
شيشيو:
وإذا كان يلّي عم بتقولو صحيح، كيف بتخبِّر إنّو فيها ثروة؟… (يحدّث نفسه فجأة:) مضبوط، يا الله. كان متمسّك فيها بقوّة، هالشنتة. بسّ إيد الميّت بخيلة، يا عَمّ، ما بتفتَح.
بينيفيكو:
شْ… شْ… شيشيو، المقبرة مش بعيدة، هونيك في رجال ونسوان، هلّق بيفكّرو إنّي عم بتدخّل بشؤونن. تعا من هون واسماعْ منيح. (بصوت خافت.) قبل الضهر، شفت لويجي مارئ وحامل الشنتة ذاتها بإيديه تنَينن. السكرتير ماشي قدّامو عم يتفركش من كترة حذَرو وانتباهو، وعْيونُو عَمْ بتشرقِط. قلت لحالي: «يعني! ما فيه إلاّ شغلتين بينقلوهن بهالطريقة: يا ذخائر الكنيسة… يا إمّا كنز».
شيشيو:
مع إنّها كانت خفيفة لمّا شلتها من إيد الميّت، إصبع وَرا إصبع. لَو كان فيها دَهَب كنت حسّيتْ.
بينيفيكو:
ليست المسألة قِطَعاً من ذهب نضعها في خَزنة تحتدم كلّما هززناها. هي مال… عالمي، صامت، يا شيشيو، معمول من وْراق حلوة بتطير بالهوا. (برهة.) بِنابولي في مرا اشترت بيت بطابقَين بكمّ ورقة من هالنوع. (بعد برهة.) برأيي، الشنتَة محشيِّي بهالأشيا.
شيشيو:
قدّوس.
بينيفيكو:
إيه، نعم، قدّوس.
شيشيو، (بعد لحظة تفكير.)
وإذا كنت غلطان يا عَمّ، وإذا كانت الشنتَة ملياني جرايد وبَياضات نْضيِفة ليوم الأحد؟
بينيفيكو:
ومعقول يدقّو الطبل كرمال البياضات؟… ومعقول يدفنوا حدا وأعلام الضيعة مرفوعا كرمال جرايد؟ يعني.
شيشيو:
عَمْ فكّر…
بينيفيكو:
ما تفكّر يا شيشيو حتّى ما يضيع ذكاكْ الحلو.
شيشيو:
يمكن دقّوا الطبل تا يجمعوا الناس ويعرفوا من هيدا يلّي إجا يموت عنّا، هيكْ، بلا مبالاة، بليلة صيف، بدون ما يدقّ عَ الباب.
بينيفيكو:
قلبك طيِّب يا شيشيو، ما بتشوف لبعيد! وما بتربط الصدف ببعضها… إسمع! (يهمس في أُذُن شيشيو). برأيي إنّو رئيس البلديّة لويجي بيعرف مين هوّي.
شيشيو:

بينيفيكو:
ويلّي بيهمّو هلّقْ إنّو يعرف إذا كان حدا من أهل بلفنتو عرف الخواجه بيوم من الأيّام. هَي نظريتي.
شيشيو (يضع يده على ذقنه ويفكّر.)
…؟
بينيفيكو:
ما كنت خلقت بعد يا شيشيو لمّا كنت أنا بوّاب بنابولي. ما تْتَعِّبْ راسَكْ.
شيشيو:
مضبوط. بتصوَّر إنّو الموضوع بيخصّ النسوان أكتر. «النساء أوّلا»، أوّل شي قالو السكرتير.
بينيفيكو:
وْلكْ وَين كان راسي، شو كان عَمْ بيحَيِّك تا ما انتبَه لهالصدفة! أكيد، معكْ حقّ!
شيشيو:
أكيد.
بينيفيكو:
صرت صديق الصّدف يا شيشيو. بْهَنِّي نفسي لأنّي معكْ بهالليل المكحَّل عَم بفكّر بهالقضيّة.
شيشيو:
«النساء أوّلا»، هذا هو السرّ.
بينيفيكو:
الكنز أيضاً. بدون أن نعرف ما هو الأساسي والأهمّ: المال أو النساء. (صمت.) سنتسلّى في بلفنتو يا شيشيو. أنا عم قلّكْ. انتظر شوي. برأيي هَي بداية مأساة كبيرة.
(في هذه اللحظة، يضاء النور فجأة من نافذة منزل مطلّ على ساحة القرية.) تْتَطلَّعْ، تْتَطلَّع، الرئيس بالبلديّة.
شيشيو:
وَينْ لازم يكون رئيس البلديّة بهالساعة؟
بينيفيكو:
نايم. (بعد برهة.) متلنا. (بعد برهة.) لو ما كنّا هون.
شيشيو (يرى ضوء النافذة ينطفئ وتضاء نافذة أخرى.)
انتقَل للمطبخ.
بينيفيكو:
ما في مطبخ! المطبخ بالبلديّة هو كمان غرفة الوفيّات. يوماً ما يا شيشيو رح يكون اسمك مدوَّن بسجلاّت… المطبخ.
شيشيو (يرى ضوء النافذة الثانية ينطفئ وتُضاء نافذة ثالثة.)
صار بالصالون هلّق.
بينيفيكو:
ما في صالون بالبلديّة! الصالون كمان صالة زواج. يوماً ما، لمّا يطلع لكْ قرون يا شيشيو، بيكون صار اسمك بسجلاّت… الصالون. 
شيشيو، (وهو يرى ضوء النافذة الثالثة ينطفئ ويضاء ما يشبه الكوّة:)
كإنّو الرئيس (يتردّد قليلاً، ثمّ يضيف:) عم بيغسّل… إيديه. 
بينيفيكو:
ما فيه مغسلة بالبلديّة!… هَيدي خزانة تسجيل المواليد. ما بدّا مطرح أوسع. 
شيشيو (وهو يرى ضوء الكوّة ينطفئ ونافذة أخرى تضاء:)
رجعْ عَ المطبخ. كإنّو عم يقشّر… تفّاحة.
بينيفيكو:
لأ، هيدا سجلّ الوفيّات! ليكْ ما تخالفني ههْ: رئيس البلديّة صار هلّقْ بالقبو!… عم بيتفحَّص شواهد القبور. بالسجلاّت، كلّ شي بسيط ونْضِيفْ (يخفض صوته.) بسّ كياسْ العفَن هونيكْ بالمقبرة.
شيشيو:
إذا عم بفهمكْ منيح يا عَمّ، لويجي عم بيفتّش عَ وثائق، أو عن وراق بتشبه الوثائق، وبتخصّ المرحوم.
بينيفيكو:
أنت مش بسّ عم بتفهّمني يا شيشيو. أنت عم بتسبقني. برأيي، إذا كانت الحصيلة جيّدة مْنُوعا بكرا عَ دقّ الطبل.
شيشيو:
للإعلان عن سرّ؟
بينيفيكو:
أو للكشف عن فضيحة لإنّو الثروي هيّي الموضوع الأساسي، والليلي لويجي عم بيركض وَرا يلّي طلعتلو.
شيشيو:
الشنتة!
بينيفيكو:
ومن يقول مال يا شيشيو يقول بلبلة. أطايبْ وفْخادْ عرياني… هَيْ طبيعة الإنسان. يلاّ شيشيو (مشيراً إلى القنديل.) وَلِّعْ لسان الحيّة وْيَلاّ نرجع عَ البيت.
شيشيو (يشعل القنديل من جديد ويستعدّ للخروج بينما يتبعه بينيفيكو، عندئذ يلمح آنّا الصغيرة النائمة عند جذع الشجرة حيث عُلّقت صورة المهاجر.)
شيشيو:
يه، كتلِة بَيضا!
بينيفيكو:
سلّة بصل أبيض بالليل.
شيشيو (يقترب والقنديل في يده.)
إلها إجرَينْ يا عَمّ؟
بينيفيكو (يقترب بدوره.)
آنّا الزغتورة!… شو عم تعمل هون؟
شيشيو:
نايمي تحت الصورة متل ممرّضة زغيري (ينحني ويهزّها.) آنّا، آنّا…
بينيفيكو:
اتركها يا شيشيو.
شيشيو:
لازم نرجّعها ع بيتها؟
بينيفيكو: 
اتركها عم بقلّك. (كأنّه يتجّه نحو الجمهور). يوجد ملاك في كلّ حكاية… والصغيرة آنّا ملاك هذه الحكاية! (يشدّ ذراع شيشيو ويتّجه نحو المَخرج.) وهي، كجميع الملائكة، لا تنفع لشيء.
الستارة
(نهاية اللوحة الثالثة)
اللوحةالسابعة
(الديكور ذاته. تدخل آنّا الصغيرة. تنظر حولها كأنها تخشى ملاحقة أحد).
آنّا: 
تركتُ البيت
وجدّتي نائمة
فمها ينفخ بهدوء
كأنّها تُحْيِي اللَّهَب.
فتحتُ الباب.
سلكت ُدربَ الغابة
كان القمر عصفوراً عارياً
والآبار تخرج من ثقوبها.
شعرتُ بالخوف.
في نهاية المشوار
تحوّلتُ باقة بنات
يركضنَ…
(تذهب آنّا إلى آخر الخشبة. فجأة تطالعنا مقبرة بلفنتو على امتداد ساحة القرية. تتوقف آنّا أمام الصليب).
أنا قربك الآن
مسيو غالار،
ولم أعد أخشى شيئاً.
ما المقبرة
سوى حديقة صغيرة
وحكايات وحكايات؟
يُقال إن ّملاكَين يجيئان، في الصيف، إلى هنا، 
يقفان وجهاً لوجه
كشخص واحد في مرآة كبيرة…
لا أرى، هذه الليلة، ملائكة الصيف…
لأنّك لّما هو قريب منّا بعيد، بعيد،
ربّما!
منذ أن جئتَ إلى بلفنتو
على حصان توارى كالدخان
كم من الخبز الأسود والخبز الأبيض امتزجا
بلعنات ودموع…
كلّ ذلك لأنّك غنيّ
ولأنّ امرأة أحبّتك.
أمضي وعلى قبرك أترك
سترتي الصغيرة،
هو الصيف، ولا أحتاج إليها
لكنه لهو الصيف فعلاً بالنسبة إليك
يامن ينام عميقاً؟…
أحبّك موسيو غالار.
(تودّع المقبرة وتختفي وراءها فجأة. حين تصل إلى ساحة القرية، تنظر إلى الصورة نظرة خاطفة. ثمّ تخرج مسرعة.)
 
الستّارة
(نهاية الفصل السابع)
 
 
 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …