أخبار عاجلة

معمعة

ومازال يتكوم على الرصيف تحت خيمة الليل المؤثثة بالصمت والسكون.. يعيش معمعته اليومية بعد أن أطفئت الأنوار واستراح الشارع من أنين السيارات وهشيم خطى المارة.. غير عابئ بظلم ليلته اللامتناهي ولا بدقات ساعة يده المتراكلة والمتطمة باذنه وكأنها مطارق من حديد.

لم تكن ليلته تختلف عن ليال كثيرة انسلت بنفسها من قلب روزنامة أيامه المعلقة على جدار حياته الرمادي.. كانت كغيرها متشرنقة بانعكاسات الاحباط وحاملة بين ثنايا دفتيها ارتالا متراكمة من الأحزان واليأس المتلون بنكهة رغبته المخفقة.

وتظل عيناه مصلوبتين على الفراغ المعتم الذي امتد أمامه بلا حدود.. كان غارقا في حفرة الضياع التي بات يحفرها لنفسه منذ أمد.. يناطح نفسه ويتكور خلف حصونه الوهمية ماضغا، همس بعض الكلمات التي سرعان ما يقذف بها في أقصى زاوية من حفرة ضياعه.

يا لها من مشاعر مؤلمة تلك المتكدسة داخل جب أعماقه.. كانت أحاسيسه تتلوى بألم مكبوت عندما تجتر ذاكرته المثقلة بالوان البؤس والحزن تلك النظرات المشفق أصحابها والتي ما برحت تتجه نحوه من كل صوب وناحية، كانت كلماتهم أيضا كنظراتهم تصفعه في الحلم اوالحقيقة ويحسها كنبال توشك ان تفتك به في كل حين ولحظة.

ها هو ذا ينتفض كمن نهض لتوه من نومه مفزوعا اثر كابوس مرعب، كانت شفتاه جافتين واصابعه متشنجة وشعر بضربات قلبه تدق في صدغيه.. لم يستطع أن يتحكم بتنفسه الذي كان يرتفع حينا ويهبط حينا أخر.. ودون إرادة منه وجد نفسه يسحب معطفه المتلون بلون الظلام ويرمي بثقله على ظهره ليبدأ رحلته الليلية يجوب ظلام الشارع ويفرق في سواده اللامحدود.

كان يركض.. يمشي.. يترنح.. يتخبط.. يصطدم بأشياء عدة في سيرته لا يعيرها أدنى اهتمام.. ثمة شلة مراهقين مروا بجواره، كانوا يفرشون ألستنهم بالبذاءات فيعتقون بها صمت الليل من قيده.. ولكنه لا يعبأ بهم، سيحاول أن يمشي أكثر وأكثر، هكذا قال في نفسه، جروح عدة باتت تنز من قدميه جراء ما اصطدم بها من أشياء كثيرة أثناء مشيه الطويل.. ولكنه لا يعبأ بها هي الأخرى، كان يحاول أن يكمل سيرته لاهثا حينما اصطدم بذلك الشيء الذي بدا حينها منتصبا أمامه كتمثال من جليد.. دافع الفضول لمعرفة كنه ذلك الشيء هو الذي أجبره على التوقف عن مواصلة ما كان هو فيه، اقترب منه، تحسسه، بدا له وكأنه كائن خرافي متعدد الأذرع والسيقان والفروع، اقترب منه أكثر حتى كاد يلصق جسده الضئيل به.. تعمق في تحسسه لذلك الشيء.. كان طويلا.. طويلا سأل نفسه.. هل يعقل أن يكون أطول من ليله الطويل؟.. لا.. لا.. هز رأسه بشدة وكأنه ينفض تلك الفكرة عن مخيلته.. بالطبع لا يمكن ذلك لأنه بالتأكيد لا يوجد ما هو أطول منه ما أكبر يده ! إنها كبيرة جد ا.. أصابع رجليه كانت كذلك أيضا.. أشياء عدة استطاع أن يتحسسها بواسطة اللمس الى أن تمكن من تكوين فكرة حول ما يمكن أن يكون ذلك الشيء الذي أمامه.. لكن..ماذا عسى أن يكون لونه؟ سؤال وجد في ذاته تنساق اليه حينها.. هل يمكن أن يكون أبيض؟ ربما، وربما يكون أسود، وربما أحمر، وربما أخضر، وربما أزرق، وربما.

لماذا لا يستطيع أن يحس بلون ذلك الشيء؟ لماذا: يجب أن يعرف لونه.. متى يأتي الصباح ؟ سوف ينتظر بزوغ أول خيط من خيوط الصباح لكي يعرف لون ذلك الشيء، اختمرت الفكرة في مخيلته، نعم سينتظره وسيعد الساعات التي تفصله عنه، واحدة، اثنتان، ثلاث، عشر، عشرين، آه، ما أطول هذا الليل ! متى تنطوي استاره ويأتي الصباح، متى؟

وفجأة يتجمد السؤال في حلقه، وتنساب من محجريه دمعة عرفت طريقها على وجنتيه، وكعادته مثل كل مرة عندها يدرك بأنه قد نسي من جديد، فانه ها هو في يخدش وجد السماء بصرخة كابية ويسقط في داخله آلاف الصرخات..

 
 

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …