أخبار عاجلة

معارك من أجل الفلسفة الانسانية في السياقات الاسلامية

تبريرات ان العنوان الذي اخترته لهذا الكتاب (1) لا يمكن تبريره فقط كن طريق المضمون، وانما هو يهدف بالدرجة الاولي إلى ايضاح المقصد المستمر والمتواصل للمسار الشخصي لحياة ما. وقد استعرت هذا التعبير الأخير من لويس ماسيتيون الذي طبت على الحلاج، ليسمح لي القاري اذن ان أعود الى الرواء وان المخص قصة حياتي العلمية بكلمات معدودات. كان كمري اثنين وعشرين عام عندما ابتدأت بتدريس اللغة  ولآداب العربية في ثانوية الحراش بالجزائر كانت تدعى سابقا باسم فرنسي Maison Correc  في الواقع أن وظيفتي المهنية في حقل التدريس لم تنحصر فقط في تلامذتي في الثانوية، ثم في طلابي في السوربون بعدئد، وانما لبيت رغبات جمهور عريض ومتنوع اثناء القائي للمحاضرات العامة في قارات العالم الخمس.

وقد ألقيت عشرات المحاضرات وربما مئات المحاضرات في اللغة الفرنسية، والانجليزية، والعربية وحتى البربرية، ومن خلال المقارعات الشفهية والحية والمتكررة مع أنواع مختلفة من الجمهور المستمع راحت تترسخ في نفسي الفكرة التالية : وهي أن النزعة الانسانية المعاشة تصنع وتترسخ وتفتني من خلال الممارسة الرصينة للاستماع والمناقشة (2).

وكان جمهوري دائما متنوع المطالب والرغبات والحساسيات، وأحيانا كان شديد الانفعال ومفعما بالقناعات واليقينيات، وكان النقاش حاميا في أحيان كثيرة، كان هذا النقاش بيني وبين الجمهور مشروطا بنوعية الإصغاء ودرجته العالية، وهو اصغاء يؤثر على الذات البشرية ويحولها أو يغيرها كلما تقدمت المناقشة وأدت الى انبثاق تساؤلات جدية تدفع للذ هاب إلى أبعد باستمرار وبعد كل محاضرة كان يلحقني بعض المستمعين المتحمسين جدا والذين أثرت فيهم المحاضرة إلى حد إنها زعزعتهم وأحالتهم إلى وعيهم النقدي. كانوا يسارعون نحوي  لكي يتابعوا النقاش بعد أن انفض المجس وتفرق الناس. كانوا يريدون المزيد من الايضاحات حول المسارات الفكرية

التي كشفتها لهم أو التساؤلات الجديدة التي لم يسمعوا بها من قبل والتي اكتشفوا للتو متانتها الوجودية، وأبعادها الفكرية ورهانات القيم التي تنطوي عليها.(3) وهي أشياء تهدف إلى إعادة تركيب الرابطة ،الاجتماعية.، واعات تفحص اليقينيات الموروثا أو مساهمة أكثر فعالية في الجهود التي يبذلها الإنسان من أجل تحرير الإنسان من جميع الأشكال المتكررة للعبودية والقهر.

هندما اكتشفت مؤلفات ابي حيان التوحيدي فهمت بشكل أفضل أهمية التواصل الشفهي بين الأستاذ المحاضر والجمهور من أجل اغناء الموقف الإنساني الناتج ممن فورية (أو أنية)  المقارعة الحاصلة بين وجهات نظر متعددة مدعومة من قبل أشخاص حاضري ومتقابلين وجها لوجه. فالتبادلات الكلامية الحاصلة بين الضمائر المختلفة، ومستويات التلقي أو الرفض الحاصلة بين الذوات المتنافسة، كل ذلك يودي إلى أن نضع على المحك الأنظمة الفكرية للذوات المنخرطة في المناقشة والتي يبقى هدفها واحدا: البحث عن المعنى (4)، كان التوحيدي قد نقل في مؤلفاته الأساسية مناقشات عالية المستوى من الناحيتين الفكرية والثقافية، وهي مناقشات جرت بين الباحثين – المفكري الذي كانوا يجتمعون في مختلف الحلقات العلمية : أو ما يدعى في ذلك الزمان بمجالس العلم، وكان هو شخصيا أحد المساهمين في هذه الحلقات.(5)

وكان الانتقال من الممارسة الشفهية إلى التعبير الكتابي للموقف الإنساني قد تأمن عن طريق القلم اللاذع والأسلوب القوي والنقدي للتوحيدي. وهو يتيح لنا أن نلحظ خاصية أخرى من خصائص الموقف الإنساني، وهي خاصية مميزة وتأسيسية وتتمثل فيما يلي: ان التسجيل الكتابي للخطاب الإنساني ينبغي أن يحترم في أن معا المقاصد المشتركة للمتكلمين المنخر طين في المناقشة والمسارات الفكرية الخاصة بكل واحد منهم، ان التسجيل الكتابي لمجمل المناقشة يتيه لنا أن نضع تحت نغمر النظرة النقدية والاشتمالية الرهانات الحقيقية لكل محاجة والأهمية القصوى للمقارعات والمجابهات الحاصلة. وهذه التعاليم المتضمنة في النص المكتوب تأتي لكي تغذي وتثبت الحيوية في الموقف الإنساني المطلوب توافره في الحوار الشفهي، هكذا تتوضح وتتشكل الشروط الفكرية والثقافية والأخلاقية والسياسية للعودة النقدية لكل ذات على ذاتيتها الخاصة، كما وتتشكل النزعة التضامنية للفاعلين الاجتماعيين من خلال انتاجهم لوجودهم الاجتماعي والتاريخي.(6)

يمكن للقارئ ان يتحقق من صحة هذا الكلام أو عدم صحته بد قراءة النصوص المجموعة في هذا الكتاب. وقد جمعتها لكي أجل أكبر قدر ممكن من القراء يساهمون ليس فقط في توسيع معارفهم من الفكر الإسلامي، وإنما أيضا وبارجة أكبر من أجل أن يشاركوا في بلورة النزعة الإنسانية في مجتمعات مكتسحة الأن من قبل القوى المضادة للإنسان والإنسانية (7). ان الموقف الإنساني يقدر حجم قدراته ومدى تكررها عبر تاريخ البشر. انه يقترح حالات أو صيفا للعقل، ومسارات للمعرفة، واستراتيجيات للتدخل من أجل تحجيم المواقف اللاإنسانية وحتى استئصالها إذا أمكن ذلك، ان الموقف الديني المتجلي في جميع الأديان المعروفة حتى الأن يهدف إلى تحقيق نفس المقاصد، أي تنمية الجزء الأكثر إنسانية من الإنسان من أجل حمايته من عنف الإنسان، وإذا كان كلا الموقفين يتفقان على ضرورة أنسنة الإنسان، فانهما يختلفان حول الشروط والوسائل والمجريات وأنماط المعرفة التي تؤدي إلى ذلك ولهذا السبب فان المناقشة الدائرة حول متانة وفعالية ومصداقية كل موقف من هذين الموقفين تطل مفتوحة.(8) بل انها أصبحت أكثر حدة من أي وقت مضى في نهاية هذا القرن بسبب ضخامة القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المنخرطة في معركة المجابهة والمقارعة، عندما يفرض العنف نفسه على الفاعلين الاجتماعيين (أي على البشر) كحل وحيد وأخير، فان الموقف الإنساني يتبخر ويصبح زهيدا لا أهمية له، لماذا؟ لانه يتموضع عندئذ غصبا عنه داخل منظور الأمد الطويل مفضلا المراهنة على العمل التربوي والتثقيفي الصبور، وكذلك يراهن على عملية تفسير جميع الأنظمة المعرفية التي أنتجها البشر في المجتمع وعلى إيضاحها وفهمها ونقدها، أملا بذلك أن يعود إلى الساحة من جديد يوما ما. ولحسن الحظ فان التاريخ يثبت أيضا أن اعادة التأكيد بكل عناد على

الرسالة الانسانية للانسان، وإعادة الاستملاك المستمرة لفتوحات هذه الرسالة وأولويتها أثناء الأزمات العصيبة الأكثر عنفا وخطورة، هي أيضا أحد الثوابت التي يشهد عليها التاريخ والتي تخلع المشروعية بالتالي على إعادة التنشيط المستمرة للمسألة الإنسانية وللمشروع الإنساني.(9)

ان مجرى المجتمعات المجبولة بالظاهرة الإسلامية يجبرنا على الاعتراف بالحقيقة التالية : لا يمكن انكار ان القوى الإنسانية تهيمن على هذه المجتمعات منذ عام 1950(10) على الرغم من النداءات المتكررة لتطبيق الإسلام من أجل الحد من الأثار المدمرة للايديولوجيات الحديثة على هذه المجتمعات التي اضطرت لمواجهة التحديات المتكررة للحداثة دون. أن تكون قد ساهمت اطلاقا في إنتاج هذه الحداثة.

إذا ما كتب أحد الباحثين يوما ما قصة كيفية استقبال الحداثة ورفضها خارج أماكن انبثاقها وتطبيقاتها الأولى بشكل مسيطر عليه قليلا أو كثيرا. فاننا سوف نستطيع عندئذ أن نقيم أنماط النزعات الإنسانية واللاإنسانية التي رافقت هذا الانتقال.(11) ينبغي أن نعلم أن الفكر الحديث يظل مركزيا أوروبيا الى حد عيد. أقول ذلك بمعنى انه موجه نحو توسعه المستمر باتجاه الهيمنة، ولا يهتم اطلاقا بالشروط الإنسانية لاندماجه داخل الأوساط الثقافية والتاريخية الأخرى التي تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار من حيث قيمها وإيقاع تطورها، كان الفلاسفة الأوروبيون الكبار قد أشادوا زمنا طويلا بالموقف الإنساني، ثم جاء بعدهم مفكرون أخر ون لكي يدينوا النزعة الإنسانية النظرية التجريدية، ويعلنوا شعار موت الإنسان بعد شعار موت الاله دون أن يخشوا من التأثيرات السلبية لهذه التمرينات الفلسفية أو المزايدات الفكرية على أوساط اجتماعية ثقافية ظلت بمنأى عن الثقافة العالمية للعواصم حتى في أوروبا نفسها(12). ولكن تأثيراتها تبدو أكثر سلبية بالطبع بالنسبة للمجتمعات غير الأوروبية، أي المجتمعات غير المؤهلة ثقافيا للدخول في مثل هذه المناقشات، وهي المجتمعات التي رميت باحتقار في زوايا التراث اللاغي: تراث المحافظة والقدم والبدائية. ضمن هذا المنظور ينبغي أن نتساءل عن مدى العدوى التي تصيب كل نطاع تعليمي من قبل الأفكار المضادة للنزعة الإنسانية، فهذه النزعة موجودة ضمنيا في كل عملية بناء وطني أو ديني.. لماذا. لان هذه العملية تميل دائما على خلع القدسية ملي مشاريع أنانية.

كل كتب التاريخ القومية أو الفئوية (13) سواء أكانت ذات استلهام علماني أم ديني تحمل في طياتها بشكل ضمني أو صريح تحديدات معينة للحقيقة، ومبادئ وأساليب معينة لتشكيل المشروعية، ومحاجاة لاهوتية أو فلسفية مصحوبة بشكل اجباري بنزعة لا إنسانية لم تعرض لأي نقد. على هذا المستوى ينبغي أن نراقب اليوم جميع البرامج التعليمية المحروسة بكل غيرة من قبل السيادات القومية من أجل تأييد ما أدعوه بالجهل الرسمي المؤسساتي، ان الدول والجماعات الفئوية تدفع  

للاساتذة مرتباتهم لكي يعيدوا انتاج خطاب مدرسي مليء بحكايات التأسيس والبطولات والمقاطع المنتخبة من الذاكرة الجماعية، والرموز الرافعة للشأن، وأطر تصور الذات لذاتها وللأخرين. وكل ذلك يتضافر لتوسيخ ثقافة الانفلاق على الذات، والجهل، وبالتالي رفض الأخر، فمن شدة الحاد هذه البرامج التعليمية على "الشخصية الوطنية" أو الاستثناء القومي"، أو "الاصالة"  أو "الخصوصية"، أو "الاختلاف"، فانها تزرع في النفوس المنهجية القومية او التعصب الديني، وبالتالي كره الأخر لا محالة. وهذا النظام هو ما يدعوه الهولنديون "عمود الدعم"، وما يدعوه اللبنانيون

بـ"الطائفية"، أقول ذلك ونحز نعلم حجم المكانة التي تتخذها مسطحات الاصالة والخصوصية أو الشخصية القومية في خطاب الحركات السائدة حاليا والتي تبحث عن ملاذ للهوية. لا ريب في أن التأثيرات التكنيكية

للاشكال المتوحشة (14)  للديمقراطية والحداثة قد جعلت تلك الجدلية القديمة بين التغير/ والتراث تتفاقم أكثر فأكثر،ولكن الشيء الأساسي في كلامنا يهدف إلى تحديد الأثار الضارة للبرامج التعليمية المنغلقة على الذات من أجل مكافحتها والواقع أن السلطات السياسية المضادة للفلسفة الإنسانية تمنع هذه البرامج من الانفتاح الفكري والعلمي الذي تقطبه اليوم عولمة القيم الانسانية، اني أريد تحديد هذه الأثار الضارة من أجل وضع حد لها.

بد كل ما قلته سابقا لابد وان القاري قد أخذ يفهم ضمن أي اتجاه أريد تنشيط المسألة الإنسانية من جديد، ولماذا اعتبر ذلك أمرا ضروريا وملحا اليوم. وأقصد بالتنشيط اعادة طرح المسألة الإنسانية في السياقات الإسلامية المعا حمرة.(15) وهذه المهمة تدفعا أولا الى تحقيق مهمة، أخرى سابقة عليها وتمهد لها الطريق. فينبغي أولا أن نقوم بمراجعة تاريخية واعادة تقييم فلسفية لمضامين الحداثة وأشكال تدخلها في جميع أماكن انبثاقها وتطبيقها عمليا. وهذا يعني ضرورة القيام بالتفكيك الفلسفي للاستخدامات الظافرة والفاتحة والتجريبية للحداثة. وهي استخدامات يحتكرها الفكر الغربي وحده.(16) وأنا إذ اخترت من النزعة الإنسانية في السياقات الإسلامية، فاني أردت التوصل إلى مرتبة العقل المنبثق الصاعد: أي الاستطلاعي أو المستقبلي الجديد. وهو العقل، القادر في أن معا على الاسهام في النقد البناء للحداثة، وعلى تفكيك الخطاب الإسلامي المعاصر من الداخل. وهو خطاب لا يقل تبجحا وغرورا وحبا للهيمنة والتسلط ,عن الخطاب الغربي الذي يزعم انه يواجهه أو يضاده، في الوقت الذي ينحرف فيه أكثر فأكثر عن رهانات النزعة الانسانية فر هذا المنعطف التاريخي للعولمة المتوحشة وللصراعات العنيفة التي تتكاثر وتنتشر عبر العالم. ان التفكيك الفكري والعلمي للخطاب الاسلامي بكل صيفه اللاهوتية والفقهية والتاريخية سوف يؤدي حتما الى تفكيك الخطاب السياسي والممارسات السياسية التي تستمد منه أسس المشروعية الموصوفة تجاوزا أو تعسفا بالإلهية والمقدسة والروحية. لقد قدم التوحيدي بطريقته الخاصة وبالوسائل المعرفية

السائدة في عصره مثالا لم يستغل أو لم يدرس حتى الآن إلا قليلا، أقصد قدم في مؤلفاته مثالا لم يلحظ حتى الآن على عملية التفكيك هذه. لقد طبق المنهجية التفكيكية أو الانقلابية التي ندعو اليها على الفكر والمجتمع السياسي في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي وكل ذلك باسم نزعة إنسانية معاشة حقا ولكن عمل التوحيدي بقي استثناء لم يتكرر في السياقات الإسلامية.(17) والدليل على ذلك ان التكرار والتعليق على التعليق والتبجيل والاحتفال بالذات وتمجيدها، كلها أشياء تطفى فر نهاية هذا القرن العشرين على جميع المجتمعات الإسلامية، انها تطفى وتتغلب على المراجعة النقدية لكل أنظمة التحديدات والقيم والتصورات الموروثه عن ماض بعيد أو مفروض حديثا من. قبل دول أو أنظمة سياسية لا سبالية بالمشروع اللإنساني، هذا ان لم تكر غريبة عنه، بل ومعادية له.

في عام 1997 صدرت الترجمة العربية لكتابي عن هذا الموضوع تحت عنوان : "نزعة الأنسنة في الفكر العربي. جيل مسكويه والتوحيدي".(68) والمصطلح الجديد المتمثل بكلمة أنسنة أدهش الجمهور العربي أو الناطق بالعربية وربما أربكه.

في الواقع انه غير مستخدم في السابق من قبل أحد، وذلك لان المصطلحات التي تستخدمها وسائل الإعلام هي وحدها الساندة. وهي وحدها التي تستطيع التوصل إلى تماسك معنوية ومفهومي مهيمن عليه بالضرورة من قبل المضامين الايديولوجية المعاصرة. أما مصطلح "أدب"  الذي كان يعني في الفترة الكلاسيكية الموقف الإنساني تجاه المعرفة والممارسات المرافقة له فقد خسر اليوم هذه القيم ولم يعد يطبق إلا على الأدب بالمعنى الجمالي للكلمة وعلى التربية الحسنة. وانا عندما اعتمدت مصطلحا غريبا وجديدا "كالأنسنة" ، فاني أردت لفت الانتباه الى ضرورة إعادة التفكير في النزعة الإنسانية الدينية المشتقة من الانثربولوجيا الروحانية القرآنية.(19) كما أردت في ذات الوقت اعادة التفكير بالنزعة الإنسانية الفلسفية أو المستلهمة من قبل الفلسفة. وهي نزعة ما انفكت تتعرض للبلورة واعادة الصياغة منذ العهد اليوناني الكلاسيكي وحتى يومنا هذا مرورا بتلك الفترات الطويلة من هلنستيه وسريانية وعربية. وهي فترات تحذف عموما من الكتب "الغربية" لتاريخ الفلسفة، كان كتابي المذكور بمثابة مدخل إلى مناقشات عديدة، قديمة وجديدة، ذات راهنية كبرى بالنسبة للمجتمعات العربية بشكل خاص.(. 2) وذلك دان الأمر يتعلق بفكر مكتوب باللغة العربية منذ العصور الوسطى.

لقد أتيح لي مرة أخرى أن أتحقق من صحة التحليلات التي قدمتها أكثر من مرة من مكانة ووظائف الممكن التفكير فيه / والمستحيل التفكير فيه، ومن المفكر فيه / واللامفكر فيه في الفكر اللإسلامي المعاصر المكتوب باللغة العربية، أو الفارسية، والأوردو، أو التركية أي الأندونيسية… الخ. ودليلي على ذلك هو أن كتابي المترجم لم يلحظ حتى دان ولم يحظ بأي اهتمام، مثله في ذلك مثل بقية المنشورات ذات الأبعاد العلمية أو الفكرية

(21) وهذا ما يعطينا فكرة بليغة عن ظروف ممارسة الفكر  

والبحث في السياقات الإسلامية ومدى تدهورها وانغلاقيتها، فالفاعلون الاجتماعيون أو الناس هناك لا يحركهم إلا الإسلام المعياري والحركي السياسي الشديد الانغماس في الطقوس الشعائرية. والدليل على ذلك مدى تجييش الحركات الأصولية للناس في الشارع منذ حوالي العشرين سنة. ويعود هذا الوضع المؤسف أما إلى تدهور الظروف المعيشية وصعوبة تحصيل الرزق، وأما إلى النشاطات المختلفة المربحة ماديا والتي تشغل الناس ولا تترك أي مكان للاهتمامات الإنسانية، وبالتالي فالمجتمعات تجد نفسها عندئذ عاجزة من مواجهة الوضع عندما يتعلق. الأمر بمناقشة الانظمة التربوية أو البرامج التعليمية، أو عندما يتعلق بمناقشة الذرى التي تخلع المشروعية على السلطة السياسية والتشريعية والقضائية، أو عندما يتعلق بمناقشة مدى صلاحية أو عدم صلاحية السلطة اللاهوتية والأخلاقية والروحية الممارسة من قبل الفقهاء الذين لا يعرفون شيئا عن الحداثة الفكرية. فهذه الحداثة تمثل بالنسبة لهم اللامفكر فيه بامتياز.(22) هذه هي بالأمس كما في اليوم الشروط التي لابد منها لكي تتشكل دولة حق وقانون في كل المجتمعات التي تهيمن عليها الظاهرة الإسلامية (أو الدين الإسلامي). فدولة الحق والقانون هي الحامية والمحبذة للمجتمع المدني. وهي التي ترعى الفضاء المفتوح للمواطنية، وتحدد حقوق وواجبات كل مواطن يتمتع بصفة الشخص البشري أيضا. وهؤلاء المواطنون هم مصدر القيم الإنسانية 0التي ينبغي منذ الان فصاعدا أن تفهم ضمن منظور تشكيل الذرى الأخلاقية والسياسية والقانونية على المستوى العالمي (طاهرة العولمة ). انهم مصدر القيم ووكلاؤها ومرسلوها ومستقبلوها. فهذه القيم تصدري المواطنين والمجتمع المدني واليهم تعود. نحن الان نعيش مرحلة انتقالية تاريخية بالفعل. أقصد الانتقال من مرحلة الدولة القومية المدافعة عن الأنانيات القومية المقدسة مه انحرافاتها المعروفة باتجاه النزعة التوتاليتارية، الى مرحلة العولمة الشاملة.(23) واقصد بالعولمة هنا انفتاح العالم كله على الفضاءات الواسعة والموسعة للمواطنية، وهكذا يصبه العالم كله وطنا للإنسان بعد أن تزول الحواجز والحدود. وهذا ما يتيه توسعات جديدة للأبعاد الإنسانية للإنسان، ولكن ذلك يقطب القيام بمراجعات صعبة وماسية "للقيم، المحلية وللتراثات الدينية العتيقا، وكذلك للتراثات الفئوية والقومية التي انكشفت الأن تاريخيتها وتبدو متعلقة بتحولات وظروف تاريخية عابرة، ولهذا السبب فاننا نشهد اليوم انقسامات، ومواجهات عنيفة وصاخبة سواء في الأمم "العتيقة" المنخرطة حاليا في مغامرة تشكيل الوحدة الأوروبية، أو في المجتمعات الشابة المستقلة حديثا، وهي مجتمعات تتراكم فيها أو عليها النتائج السلبية للسياسات الاستعمارية والأخطاء الايديولوجية لأنظمة الاستقلال المضادة في غالب الأحيان للمكتسبات الأكثر انسانية في الثقافة الديمقراطية.(24)

نحن نعرف الانتقادات التي وجهت للفلسفة الإنسانية النظرية والتجريدية والشكلانية التي تعتنقها عادة الطبقات العليا المثقفة في المجتمع. ولكن في هذا الانتقاد ننسى غالبا أن نقيم المسؤولية المرتبطة بالطلاق المستمر، وفي كل العصور، بين المنطق السياسي لأصحاب القرار، وبين المنطق. الفكري، أو الروحي للمنظرين ومسيرو أمك ن الخلاص في كل دين من الأديان.(25) فرجال السياسة يميلون بطبيعة الحال الى استخدام بلاغيات القيم والأمجاد القومية أو الوطنية، ولكنهم يهملون الانتقادات الأكثر متانة وصحة والتي يوجهها الباحثون المفكرون لهذه القيم بالذات. فالباحث المفكر الذي يحترم نفسه لا يخضع إلا لقاعدة واحدة هي: قاعدة المعرفة الموضوعية، وهذه تقتضي ضرورة الفصل بين المعرفة المجانية المرغوبة لذاتها وبذاتها، وبين التطبيق العملي لهذه المعرفة، صحيح أن معظمهم يلح على ضرورة الفصل هذه نظريا، ولكنهم ينتهكونها عمليا. عندما دعوت عام 1976 الى تأسيس علم جديد: هو علم الإسلاميات التطبيقية أو المطبقة، فان دعوتي بقيت ورقة ميتة سواء لدى الباحث ير أو المثقفين، أو لدى أصحاب القرار السياسي، وبخاصة فيما يتعلق بمجال البحث العمي والتعليم الجامعي.(26) صحيح أن بعض طلابي في السوربون قبلوا بين عامي 1970- 1980 بأن يشتغلوا على موضوعات أساسية لدراسة برامج التعليم المفروضة في المغرب أو الجزائر، أو ترس أو لبنان، أو سوريا. ولكنهم اصطدموا بالواقع المر: إلا وهو استحالة تطبيق النتائج الصحيحة التي توصلوا اليها بمد القيام بتحقيقات ميدانية واسعة، فلم يستطيعوا التأثير عمليا على البرامج الدراسية المقررة في هذه البلدان بد أن رفضت السلطات المعنية أبحاثهم ونتائجهم، أقول ذلك ونحن نعلم اليوم حجم الأضرار الثقافية والإنسانية الناتجة عما أدعوه بالجهل الرسمي المعمم على الشعب مؤسساتيا من قبل السلطات التعسفية.(27) ضمن هذه الظروف فانه يصبه من السهل طي بعضهم أن يستهزئوا بالخطاب الإنساني، تماما كما يستهزئون بالخطاب الأخلاقي والموعظة الدينية. ولكن الاستهزاء لا يصل إلى الجذور الحقيقية والعميقة للمرض.

في المجتمعات الفنية حيث تسود الليبرالية الفلسفية التي تؤسس جميع القيم والممارسات الديمقراطية، نجدهم يتحدثون أكثر فأكثر عن الفكر الذي يرمى بعد أن يستهلك.(28) انهم يعاملون الفكر كأي سلعة أو أداة منزلية ترعى بعد أن تستخدم لفتوة معينة من الزمن ولمرة واحدة. أو قل ترعى بعد أن يتم اكتشاف آلة جديدة أكثر اتقانا وفعالية (غسالة، براد،…الخ). فقوانين السوق تتحكم ليس فقط بالحياة المادية العلمية، وإنما أيضا بمختلف مجالات ممارسة الفكر والانتاج الثقافي والفني. هذا يعني أن الشخص البشري الذي كان قد حرم منذ زمن طويل من الأمل الأخروي والحياة الأبدية بعد الموت.(29) أصبح الآن محروما أيضا من شيء أخر، أصبه محروما من تلك الديمومة الداخلية التي لا تنفصل عن الإحساس العميق بالطمأنينة الانطولوجية التي تؤمنها القيم الثابتة والمتعالية والمقدسة و المقدسة.

 

ان النقد الفلسفي للقيم والذي وسعته أو عممته الدراسات التفكيكية والانحلالية للعلوم الاجتماعية قضى على الفكرة الكلاسيكية التي تؤمن بوجود قاعدة دينية أو عقلانية للأشياء، كما قضى على الطمأنينة الانطولوجية التي تؤمنها هذه القاعدة للانسان، وأصبح الظرف العابر، والأني، وكذلك المردودية المادية، والكفاءة التقنية، والفعالية الوظائفية، والنزعة التجريبية الفجة، والفلسفة البراجماتية المنفعية هي الأشياء التي تتحكم بأنظمة القيم المتغيرة باستمرار أو غير المستقرة، يستحيل علينا الأن أن نؤسس لاهوتا معينا، أو فلسفة معينة، أو اخلاقا معينة، أو سياسة معينة على قاعدة العهد الانطولوجي الثابت والدائم،( 30) اللهم إلا إذا قررنا أن نتجاهل نهاية تاريخ ما للفكر، ودخول العقل الاستطلاعي المستقبلي في مغامرة جديدة للشرط البشري.(36)

ولكن جميع الحركات الأصولية المتزمتة ترفض الدخول في هذه المغامرة الجديدة للعقل. وهي حركات تنسب نفسها إما إلى تراثات دينية لا تزال حية، وإما إلى ايديولوجيات الهوية والقوميات العتيقة. ونلاحظ في هذا السياق أن الإسلام المعاصر ينهض كقوة معارضة ورفض، وأيضا كبديل تاريخي في وجه القوى التي تحسم مصير الحداثة وتوجهها. انه ينهض ضد الحداثة بكل الثقل البشري والاقتصادي والسياسي لمعتنقيه، وبكل التنوع الثقافي والعمق التاريخي لتراثه الحي الذي بقي حتى الأن بمنأى عن الانتقادات أو الاحتجاجات العظمي للحداثة.(32) وعندما أقول القمىء الحاسمة لمصير الحداثة وتوجهها فاني أقصد القوى الموجودة داخل الفضاء التاريخي والجيوبوليتيكي للغرب. كنت قد تحدثت سابقا في عدة منشورات عن هذه المواجهة الجارية حاليا بين الأصولية اللإسلامية والحداثة الغربية. وكنت قد تحدثت أيضا عن محدودية الفكر المستخدم من قبل الفكر اللإسلامي المعاصر من أجل قيادة المعركة على الصعيد السياسي وتأسيس ذاته كبديل تاريخي في الوقت الذي كشفت فيه جميع الأنظمة الفكرية المعروفة حتى دان عن هشاشة تأسيسها أو أنيته العابرة، اني أود أن أقول للمسلمين هنا ما يلي: لن يستطيعوا إلى الأبد تحاشي المهمة العسيرة التالية. وأقصد بها تحليل النصوص التأسيسية على ضوء العلم المعاصر، بل وتفكيكها من الداخل بكل منهجية ودقة وأمانة علمية. وعندما أقول النصوص التأسيسية فاني أقصد بها النصوص التي تؤسس القانون الديني: أي أصول الدين وأصول الفقه. فالقردة التاريخية – النقدية لهذه النصوص أصبحت اليوم ملحة أكثر من أي وقت مضى. والتفكيك لا ينبغي أن يفهم بالمعنى السلبي هنا، بل هو ينطوي على عمل ايجابي كبير ومنقذ أي محرر، أن التفكيك يمثل المرحلة الاولى من أجل اعادة التقييم النقدي لجميع المسلمات المعرفية العميقة التي يتحصن بها العقل الإسلامي أو لا يزال يتحصن بها حتى الان، فهو يستمر في استخدامها من أجل الدفاع عن الصحة الانطولوجية للقيم الاخلاقية والقانونية التي تؤيد المتانة الإنسانية للنموذج الإسلامي الأكبر المتخذ كقدوة تحتذي في الممارسة التاريخية. وحده العبور الصحيح لهذه المرحلة الأولى يتيه لنا أن نطق حكمنا حول شروط إمكانية اعادة التأسيس، أو على العكس التخلي عن كل حلم بالتأسيس، والالتحاق بالعقل الاستطلاعي المستقبلي.(34) أقصد الالتحاق به في بحثه البراجماتي، الحر، المتردد، الصعب.(35) ولكنه بحث مسؤول فكريا وروحيا فيما يخص عملية انتاج المعنى، والمعنى هنا لا يمكن أن يكون إلا تعدديا وغير معصوم، أي قابلا للمراجعة والنقد باستمرار. ان رهان الخيار المفتوح على هذا النحو هو التالي: أما أن نشهد تصلبا أيديولوجيا للعقل السياسي- الديني الذي يؤسس السياسة والأخلاق على لاهوت دوغمائي لم يتعرض أبدا لأي مناقشة نقدية أو مراجعة فكرية، وأما أن يساهم المسلمون بشكل فعال ودون أي تحفظ أو رقابة قمعية في التشكيل الجماعي لنزعة إنسانية كونية تساهم فيها جميع تراثات الفكر وثقافات العالم. ينبغي أن تنخرط جميع هذه الثقافات في مواجهات تفاعلية مع بعضها البعض من أجل ابتكار أو تدشين القيم الجديدة التي تشكل علامة على التقدم نحو ما أدعوه بالعقل الاستطلاعي المنبثق والمستقبلي.

يمكن للقارئ ان يندهش لكوني استعين في هذا الكتاب بمؤلفين وأعمال تعود إلى القرون الوسطى من أجل أن أعيد تنشيط اهتمام المسلمين المعاصرين بالمسألة الإنسانية.(36) في الواقع اني كنت قد ذكرت غالبا بان الجهاز العقلي للفكر الإسلامي الكلاسيكي منغلق داخل الفضاء التاريخي القروسطي.(37) وبالتالي فهو يحتاج إلى إعادة قردة نقدية قبل استخدامه كنظام للصلاحية المعرفية الهادفة إلى الإسهام في استكشاف العقل الاستطلاعي المستقبلي، لقد جمعت في هذا الكتاب نصوصا كنت قد نشرتها سابقا، لأني أحسست بضرورة الاهتمام بالنزعة الإنسانية وضرورة تنميقها في السياقات الإسلامية المعاصرة، وبهذا الصدد أريد أن أقول ما يلي: إذا كان الجهاز المفهومي والمقصد الأحادي والشكل الثنوي، للفكر القروسطي كلها أشياء قد تم تجاوزها الأن، الا ان النظرة الملقاة على الرسالة الفكرية والروحية للإنسان لم يتم تجاوزها.(38) وكذلك لم يتم تجاوز تجربته مع الالهي، هذه التجربة المعاشة كاستيطان تقوم به الذات الإنسانية لمقابل محرك لها، ومنعش مرتبط بالمطلق الأعلى الذي يفرض نفسه على كل كائن بشري بالتساوي. ان الأعمال الفكرية التي تؤيد تعاليم هذه النظرة تستحق اليوم أكثر من أي وقت مضى أن تستشار وتقرأ بتأمل عميق. وفي الوقت الذي نعيش فيه منعطفا تاريخيا جديدا يتمثل بالبحث التائه أو الشارد للعقل، فانه يمكننا ان نعيد استثمار هذه المؤلفات وتوظيفها داخل المغامرات الجديدة للروح : هذه الروح التي تناضل باستمرار من أجل كسر السلاسل والاغلال التي تفلها ومن أجل توسيع الحدود الاكراهية التي تحدها أو تحصرها في كل مرة.(39)
الهوامش

1- هذه هي المقدمة العامة لكتاب جديد سوف يصدر لمحمد اركون لاحقا في باريس ونحن الأن بصدد تحضير ترجمته العربية قبل صدور النسخة الفرنسية. وهو يدور حول مشكلة الفلسفة الإنسانية في البيئة الإسلامية ماضيا وحاضرا، ومن الواضح أن المؤلف يناضل من أجل فرض الرؤيا الإنسانية في السياقات الإسلامية المعاصرة بعد أن هيمنت عليها الحركات الأصولية المتطرفة التي لا تعبأ إطلاقا بمسألة الإنسان أو حقوق الإنسان أو

كرامة الإنسان. وإنما يهمها فقط العنف والبطش والوصول إلى السلطة أي شكل من أجل ممارسة القمع القروسطي علو. المجتمع والشعب..

2- أركون أستاذ شهير وخطيب مفوه، يعرف ذك كل هن استمع إلى محاضراته ولو لمرة واحدة، وهو في البندان الانجلوساكسونية والشمالية الأوروبية يحاضر عادة بالانجليزية التي أصبح يتقنها تقريبا مثل الفرنسية، وقد حاضر ولا يزال في عشرات الجامعات الأوروبية والأمريكية والعربية والإسلامية وحتى اليابان والهند.

3- بما أن الموضوع الذي يتحدث عنه اركون حساس جدا (التراث الإسلامي لم وبما أن منهجيته في الدراسة جديدة كليا، فان المستمع المسلم يشعر بالزعزعة وأحيانا بالخوف بعد سماع محاضرته، انها تهزه هزا. وقد رأيت أحيانا بعض المسلمين الأفارقة يلاحقونه حتى باب مكتبه لكي يسألوه حول بعض الأفكار التي وردت في محاضرته والتي زلزلت قناعاتهم وادخلت الشكوك إلى قلوبهم أو البلبلة الى نفوسهم. ولكن اليمن الشك هو بداية المعرفة الصحية والدقيقة التي ينبغي أن تحل محل المعرفة التقليدية والتبجيلية عن التراث ؟

4- عندما اسمع كلام أر كون هذا تخطر على بالي نظرية الفيلسوف الألماني هابر ماس عن العقل التواصلي أو الحواري، فالحوار الايمقراطي الحر بين الذوات المنخرطة في النقاش هو السبيل الأفضل لنتوصل إلى الحقيقة، ومقاربة وجهات النظر المختلفة مع بعضها البعض هي التي تؤدي في نهاية المطاف الى توليد موقف مشترك أو اجماع حر..

5-  اعتقد أن اركون اذ يقول هذا الكلام يفكر بحلقة ابي سلمان المنطقي التي كان يتردد عليها التوحيدي من جملة فلاسفة مسلمين أخرين، وقد نقل بعض ما جرى فيها من نقاشات وحوارات في كتابه المشهور الامتارع والمؤانسة.. ومجالس العلم هذه تشبه إلى حد ما الصالونات الأدبية أو المنتديات الفكرية التي تعقد في أيامنا هذه، وتدهشنا جرأة فلاسفة

المسلمين والعرب في العصر الكلاسيكي، فقد كانوا يطرحون قضايا فكرية لا نجرؤ نحن اليوم على طرحها بسبب خوفنا من رد فعل الأصوليين والتقليديين بشكل عام.

6-تركيز اركون على أهمية الحوار الشفهي عائد إلى اعتقاده بضرورة ادخال تتاليا الحوار الى الساحة الإسلامية بعد ان انفلقت على ذاتها أكثر مما يجب طيلة عصور الانحطاط، فمجتمع بدون حوار يعني مجتمعا بدون ديمقراطية، واذا ما انعدم الحوار فان المجتمع يتكلم بشفة أخرى: الانفجار.

7- من الواضح أن اركون يشير هنا الى الوضع الصعب السائد حاليا شي المجتمعات الإسلامية بسبب هيمنة الأصوليين المتطرفين على الساحة. والغريب العجيب أن الأديان وبخاصة الدين الإسلامي – تحتوي على قيم سامية ورفيعة تحفظ كرامة الإنسان، ولكن الأصوليين المتزمتين يفهمونها بشكل خاطئ ويحولونها إلى ايديولوجيا قمعية مضادة للانسان والإنسانية !!

8- من الواضح أن أر كون يشير هنا إلى التنافس الجلي السائد تاريخيا بين نوعين من النزعة الإنسانية فهناك النزعة الإنسانية ذات الاستلهام الديني، ومناك النزعة الإنسانية ذات الاستلهام الفلسفي. وقد سيطرت الأولى عشى العقلية الأوروبية حتى القرن الثامن عشر، بعدئذ أخذت الفلسفة تحل محل الدين كمعيار أساسي للقيم. ولكن الدين لم ينته كليا من أوروبا على عكس ما نتوهم، فهناك علماء لاهوت مجددون لا يقلون أهمية عن الفلاسفة

من حيث التبحر في العلم والاتساع في النظرة.

9- هذا يعني انه لا يمكن للقوى الظلامية الارتكاسية ان تقضي على الفلسفة الانسانية مهما طغت وبغت وقويت شوكتها، وبالتالي فينبغي أن نؤكد عل أهمية المشروع الإنساني في هذا الوقت العصيب الذي نعيشه، فالمستقبل له بعد أن تنحسر قوى الظلام عن الساحة بكل عنفها وضحيجها.

10- في الواقع أن القوى اللاإنسانية تهيمن علينا منذ بدايات عصر  الانحطاط وانهيار الحضارة الإسلامية الكلاسيكية. ولكن النهضة الإنسانية التي انبثقت عندنا في القرن التاسع عشر أجهضت للأسف عام 1950أوحواليه..

11 – يقصد اركون بذلك انه لم يكتب أي بحث علمي شمولي حتى الأن يصف لنا كيفية انتقال الحداثة الأوروبية إلى البلد ار الإسلامية بشكل تاريخي دقيق. ولو كتب لعرفنا ماذا قبلت هذه البلدان من الحداثة وماذا رفضت، ولماذا قبلت أو رفضت، فالحداثة ولدت أولا شي أوروبا وخاضت معارك عنيفة حتى قبلت في المجتمعات الأوروبية ذاتها، فما بالك

بمجتمعاتنا نحن؟

12- من الواضح أن أر كون ينتقد هنا التطرف الفلسفي في أوروبا، فبعد ان أعلن نيتشة عن "موت الاله" في القرن التاسع عشر جاء ميشيل فوكو لكي يعلن عن "موت الإنسان" في القرن العشرين ! ولكن اله حي لا يموت، فالذي مات في أوروبا، هو الصورة التقليدية القروسطية المتجهمة عن الله وليس الله ذاته. يضاف إلى ذلك ان فلاسفة أوروبا عند عصر النهضة ما انفكوا يتحدثون عن أهمية الإنسان وعظمة الإنسان ويدعون الى تنمية

القيم الإنسانية وتمجيدها (انظر الحركة الإنسانية في عصر النهضة والمدعوة هيومانيزم Humanisme     كما قدموا تفسيرا جديدا للدين يتماشى مع القيم الإنسانية، وحقوق الإنسان، وهو ما لم يحصل حتى الأن في العالم الإسلامي.

13 – النزعات القومية تمجد الذات على حساب الأخوين. هذا ما فعلته القومية الفرنسية والقومية الألمانية وسواهما، واذا ما تطرفت هذه النزعة القومية فانها تؤدي إلى كره الأخر واشعال الحروب، ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن العصبية الطائفية أو المذهبية، فكل فئة دينية تعطي عن نفسها صورة مثالية وتقدم في ذات الوقت صورة سلبية أو حتى مشوهة عن الأديان الأخري. وقد أدت هذا العصبيات أيضا إلى إشعال الحروب وسفك

الدماء. والمؤسف ان برامج التعليم المدرسية تثب دورا كبيرا في تربية الناشئة على هذا العصبيات منذ الصغر.. وبالتالي فيصعب اقتلاعها بعد الكبر.

14 – يقصد اركون بذلك ان الحداثة لم تخل الى المجتمعات العربية أو الإسلامية بطريقة صحيحة وانما بشكل متوحش أو فوضوي، ولذلك كانت تأثيراتها سلبية أحيانا.هذا من جهة وأما من جهة أخرى فهو يدعو الى تغيير برامج التعليم التقليدية التي تزرع بذور العصبيات القومية أو الطائفية في لبنان وغير لبنان، فهذا البرامج غير مقبولة على الاطلاق ولا تتمتع بالحد الأدنى من احترام الموضوعية العلمية أو التاريخية، انها تهدد توازن

المجتمع وتشعل فيه الحروب الاهلية بدلا من ان تنير العقول وتجعل الناس ينفتحون على بعضهم البعض.

15- يقصد اركون بالسياقات الإسلامية المجتمعات الإسلامية، ولكنه استخدم كلمة السياق لان هناك عوامل أخرى تؤثر على هذه المجتمعات غير الدين. يضاف الى ذلك ان الإسلام نفسه يتخذ أشكالا شتي بحسب تركيبة وظروف كل مجتمع، فالإسلام في الأول أكثر تسامحا منه في الثاني، فهناك فهم ضيق ومتشدد للدين، وهناك فهم سمح ومتسامح.

16- أصبح نقد الحداثة الشغل الشاغل لفلاسفة أوروبا بعد أن تطرفت الحداثة في  

الاتجاه المادي الالحادي، الاستهلاكي والانوقراطي الذي لا يقيم أق وزن للقيم الروحية أو الفلسفية، وإنما تهمه فقط المر دودية الاقتصادية والربح وتراكم المال ورأس المال إلى ما لا نهاية.

17- ولكن الارثوذكسية الاسلامية التقليدية اعتبرت التوحيدي زنديقا، أو خارجا على الدين ! فكل من لا يفهم الدين بشكل منغلق وجامد مثلها يعتبر زنديقا، وبالتالي فكل المفكرين الاحرار زنادقة بشكل أو باخر، وهذا ما حصل أيضا لمفكري أوروبا الذين اتهموا بالزندقة من قبل الأصولية المسيحية، ولكنهم خاضوا المعركة على المكشوف مع الأصولية

وانتصروا عليها في نهاية المطاف، وهذا سر نجاح أوروبا وانطلاقتها الحضارية.

18- في الواقع اني اختلفت مع اركون حول العنوان بعد أن تناقشنا طويلا، فأنا شخصيا كنت أفضل ترجمة العنوان على النحو التالي: النزعة الإنسانية والعقلانية العربية في العصر الكلاسيكي. جيل مسكويه والتوحيدي. ولكنه اختار العنوان الأخر ولا أعرف فيما إذا كان هذا المصطلح الجديد الذي اشتقه (أي الأنسنة ) سوف ينجح ويشيع على الأقلام أم لا، الزمن هو وحده الذي يحكم على ذلك، فأنا شخصيا أفضل مسطح النزعة الإنسانية أو الفلسفة الإنسانية على مصطلح الأنسنة. وعلى أي حال فان الكتاب صدر عن دار الساقي في لندن عام 1997 تحت العنوان الذي اختارا اركون بعد أن فشلت في اقناعه.

19 – ماذا يعني مسطح الانثربولوجيا القرآنية؟  انه يعني الصورة السائدة عن الإنسان في القرآن، فالقران الكريم شكل صورة معينة من الإنسان وهي صورة رفيعة مشيئة بالقيم الروحية، ولكنها لم تكن وحدها السائدة في العصر الكلاسيكي، وإنما انضافت اليها صورة أخرى عن نفس الإنسان ولكن مشتقة من التراث الفلسفي اليوناني.

وعن طريق المزج بين الصورتين تشكلت النزهة الإنسانية العربية -الإسلامية في العصر الكلاسيكي. وكان من جملة المفكرين الذين بلوروها أشخاص مثل مسكويه والتوحيدي.

20 – يقصد اركون ان كتابه يهف أساسا إلى أن يبين لنعرب بشكل خاص

وللمسلمين بشكل عام انهم شهدوا مرحلة إنسانية فلسفية في تاريخهم الكلاسيكي المجيد، ولكنهم نسوها بعدئذ عندما دخلوا في عصور الانحطاط الطويلة حتى وصلنا اليوم الى ما وصلنا اليه من حركات أصولية متطرفة تجهل أبسط مبادئ حقوق الإنسان. وبما أن النسخة الأصولية تغلبت في تراثنا على النسخة الإنسانية فاننا اعتقدنا أن تاريخنا كله كان أصوليا منغلقا!! من هنا مسربة إعادة الفلسفة الإنسانية الى الساحتين الإسلامية والعربية.

21- أحيانا يتشاءم اركون أكثر مما ينبغي وينسى ان فكره أصبح أحد التيارات الأساسية في الساحة الثقافية العربية. أقول ذلك على الرغم من ان ترجمته لم تكتمل بعد، بل لا تزال في بداياتها بعد عشرين سنة من العمل المتواصل. أو قل وصلت إلى منتصفها لكي نكون أكر دقة. والواقع ان فكره صعب ولا يمكن فهمه إلا بعد الاطلاع على التراث الإسلامي نفسه، وتراث الحداثة الأوروبية، وكيفية تطبيق المناهج والمصطلحات الحديثة

على التراث الديني. وهذه أشياء ليست متيسرة لجميع الناس، بل وليست متيسرة حتى لاساتذة الجامعات في بعض الأحيان، فما باك بالقارئ العادي

22- معظم رجال الدمن تقتصر معرفتهم طي التراث التقليدي ويجهلون كل شيء عن الفتوحات الفلسفية والعلمية التي حققتها الحداثة منذ أربعة قرون.. ولهدا السبب لايزال اللاهوت الإسلامي تقليديا ومصدرا داخل إطار عقلية القرون الوسطى، هذا في حين أن اللاهوت المسيحي في أوروبا حقق قفزات هائلة ووصل الأن إلى لاهوت ما بعد الحداثة :

وهو لاهوت تحريره متسامح ومنفتح على كافة التيارات الفلسفية.

23- القرن التاسع عشر كان قرن القوميات وكذلك القرن العشرون. ولكن القرن المقبل سوف يكون قرن العولمة. وسوف تضعف بالتالي العصبيات القومية دون ان تختفي.

وينبغي على العرب والمسلمين ان يواجهوا عصر العولمة منذ الأن فصاعدا. فلا أحد يستطيع أن يغلق أبواب بيته وينعزل عن العالم في عصر التلفزيون والأقمار الصناعية والفاكس والانترنت.

24-  لتوضيح كلام اركون هذا ينبغي ان نقول ما يلي: الأمم العتيقة يقصد بها الأمم الأوروبية التي تشكلت في القرن التاسع عشر كفرنسا وألمانيا وإيطاليا. وهي تشهد الأن انقسامات حادة بين القوميين المتعصبين المعادي للوحدة الأوروبية، وبه : المؤيدين لهذا الوحدة، فالعصبيات القومية من فرنسية وألمانية وسواهما لم تمت بعد تشكل عصبية جدية أوسع هي: العصبية الأوروبية. وأما الأمم الشابة فيقصد بها نحن : أي الجزائر، والمغرب، ومصر،…الخ فهي لم تتشكل كدول حديثة إلا بعد الاستقلال. ولا تزال بحاجة ماسة إلى أن ندخل اليها الثقافة الديمقراطية وفلسفة حقوق الإنسان المرتبطة بها حتما.

25- المقصود بمسيري أملاك الخلاص رجال الدين، فهم الذين يسيرون الأمور الدينية فيكل مجتمع من المجتمعات.. وأملاك الخلاص تعني الثروات الروحية أو الأخروية إذا جاز التعبير فهم الذين يوزعون صكوك البردة والغفران على المؤمنين ويعدونهم بالجنة إذا ما أطاعوا التعاليم الدينية. وبالتالي فهناك أملاك رمزية أو روحية وأملاك مادية، والمصطلح من اختراع عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر. والفلسفة الإنسانية

النظرية أو التجريدية هي تلك التي لا تطبق عمليا، وإنما نتشدق بها نظريا فقط… وقد تعرضت للانتقاد كيرا في السنوات الأخيرة.

26- كان اركون قد دعا إلى الخروج من منهجية الاستشراق الكلاسيكي وتطبيق المنهجيات الحديثة، أعير منهجيات علوم الإنسان والمجتمع على التراث الإسلامي والمجتمعات الإسلامية. فالاستشراق الكلاسيكي محصور بمنهجية فيلولوجية على القرن التاسع عشر.

والمستشرقون يرفضون تطبيق مناهج علم الاجتماع والانسيات

والانثربولوجيا والتاريخ الحديث على التراث الإسلامي. وهذا ما يثير غضب أركون. ولذلك مثل في صراع منهجي واستمولوجي معهم منذ أكثر من ربع قرن. ولكن برنامج البحوث الذي بلورد عام 1976 لم يلق أذنا صدغية لدى المستشرقين، ولا لدى المسؤولين السياسيين وأصحاب القرار. وهو يقول بما معناه : لماذا تطبقون أحدث المناهج على دراسة التراث المسيحي في أوروبا ولا تطبقون نفس المناهج على التراث الإسلامي؟ لماذا تفصلون قسم الاستشراق عن بقية الأقسام الأخرى للجامعة الفرنسية؟

27- ولكن برامج التعليم لن تتغير قبل أن يتغير الفكر العربي أو الإسلامي نفسه. اذن فالمعركة طويلة. فبرامج التعليم المتخلفة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم أو التي تحتوي على أحكام مسبقة عديدة وخلفيات طائفية أو مذهبية واضحة لن تتغير قبل أن يحصل التنوير الفكري في المجتمعات العربية والإسلامية. ومرحلة التنوير التي حصلت في أوروبا قبل مائتي سنة لا تزال تنتظر أن تحصل في عالمنا نحن. ويبدو اننا قد أصبحنا علي أبوابها..

ولابد مما ليس منه بد…

28- بعد أن انتقد اركون الجمود العقلي وتخنف برامج التعليم في الجهة الإسلامية نجدد ينتقل لنقد سلبيات الحداثة الأوروبية أو تطرفاتها ونواقصها. وإذا كنا نحن نعاني من العطالة الذاتية والجمود، فان المجتمعات الأوروبية تعاني من تسارع ايقاع التغير والتطور بشكل جهنمي لا يرحم.. فالأزياء أو الموضات الفكرية تتلاحق بسرعة قصوى مثلها في ذلك مثل الأزياء اللباسية… وما إن انتهينا من الوجودية حتى ظهرت البنيوية، وما إن انتهينا من

البنيوية حتى ظهرت موضة أخرى… الخ. لم تعد هناك من قاعدة ثابتة يطمئن اليها الإنسان في مجتمعات ديناميكية شديدة الحيوية والحركة.

29- هنا أيضا يوجه اركون سهام النقد لحداثة الوضعية والاختزالية.

فالانسان الغربي المغموس بالحداثة من أعلى رأسه الى أخمص قدميه لم يعد يؤمن من بحياة أخرى بعد  

الموت. ولم يعد يؤمن بقيم متعالية تتجاوز قيم اللذة والمتعة والاستهلاك. فالحياة الوحيدة هي هذه الحياة التي نعيشها على سطح الأرض ولا يوجد أي أفق أخر بعدها. وبالتالي فينبغي أن فنهب المتع نهبا وأن نعيش أكبر قدر ممكن من الشهوات بأكبر كافة ممكنة قبل أن نموت… ولكن في الماضي كان الدين المسيحي يقدم لشعوب الأوروبية الامل بحياة أخرى في عالم الأبدية والخلود.

30- فيعهد الحداثة لم يعد هناك من أصل دائم أو تأسيس نهائي للعقل، وإنما هناك تغير مستمر وفلسفات متعاقبة وراء بعضها البعض دون توقف. فبعد الكانطية دخلنا في الهيجلية، وبعد الهيجلية مخشنا في الماركسية، وبعد الماركسية دخلنا في الوجودية، وبعد الوجودية دخلنا في البنيوية… الخ… وفي كل مرة كانت الأصول أو الأسس تتغير أو تتعدل. وأما في عهد سيطرة الدين المسيحي على أوروبا فكانت هناك أصول ثابتة ونهائية

يقتنع بها الإنسان مرة واحدة والى الأبد، وتقدم له السعادة والطمأنينة الكاملة. ولكن كان هناك خطر الدوغمائية والتحجر والجمود…

31 – يقصد أركون بالعقل الاستطلاعي المستقبلي ما يدعوه الأخر ون بعقل ما بعد الحداثة. وهو يرى إن أوروبا تخل الأن في مرحلة جديدة – أو مغامرة جديدة – سوف تؤدي إلى تشكيل عقلانية جديدة أوسع من كل ما سبق. ولن تتشكل هذه العقلانية الا بعد فقد الحداثة وفرز إيجابياتها عن سلبياتها. وهذا ما يفعله كبار مفكري الغرب حاليا من أمثال بول

.يكورا وهابر ماس، وجون رولس، وألان تورين وسواهم عديدون. واركون هو المفكر الإسلامي الوحيد الذي يستطيع الدخول في هذه المناقشة أو الإسهام فيها بشكل ما. ولهذا السبب اقترع مصطلح العقل الاستطلاعي المستقبلي وفضله على عمل ما بعد الحداثة.

32- كل التراثات الدينية الكبرى تعرضت لننقد التاريخي ما عدا اتراث الإسلامي.فالتراث المسيحي مثلا تعرض في أوروبا للدراسة التاريخية منذ أكثر من قرنين وتشكلت عن ذلك مكتبة كاملة. ويعتقد اركون ان التراث الإسلامي لن يستطيع أن يبقى بمنأى عن هذه الدراسة التاريخية. في الواقع ان النقد التاريخي لتراثنا موجود ولكن ,في اللغات الاستشراقية الإساسية كالألمانية والانجليزية والفرنسية. انظر أبحاث نولدكه مثلا أو جوزيف فان اليس أو جوزيف شاقت أوجورج مقدسي أو عشرات غيرهم. ولكن لم يجرؤ أحد حتى الأن على نقلها إلى اللغة العربية أو أية لغة إسلامية أخرى بحسب معرفتي. وذلك أن النظرة التاريخية للتراث الديني تصدم بعنف حساسية المؤمنين التقليديين المعتادين على النظرة التبجيلية والتقديسية.

33- كان عنوان آخر كتاب نشرناه مع اركون عن دار الساقي هو التالي: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل نحو تاريخ أخر لفكر الإسلامي. وهو يقصد به انه ´لا توجد أصول دائمة وأبدية، وانما هناك أسول متغيرة بتغير العصور لكن تتناسب هي المستجدات. وبالتالي فالتأسيس النهائي للحقيقة أو للعقل شيء مستحيل لان الحقيقة أصبحت نسبية ولم تحد مطلقة وأبدية كما يترهم الأصوليون من كل الأنواع والأجناس. يضاف إلى ذلك ان الاصول عندنا لم تتعرض بعد للدراسة التاريخية أو للاضاءة التاريخية لكي نعرف مدى ارتباطها بالشروط الاجتماعية والتاريخية والثقافية التي كانت سائدة في عصرها.

24- اعتقد أن اركون يفضل الحل الثاني أو قل لا يؤمن بإمكانية الأول كيرا، فإعادة التأسيس تعني نقد الأصول تاريخيا ثم البناء عليها بعدئذ. انه يعني تأسيس فقه جديد أو شريعة جدية قادرة على استيعاب المستجدات التي حصلت في الأزمنة الحديثة. انه يعني أيضا تأسيس لاهوت جديد في الإسلام ولا ريب في أن هذا العمل مفيد وضروري كما يعتقد اركون. ولكن

هل هو كاف في عصر العولمة أو ما بعد الحداثة؟ الا ينبغي أن نذهب الى أبعد من ذلك وتحدث القطيعة مع الماضي

35 – العقل الأستطلاعي المستقبلي مضاد للعقل الدوغمائي المتحجر الذي لا يتبدل ولا يتغير. لهذا السبب يبدو شاردا أحيانا وغير واثق من خطواته. وكيرا ما يتعثر ويشرد قبل أن يتوصل لمر يقين أو حقيقة معينة يعيش عليها فترة من الزمن قبل أن تحل محلها حقيقة أخرى.

ولا يوجد معنى معصوم لديه، لان المعنى أيضا يتغير بتغير العصور والظروف. وبما أن العقل الاستطلاعي الجديد  لا يعتمد بانه يمتلك الحقيقة المطلقة، فإنه أبعد ما يكون من الاستبداد والتوتاليتارية. انه يعرف انه قد يصيب ويخطن، وهو مستعد لتراجع إذا ما شعر انه لخطأ، كما أنه يقوم بمراجعة نقدية لذاته كما تطع مسافة معينة لكي يقيم السلبيات والايجابيات ويصحح المسار إذا لزم الأمر.

36- دراسات هذا الكتاب الجديد الذي يحضره اركون للنشر هي عبارة عن تحليلات معمقة لمؤلفات إسلامية كلاسيكية ككتاب "الهوامل والشوامل " للتوحيدي، أو كتاب "تجارب الامم " لمسكويه، أو كتاب "السعادة والإسعاد" لأبي الحسن العامري، أو كتب الماوردي، وابن الطفيل، وأخوين عديدين. وكانت هذه الدراسات قد نشرت سابقا بالفرنسية، وهو الأن يعيد

نشرها مرة أخرى بعد تنقيحها وإضافة فصول جديدة لها ولكن هذه هي المرة الأولى التي تترجم فيها إلى العربية. وهو يريد أن يذكر المسلمين عن طريق إعادة نشرها ونفض الغبار عنها بأنه كان لهم أسلاف يهتمون بالمشاكل الفكرية والفلسفة الإنسانية، وان هناك طريقة أخري لفهم الدين غير الطريقة الأصولية الضيقة والمتزمتة التي سادت بعد سقوط الحضارة

الكلاسيكية والدخول في عصر الانحطاط الطويل.

37- كتكملة للهامش السابق أقول : هذا لا يعني أن الكتب الكلاسيكية المذكورة سابقا تطرح مسألة النزعة الإنسانية من وجهة نظر حديثة. فالواقع انها أنتجت أو كتبت داخل المناخ العقلي للقرون الوسطى. وبالتالي فهي لا تستطيع أن تطرح مشكلة الإنسان وتحررا من وجهة النظر الحديثة الواسعة جدا. ولا ينبغي أن نسر عليها ما ليس فيها كما يفعل الايديولوجيون

الذين يمجدون التراث ويجدون فيه كل الأفكار الحديثة من حرية، وديمقراطية، وحقوق إنسان… الخ. ولكن هذه الكتب تحتوي على بذور واعدة بالمستقبل وهي جريئة جدا بالنسبة لوقتها وإمكانياته المعرفية والاستمولوجية. هذا كل ما يريد أن يقوله اركون. ثم يأسف لان

هذا اسر الفلسفي سقط بعدئذ ومات في أرض الإسلام، بل وعلى تماما وكأنه لم يوجد قط!

38- هذا يعني أن الأسئلة التي طرحها التوحيدي حول الإنسان وقلقا وعذابه في الحياة، أو حول العدل والظلم في المجتمع، أو حول الحرية الفكرية والعلاقة مع الفقها. ورجال الدين، كلها أشياء لم يتم تجاوزها حتى الأن. فقط الأجوبة التي قدمها ثم تجاوزها لانها كانت مرتبطة بإمكانيات عصره الفكرية وأدواته المنهجية التي تبدو لنا الأن بدائية.

ويمكن أن نقول الشي، ذاته من العلاقة بين الإنسان والله. فالسؤال نفسه لم يتغير. ولكننا نستطيع أن نجيب عليه الأن من خلال منظور أخر، ومن خلال التقدم الهائل الذي حققته العلوم الطبيعية والإنسانية والفلسفية. واذن فيمكن أن نست نس بالاسئلة التي طرحها القدماء لكي نبني عليها شيئا جديدا، ولكي نعرف كيف نقطع مع الماضي وكيف نتصل به في أن معا.

39- هذا يعني أنه توجد اكراهات وقيود على حرية الإنسان في كل عصر وفي كل جيل. ولا ينبغي التوهم بأنه توجد هناك حرية مطلقه، فهذا تصور مثالي للأمور. وكل العلوم الاجتماعية الحديثة تعلمنا أن الإنسان مسير أكثر مما هو مخير، ومقيد أكثر مما هو حر، ولكن هذا لا يعني انه لا يتمتع بأي هامش من الحرية. فالواقع ان الفكر الجديد في كل عصر يحاول فك السلاسل والاغلال وتوسيع حرية الإنسان بقدر المستطاع. فالروح الإنسانية لا تقبل بأن تخنق أو تقتل الى الأبد. والدليل على ذلك حصول الثورات الفكرية والسياسية كلما تأزم الأمر كثيرا وخنقت الروح أكثر مما ينبغي.

 
 
 
معارك من أجل الفلسفة الانسانية في السياقات الاسلامية
محمد أركون
ترجمة وتعليق: هاشم صالح
(كاتب ومترجم من سوريا يقيم في باريس)

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …