أخبار عاجلة

مشهدية اللغة ومضمرات السرد فـي «سجين الزرقة»

نوال بومعزة*

« أهبط من سلم الطائرة استعيد اللون والرائحة ، تشغلني تفاصيل حكايتي القادمة التي ليست أعلم أهل أنا في نهايتها أم في بدايتها “ (1) بهذه الجمل أنهت الكاتبة العمانية شريفة التوبي روايتها سجين الزرقة مولودها الروائي الأول، وهي منجز سردي يعكس بالفعل التطوّر الكبير الذي وصلت إليه الرواية العمانية النسوية من الناحيتين الشكلية والموضوعاتية.
ففي فضاء كتابي احتل ثلاثمائة وخمسا وأربعين صفحة انفتح السرد على ارتحالات نفسية واجتماعية لساردين محوريين في الرواية يتناوبان في حكي أحداث تمس مراحل حياتية تستوقف القارئ في كل صفحة متأملا ومشاركا في الأحداث. تدرك الكاتبة جيدا كيف تقتنص القارئ بأسلوب سردي يغلب عليه الطابع البوليسي المشوّق، يعيدك الى كتابات الكاتبة الانجليزية أجاثا كريستي Agatha Gristie لقد تبنت شريفة التوبي حكايتين هما :
حكاية راشد بن شمسة وهو ما يعرف بالسرد على لسان البطل، حيث اضطلعت هذه الشخصية بسرد مراحل هامة من حياتها ، شاب بلا أب لا يملك الهوية ، تتقاذفه الأيام والأشهر والسنوات ، وتجعله سجين ذكريات دار الأيتام وحبيس أفكار الشك والخوف والهروب من الناس ، يبحث عن والدته التي فصل عنها وهي في سجنها ، ورغم الفترة الزمنية القصيرة التي قضاها معها إلاّ أن ذكرياته معها بقيت تلازمه طيلة حياتها ويتقاسم أحزانه وانتصاراته معها.
لقد شرحت الكاتبة الواقع المرير لفئة الايتام مجهولي النسب ، هذه الفئة التي لا تخص المجتمع العماني لوحده فحسب ، بل هي ظاهرة أرّقت المجتمعات العربية ككل. إن تعرية هذه القضايا ووضعها في الواجهة بواسطة السرد يعد استراتيجية ناجعة في محاولة ربط الأعمال الأدبية بقضايا الواقع والمجتمع.
ــ حكاية شمسة بنت راشد ،وهي أم عزباء فرضت عليها الظروف هذا الدور ، وهي البطلة الضحية المنكسرة ، لم يقف سجنها عند حدود الزنزانة بل اتسعت رقعته لتصل إلى سجن أكبر وهو الحياة. رافقت هذه الشخصية الراوي/ البطل راشد من بداية السرد الى نهايته، وقد قاسمته البطولة في سير الاحداث وتوزيعها.
نظام التناوب في رواية سجين الزرقة.
يحاول الكاتب في كل عمل إبداعي ابتكار آليات وتقنيات سردية ، تتيح لهم فرصة إثبات قدراتهم الفنية والجمالية، ورواية سجين الزرقة نص تمثل هذه التقنيات وحاول ابتداع تنويعات في طريقة تقديم السرد ، ومنها توظيف نظام التناوب Alternance في سرد الأحداث وتوزيعها على الشخصيات المحورية، والتناوب شكل سردي معقد، يتصل بالأشكال السردية الحديثة ، حيث برز كنظام يكسر منطق التسلسل والتتابع Enchainement الذي هيمن على أغلب النصوص السردية القديمة والحديثة، لاعتماده توالي الأحداث والقصص ، وقد مثل الناقد كلود بريمون Claude Bremond لهذا النظام في مقاله الشهير منطق الإمكانات السردية بالشكل الآتي :
إمكانية ارتكاب فعل الإساءة/ الإساءة
إساءة مرتكبة = فعل المكافأة
مسار مكافئ
حصول فعل المكافأة
« فتوضع تارة جملة من المتتالية الأولى، وطورا جملة من المتتالية الثانية “ (2). ممّا يدفع بالرواية “ للأنساخ من النمط الكلاسيكي البسيط في بنائه، المترابط الأجزاء، القائم على شخوص لها ملامحهما الجسدية والنفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية.. انسلخت من ذلك كله لتصبح كتابة جديدة كثيرا ما يطلق عليها الكتابة الحداثية..”(3)
يعمل المنطق السردي في رواية سجين الزرقة على تناوب قصتين تسيران بالتوازي والتناوب ، وتتقاطعان في الأخير ، حيث يتكوّن مشروع اللقاء بين الأم وابنها.
تبدأ قصة راشد لتنفتح على شخصيته الغامضة :» لكن الذكريات تتزاحم في ذهني، أحاول الإفلات منها فلا تفلتني أحاول طردها فلا تخرج، تحاصرني ذكرياتي ، تحتل كل الطائرة إنها.. إنها معي هنا ، وأناشد ثلاثين عاما كنت أبحث عنها ، أكاد ألمس وجهها ، أشم رائحة عطرها ، أتنفس وجودها الذي كنت أظنه سيغيب ولم يغب “ (4).تتفرع هذه الذكريات مشكلة مسارا سرديا طويلا تقوده أحلام يقظة لا تكاد تفارق البطل راشد ، حيث وفّرت له الكاتبة كل ظروف الغموض وأحاطته بهالة من الإشكاليات :” فنحن لم نكن سوى غلطة ، لحظة نزوة وتفريغ شهوة من جسد على جسد ، وكنا دليل الادانة لجريمتهم التي ارتكبوها في الخفاء ، لذلك سارعوا بالتخلص منا كي يكملوا حياتهم وكأنّ شيئا لم يكن، تاركين لنا مواجهة مصيرنا مع مجتمع بأكمله ، ليعاقبنا ويجعلنا ندفع ثمن جريمة لم نرتكبها ، وإثم لم نقترفه، فيطلق علينا من الألقاب ما يحط من قيمتنا الانسانية (غبون ، لقطاء ، أولاد الزنا ، أولاد الحرام ، نغول…الخ )(5)
تموقعت دار الايتام في الرواية كمكان بطل، حاولت من خلاله الكاتبة تحويل الدلالة التقليدية لهذا المكان الى أخرى أكثر تفاؤلا ومقبولية :» البيت الذي كنت أعيش فيه مع امرأة هي أمنا البديلة، وأطفال آخرين ، لم تكن الحياة في الدار جميلة ، ولكنها ليست سيئة بنفس السوء الذي عرفته في الخارج، على الأقل في الدار كنا نتشابه ويعرف بعضنا بعضا، لا أحد يحتقر أحدا ، وان اختلفت ألواننا وأشكالنا ، فكلنا إخوة مجهولو النسب “. (6) أما خارج الدار فيبدأ مشروع سردي آخر يحمل من الهموم والمصاعب، ويضع البطل راشد أمام تحديات نفسية في محيط العمل، أو في تحديد علاقاته العاطفية.
تتناوب قصة شمسة مع قصة راشد، فتنطلق رحلات سردية للبوح متوسلة مجموعة من الرسائل التي ترد الواحدة بعد اخرى، جمعت في ملف حقيبة راشد عندما قرر السفر والالتحاق بصديقه سالم ، ترد تلك الرسائل في شكل فصول تتناوب في الظهور مع حكي راشد.. يمكن تمييز ثلاث مراحل محورية في حياة شمسة.
مرحلة ما قبل السجن : وفيها تسرد شمسة بطلة تلك الفصول حياتها التي بدأت تتغير بعد وفاة والدها، وزواج أمها.
مرحلة السجن : تجيب هذه المرحلة على تساؤلات عدّة خاصة سبب دخولها السجن ، حيث تتضح ملامح المأساة أن شمسة ضحية لنزوات زوج أمها ، والنتيجة أنها حملت ووضعت مولودها في السجن. وهنا تنشأ علاقة الارتباط بين الأم وابنها، والتي كانت سببا في انبثاق طاقة سردية كبيرة ،سمحت هذه العلاقة في استمرارية السرد بين شاب عانى الويلات لفقد الأم ومفهوم العائلة ، وأم واجهت الصعاب لفقد طفلها وعائلتها، تضمنت فترة السجن العديد من القصص منها :
قصتها مع زوج أمها.
قصص نزيلات السجن ( قصة مروة، قصة حليمة ، قصة سلوى ، قصة سوشيلا)
تنحى الكاتبة شريفة التوبي منحى المخالفة وإثبات الذات النسوية بتوظيف قصة شمسة فلم تتصرف في السارد بل أحالت لها الكلمة ، وحضرت بكل تجليات الأنثى الضحية ، والمرأة الشجاعة التي لا تنكسر بفعل الظروف والعادات والتقاليد ، والكاتبة تسرد أيضا بلسان الذكورة متمرّدة على طريقة السرد التي تخلخل السائد. وتفتح المجال أمام تداخل النفسي بالواقعي، والواقعي بالمتخيل، فكان السرد ثنائي الصوت، وهي طريقة معقدة في السرد تتطلب جهدا ونفسا طويلين في معالجة الأحداث، إلا أن القارئ وبعد أن يقضي شوطا من القراءة يحس أن الفصول تتقاطع وتقترب من بعضها البعض، بل وتمده بالإجابات التي تطفئ ظمأ القراءة وطرح الأسئلة : كيف ولماذا ؟ بالرغم من وجود صوتين في الحكي ، فرواية سجين الزرقة “ تتأسس على أشكال من المكاشفة والاعترافات الصامتة “ (7)
يمكن تجسيد التقاطع بين القصتين من خلال الجدول الآتي :

ومن مقولة “ لم يخلق الانسان للهزيمة ،الانسان قد يدمر لكنه لا يهزم “. (8) أظهرت الكاتبة من خلال هذا التباعد قصة إنسانية تتوازى أحداثها إلاّ أنّ احتمال مراجعة قرار السفر من قبل راشد وارد، خاصة عندما أنهى قراءة رسائل والدته.
2ــ مشهدية اللغة والحس البوليسي في رواية سجين الزرقة.
ترتكز الرواية في مفهومها المتداول على كيفية عرض الأحداث معتمدة على خاصية «السرد التي تعني الطريقة التي يختارها الروائي أو القاص أو حتى المبدع الشعبي ليقدم بها الحدث الى المتلقي “. (9) وقد اتجهت الكاتبة شريفة التوبي في الرواية إلى السرد الذاتي ، فنجد أن الأحداث تقدّم لنا من طرف الراوي ومن زاوية نظره ، فيسردها ويضفي عليها تأويلات يفرضها على القارئ ، فالرواية درامية يتخللها الطابع البوليسي من حين إلى آخر. خاصة عند سرد قصص نساء السجن، ومنها قصة حليمة التي وردت في الفصلين 22، 24. فتاة أجبرت على الزواج من ابن عمها، بقيت على تواصل مع جارها الذي كان يحبها وتقدم كثيرا لطلب يدها، وعندما اكتشف زوجها خيانتها قتلاه بكل برودة ، تتعدى لغة الرواية هذا الملخص الجاف وتنسج الكاتبة على لسان حليمة حبكة مشوقة تروي تفاصيل العملية ، نقرأ : “ حاول حمد الفرار، فأمسكه زوجي مهددا بالاتصال بالشرطة. بدأت أصرخ ، لكن حمد رفع يده على فمي كي أهدأ، سقط زوجي وبدا لي نائما، أو جثة هامدة، كل ذلك كان مخيفا ومرعبا لي ، انحنى حمد ليتأكد من نبض قلب زوجي ، لكنه اكتشف أنه قد مات ، جلسنا أنا وحمد نفكر كيف نخرج من هذه المصيبة ، فأشار حمد بفكرة أن نضعه في السيارة ونأخذه بعيدا ، ثم يضع السيارة على وضع التشغيل ويجعلها تسقط في الوادي القريب من البيت، وسيبدو الأمر وكأنه مجرد حادث ، وكأن رأسه قد ارتطم بحديد السيارة، لم أكن من يفكر ، لقد كنت عاجزة على التفكير ، كان حمد يفكر ويخطط، فكل ما يهمنا أن نتخلص من الجثة، وأن نبعد التهمة عنا ، ساعدته على نقل الجثة إلى السيارة ، ونفذنا ما اتفقنا عليه… “(10)
يتحكم الحسّ البوليسي في هذا المقطع السردي وقد توفرت أركان الجريمة) مجرم ، جثة ، ضحية، أدلة…) ولتكون الأحداث أكثر درامية تقطع الكاتبة السرد في هذا الفصل لتعطي الكلمة لراشد في الفصل 23 ، ونستأنف في الفصل 24 ، إن لحظة اقتناص القارئ ، أمر مهم للكاتب ولا يمكن الحصول عليه إلاّ من خلال توظيف عنصر التشويق ، فهو “ أحد العناصر التي تحقق وجود الحكاية واستمراريتها في اعتماده على التغيير والإخفاء والمفاجأة، وقد أسهم بناء التشويق في الاهتمام باللغة الفنية تقديما وتأخيرا وتركيبا وحذفا ، مجازا ، وتصريحا ، كما جعل من القارئ عنصرا حاسما في إتمام العملية الإبداعية.» (11)
يمتد الحسّ البوليسي لقصة حليمة إلى الفصل 24، حيث تتدخل الشرطة لفك لغز الجريمة، نقرأ:” أصرت الشرطة على تشريح الجثة لوجود شبهة جنائية.. فأيقنت أن الحقيقة لا بد أن تنكشف، وفعلا أتى التقرير الطبي الذي يؤكد على أنه مات إثر ارتطامه بجسم صلب، مع وجود آثار أظافر بشرية على وجهه وجسده، مما يدل أنه تعارك مع شخص.. وعلى الفور تمت مواجهتي بالأدلة من خلال الرسائل في هاتفي، وملاحظة المحقق لارتباكي وإصراري على دفن الجثة فور إحضارها، فحين شكوا بالأمر تتبعوا أرقام الهاتف، ومع من كنت أتواصل، فاكتشفوا العلاقة بيني وبين حمد، أخبروني أن حمد محتجز عندهم، وقد اعترف بكل شيء، انهرت في تلك اللحظة واعترفت وأخبرتهم بكل التفاصيل ، وبعد ذلك اكتشفت أن حمد لم يعترف ، ولكنهم خدعوني حتى أعترف”. (12) يبدو أن الكاتبة شريفة التوبي مطلعة اطلاعا كبيرا على أركان الأسلوب البوليسي ، وكيفية فك اللغز، فقادتنا الروايات إلى عوالم شرلوك هولمز Sherlock holmes وأسرار الرواية البوليسية.
وظّفت الكاتبة من خلال البنية السردية للرواية لغة وسطى تقع بين الفصحى والعامية، تمتاز بالمرونة حينا، وبالبساطة حينا آخر ، وهي لغة تقترب من لغة العصر السائدة وتحاول التقاط مظاهره، وقد حددها الكاتب عبد الرحمن منيف في قوله : “ هي اللغة التي تقرب الفصحى من الحياة ومن العصر، وتستفيد من العامية وتراكيبها ، لإعطاء الصنيع الفني ظلال إبداعية تحمل نكهة شعبية حياتية “(13). لقد حوّلت هذه اللغة المقاطع السردية إلى مشاهد تصورية تنقل الأحداث والوقائع كأن القارئ يعيشها مشهدا مشهدا، من مثل مشاهد المحاكمة في قضية شمسة ضد زوج أمها ، نقرأ :” حينما وصلنا ، أدخلتني الشرطة قاعة المحكمة، رأيته يقف خلف القضبان في الجهة المقابلة، مسلطا نظراته إلي بشكل أرعبني.. كانت أمي تجلس في الصف الأول بين الجالسين، وحينما شاهدتني قامت متوجهة نحوي، لكن الشرطية منعتها من الاقتراب ، سمعتها تقول لي :
يا بنتي حرام عليش تتهمي عمش، هذا بمقام أبوش وما يسويها، إيش ذنبه غير أنه رباكم مثل أولاده، عمش ما يسويها، قولي حد ثاني بس ما هو، ما تدمري لنا حياتنا وفكري في وفكري بإخوانك. أسكتتها الشرطية وقالت لها أن الكلام ممنوع مع المتهمة «. (14) يعمل الوصف الخارجي للمكان على نقل القارئ إلى ذلك الفضاء الذي تصنعه اللغة الواصفة ، فيتخيل منظر المحاكمة ، شرطة ، متهمون ، قاض ، ومحضر يعلن بدء المحاكمة ، بل إن مشاعر الرهبة والخوف يتشاركها القارئ مع الضحية شمسة.
وتصنع اللغة مشاهد مماثلة في مسار البطل راشد، فيدعونا إلى مقاسمته مشاعر الفقد والاحتياج العاطفي للأم عن طريق أحلام اليقظة ، نقرأ :” أغمضت عيني ، رأيتها قادمة من بعيد بثوبها الأزرق ، حملتني بين ذراعيها ، ضمتني إلى صدرها كما كانت تفعل ، دغدغتني من قدمي وتحت إبطي ، لعبت معي لعبة ( هين بيت الفار ) ، وضعتني على الفراش الأرضي المفروش بجانبها وغطتني ، غنّت لي ، تمددت بجانبي ، همست في أذني ، نام رشودي ، نام كنت أسمع صوت أنفاسها ، اشم رائحتها ، أفتح عيني صارخا ( ماه ، ماه ) ، ، فأجدني في غرفة مختلفة ، غرفة فيها كثير من الأسّرة البيضاء والستائر ، كان المكان غريبا ، فلم يكن هو المكان الذي كنت فيه قبل أن أنام ، ولم تكن الغرفة التي كنت فيها مع أمي في سجنها الغرفة باردة.»(15)
إن توظيف تقنية أحلام اليقظة من شأنه أن ينقل مشاعر راشد بشكل دقيق وحي، وهو نشاط “ يلجأ إليه الفرد الذي يعاني كبتا ما ، ليحقق بهذا اللجوء النفسي توازنا مع واقعة المتأزم ، عبر خلق عالم خيالي مريم يوازي أو يقابل العالم الواقعي الذي يعاني منه. ولهذا يرى فرويد sgmund freud “ أن الشعراء والروائيين حين يجعلون الأبطال الذين أبدعتهم مخيلتهم يحلمون، يتقيدون بالتجربة اليومية التي تدل على أن تفكير الناس وانفعالاتهم يستمران في الأحلام ، ولا يكون لهم من هدف غير أن يصوّروا، من خلال أحلام أبطالهم وحالاتهم النفسية “. 16 إن حلم اليقظة هذا يأتي على شكل مناجاة فردية، تتوّسع من خلالها منطقة اللاّوعي على حساب منطقة وعي الشخصية عندما يضغط عليه الواقع. وكلما زادت ضغوط الواقع كلما اتجهت الشخصية إلى الداخل حيث التعويض النفسي وهو حال راشد في الرواية.
3ــ أبعاد المكان المغلق في رواية سجين الزرقة.
يعد المكان بأبعاده النصية والدلالية مسرحا تقع فيه الأحداث وتتصارع في ميدانه الأفكار والتصوّرات للذات والواقع المعيش، وتحقق البنية المكانية في رواية ما مسار تحرك الشخصيات. رواية سجين الزرقة رواية درامية اجتماعية بالدرجة الأولى، وقد حمل المكان فيها أبعادا اجتماعية ونفسية وثقافية ترابطت لتشكل جمالية عامة في الرواية ، والمتمعن في خبايا هذا المنجز السردي يكتشف دلالات جديدة لأمكنة تقليدية غالبا ما حكمنا عنها بالانغلاق والغموض والموت من تلك الامكنة نجد :
أــ الصورة الثانية للمكان المعادي للسجن.
ترتبط نظرتنا للمكان في أغلب الأحيان بمدى أحاسيسنا وشعورنا تجاهه ، وقد أكّد غاستون باشلار Gaston Bachelard في دراسته للمكان “على استكناه جميع الظواهر الحسية والشعورية والنفسية ، حيث حاول تحديد الأسباب التي تدفعنا للالتصاق بمكان ما وألفته، ومعرفة الإحساسات التي تؤدي بنا لكره مكان ما ومقته بواسطة استحضار ذكرياتنا وخبراتنا الشعورية ونوعية التجارب التي مررنا بها في هذا المكان بعينه… “ (17)
نلمس هذه الاحساس عندما دخلت شمسة أوّل مرّة السجن بعد نطق الحكم في قضيتها ، فكانت الصورة الأولى ما يلي :» كانت بي رهبة من العالم الذي أنا متجهة إليه ،لم أتصوّر يوما أن أكون فيه. السجن يعني العار والجريمة والخزي، وحينما وصلنا صُدمت بالمكان ، كان كبيرا جدا ، من بوابة السور إلى البوابة الداخلية كانت المسافة طويلة ، لم استطع تحديدها ، أو ربما كان شعوري ثقيلا ، لذلك شعرت بطول المسافة «، (18) وعادة ما يحمل الانطباع للمكان المعادي هذه الصفات : الخوف ، الغموض ، الموت ، اللانهاية ، الرهبة ، أسوار خلفها أسوار ، وتزداد دقة الوصف لهذا المكان في قول شمسة :” أنزلت الشرطية حقيبتي الصغيرة التي كانت بها بعض الملابس لي ولك ، وقامت بتسليمها إلى الشرطيات الموجودات هناك في مكتب صغير يسمى مكتب الأحوال ، يوجد به طاولة وكرسي وكرسيان آخران في إحدى الزوايا ، وهناك تم تصويري وتبصيمي وكتابة البيانات الخاصة بي ( اسمي وقضيتي وأنك برفقتي ومدة الحكم.. وبيانات أخرى كثيرة لست أذكرها)(19). يعكس هذا الوصف المظاهر الحسية للسجن فكانت إحاطة شاملة له من قبل الكاتبة التي سرعان ما قدمت الصورة الثانية للسجن ، حيث وبعد تقدّم الأحداث السردية تنكشف علاقة الألفة في هذا المكان ويتحوّل المغلق إلى فضاء منفتح على مشاعر وأحاسيس جديدة كونتها مجموعة من العلاقات التي ربطت شمسة بشخصيات السجن ، نقرأ :” الغريب أن تلك الشرطية التي فتشتني والتي لم أرتح لها حينما رأيتها في البداية ، أصبحت قريبة مني بعد ذلك ، أصبحت صديقة ، وقد كانت هذه الكلمة لا يمكن أن تكون بكامل معناها داخل السجن لأن العلاقة بين شرطية وسجينة لا يمكن أن تكون بمسمى صداقة ، ربما احترام أو تعاطف، فهناك حدود وظيفية تلتزم بها الشرطيات مع السجينات حتى وان تعاطفن معهن ، لم تكن بالسوء أو القبح الذي رسمته لها، لقد كانت حنونة وطيبة.. “ (20)

يظهر في هذا المقطع السردي شخصية الكاتبة بكل تجليات حضورها، ومدى اطلاعها على أمور العلاقات بين السجينات والشرطيات ، لتقدم صورة ثانية تجمّل الصورة الأولى “ صورة السجّان العربي ، وهي صورة تكاد تتشابه في الرواية العربية ، فلا رحمة ولا شفقة في قلبه، وهو يتلذذ بتعذيب السجناء وشتمهم وتحقيرهم وإذلالهم” (21) تنتقل شمسة وهي تجول بنا عوالم السجن وخفاياهم إلى جانب العلاقات بين السجينات ، نقرأ :” كنت أعتقد أن الوجوه داخل السجن مرعبة ومشوهة ، وأن جميعهن مجرمات ، أو قاتلات كما كنت أرى في الأفلام المصرية القديمة، لقد أصرّت سلوى على أن تقيم حفلا بمناسبة قدومي… أحضرت كل سجينة ما لديها من فواكه أو خضار أو بعض البسكويت الذي أحضر لهن من أهلهن ، غنّين في ذلك المساء ورقصن أيضا، لم يكن الفرح ممنوعا، كن مشتاقات للفرح.. وكأنهن فجأة سنين كل ما كنّ فيه، غابت القضبان والقيود والسجن والسجان، ولم تبق إلاّ أصواتهن الشجيّة تصدح بأغان تلامس القلب وتأسر الروح “. (22) ترسم هذه المقاطع السردية الموحية في تفاصيلها الجانب المشرق من الحياة في السجن فتحوّل القلق والهمّ إلى سكينة وهدوء بسماع قصص أكثر حزنا وظلما من قصتها. تصر الكاتبة من خلال توظيف اللغة الحسية المشهدية في وصف السجن ومحاولة محو صورته السيئة من الأذهان ، نقرأ :” تبدأ الحياة في السجن مبكرا ، بعد صلاة الفجر ، تطرق مسؤولة السجن بالمفاتيح على القضبان ليستيقظ الجميع ، فنصلي ونستعد لتناول وجبتنا الصباحية ، التي عادة ما تكون من عدس أو بيض وجبن وخبز وشاي بالحليب ، وجبة كافية جدا لأن نبدأ بها صباحنا ، نقف في طابور وبيد كل منا صحنها وكوبها. وهناك سجينات مخصصات للوقوف والإشراف وتوزيع الوجبة لبقية السجينات، فكل سجينة لها عملها بالسجن.. وأجمل ما يمكن أن يكون بالسجن المكتبة ، فكنت أستعير بعض الكتب لأقرأها ، وتلك كانت عادة جديدة اكتسبتها هناك ، كانت اكتشافا عظيما بالنسبة لي ، فأنا لم أقرأ من قبل سوى كتبي المدرسية.. أحببت الدراسة بالسجن، ووجدت فيها ملجأ وفرصة كي لا أخسر كل شيء ولكن كان علي أن أواجه اشياء كثيرة أخرى في حياتي الجديدة “. (23)
يحمل هذا المقطع السردي الطويل صورة جديدة للسجن ربما من وجهة نظر الكاتبة ومحاولتها نقل الصورة من بعض السجون، لكن هل فعلا نحصل على هذه الصورة في كل السجون العربية ؟ أيّا كانت الإجابة، فهذا التصوير الإيجابي من شأنه أن يكوّن نظرة جديدة لهذا المكان المغلق/ المفتوح.
ب دار الأيتام صورة أخرى للأمل والتحدي.
إن الرواية عمارة إبداعية بتصميم هندسي يخضع لقوانين خاصة يلعب فيها الزمن دورا مهمّا في الحكي. تعمل ذكريات راشد في الرواية على ترسيخ أمكنة بعينها.
تعد دار الأيتام بالنسبة لراشد منطلقا هاما لا يمكن نسيانه فيها قضى طفولته ، وكوّن صداقاته ، إنها المنطلق، الماضي، وتتدخل في تشكيل المستقبل، وترتبط الحالة الشعورية للراوي/ البطل راشد بمدى تعلقه بهذا المكان ،» فإسقاط الحالة الفكرية أو النفسية للأبطال على المحيط الذي يوجدون فيه ، يجعل للمكان دلالة تفوق دوره المألوف كديكور أو كوسط يؤطر الأحداث ، أنه يتحوّل في هذه الحالة الى محاور حقيقية ، ويقتحم عالم السرد محررا نفسه هكذا من أغلال الوصف “. (24)

يمكننا أن نميّز دور دار الأيتام في تكوين شخصية راشد من خلال مرحلتين أساسيتين في مساره السردي:
ــ دار الأيتام في طفولته.
وقد صوّرها بأسلوب عاطفي، يقرّ من خلاله راشد بغربة المكان ووحشته بعيدا عن والدته التي تركها في السجن نقرأ: «سالم أصغر مني بسنتين تقريبا، لكنه الأقرب إلى روحي منهم جميعا، فهو أخي في الدار، أو البيت الذي كنت أعيش فيه مع امرأة هي أمنا البديلة وأطفال اخرين، لم تكن الحياة في الدار جميلة، ولكنها ليست سيئة”، 25 وبتناوب المقاطع السردية يسرد راشد ليلته الأولى في دار الأيتام :» كانت الليلة الأولى التي نمت فيها دون وجودها صعبة جدا، اذكر كم كانت طويلة ومرعبة ، كانت الغرفة باردة، مصبوغة باللون الازرق الفاتح.”26 مرحلة صعبة لطفل تعود النوم الى جانب والدته. لقد استندت الكاتبة في سردها لهذه المرحلة إلى لغة تصويرية مشهدية تعمل على نقل الواقع بشكل دقيق في الوصف تقرب صورة الواقع وقضاياه، فكل فن يحاول أن يمثل الأشياء بأقرب صورة لها في العالم الخارجي.
دار الأيتام في شبابه.
لم تنمح صورة دار الأيتام من المسار الحياتي لراشد حتى في مرحلة الشباب، تلاحقه صورة الدار ومن تربى معهم:”كبرت وأنا في دار، وحينما خرجت من هناك، حملت طفولتي اليتيمة معي وواصلت البحث عن امي، فانا لم افقد الأمل يوما في انها موجودة بمكان ما، وانني سأعثر عليها”. 27 إنه بطل من نوع نادر، عانى آلاما كثيرة اليتيم والفقد العائلي،” أردد كلمة العائلة، تلك الكلمة الغريبة التي أشعر بغربتها كلّما نطقتها، غريبة في لساني وقلبي، كلمة لم أجرب الشعور بمعناها، ولم أعشها كما عاشها ويعشيها غيري، لم تكن لي عائلة ولن تكون، لا أعرف ماهي العائلة إلّا من خلال القصص التي أقراها، والافلام التي أشاهدها.” 28إنها لحظة الفقد والاحتياج العاطفي، شعور لا يمكن نقله بأمانة إلاّ عن طريق المونولوج.
نلاحظ من خلال تتبع مراحل الذات للبطل راشد في الرواية أن الكاتبة ارادت أن يكون بطلا خلاّقا، فعادة من يتخرج من دار الأيتام أن يسلك طريقا منحرفا، ويكون عالة على المجتمع، لكن القارئ يتفاجأ ببطل نبيل لم يتخل عن أصدقائه ولا على المكان الذي تربى فيه،”ورغم أن الحياة لم تغلق بابها في وجهي، خصوصا أن كل شيء كان ممهدا لي من حيث الوظيفة وضمان مصدر رزق ثابت، وكان بإمكاني أن أستقل ولا أعود، لكنني في كل مرّة كنت أعود محمّلا بالذكرى والهدايا، وربما الحنين لطفولتي المتعبة والضائعة هناك، أعود للدروب والطرقات والممرات، وإن كانوا لا يسمون لي بالدخول إلى الغرف التي تربيت فيها، لكني في كل مرّة أجدني قد ذهبت و جلست مع عمي سليمان حارس الدار، فأدخل عليه بأطباق من الطعام الذي أكون قد اشتريته في طريقي.»29 ربما اليتم والصعاب والعوائق من شأنها أن تكوّن انسانا أكثر حنينية وعطفا من الآخرين، فراشد يحسن لحارس الدار ويحضر الهدايا للأطفال اليتامى. ولا يعد راشدا النموذج الوحيد في الرواية، فمثله صديقه سالم الذي حقق تفوّقا باهرا في الدراسة بعد ظهور النتائج، «أقاموا لسالم حفلة كبيرة بالدار، وأثنت عليه المسؤولة، واعتبرته مثالا رائعا لمخرجات الدار، ودعتهم أن يكونوا جميعهم مثل سالم ، وأن يقتدوا به، لم يوفق سالم في دخول كليّة الطب، إنما قبل لدراسة الهندسة في جامعة فلوريدا، قبل سفره عانقه الجميع..” 30 إذن فراشد وسالم صورة مشرقة لهذا الفضاء، وما يمكن أن يحققه الأطفال الناجحون للمجتمع والوطن.

وممّا سبق نسخلص إلى أن رواية سجين الزرقة للكاتبة الواعدة شريفة التوبي رواية درامية اجتماعية، ارتكزت على ثيمة معاناة الذات المنقهرة، وانفتحت على قضايا المجتمع العماني فيما يخص المرأة ضحية زنا المحارم، وهي قضية من قضايا الطابوهات، تناولتها الكاتبة بتوظيف ساردين في الحكي. أدارت توزيع نتائج تلك الجريمة على الأطراف المتضررة، والأكثر ألما الأم وابنها. آلام ومشاعر لم تستطع اللغة التصويرية الواقعية إخفاءها. آلام امتدت عبر السنين، وانتقلت من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب. الجميل في الرواية أنها أعادت لنا الأمل في ثمار دور الأيتام التي يمكنها أن تكون باعثا لغد مشرق لنزلائها.
لقد انتقل التناوب في السرد في الرواية من التسجيلية إلى المزج بين الواقعي والمتخيل الشعري، بالرغم من أن أغلب فصول الرواية خضعت للغة التقريرية الوصفية، ومن خلال تقنية التضمين تمكن القارئ من الانفتاح أكثر على قضايا المجتمع العماني ، وخاصة في السجن ، فظهرت العديد من القصص المتضمنة لنسوة سردن حكايتهن فاختلفت الأسباب والدوافع لارتكاب الجريمة الرواية. لقد انفتح السرد على منجزات التحليل النفسي خاصة ما تعلق بوصف الذات ودوافعها وحالات الشعور وتوظيف المونولوج.

الهوامــــــــــــــــــــــــش
شريفة التوبي ، سجين الزرقة ، الآن ناشرون وموزعون ، الأردن ، عمان ، ط1 ، 2020 ، ص 345.
ت. تودوروف ، الشعرية ، ت. شكري المبخزت ورجاء بن سلامة ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، ط1 ، 1989 ، ص 70.
محمد أقصاص، حداثة أم كتابة جديدة ؟ ضمن كتاب سؤال الحداثة في الرواية المغربية،عبد الرحيم علاّم، إفريقيا الشرق، المغرب،1999، ص 23.
الرواية ، ص 13
الرواية ، ص 27
الرواية ، ص 39
بوشوشة بن جمعة ، سرد التجريب وحداثة السردية في العربية الجزائرية المغاربية للطباعة والنشر ، تونس ، ط 1، 2005 ، ص 75.
أرسنت همنجواي ، الشيخ والبحر،ت:زياد زكريا،دارالشرق العربي،بيروت/لبنان،د،ت.
نقلة حسن أحمد العزي ، تقنيات السرد وآليات تشكيله الفني ، دار عيداد ، الأردن ، ط1 ، 2011 ، ص 15
الرواية ، ص 217
شعيب خليفي، التخيل ولغة التشويق ، مقاربة في البناء الفني للرواية البوليسية في الأدب العربي ، مجلة فصول ، الهيئة العامة للكتاب ، العدد 76 ، صيف/ الخريف ، 2009 ، ص 63- 64.
الرواية ، ص 255
عبد الرحمن منيف ، الكتّاب والمنفى وهموم وآفاق ، دار الفكر الجديد ، بيروت ، ط 1 ، 1992 ، ص 191.
الرواية ، ص 113.
الرواية ، ص 64 – 65
سيغموند فرويد، الهذيان والاحلام في الفن ، ت. جورج طرابيشي ، دار الطليعة ، بيروت ، 1978 ، ص 7.
غاستون باشلار ، جماليات المكان ، ت. غالب هلسا ، بغداد ، 1980 ، ص 44- 45 ، بتصرف
الرواية ، ص 1972.
المصدر نفسه ، ص 173
المصدر نفسه ، ص 175
عادل الاسطه ، السجن في رواية عبد الرحمن منيف شرق المتوسط ، مجلة زمان ، آخر تحديث 21-4-2017 hommanmag.com
الرواية ، ص 178
الرواية ، ص 180
حميد لحميداني ، بنية النص السردي من منظور النقد الادبي،المركزالثقافي العربي،ط3،،1993،ص 71.
الرواية ، ص 39
الرواية ، ص 61
مجدي وهبة ، معجم مصطلحات العربية في اللغة والأدب ، كامل المهندس ، مكتبة لبنان ، 1979 ، ص 235
28.الرواية،89.
29.الرواية، ص147.
30.الرواية، ص266.

شاهد أيضاً

«امرأة بمظلة ورجل بقبعة» لدلدار فلمز

يؤرخ الشاعر (دلدار فلمز) في ديوانه (امرأة بمظلّة ورجل بقبعة)- الصادر عن دار الرائد سنة …