أخبار عاجلة

مظفر النواب والمكبوت الطائفي فـي «وتريات ليلية»

ينتمي مظفر النواب إلى شعراء المرحلة الأيديولوجية القومية والشيوعية التي ازدهرت منذ نهاية الخمسينات واستمرت على أنحاء مختلفة حتى القرن وما زالت عقابيلها حاضرة حتى الآن وبخاصة في العراق وبلاد الشام ومصر . وشعراء هذه المرحلة جمع كثير ومن أبرزهم السياب والبياتي وَعَبَدالرازق عبدالواحد وسعدي يوسف وأحمد مطر ومظفر النواب في العراق ، وصابر فلحوط ونزيه أبو عفش وأدونيس ومحمد عمران وشوقي بغدادي وممدوح عدوان في سوريا . وكمال ناصر ويوسف الخطيب وشعراء الأرض المحتلة في فلسطين، وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم في مصر، وأعداد أخرى كثيرة يصعب الآن سردها. ولا يمكن الموافقة على قول قائل بأن هذه المرحلة تعد مرحلة انحطاط كامل في شعر هذه البلاد. ففيها السياب ودرويش وسعدي يوسف وآخرون. وإن كانت هذه المرحلة إلى الانحطاط الشعري أقرب في بعض شعرائها الذين اشتهروا بالنزوع الجماهيري والتحريض على حساب الفن والمعايير الجمالية. فالوعي الأيديولوجي  لشعراء هم في الغالب ريفيون ترافق مع خيال شعري ضعيف وثقافة فقيرة ولغة محدودة وموضوعات جمهورية .   ينتمي مظفر النواب إلى شعراء المرحلة الأيديولوجية القومية والشيوعية التي ازدهرت منذ نهاية الخمسينات واستمرت على أنحاء مختلفة حتى القرن وما زالت عقابيلها حاضرة حتى الآن وبخاصة في العراق وبلاد الشام ومصر . وشعراء هذه المرحلة جمع كثير ومن أبرزهم السياب والبياتي وَعَبَدالرازق عبدالواحد وسعدي يوسف وأحمد مطر ومظفر النواب في العراق ، وصابر فلحوط ونزيه أبو عفش وأدونيس ومحمد عمران وشوقي بغدادي وممدوح عدوان في سوريا . وكمال ناصر ويوسف الخطيب وشعراء الأرض المحتلة في فلسطين، وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم في مصر، وأعداد أخرى كثيرة يصعب الآن سردها. ولا يمكن الموافقة على قول قائل بأن هذه المرحلة تعد مرحلة انحطاط كامل في شعر هذه البلاد. ففيها السياب ودرويش وسعدي يوسف وآخرون. وإن كانت هذه المرحلة إلى الانحطاط الشعري أقرب في بعض شعرائها الذين اشتهروا بالنزوع الجماهيري والتحريض على حساب الفن والمعايير الجمالية. فالوعي الأيديولوجي  لشعراء هم في الغالب ريفيون ترافق مع خيال شعري ضعيف وثقافة فقيرة ولغة محدودة وموضوعات جمهورية .   ولو أخذنا النواب أنموذجاً، لتبين لنا صدق الأطاريح التي ذكرنا .فهذا الشاعر هو شاعر التأفف من الوضع العربي والسلطات العربية وغارق  في القضية الفلسطينية .وفي القصيدة الأشهر في ذروة تأففه المسماة «وتريات ليليلة» ، يظهر النواب في كل تناقضاته، في انتمائه الطائفي وانتمائه العروبي، في ألمعيته الشعرية وفي انحطاطه الشعري ، في جماليات النص وفي قبحه.   فهو في كل مرة ينتقل من حزنه الداخلي – الذاتي إلى تأففه السياسي  ينحدر من الوجدان الجمالي إلى القاع السياسي بكل قبحه.فلنستمع إليه في مقطع يضج بشعرية تخلق التواصل الوجداني الداخلي معه:يا طير البرقأخذت حمائم روحي في الليل،إلى منبع هذا الكون،وكان الخوف يفيض،وكنت عليّ حزينوغسلت فضاءك في روح أتعبها الطينتعب الطينسيرحل هذا الطين قريبا،تعب الطينعاشر أصناف الشارع في الليلفهم في الليل سلاطيننام بكل امرأةخبأ فيها من حر النخل بساتينيا طير البرق! أريد امرأة دفءفأنا دفءجسدا دفئا، فأنا دفءتعرق مثل مفاتيح الجنة بين يدي وآثاميوأرى فيك بقايا العمر وأوهامييا طير البرق القادم من جنات النخل بأحلامي!يا حامل وحي الغسق الغامض في الشرقعلى ظلمة أيامياحمل لبلاديحين ينام الناس سلامي. لا شك بأنه ستحدث هذه الصور هزة ما في وجدان المتلقي المثقف.حيث الحزن والشوق  ولموت والوجود تحضر في نفس متعبة من الهم . بعد هذا المقطع مباشرة يفاجئنا الشاعر بمقطع مقطوع الوصل بروح المقطع السابق، وينحدر بحس طائفي شيعي لا يليق بشاعر يرسل سلامه إلى بلاده . الكوفي يتم صلاة الصبحبافريز جوامعهالشوارعهاللصبرلعلي يتوضأ بالسيف قبيل الفجرأنبيك عليا!ما زلنا نتوضأ بالذل ونمسح بالخرقة حد السيفما زلنا نتحجج بالبرد وحر الصيفما زالت عورة بن العاص معاصرةوتقبح وجه التاريخما زال كتاب الله يعلق بالرمح العربية!ما زال أبو سفيان بلحيته الصفراء،يؤلب باسم اللاتالعصبيات القبليةما زالت شورى التجار ترى عثمان خليفتهاوتراك زعيم السوقية!لو جئت اليوملحاربك الداعون إليكوسموك شيوعيةيقولون شورىألا سوءةأي شورى وقد قسم الأمر بين أقارب عثمان في ليلةولم يتركوا للجياع ذبابة.في هذا المقطع الخالي من أية شعرية، الأقرب إلى خطاب عامي طائفي لشخص قد ينتمي لحزب الدعوة يظهر النواب الشيوعي مكبوته الطائفي، بل مكبوته الحاقد، متخفيا وراء يسارية فجة . فها هو يعيد السردية الشيعية المتوارثة التي تقيم فصلاً كاملاً بين الخير والحق الذي يمثله علي وشيعته، من جهة والباطل والشر الذي يمثله معاوية وشيعته ، من جهة ثانية.خونة علي الذين تقاعسوا عن خوض القتال متحججين بحر الصيف وبرد الشتاء ، وقلة حياء عمر بن العاص الذي كشف عورته عندما همّ علي لقتله والذي استدعى علياً أن يشيح بوجهه عنه واستنكف عن قتله كي لا يرى العورة . وحملة أبي سفيان في الجاهلية ضد النبي ، وهو الذي قال فيه الرسول : من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن . ورواية التحكيم ورفع المصاحف التي غدر فيها الداهية  عمرو بن العاص بأبي موسى الأشعري وثبت معاوية بدل خلعه. وتنصيب عثمان بن عفان مع إضافة الشاعر رأياً جديداً بأن تنصيب عثمان جاء ثمرة اتفاق تجار قريش. والشاعر لم ينتظر طويلاً كي يذم هذه الشورى ويسخر منها ، ويذم أقاربه الذين – كما يروي – قد أفقروا الناس.وقبل أن ينهي هذا السرد المذهبي الكلاسيكي للصراع على السلطة بين معاوية وعلي ، بذم الشورى التي جاءت بعثمان ، يعود مرة أخرى إلى علي ليجعله زعيم الفقراء . ولو إنه عاد مرة أخرى لحاربه الداعون إليه بتهمة الشيوعية .  يبدو بأن النواب وقد سدر في سرديته الشيعية نسي شيوعيته فعاد ليتذكرها في مباشرة فجة جداً بأن علي هو شيوعي وشيوعي معاصر . لو تركنا هذا الهزال في الشعرية، الذي ليس موضع اهتمامنا الآن، جانباً، وتساءلنا: ما الذي عنّ على بال صاحب هذه الوتريات الليلة ليتذكر ماضياً كتبه أهل الماضي بانحيازاتهم وأوهامهم ؟ يبدو بأن الهوية المكبوتة تستيقظ غالباً بتراخي الشعور وفقدان الأنا قدرته على لجم ظهور المكبوت، وفي لحظة كتابة الشعور يكون الأنا بالمعنى الفرويدي في أعلى درجات ضعفه .لكن المكبوت الطائفي لم يستتر وراء تورية شعرية تسمح للقارئ أن يُعمل ذهنه لاكتشافها، بل جاءت مباشرة كما لو أن شيخاً شيعياً معمماً يخطب بأنصاره . وفِي لحظة انفجار هوياتي تحس بصرخة النواب وهو يكتب:ساحة البرجإحدى البغايا تصلح ما خرب الليل من وجههاتحاول أن تستغيث الأنوثة فيهاويحبط عابر محبطكل ما فيه من رجل عورة كالحكومةإن الحكومات في الشرق تسمية للملاهيأنا انتمي للفداءلرأس الحسينوللقرمطية كل انتمائي  ها نحن أمام ثلاثة  انتماءات هوياتية للنواب: الفداء . مفهوم الفداء يعني التضحية بالذات من أجل هدفٍ سامٍ ، يمثل الحسين تاريخياً ، من وجهة نظر الشاعر روح الفداء، والقرامطة ، القرامطة تحولوا إلى حركة سياسية عقائدية مختلفة عن الحسين  والفلسطيني هو رمز الفداء المعاصر، دون أن يشير إليه ، ولكنه متضمن فيه. وهو يسعى أن يجمع بين هذه الهويات في هويته الشخصية الأيديولوجية والدينية .رأس الحسين: هي رمزية شيعية كلية، وصيغة القسم العامي، إذا ما أراد صاحبه أن يصدقه أحد، هي : «ورأس الحسين» . يحيل «رأس الحسين» إلى ما هو أكثر من دلالة الفداء، يحيل إلى الفداء المرتبط بالقاتل الذي جز رأس الحسين . وبالتالي الانتماء للفداء ينطوي بالضرورة على نزعة الثأثر من كل ما له علاقة بجز رأس الحسين . والقرامطة مشهورن بالقتال والتمرد على الوضع السائد، لكنهم عملياً ليسوا بمقدسين للحسين وإن كانت أصولهم إسماعيلية، فتمردهم طال حتى صار شكاً ورفضاً للترسيمات الدينية المعروفة، والذي وصل بهم الحد كما تقول الروايات أن أخذوا الحجر الأسود وألقوه في البحر، وحاولوا بناء مجتمع  أقرب إلى المجتمع الاشتراكي بالمعنى الجديد للكلمة. من هنا فإن ثورية النواب الشيوعية وجدت ضالتها في القرامطة، الذين أنتجوا ظاهرة الفدائي . وفِي كل مرة يجب أن يتذكر النواب شيوعيته عبر «كلمة الفقراء» ونقيضهم الأغنياء ، أي عبر ما يدل على الصراع الطبقي، المصطلح الأكثر حضوراً في الأيديولوجيا الشيوعية .  وتفتك فينا المصارفخشية دين قديم على الأغنياءودين الفقير على آكلي لحمهثورة تعتلي كل دينكأن الصيارفة اتفقوا أن يدكالجنوب على أهلهويقدم من لحمه طبق اليومبين الطنابير والخمر والمتخمينوقدما لقد أفرغ الأمويون خمرهمفوق رأس الحسينالصراع بين  الفقراء والأغنياء بوصفه صراعاً طبقياً يجد تعبيره التاريخ في الصراع بين الأمويين وآل البيت، بنوع من السذاجة التي ما كانت لتكون لولا المكبوت الطائفي الذي ظهر في القصيدة . فإذا بالصراع على السلطة بين بني أمية الأثرياء وبني هاشم الأثرياء أيضا، هو صراع طبقي بين الأغنياء والفقراء. فالأمويون المترفون هم صيارفة الماضي عند الشاعر، ورأس الحسين رمز الفقراء المعذبين في الأرض.  يقدح الغيب الأزلي ؟؟؟أطلواماذا يقدح في الغيب؟أسيف علي؟؟قتلتنا الردة يا مولاي كما قتلتك بجرح في الغرةها هنا نحن أمام معنى جديد للردة  مختلف عن ردة مسلم وأتباعه عن دفع الزكاة ، بل الردة هي الوقوف ضد سيف علي . فكما قتل المرتدون على «ثورة علي» وضربوه بالسيف على غرته ، كذلك المرتدون أعداء الثورة الراهنة. مرة أخرى يحضر على في علاقة صراع  بين الحق الذي يمثله والباطل الذي يمثله أعداؤه بوعي معاصر للصراع الدائر . هذا رأس الثورةيحمل في طبق «يزيد»وهذي «البقعة» اكثر من يوم سباياكفيا لله وللحكام ورأس الثورةهل عرب انتم!!!«و يزيد» على الشرفة يستعرض أعراض عراياكمويوزعهن كلحم الضأن،لجيش الردة!!!هل عرب انتم !!!!والله انا في شك من بغداد إلى جدةهل عرب أنتموأراكم تمتهنون الليلعلى أرصفة الطرقات الموبوءةأيام الشدة؟؟قتلتنا الردة …قتلتنا الردةان الواحد منا يحمل في الداخل ضده.التشبيه المباشر هنا في أعلى صوره. الثورة الفلسطينية هي الحسين ، في أيلول الأسود يُحمِّل رأس الثورة كما حُملَ رأس الحسين ، ويزيد المعاصر هو الملك حسين، وما جرى في مخيم البقعة يفوق ما جرى للحسين في كربلاء  ومن الطبيعي والأمر كذلك أن يكون المحزون على  قتل الحسين محزون على قتل الفدائي في مخيم البقع   .  ويزيد ليس هو إسرائيل بل هو ملك عربي ، كي يكون التشابه بين مقتل الحسين و بني أمية من جهة والفدائي والملك تشابها كاملاً . وأرى تاريخ الشام ملياوأكاد اقلب أوراق الكرسي الأمويوتخنقني ريح مرةتنفرط الكلمات وأشعر بالخوف وبالحسرةتاريخ الشام بالنسبة للشاعر هو تاريخ حكم بني أمية ، ولأنه تاريخ حكم الأمويين  فإنه تهب على الشاعر ريح خانقة ، بل مرة . الشعور بالمرارة يتأتى من إحباط شديد ، ومن فشل ومن حسرة و تحسر على ما كان يجب أن يكون ، الشعور بالمرارة يكون ثمرة فاجعة تحدث حالة من الاكتئاب والقهر والحقد و الثأر. مرارة وخوف وحسرة ، شعور ليس فيه أي شعرية ، بل مباشرة في التعبير عن الكره . وهنا ، بالذات ، يخرج المكبوت الطائفي في صورته السوداء ، الصورة التي يعلن فيها الشاعر عن انتمائه النفسي . فحين أعلن انتماءه للحسين وللقرامطة كان الإعلان يختبئ خلف الأيديولوجيا ، أما هنا فالإعلان عما يجول في اللاشعور من أحوال النفس .ثم بعد هذه المرارة وخروج المخزون النفسي في الحقد على دولة ذات حضارة  ورجالها تمتد لقرن من الزمان يعود بنوع من التداعي إلى ما قبل صراع علي ومعاوية على السلطة   : من أين سندري أن صحابياسيقود الفتنة في الليل بإحدى زوجات محمدمن أين سندري أن الردة تخلع ثوب الأفعىصيفا وشتاء تتجددأنبيك تلوث وجه العنفوضج التاريخ دعاوى فارغةوتجذمن لياليهيا ملك الثوارأنا أبكي بالقلب لأن الثورة يزنى فيهاوالقلب تموت أمانيهيا ملك الثوار أنا في حلفالبرق تشعب في رئتيالعودة إلى معركة الجمل عودة إلى كل من نازع  علياً على السلطة ، نزاع علي على السلطة بالنسبة إلى الشاعر هو فتنة . والفتنة أشد من القتل . ومفهوم الفتنة يدل على الغدر والخديعة ،  استخدام النواب مصطلح الفتنة في نص شعري للدلالة على سلوك منافسي علي على السلطة ، بقاء الشاعر في المصطلح الأيديولوجي الشيعي ، والذي  لم يستطع  أن يتحرر من لغة الانحياز الأيديولوجي بل راح يؤكد  انتماءه  لحزب علي و لحق علي بالسلطة بلا منازع ، طبعاً ليس هناك سبب منطقي أو واقعي لهذا الإنحياز، هو منحاز لأنه يحمل هوية تنتمي إلى ذلك النمط من  الوعي الذي يقر بحق علي بالخلافة. تشي الصيغة التعبير عن الفتنة بنوع من الإقلال من شأن طلحة والزبير وعائشة  معاً . فالفتنة تمت في الظلام «الليل» ، أي سراً، صحابي يقود الفتنة، وهذه الجملة تنطوي على تعجب: صحابي يقود فتنة، ويزداد التعجب بقوله :» إحدى زوجات محمد «، قد تكون ضرورة الموسيقى الشعرية قد فرضت على النواب عدم ذكر اسم زوجة محمد هذه ، وقد يكون المكبوت الطائفي منعه من ذكر اسم عائشة، على أن الاسم لا يستحق الذكر جرياً على تقليد شيعي يكن الكره الشديد لا لصاحبة الاسم فقط و إنما للاسم أيضاً ، ولهذا لا تسمى أي مولودة من أبوين شيعيين باسم عائشة . وتحضر «إحدى زوجات محمد» عنصراً أساسيا في الفتنة التي هي فتنة قام بها جانب واحد ضد علي . وهذا يعني بأن الفتنة ليس حاصل سلوك طرفين مشتركين بالفتنة، بل هي ثمرة الصحابي وزوجة محمد .  لكنه لا يكتفي بتحديد هويته وانتمائه السابقين، و إنما يبحث عن انتماء أكثر ثراءً ، وكأنه يريد أن يتحرر أمام جمهموره من انتمائه الطائفي الظاهري  المعَبر عنه بخطاب طائفي . فلنستمع إليه  وهو يقول :  أنا انتمي للجموع التي رفعتقهرها هرماوأقامت ملاعب صور وبصرىوأضاءت بروج السماء بأبراج بابلأنا أنتمي للجياع ومن سيقاتلأنا أنتمي للمسيح المجدف فوق الصليب وقد جرح الخل وجه الإله على رئتيهوظل به أمل ويقاتللمحمد شرط الدخول إلى مكة بالسلاحلعلي بغير شروطأنا أنتمي للفداءلرأس الحسينها هو يعلن انتماءه لعبيد مصر بناة الأهرام ، ولعبيد روما الذين بنوا ملاعب صور وبصرى الشام ، وللعبيد الذين بنوا برج بابل ، أي للطبقة العاملة ظاناً، بسذاجة الشيوعي العادي، بأن هذه الصروح ثمرة العبيد الذين حملوا أحجارها . وتأكيداً لشيوعيته يعلن مرة أخرى انتماءه للجياع و للمقاتلين  في صيغة فعل المستقبل .  لمن سيقاتل في المستقبل ، وإذا أحسنا النية فالمقصود من سيقاتل العدو الطبقي مثلاً . ثم بعد ذلك يعلن انتماءه للمسيح المصلوب فداءً . ومن الطبيعي أن يستمر الشاعر بتعداد ولاءاته للوصول إلى ولائه للنبي محمد ، ولكنه يجعل من الولاء له مشروطاً . بل قل إنه لينفي الولاء له والانتماء ، لأن وضع شرط الانتماء إلى شخصية مضى على موتها أربعمائة وألف عام على أن تقوم الشخصية بفعل لم تقم به فهذا ضرب من المخاتلة . فهو ينتمي إلى محمد شرط أن يدخل مكة بالسلاح .ولكن محمد قد دخل مكة بغير سلاح، ومن المستحيل واقعياً أن يعود محمد إلى الحياة و تعود مكة إلى ذاك العصر ليدخلها بالسلاح . إذا هو يستثني هويته من الانتماء إلى محمد ، لا بوصفه شيوعياً بل بوصفه طائفياً جداً ، وآية ذلك إن دخول مكة سلماً جاء مترافقاً مع قول الرسول : « من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن « . وأبو سفيان هو سيد قريش وسيد بني أمية و أبو معاوية وما أدراك ما معاوية . ولهذه فانتماؤه المشروط موقف من العلاقة التي قامت بين النبي وأبي سفيان والتي حملت النبي على قوله : من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن . ولو كان هذا التحفظ وقفاً على النواب فقط لسمح لنا بتأويل آخر ، لكن هذا التحفظ هو تحفظ شيعي عام ، والموقف من أبي سفيان شيعياً مجمع عليه.ويتابع النواب سردية انتمائه بعد أن وضع شرطاً للانتماء لمحمد ليصرح بأنه ينتمي «لعلي بغير شروط» . ما الذي يجعل الانتماء للرسول مشروطاً والانتماء لأحد أتباعه غير مشروط ؟ الجواب بكل بساطة لأنه يؤمن بحق بما يؤمن به الشيعة من مكانة علي .الشيوعي شيعي بامتياز .وزيادة في التعبير عن مكبوته الطائفي يعود ليؤكد انتماءه لرأس الحسين، وليس للحسين . أي للتراجيديا الشيعية بكل أساطيرها وما يترتب عليها من شعور بالألم الذي يستعاد بطقوس اللطم يوم عاشوراء . إنه يعيد مكرراً « رأس الحسين « ليقيم ترابطاً بين  الحسين ورأسه الذي جزه قتلته وأرسلوه إلى يزيد من جهة واستعادة المأساة بنوع من الإسقاط المعاصر، حيث ما زال الصراع بين الحسين – الخير وبين يزيد – الشر . وكأن الصراع الراهن ليس سوى امتداد للصراع في الماضي .ما هي دلالة الحسين الرمزية لغير الشيعة ؟ فهو لا يحمل أي دلالة رمزية سوى إنه حفيد الرسول من فاطمة . دعاه بعض شيعة علي إلى كربلاء للانقضاض على ملك يزيد ، خانه أصحابه وجرت معركة غير متكافئة بين من تبقى معه من شيعة علي وبين جيش يزيد انتهت بمقتله . هذه الواقعة قد تكون صحيحية أما ما أحيط بها من تفاصيل فهي أقرب إلى التخيل منها إلى الحقيقة لأنها محض روايات دون أية وثيقة مكتوبة. أما الحسين بالنسبة لشيوعي ماركسي – لينيني صرف فهو ليس قائد ثورة عبيد أو فقراء ولم يخض صراعاً طبقياً ، بل خاض صراعاً على السلطة بدأ بين الفرع الأموي من قريش بزعامة معاوية والفرع الهاشمي من القبيلة ذاتها بزعامة علي .وانتهى الصراع بانتصار الحزب الأموي ، تماماً كالصراع الذي خاضه الفرع الهاشمي بقيادة العباسيين ضد بني أمية والذي انتهى إلى انتصار بني العباس وهكذا .تكمن المشكلة الأيديولوجية – الأيديولوجية طائفياً عند النواب في أن الصراع القديم  لم ينته ، بل هو حاضر كما لو أنه قد حدث لتوه وإلا ما معنى قوله المتكرر:                         قصدت المسجد الأموي لم أعثر على أحدٍ من العرب فقلت أرى يزيد لعلهندم على قتل الحسين وجدته ثملاًوجيش الروم في حلب . أن يقصد الأموي فلا يجد أحداً من العرب فهذا نوع من الاحتجاج على عطالة العرب ، فهو متأفف من خذلان العرب وحالهم المهزوم . وهذا أمر مفهوم . ولأنه لم يجد أحداً من العرب الذين يتمنى وجودهم راح ليرى يزيد لعله نادم على مقتل الحسين  ، فوجد يزيد ، فإذا به يجده ثملاً. أما جملة فجيش الروم في حلب فلا معنى لها وليست في السياق. هو بحث عن يزيد فوجده ، حسناً ، ولكن أين وجده هذه المرة ؟ ففي المرة الماضية وجده في ملك أردني وفي أعداء الثورة الفلسطينية .لقد وجده في الشام . وكان الدافع في البحث عن يزيد طمعاً في أن يراه قد ندم على قتل الحسين ، ولكنه  وجد يزيد يشرب الخمرة . إذاً يزيد هذه المرة هو الشامي نفسه ، الشامي الذي ما زال يسمي أبناءه بيزيد . فما زال يزيد عائشاً في الشامي .ما الذي لم يقله النواب بعد عما يعتقد بأنه إرثه المتصل بشيوعيته ؟ ها هو يكتشف في طريقه شخصاً يدعى حسين الأهوازي:  وجاء حسين الأهوازي يفتش عن دعوتهجاء وأبواب صفيح تشبه حلم فقير فتحت..ووجدتفوانيس الفلاحين تعين على الموت حصانا يحتضر،عيناه تضيئان بضوء خافت فوق أنوف الفلاحينوتنطفئان..وينشج.. لو مات على الريح,صرخت: إلهي هؤلاء الفلاحون كم انتظروا؟؟علمهم ذاك «حسين الاهوازي» من القرن الرابع للهجرةعلمهم علم الشعب على ضوء الفانوس .. ولا واللهعلى ضوء الظلمة.. وكان «حسين الأهوازي»بوجه لا يتقن إلا الجرأة والنشوة بالأرضوقال انتشروا .. فانتشرواكسروا ساقتينأشاعوا الظلمة والأوحال وراء النخلة .. وانتشروا..لفوا جسدي بدثار زركش بالطير، وأورثهم إياه حفاة«الزنج»فقلتلقد علمهم ذاك حسين الأهوازي عشية يوم فيالقرن الرابع للهجرةفي هذا المقطع يغني النواب مكبوته الطائفي بشخصية قرمطية – إسماعيلية، هو كما قلنا حسين الأهوازي ، لكن الأهوازي يصبح في النص قائداً فلاحياً، يجمع الفلاحين ويعلمهم على ضوء الفانوس ثم يقول لهم انتشرو أوينتشروا، ولا ينسى الشاعر طبعاً ثورة الزنج.لسنا في معرض التأريخ للقرامطة الذين استمر ملكهم قرنين من الزمن وأقاموا الممالك والإمارات وخاضوا الحروب وتقاتلوا فيما بينهم شأنهم شأن كل الدويلات عصر ذاك الزمان .غير إنّ الانتساب إلى القرامطة في صورة الانتساب إلى حسين الأهوازي لجعل تاريخ الشاعر المعيش استمراراً لتاريخ الأهوازي ينطوي على عدمية طائفية اتجاه التاريخ العربي- الإسلامي . تاريخ يخرج فيه الشيعي العرب السنة منه . فلا يرموك ولا قادسية ولا خالد ابن الوليد ولا أبو عبيدة بن الجراح  ولا فتح مصر ولا عمرو بن العاص  ولا فتح المغرب ولا موسى بن نصير ولا دولة أموية ولا دولة عباسية وما في تاريخهما من حضارة مزدهرة . بل التاريخ هو تاريخ القرن الرابع للهجرة :  «كيف نسينا القرن الرابع للهجرة؟ كيف نسينا التاريخ؟» يتساءل مظفر النواب . معتقداً بأن الأهوازي يعود إلى القرن الرابع الهجري ، وهو ولد ومات في القرن الثالث الهجري . كان القرن الرابع للهجرة فلاحا يطلق في أقصى الحنطة نارا،تلك شيوعية هذه الأرض وكان الله معييمسح عن قدميه الطينفقلت أن اشهد أني من بعض شيوعية هذه الأرضفي  الشيوعية  المعاصرة ونظام الملكية القرمطي يجد المنتمي إلى حسين الأهوازي ولينين هويته .إذ ذاك يغدو تاريخ لينين موصولواً بتاريخ الأهوازي ويغدو الشاعر وحدة لينين والأهوازي ، والبحث عن جذر شيوعي لتبرير موقف معاصر هو نوع من النكوص اللاشعوري ، وكل نكوص هو لا شعوري أصلاً . فما الذي يحمل شخص يؤمن بفكرة ما يبحث عن تاريخها في طائفته وبكل حماس ؟ ! ، إنه النكوص والمكبوت الذي انفجر في الحالة الشعرية .  ووقفت أمام القرن الرابع للهجرة تلميذا في الصف الأوليحمل دفتره.. يفترش الأرض.. يعرف كيفتكلم عيسى في المهدويسمع صوت السدم النارية تبدأ بالخلقاللهم ابتدئ التخريب الآنفان خرابا بالحقبناء بالحقوهذا زمن لا يشبه إلا القرن الرابع، أو ما سمي كفرازندقة..ما قصة القرن الرابع للهجرة هذه ، مع أن الأهوازي لا ينتمي إليه كما أشرنا ، ولا ثورة الزنج 255-270 . القرن الرابع للهجرة هو زمن انهيار الدولة العباسية المركزية وانحطاطها السياسي وقيام دويلات متعددة بعضها شيعي كدولة بني حمدان «الدولة الحمدانية «ودولة بني بويه ودولة القرامطة والدولة الفاطمية ودويلات الأندلس السنية . بدا الانحطاط السياسي في الحروب بين الدويلات بدافع الاستيلاء على المناطق ، وبالمقابل فإن ضعف السلطة المركزية والحروب بين الدويلات قد ترافق مع نشاط علمي وفلسفي وازدهار شعري . وإذا أردنا التحدث عن عصر الازدهار العباسي فإنا نتحدث عن عصر المأمون أي عن نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث ، حيث ازدهر الأدب والفلسفة وعلم الفلك والجغرافيا وتُرجمت أم الكتب عن اليونانية . والنواب في هذا  وهو يصرخ : «كيف نسينا القرن الرابع للهجرة كيف نسينا التاريخ»، فإنما يقصد كيف نسينا القرن الشيعي ، فأغلب الدول كانت شيعية والمذهب السائد كان شيعياً قبل أن تتحول المنطقة  بأكثرية سكانها إلى المذهب السني بدءاً من بداية  القرن السادس على يد نور الدين الزنكي . ثم يختتم النواب قصيدته  وترياته بوضع الختم الأخير بوصفه توقيعاً بقوله :  ويسألني: من أنت؟خجلت أقول له، قاومت الاستعمار فشردني وطنيغامت عيناي من التعذيبرأيت النخلة.. ذات النخلة.. والنهر المتجوسق بالله علىالأهوازوأصبح شط العرب الآن قريبا منيوالله كذلك كان هنا ..واحتشد الفلاحون، وبينهم كان علي وابو ذروالأهوازي ولوممبا او جيفارا او ماركس او ماولا أتذكر، فالثوار لهم وجه واحد في روحي.  الفلاحون وعلي الذي أعلن بأنه معه دون شروط  وأبو ذر الغفاري قاطع الطريق الذي أسلم وأصبح زاهداً وحسين الأهوازي القرمطي  ولوممبا الأفريقي، وجيفار الثائر الكوبي الأرجنتيني الذي ضحى بحياته من أجل الثورة في بوليفيا  وماركس الأب المؤسس وماو إله الصين المطلق ، لكن نسي صعاليك الجاهلية  الذين كانوا يشلحون الأغنياء ويعطون الفقراء ، ونسي قطري بن الفجاءة الشاعر الخارجي الشجاع والزاهد والذي ظل يقاتل حتى قُتل، ونسي ابن المقفع الذي قُطع وحرق . وهو إن نسي هؤلاء فكيف ينسى الحلاج والحلاج  لا يُنسى ، بل من ينساه يكون قاصداً تناسيه . وبعد: لا شك بأن الشاعر وغير الشاعر حر في خياراته الانتمائية ، فالمشيئة الحرة حق من حقوق الكائن ، لكن الشخصية التي تعيش عوالم متناقضة  تغترب بهوية ماضوية لا تستطيع أن تعلن عن نفسها بأنها شخصية كلية فوق تناقضات الماضي الذي لا يعود . إننا ونحن نكشف عن المكبوت الطائفي في وتريات ليلية فإنما أردنا أن نشير إلى أن الشاعر وغيره لا يستطيع أن يعلن انحيازه للحياة دون التحرر من أغلال الهوية الضيقة الماضوية .

 


أحمد برقاوي

شاهد أيضاً

ارتحالَات النَصّ من بارمينيدس إلى افلاطون ومنه إلى هيدغر

مصطفى الكيلاني* 1 – بَدْءًا: إمْكَان مُغَالَبَة دُوغما القِرَاءَة وَالفَهْم بِالمُقَارَبَة التَنَاصِّيَّة القَوْل بِواحديّة النصّ …