أخبار عاجلة

مفهوم الحداثة في الفكر والفن بين يدي البحث

يمثل هذا البحث المقدسة والفصل الاول من كتاب "الحداثة" (La Modernite) الصادر في باريس، ومؤلفه هو اليكيس نوس الأستاذ في جامعة مونتريال بكندا، وقد صدر عن المطبوعات الجامعية الفرنسية 1999. (Alexis Nouss: La Modernite, P.U.F. 1995)

وقد اخترنا هذا البحث للترجمة الى العربية لانه يقدم صورة دقيقة عن مفهوم الحداثة وكيفية تشكله في الغرب الاوروبي لأول مرة. فهو يتتبع بشكل تاريخي نشوء المفهوم منذ البداية وحتى اليوم. ونحن بحاجة الى مثل هذه الدراسات الدقيقة وخصوصا فيما يتعلق بمفاهيم شديدة الاهمية كمفهوم الحداثة. ولقد أرفقنا الترجمة بالكثير من الهوامش والشروحات الشخصية لكي تصبح سهلة المنال بالنسبة للقارئ العربي.

محاولة لتعريف الحداثة

توطئة

"نحن نتابع الحداثة في تحولاتها التي لا تتوقف، ولكننا لا نتوصل أبدا الى القبض عليها.. الحداثة هي اللحظة ذاتها، انها ذلك الطائر الموجود في كل مكان ولا مكان، وعندما نريد ان نقبض عليه حيا فانه يفتح جناحيه ويطير متحولا الى قبضة من المقاطع والحروف".

(اوكتافيوباز، خطاب ستوكهولم لنيل جائزة نوبل، 1990).

ان كلام اكتافيوباز (1) هذا لا يشجع كثيرا على التوصل الى تحديد دقيق او صارم لمفهوم الحداثة. فهذا المفهوم ما ان نحاول القبض عليه او تحديده حتى يتبخر في الهواء. وبالتالي فيستحيل علينا التوصل الى ذلك اللهم الا اذا تحولنا الى علماء بالطيور الثقافية على حد تعبير المجاز الوارد في كلام الأديب المكسيكي الشهير. ويمكننا عندئذ أن نتبع نصيحة الشاعر الفرنسي جاك بريفير(2) الواردة في نصه: "لكي نرسم صورة لعصفور". يقول فيه: ينبغي ان نرسم القفص بعد ان نترك الباب مفتوحا، ثم نكسر كل القضبان والطير في الداخل. ان أحدى الصعوبات التي تواجهنا تتعلق بطبيعة القفص ذاته.. والسؤال المطروح هو: ما هو المنظور الذي ينبغي ان فتبناه لكي نقبض على الحداثة؟ ما هي الشبكة التحليلية التي ينبغي ان نعتمدها؟ فالحداثة تتجلى بصفتها ظاهرة شمولية. ويمكن القبض على جوانبها في مختلف الحقول الاساسية للمعرفة (3) دون ان يكون من السهل علينا ان نتوصل الى وحدتها او القبض عليها كوحدة. هناك صعوبتان تعترضان طريقنا.

الأولى: هي الفرق في المتاهة المفهومية التي تجعل من الحداثة ~ غائما يستعصي على الامساك أو الإدراك، اللهم إلا على هيئة الحداد أو الحيرة الاحراجية. والثانية: هي انه يخشى أن نحول الحداثة الى مفهوم فضفاض واسع الى درجة انه يميع وينقد معناه الخصوصي أو المحدد. أقصد الى درجة ان كل ظواهر قرننا أو تجلياته تنضوي تحته دون أي تمييز. نحن نريد على العكس ان نبين ان الحداثة هي وعي أخلاقي وجمالي جديد. انها وعي تولد لأول مرة في الثقافة الأوروبية. وهذا الوعي يمتلك تراثا واضح المعالم في التاريخ الغربي. وهو يشتغل على الطريقة النقدية (أو التمحيصية) التي تشكلت تدريجيا عبر القرون. ويمكننا بسهولة ان نحدد السمات الأكثر ثباتا وديمومة لهذه المنهجية النقدية.(4). هناك أناس يلحون على الجوانب المتقلبة والهاربة والتي لا يمكن القبض عليها من الحداثة (5). وهم يتذمرون من ذلك. ويحاولون تحاشيا عن طريق فلسفة المعرفة المعيارية والتوجيهية. ولكن ينبغي أن نذكرهم بأن معنى الحداثة أو جوهرها يتمثل في كل فترة (بالنسبة للذات الفردية كما الجماعية) في البحث عن معنى تاريخيتها.

إن مقاربات الحداثة متنوعة تنوع المناهج والعلوم، لنذكر أولا روادها، فبودلير هو الذي بلور لأول مرة جماليات الحداثة، وماركس وفيبر وسيميل (6) هم الذين بلوروها في ساحة علم الاجتماع. وهيجل او نيتشة هما اللذان بلوراها في ساحة الفلسفة. وفرويد هو الذي صاغها في ساحة الانثربولوجيا (أو علم الانسان). وأما بنيامين (7) فقد تحدث عما قبل تاريخ الحداثة. ويمكننا أن نذكر أخلافهم الذين مشوا على الخط نفسه: أي جرينبرج، وادورنو، وتورين، وهابرماز، وبالاندييه، وفوكو، وشيزنو، وليوتار، وميشونيك..(8) ولكن اقامة الحواجز العازلة بين هذه المجالات المعرفية المختلفة سرعان ما تبدو هشة وغير مقنعة. فهذه المجالات المعرفية من شعرية – جمالية، او سوسيولوجية، أو فلسفية،.. الخ ليست منعزلة عن بعضها البعض وانما هناك تداخلات وتواصلات فيما بينها. فالحداثة هي واحدة في نهاية المطاف حتى لو اختلفت تجلياتها بحسب المجال الذي تتموضع فيه. وذلك لان الحداثة تفرض على كل المجالات المعرفية صيفها: أي التبعثر والتشتت (بحسب رأي فريسبي، 1986)، أو الهجانة والنغولة (بحسب نظرية لاتور، 1991) او عدم النقاء (بحسب رأي سكاربيتا، 1985)(9).

إن قضية المنهج تفرض نفسها فورا لانها من الاهمية بمكان، فالاختراع الحديث من ديكارت الى هوسيرل هو في معظم الأحيان مسألة منهج لا مسألة مضمون. والشيء البالغ الدلالة هو ان ليفيناس (10) يعتبر فكر دريدا وكأنه يمثل قطيعة في تاريخ الفكر تشبه القطيعة الكانطية (انظر كتاب: أسماء اعلام، منشورات فاتا مورجانا، 1976). وهو بذلك يلح على الأثر التواصلي لهذه القطيعة في تاريخ الفكر الغربي. وأما هـ. روزنبرج (11) فيعمد مثل هذه الظاهرة باسم "تراث ما هو جديد". وهذا هو عنوان كتابه الصادر عن دار نشر "مينوي" في باريس عام 1962. ولكن علم التأويل (12) الفلسفي يفهم هذه الظاهرة على أساس انها أثر فوق تاريخي او يعبر التاريخ. انها عبارة عن أثر تراكمي لا اضافي للتتريث.

ولكن الا يمكن وصف ما يؤبد في الوقت الذي يجدد بأنه منهج أكثر منه نموذج (او موديل)؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فيمكن القول بأن الحداثة تهدف باستمرار الى تقرير المصير ذاتيا أو الى الاستقلالية الذاتية (13).

وبما انها تهدف الى تحقيق ذلك فانه ينبغي عليها أن تزود نفسها بوسائل النقد الذاتي، أي بمنهج مشكل من المنطق والبلاغة في آن معا.

ما المنهجية التي يمكن اعتبارها حديثة اليوم؟ كيف يمكن أن نكتب نقدا للحداثة؟ ينبغي أن نعلم انه قد ظهرت في الآونة الأخيرة ثلاثة كتب تحت هذا العنوان: نقد الحداثة. أولها ر ج. كلير (1984) وكان نقدا قاسيا. وثانيها لآلان تورين (1992) وكان متفائلا بمستقبل الحداثة أو بمصيرها. وثالثها لـ. س هيكل (منشورات لارمدتان، 1992) وكان ذا توجه فوضوي.(14) هل ينبغي علينا بأن نقوم باركيولوجيا الحداثة؟ (15) في الواقع ان هناك عدة طبقات للحداثة، أقصد عدة طبقات تأسيسية.

فالطبقة العلمية تتمثل (بجاليليو وكوبر نيكوس)، والفلسفية (بديكارت)، والسياسية (بالثورة الفرنسية)، والتكنولوجية (بالثورة الصناعية) والجمالية الفنية (برامبو او مالارميه، بمانيه او بسيزان، بفاجنر أو بماهلر)(6ا)، والنقدية (بنيتشه)… الخ، ولكن المنهجية الحفرية (أو الاركيولوجية) التي نتبعها تابعة لفرويد أكثر من غيره لانها تكشف عن الطابع التناقضي للتركيبات المتتالية للحداثة. ولكن هذه التركيبات تتجلى على هيئة متزامنة وهنا يكمن وجه التناقض. كما أن منهجيتنا الحفرية أقرب الى المنهجية الجينالوجية لميشيل (17) فوكو لأنها تهتم ليس بالتركيبات الجامدة وانما بتحيينات الثوابت المقالية (أو الاستدلالية المنطقية لم. وهذا ما يفسر لنا سبب الأهمية التي تتخذها فلسفة التاريخ ضمن هذا المنظور، أو لتحقيق هذا الفرض. كان بودلير يعرف الحداثة بأنها نقطة التقاطع ما بين الأبدي / والعابر.

ان دراستنا ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار كلا البعدين، أي البعد الأبدي والبعد الزائل أو العابر للحداثة. وهكذا لا نسقط في التبعثر المتشظي كليا، ولا في النظام الناجز والمغلق على نفسه. وانما نظل في حدود الشبكة المفتوحة. ان كتابنا هذا يريد أن يقدم نفسه على النحو التالي: أي لا كفهرس أو بيان عام (مانيفست) وانما كنص على عقل الحداثة (أو كبلورة لعقل الحداثة). وهذا العقل ليس هو العقلانية الحداثوية لعصر التنوير،(8ا) وانما هو عقل ديناميكي مفتوح، أي لا دوغمائي مغلق.

هناك ملاحظتان تفرضان نفسيهما في نهاية المطاف، الأولى هي ان دراسة الحداثة تستفيد من الإضاءة غير المباشرة التي قدمها لها النجاح الإعلامي (ان لم يكن النظري) لموجة ما بعد الحداثة.(19) ان المناقشة الدائرة حاليا حول ما بعد الحداثة التي تعترف بتبقيتها للحداثة تدور على نمط جدالي أو تبجيلي. وهذه المناقشة تجبرنا على توضيح الصورة وتحديد ماهية "الحديث" بشكل أفضل. والثانية هي أن الحداثة لا تعود تبدو كشي ء جامد أو ثابت، وانما كمجموعة من النماذج التي يجري التركيز على بعضها دون البعض الآخر بحسب الفترات التي يتجسد فيها. ففي سماء التاريخ نلاحظ أن الحداثة تشع كتلاحق متغير من كوكبات النجوم على حد تعبير غال جدا على أدورنو وبنيامين. فا لحداثة ليست ذات جوهر لازمني، وانما تجد على العكس طبيعتها المتغيرة والمتحركة والمتعددة الأشكال في تاريخية تجليا تها(20)، أو في "فوق – تاريخيتها" أو طابعها الذي يخترق التاريخ (انظر بهذا الصدد ميشونيك، 1988، ص 227). كان بودلير يرى ان "رسام الحياة الحديثة" سوف يختار منزله في الرقم، في الحركة، في الزائل العابر، واللانهائي" (1968، ص 1، 11).(21)

الفصل الأول

الحداثة:

تاريخ الكلمة والمصطلح

(La modernite)

نقصد التاريخ هنا بالمعنى الجينالوجي (أي الأصلي- النشوئي)، وذلك لان الحداثة تنسج شبكة من الاستعادات والتكرارات أو البدء من جديد باستمرار. وبالتالي فلا يمكن فهمها عن طريق النظرة الكليانية الشمولية.

فهي عبارة عن معرفة متقطعة التقت حولها قراءتان: الأولى لوالتر بنيامين والثانية لميشيل فوكو (22). كلاهما التقى بالآخر في قراءته للحداثة أو في فهمه لها.

كان بنيامين يقول: ينبغي أن نكسر استمرارية التاريخ (1983، ص 205). وأما ميشيل فوكو فكان يقول: "ينبغي أن نكشف عن كل القطيعات أو التقطعات التي تخترقنا".(23) ان تاريخ الحداثة يبدو لنا بمثابة الشبكة المتداخلة أو الترس وذلك على هيئة التعبير الخطي اللاواعي لدى فرويد، أو اسقاط الألوان السائلة على اللوحة الموضوعة على الأرض كما هو عليه الحال لدى بولوك، أو الارتجال لدى كولتران أو كولمان.(24) وهكذا بلغت التجريبية أوجها في الفن الحديث، وشهدنا صرعات غريبة عجيبة لم تكن مألوفة من قبل.

وعندما نطلع على هذا التاريخ نكتشف طبيعة الحداثة ذاتها.
القدماء جدا والمحدثون

(من القرن الخامس الى القرن السادس عشر)

منذ انبثاقها اللغوي وبداية مسارها الاشتقاقي فان الحداثة كمفهوم راحت تتفرع في ثلاثة اتجاهات معنوية (25) مرتبطة بتحديد واحد هيمن حتى القرن التاسع عشر. يتمثل هذا التحديد بعلاقة القطيعة او الاستمرارية مع ماض مرجعي (أي يمثل المرجعية). ومن بين كل اللفات الأوروبية ظهرت كلمة "حديث" لأول مرة في اللغة الفرنسية القديمة. كان ذلك في القرن الرابع عشر. (modernus)  وقد اشتقت من الكلمة اللاتينية (sodernu) التي ظهرت في القرن الخامس الميلادي. وهي الفترة التي تمثل مرحلة الانتقال من العصور اليونانية القديمة الى العصور المسيحية. وكلمة (modernus) اللاتينية مشتقة من الجذر (modo) الذي يعني "حديثا، أو الآن (بالضبط). وهذا الجذر بدوره مشتق من كلمة (modus)  التي تعني "القياس". والجذر اللغوي الهندي- الأوروبي(med)  يعني القياس بمعنى التقدير أو التثمين، أو بمعنى الوسيلة: أي اتخاذ تدابير معينة بخصوص ظاهرة ما. هكذا نجد أن البعد القيمي أو الأخلاقي متزامن مع المقصد الكرنولوجي الزمني في كلمة "الحديث" فهي تضم المعنيين معا. وهذا الوجه المزدوج أو الإزدواجي سوف يرافق مفهوم الحداثة في جميع تقلباته ومناقشاته (بمعنى أن الحداثة زمنية وقيمية في آن معا). وبالتالي فان كلمة حديث أو (modernus) اللاتينية قد استخدمت من أجل التحقيب الزمني أو الفصل بين العصور. وهي تعني الزمن الحالي مضادة له بالأزمنة الأولى للكنيسة ثم للحضارة الرومانية ثم للامبراطورية الكارولينيجية.(26) ثم جاءت العصور الوسطى لكي تستخدم المفهوم في محاولة أكثر اتساعا بكثير للتحقيب الزمني. وذلك لكي تتمايز عن. الأزمنة السابقة المعتبرة ايجابيا، بل واحتمالا، كنموذج يحتذى. (انظر بهذا الصدد يوس، 1978، ص 165)yauss)  هو ناقد أدبي ألماني معاصر).

ثم جاءت "نهضة القرن الثاني عشر" (27) لكي تدخل معنى ثانيا على مفهوم الحداثة. وهو معنى ذو طابع ايجابي أو مثمن. وقد جمعت العصور الوثنية القديمة (من يونانية ورومانية) والعصور المسيحية في بوتقة واحدة واعتبرتهما بمثابة الماضي. ورأت في نفسها فترة ناضجة ومتقدمة بالقياس الى هذا الماضي. عندئذ ظهر المصطلي اللاتيني (modernuitas) لأول مرة. وأصبحت العلاقة مع العصور اليونانية – الرومانية القديمة هي علاقة تجاوز وتمثل (أو هضم)، وذلك على غرار المنظور الصيحي لفهم التاريخ. ومن المعلوم أن هذا المنظور يعتبر "الجديد بمثابة فداء للقديم الذي يتأسس عليه" (انظر في. أوهلي، الذي استشهد به يوس، 1978، ص 167). كان برنار الشارتري(28) قد تحدث عن صورة الأقزام الذين يقفون على اكتاف العمالقة. والواقع ان هذه الصورة تعبر بشكل مجازي عن هذا التصور الذي يتجلى أيضا من خلال التأويل التدريجي أو الكشف التدريجي عن معنى النصوص. ولكن هناك مفهوما ثالثا استعادته النهضة الأولى وترسخ في الفترة نفسها في المعجم الكهنوتي لرجال الدين (والواقع انه ابتدأ يظهر منذ القرن الحادي عشر).

وقد أوكل للحداثة مكانة وسطى أو وسيطة انتظارا للعصر المقبل والأخير وتحضيرا له في ذات الوقت. واعتقدوا بأن هذا العصر سوف يعيد امجاد العصور اليونانية – الرومانية القديمة.

اذا كان القرنان الرابع عشر والخامس عشر قد شهدا حركات تجديدية تركز على المبتكرات الفنية واللاهوتية أو الدينية وإذا كان القرن الخامس عشر قد شهد ظهور كلمة "حديث"، فان عصر النهضة في القرن السادس عشر هو الذي يمثل الحد الفاصل أو المرحلة الأساسية التي تفصل بين العصور اليونانية – الرومانية القديمة، وبين العصور الحديثة. وقد تم هذا الفصل والتمييز على "ظهر العصور الوسطى" أو ضد مصلحتها كما يقول جاك لو جوف (انظر لو جوف، ص 71) (29). نقصد بالمبتكرات أو الابداعات الفنية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر ما حصل في مجال الموسيقى على يد غيوم دوما شو(30)، وفي مجال الرسم على يد جيوتو.(31) لقد رافقت اسم عصر النهضة تسميات مجازية أخرى: كالعودة من المنفى، أو الاستيقاظ، أو البعث، أو الخروج من الظلمات. وبالتالي فان النهضة لم تكن هي التسمية الوحيدة التي أطلقت على القرن السادس عشر.

القدماء والمحدثون

(الخصام الشهير)

إن الحركة الثقافية التي تفتحت في فرنسا في القرن السابع عشر والتي وازتها حركات مشابهة في ايطاليا وانجلترا توضع لنا بجلاء كيف ان حداثة ما يمكن أن تحل محل حداثة أخرى (أو كيف ان الحداثة الجديدة تحل محل الحداثة القديمة). وفي القرن التاسع عشر راحت الحركة الرومانطيقية والتصنيع بدورهما يولدان حداثة جديدة: أي الحداثة الحديثة،(32) حداثتنا التي لا تزال نعيش عليها حتى اليوم والتي يقبلها البعض ويرفضها البعض الآخر.

كانت نهضة القرن السادس عشر قد أكدت على القطيعة مع تراث العصور الوسطى وذلك عن طريق بلورة أشكال جديدة من الفكر، فهذه الأشكال (أو الصيغ) هي التي أتاحت لها أن تتحرر من وصاية الايديولوجيا الدينية. ولكنها وضعت نفسها تحت وصاية سلطة أخرى لا تقل اكراها وقسرا: هي سلطة العصور اليونانية – الرومانية القديمة أو التراث الأغريقي- اللاتيني.(33) فقد أصبر هذا التراث بالنسبة للنهضويين الإنسانيين مادة للتبجيل الأعمى. وأصبر يخلع المشروعية على الحداثة عن طريق محاكاة القديم اليوناني- الروماني أو إعادة تكراره.

إن "الخصام الذي حصل بين القدماء والمحدثين" في القرن السابع عشر كثف عن اندلاع معركة جديدة. وقد تمثلت هذه المرة بالانقلاب على ما مجده عصر النهضة، وبإدانة العقم الناتج عن عبادة القديم، ثم من خلال ذلك إدانة كل استعباد فكري. وكان أبطال هذا الانقلاب الفكري هم مونتيني، وديكارت، وباسكال. فقد شقوا الطريق نحو صياغة مبادئ عقل فردي جديد، وكذلك صياغة مبادئ التقدم الفلسفي والعلمي للروح البشرية. وهكذا عاد التصور الخطي المستقيم للتاريخ لكي يحل محل الفكر الدوري (أو الدائري) لعصر النهضة بمعنى ان التاريخ يتقدم بشكل خطي مستقيم إلى الأمام. وهكذا استبقوا على الانتصارات اللاحقة لعصر التنوير أو قل مهدوا لها الطريق. ولكن هذا العصر لن ينتصر إلا بعد أن حقق قفزة جديدة أو تجاوزا جديدا لما سبق.

لكي نفهم هذا التحول الذي طرأ على الفكر الغربي يسهل علينا أن نستشهد بصورة بلاغية جديدة عرفت نجاحا كبيرا فيما بعد من فرانسيس بيكون (34) الى فونتينيل.(35)

تقول هذه الصورة المجازية أو البلاغية بان حياة البشرية هي على غرار حياة الفرد الواحد من الولادة الى الشيخوخة. ينتر عن ذلك ان "القدماء" كانوا يعيشون طفولة الثقافة والروح، وان "المحدثين" هم الذين توصلوا الى مرحلة النضج والحكمة بعد أن تراكمت لديهم المعرفة والتجربة. ان الحداثة، لكي تحدد ذاتها، تتباهى بامتلاك بعد جديد عن طريق استعارة مفهوم التقدم من العلم. وهو مفهوم مرتكز على سلطة العقل.

وهي إذ تستعيره تطبقه على الأدب والفن بمعنى ان مفهوم التقدم نشأ أولا في ساحة العلوم الطبيعية والفيزيائية قبل ان ينتقل الى ساحة الآداب والفنون.

كان القدماء والمحدثون قد خاضوا المعركة فيما بينهم في فرنسا القرن السابع عشر. وكان من بين "القدماء" بوالو(36)، لافونتين (37)، لابرويير (38). وأما من جهة "المحدثين" فنجد بيرو(39). وفونتنيل. ولكن بدون أن ندخل في تفاصيل هذا الخصام الشهير دعونا نذكر بما يلي. كانت محاجاة القدماء تتمثل بعبادة الفن اليوناني- الروماني القديم وتعتقد بأنه وضع القواعد الأساسية والنهائية لما هو طبيعي، وصالح، وسليم. كما كانوا يقولون بأن مرور القرون المتطاولة على هذه الروائع الفنية القديمة واحتفاظها بعظمتها هو أكبر دليل على قيمتها وأهميتها. فبما أنها لم تفقد قيمتها على الرغم من مرور مشات السنين عليها فان هذا يعني أنها روائع خالدة وتمثل الفن الصحيح بامتياز. ولكن المحدثين ردوا على هذه المحاجة قائلين بتفوق الاستلهام المسيحي، أي الحالي، على الشعر الاثني القديم (أي اليوناني- الروماني). كما نبهوا الى ضعف المحاجة القائمة فقط على هيبة ما هو أقدم أو سابق من حيث الزمن.(40) فكون الفن اليوناني- الروماني سابقا على المرحلة المسيحية لا يعني انه أفضل منها بالضرورة. ثم ذكروا بالتقدم الذي حققته التقنية والعلم في هذا العصر (أي في القرن السابع عشر). ثم احتجوا بفكرة التحسن المستمر للبشرية كلما تقدم الزمن. وبالتالي فما هو آت أفضل مما سبق على عكس ما يتوهمه القدماء. ولكن على الرغم من كل ذلك فان خصوم الحداثة وأنصارها التقوا على الاعتقاد المشترك التالي الذي دام طيلة القرن الثامن عشر. يقول هذا الاعتقاد ان القيم كونية وأبدية خالدة ومن بينها "يشع نموذج متعال وفريد من نوعه للجمال" (انظر كالينيسكو، ص 31). كان "المحدثون" يعتقدون – وهنا يكمن تمايزهم عن القدماء- بأن تقدم العلم والمعارف سوف يتيح الاقتراب من هذا المثال الأعلى يوما ما. ولم يتعرض مفهوم الكمال الفني غير القابل للفساد للاعتراض اوللنقض قبل القرن التاسع عشر. وهكذا لم يحصل انقلاب على العصور القديمة من يونانية ورومانية، ولم تكن الحداثة مضادة لها، وانما كانت فقط مضادة لنتائجها. ولكن ينبغي أن نذكر هنا بانها كانت واثقة من نفسها الى الحد الذي استطاعت فيه تغيير الصورة المجازية المستشهد بها آنفا. أقصد الصورة التي تقول بأن نمو البشرية يتم على غرار نمو حياة الفرد. وبالتالي فانها نقضت أو كذبت مفهوم التقدم الخطي(41) المستقيم. والواقع انه لو كانت هذه الصورة صحيحة لكان ينبغي على القرون التالية أن تتجاوزهن حيث التطور المرحلة التي وصل اليها القرن السابع عشر، ولكان ينبغي على البشرية أن تتوصل حتما الى مرحلة الشيخوخة في نهاية المطاف. وقد رد "المحدثون" على هذه المحاجة (أو هذا التصور) قائلين على لسان "بيرو" في "المقارنة بين القدماء والمحدثين" بان البشرية تشبه الرجل الناضر الذي لا يشيخ والذي يحافظ دائما على جميع صفاته أو خصائله (42). وهكذا كان الكلاسيكيون يهلوسون أو يحلمون بتاريخ يتجمد أو جامد لا يتحرك ولا يتغير. ونعلم أن عصر التنوير اللاحق لهم أحل محل هذه الصورة فكرة التقدم الخطي المستقيم السائر دائما الى الامام. وهذا التصور يعطي الأولوية والأفضلية في كل لحظة لما هو حديث أو لما هو أحدث من حيث الزمن. هكذا نجد أن تصور عصر التنوير(43) لمسيرة التاريخ يختلف عن تصور القرن السابع عشر فيما يخص هذه النقطة (انظر جاك لوجوف، ص 75).

ولكن على الرغم من ذلك فقد كانت لهذا الخصام الشهير الذي اندلع بين القدماء والمحدثين أهميته. فقد اضاف الى المناقشة الدائرة حول الحداثة مفهومين جديدين هما: التقدم والمعاصرة (أو التعاصرية).

فالحديث أصبح يعني أن تكون في آن واحد ابن زمنك، وان تساهم في التطور العام للمعرفة (44). وهذا ما نص عليه فينيلون في "رسالته الموجهة الى الاكاديمية". يقول: "اذا ما حصل لكم وأن انتصرتم على القدماء، فانكم مدينون لهم بمجد انتصاركم عليهم". ان ثوابت الحداثة هذه سوف تظل سائدة.وأساسية حتى نهاية القرن التاسع عشر. بعدئذ سوف تتعرض للنقد الجذري. ولكنها كانت منتصرة في وقتها وتخلع على مصطلح الحديث قيمة الشيء المتخرب والمضاد للأنظمة السائدة أو السابقة.

وفي الوقت ذاته راحوا يرسخون العقل بصفته الذروة العليا لمحاكمة الأشياء أو للحكم عليها، سواء أكانت هذه المحاكمة علمية أم جمالية (فنية).

في الواقع أن "محدثينا" في القرن السابع عشر كانوا يرهصون بالمأزق والانسدادات التي سوف تصطدم بها القرون المقبلة. وهي انسدادات ناتجة عن الهيمنة الشاملة للأيديولوجيا الكلاسيكية المسيطرة، هذه الايديولوجيا التي أصبحت تملي على الناس ما هو صحيح أو غير صحيح (أو ما هو جميل أو غير جميل) في مجال الذوق والفن.(45) وهذا الموقف يعود إلى رسوخ الاعتقاد التالي في الأذهان والعقول. يقول هذا الاعتقاد بوجود نموذج واحد متعال للجمال وما عداه فهو قبيح. ولكننا نعلم ان الحداثة التالية، أي الحداثة التي ولدت مع الرومانطيقية وبلورها بودلير، فضلت أن تؤسس معاييرها الجمالية على ما هو راهن حالي، أو عابر زائل، أو مؤقت. فلا يوجد معيار مطلق للجمال في الفن.

من الخصام الشهير إلا الرومانطيقية

كان قرن التنوير هو أول عصر يشعر بنفسه وكأنه قرن متمايز عن غيره، ويعمد نفسه بهذا الاسم، وهكذا خلع المعنى الجديد لفترة المئة سنة على المصطلح المسيحي العتيق (46) (Siecle).  وهكذا أرادت ثقافة عصر التنوير أن تبرهن على إحساسها بأهميتها وبوحدتها التاريخية وبحداثتها، في الوقت الذي اعترفت فيه باختلاف العصور المتفاوتة وتساويها أمام المستقبل (انظر يوس، 1978، ص 180).

ثم ظهر مصطلحان جديدان على يد جان جاك روسو(47) في القرن الثامن عشر هما: حدث (أو عصرن) modernises  ثم حداثي (أو عصري). moderuiste  وأصبحوا يتصورون الحداثة على هيئة الخط الحلزوني أو اللولبي الذي ينفتح الى الأمام أو يتقدم إلى ما لا نهاية (انظر شاتوبريان.(48) لماذا؟ لان تصورهم للزمن أصبح تاريخيا محضا، وبالتالي فكل فترة يمكن أن تطمح الى تحقيق الكمال لنفسها.

ثم راحت الحداثة التي ولدت في القرن التاسع عشر تؤكد هي الأخرى أيضا على هويتها الخاصة عن طريق تعميد نفسها تحت اسم "الرومانطيقية".

ولم تؤكد نفسها ضد "قدماء" القرن السابع عشر وانما ضد العصور اليونانية – الرومانية التي أصبحت "كلاسيكية". فحب العصور الوسطى المسيحية والطبيعة صاغ نفسية جيل بأكمله هو الجيل الرومانطيقي. وهكذا عادت العصور الوسطى إلى ساحة الاعتبار من جديد بعد أن احتقرت طيلة عصر التنوير. ولم يعد هذا الجيل يؤكد ذاته ضد الماضي وانما ضد حاضره الخاص.

وهذه هي أولى تجليات الحداثة الجديدة بصفتها انفكاكا عن المعاصرة الزمنية وتمردا عليها. انها حداثة منافسة ومحقرة (أو تحتقر نفسها). بمعنى أن الرومانطيقية تكره عصرها وتحب العصور الغابرة وهذا مضاد لمبدأ الحداثة كخط مستقيم ومتقدم الى الأمام باستمرار.

بالإضافة الى ذلك فان الجمال أصبح أرضيا من هذا العالم، وليس قيمة مثالية محلقة في أعلى السماوات. أصبح موضوعا للمحاكمة المستقلة الناتجة عن تجربة تاريخية محددة ونسبية، لا ناتجا عن مفاهيم كونية، متعالية، أزلية (أو خالدة). وهكذا فتح الطريق أمام الفن الحديث لكي يؤس في ذاته، وليس خارجه، قيمته الجمالية. كانت الآداب الانجليزية قد طورت في أواسط القرن الثامن عشر ذلك التضاد المعروف بين الفن الكلاسيكي/ والفن القوطي. وراحت المانيا ثم فرنسا على اثر ذلك تقيمان التمييز بين الكلاسيكية والرومانطيقية بصفتهما فترتين تاريخيتين ليست أي واحدة منهما أفضل من الأخرى.

وهناك علمان أخيران (أو صوتان) هما ستندال (49) وبودلير، سوف يسوغان التعريف الأقصى للحداثة، هذا التعريف الذي تذوب الحداثة وتنحل فيما وراءه: أي لا يعود لها أي معنى، أي تتلاشى، وأصبحت الحداثة تعتمد على مبدأ واحد هو التسارع الديناميكي المتواصل. ولم يعد وعي الحداثة يتحدد إلا بالتضاد مع ذاتها" (انظر يرس، 1978، ص 197) وعندما ألف ستندال كتابه "راسين وشكسبير" عام 1823 فانه راح يعارض بين حداثة "الرومانطيقية" بالقياس الى "كلاسيكية" "الأجداد القدماء أو أجداد الأجداد".

لم يعد التحديد – أي تحديد الحداثة – يدل على تيار جمالي فني وانما أصبح يدل على موقف. وهذا الموقف يتمثل بالاحساس الحاد بالحاضر من جهة، ثم بالتغير أو التحول من جهة أخرى. وهذا الاحساس المزدوج هو الذي دعاه بودلير بعد أربعة عقود من ذلك التاريخ: بالحداثة.

وهكذا ظهرت كلمة الحداثة لأول مرة في اللغة الفرنسية (50)(MODERNITE) ، وبظهورها تلقت التحديد الأقصى والأخير الذي يتماشى مع التطور الاجتماعي- الاقتصادي للقرن. ليس غريبا اذن ان تكون قد تلقت اسمها في تلك اللحظة وليس في أي لحظة سابقة. ولكن هذا المعنى وجد ضمنيا حتى في زمن ستند ال: أقصد بأن الزمنية المفكر فيها كتسارع أصبحت عبارة عن تتابع للحداثات. وقلصت بذلك إلى درجة الامحاء ذلك الفصل العازل بين القديم والحديث، وفتحت الطريق أمام الحوار بينهما.

بودلير (51)

هناك ثلاثة مصطلحات ظهرت أثناء القرن التاسع عشر هي: الحداثة (modernite) التحديث (modernisati.on)، العصرنة (modernisens).  وفي السنوات الأخيرة من القرن ظهر مصطلح آخر هو: الأسلوب الحديث (modern style) ولكن اذا كان مصطلح الحداثة مرتبطا في أذهاننا بالمعنى الذي أعطاه له بودلير، الا انه لم يولد تحت قلمه في الواقع.

ينبغي أن نعلم أن المصطلح ولد لأول مرة في انجلترا لا في فرنسا، وفي القرن السابع عشر لا القرن التاسع عشر. (modernity) كان أول من استخدمه هو الكاتب هوراس والبول (52) في القرن الثامن عشر. يضاف الى ذلك ان مصطلح الحداثة بالفرنسية (أي moderuite) ظهر لأول مرة لدى بلزاك عام (1823). ثم استخدمه بودلير في مقالته عن قسطنطين جوين التي كتبت عام 1859 ونشرت عام 1893. وقد اثبت الكلمة قاموس "ليتري" الفرنسي في طبعته الصادرة عام 1867 وذلك من خلال المادة التي كتبها الأديب تيوفيل جوتييه (53) عام 1867. وأما قاموس "روبير" الفرنسي أيضا فقد ذكرها لأول مرة عام 1849 بعد أن اكتشفها في كتاب شاتوبريان: "مذكرات ما وراء القبر".

وتبدو الكلمة سلبية لدى شاتوبريان. ولكن جوتييه يساهم في تغيير معناها ويتيح لبودلير أن يجعل منها شيئا جماليا. ثم يحدد لها بودلير معناها الأخير الذي لن تحيد عنه بعد الآن الا وهو: معنى الحاضر بصفته تاريخية بحد ذاته. وهكذا استعادت الكلمة، ويا للغرابة، المعنى الأصلي للكلمة اللاتينية: حديث (modernus).

وإذا كان بودلير قد لفظ الكلمة وألح عليها في كتاباته، فان ذلك عائد الى ان المجتمع في وقته (أي المجتمع الذي كان يرده ويراقبه) كان يفكر بنفسه كمجتمع حديث ويعلن عن ذلك صراحة. وبالتالي فقد حصلت الأشياء كما لو أن الوعي البودليري اضطر إلى التركيز على خصوصيته وتسميته. في البودليري اضطر الى التركيز على خصوصيته وتسميته. في الواقع اننا نشهد هنا اندلاع الصراع بين حداثتين.(54) اننا "نشهد قطيعة لا مرجوع عنها بين الحداثة بصفتها مرحلة من مراحل تاريخ الحضارة الغربية، أي كنتيجة للتقدم العلمي والتكنولوجي والثورة الصناعية، والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي جلبتها الرأسمالية، وبين الحداثة بصفتها مفهوما جماليا" (انظر كالينيسكو، ص 41، الترجمة لي من الانجليزية الى الفرنسية).

وقد استمر هذا الصراع بين كلتا الحداثتين طيلة القرن العشرين. وهو الذي يفسر سبب الغموض أو اللبس الذي يحيط بالنقاش الدائر حول الحداثة. ويمكن ان نفهم "ما بعد الحداثة" ضمن هذا الخط: أي بصفتها محاولة لتجاوز هذا التناقض أو ذلك الصراع المزمن.(55) ان النص المؤسس لمفهوم الحداثة كان بودلير قد كتبه ونشره في جريدة الفيجارو عام 1863 (نقول ذلك على الرغم من انه سبقه نص آخر هو الصالون الأدبي لعام 1846). وكان نص الفيجارو بعنوان: "وسام الحياة الحديثة" (أو مصور الحياة الحديثة). وهو مكرس لدراسة أعمال الفنان قسطنطين جوين، المعاصر لبودلير. وسوف نستشهد هنا بالجزء الرابع منه والمعنون باسم "الحداثة". يقول بودلير بالحرف الواحد:

"هكذا نراه يذهب، يركض، يبحث (…)، انه يبحث عن شيء ليسمح لنا بأن ندعوه: بالحداثة، وذلك لاننا لا نمتلك كلمة أخرى أفضل منها للدلالة على هذا الشيء الذي نقصده (56). انه يريد (أي الفنان قسطنطين جوين) ان يستخلص من الدارج (الموضة) ما يمكن أن يحتويه من شعري في التاريخي. انه يريد أن يستخرج الأبدي من الزائل، أو الخالد من العابر (…). ان الحداثة هي العابر، الهارب، العارض، باختصار انها نصف الفن الذي يشكل نصفه الآخر ما هو أبدي لا يتغير. لقد وجد شيء من الحداثة لدى كل فنان قديم (57) (…). وهذا العنصر العابر، الهارب، الذي يتحول أو يتغير باستمرار ليس لكم الحق في أن تحتقر وه، أو أن تستغنوا عنه. فإذا ما حذفتموه سقطتم حتما في فراغ جمال تجريدي يستعصي على التحديد، مثله في ذلك مثل المرأة الوحيدة قبل الخطيئة الأولى (…). باختصار شديد أقول لكم بانه لكي تستحق كل حداثة أن ترتفع الى مرتبة التحفة الخالدة (أي مرتبة الكلاسيكية) فانه ينبغي على الجمال الغامض السري الذي تضعه الحياة فيها. بشكل لا إرادي أن يقتلع منها (…). ويل لمن يبحث في التحف القديمة عن شيء آخر غير الفن الخالص، أو المنطق، والمنهج العام ! فاذا ما غطس فيها أكثر من اللزوم فانه يفقد ذاكرة الحاضر أو الاحساس بالحاضر. انه يفقد عندئذ القيمة والامتيازات التي تقدمها له اللحظة الواهنة (أو الظرف). أقول ذلك لان كل ابتكاريتنا تقريبا آتية من الدمغة التي يطبعها الزمن على أحاسيسنا" (الأعمال الكاملة لبودلير، طبعة (1968، ص1163-1165).

لم تعد الحداثة لدى بودلير (وهنا يكمن الفرق الجذري بينها وبين كل التحديدات السابقة لذات المفهوم) تهدف الى التحديد الكمي لفترة تاريخية معينة من أجل اقامة التضاد بينها وبين فترات أخرى. وانما أصبحت تهدف الى الدلالة النوعية على حالة ما (أو شرط ما) (58) لم يعد الحاضر موجودا بالقياس إلى الماضي، وانما أصبح موجودا بحد ذاته ولذاته. وهكذا أصبح التاريخ سلسلة متتابعة من الحاضر، أي سلسلة متواصلة من الحداثات إذا شئنا. ولم يعد مجديا ان نقارنها بأي شيء آخر، لم تعد الحداثة تتعلم أي شيء من الماضي. أصبحت تولد من الحاضر كما يولد الحاضر منها: انها، أي الحداثة، هي ما يعطي للحاضر طابعه كحاضر وتجعله يتوصل، ويا للتناقض، الى مستوى الأبدية والخلود، ولا أقول ذلك بمعنى أن الحداثة تخرج من الزمن، وانما بمعنى انها لم تعد خاضعة له. وهكذا يمحي التاريخ أمام التاريخية (أي الصيرورة).

ينتج عن ذلك شيئان: لقد تم التوصل الى الأبدي في صميم اللحظة الحاضرة أو من خلالها وليس عن طريق الارتباط العقيم بالتراث القديم. وهذا ما راحت الحركة الطليعية المتطرفة تجعل منه عقيدتها العمياء بعدما نسيت ان هناك "نصفا آخر" للجمال (59). هذا من جهة وأما من جهة أخرى فان الحداثة أصبحت ليست فقط معيارية، وانما أيضا إجبارية. نقصد بذلك ان الانتماء الى فترة تاريخية معينة لم يعد هو الذي يخلع على الفرد "صفة الحداثة". وانما أصبحت الحداثة عبارة عن خيار يتخذه الانسان عن قصد أو لا يتخذه كما لاحظ كالينيسكو. ان بودلير هو الذي نص على ذلك وليس رامبو(60) المشهور بعبارته التالية: "ينبغي قطعا أن نكون حديثين". أو "ينبغي أن نكون حديثين بشكل مطلق": أي أن نقطع كليا مع الماضي. نقول ذلك على الرغم من أن الناس كثيرا ما يستشهدون بعبارة رامبو هذه. ولكن الناقد الفرنسي المعاصر ميشونيك بين أن رامبو استخدم عبارة الحداثة هنا على سبيل السخرية أو الاستهزاء. (انظر ميشونيك، ص 123).

ان أسطورة رامبو المتمثلة بأنه شاب ومتمرد أبديا تجسد بالضبط هذه الفكرة عن الحداثة بصفتها عبدا للزمن، أي للحاضر والمستجد في كل لحظة. ولكننا نعارض هذا التصور بتصور بودلير الذي يفتح الحداثة على ما يتجاوزها، أي على ما يتجاوز الحاضر من أجل دمجه في مشروع جمالي أرضي وسماوي، أو مثولي ومتعال في آن معا، ان هذا الفصل بين الحداثة وبين الزمن التاريخي المحض هو الذي يتيح للذات أن تولد، ثم ان تتشكل من كل أنواع الحاضر الأخرى، ان هذه الحداثة بالذات تعني رفضا للعبودية للتاريخ، أو لمعنى التاريخ، أو للتاريخ كمعنى. والصورة المجازية التي تعبر عنها تقول بحسب بودلير: ان الأنقاض، حتى ولو كانت أنقاض مشهد باريسي، هي التي تجسد اللحظة العابرة للحاضر وتدل على ما هو عتيق أو تراثي فيه في آن معا.(61)

يعزز انطوان كومبانيون (ص 34 وما تلاها) أربع خصائص للحداثة كان بودلير قد اكتشفها من خلال اللوحات الفنية "لجويز"(62.) ويسهل علينا أن نرى فيها المكونات الأساسية للجماليات الحديثة بشكل عام. هذه الخصائص الأربع هي التالية: غير المنتهي، أو غير الناجز، المتبعثر أو المتقطع (وهو مرتبط بالفردية السياسية المرسخة من قبل حق التصويت العام)، التفاهة أو فقدان المعنى (رفض الكليانية المنسجمة والمسؤولية الجديدة للمشاهد)، وأخيرا الاستقلالية الذاتية للعمل الفني (النقد الذاتي أو المرجعية الذاتية للذات). وهكذا لا تعود ملكة الحكم على الفن أو تقييمه

خارجية (ولكن التثمين او إعطاء القيمة للوحة يظل خارجيا. انظر دور سوق الفن فيما يخص هذه النقطة، وكذلك دور "البورجوازيين" الذين لا يحتقرهم بودلير)(63) ثم يردف انطوان كومبانيون قائلا: "ان الوظيفة الشعرية والوظيفة النقدية منذ بودلير تتداخلان أو تدعمان بعضهما البعض من خلال الوعي الذاتي الذي ينبغي أن يمتلكه الفنان عن فنه" (ص 36). والدليل على ذلك ان بودلير كان فنانا كبيرا وناقدا كبيرا في ذات الوقت.

إذا كانت الحداثة دائما بحاجة للعالم الخارجي الذي يقدم لها تاريخيتها، فان بعدها النقدي يتيح لها أيضا أن تكون بعيدة عن الحداثة الاجتماعية او المادية المعتبرة بأنها منحطة، بل وحتى كارثية. وهذا ما قد يؤدي في نهاية. المطاف الى التشاؤم (على طريقة بودلير)، أو العدمية (على طريقة نيتشة)، أو الكآبة المبهمة والسويداء (على طريقة بنيامين). ولكن بودلير يظل مسحورا بما تكثفه حداثة الحياة. وهذا ما يفسر لنا لماذا انه يقدم رسام الحداثة وكأنه "رجل – طفل"(64) بمعنى انه يمتلك في آن معا المقدرة على الاندهاش وعلى التعقل البارد. يعبر ميشونيك عن ذلك قائلا: "ان الحياة هي الحديثة في نص بودلير "رسام الحياة الحديثة" وليس الرسام أو الفن" (انظر ميشونيك، ص 115). ثم يبين ميشونيك، ان الحداثة والحديث بالنسبة لبودلير ليس الشيء نفسه. فالمصطلح الثاني سلبي عندما يدل على الزمانية، على عصره: أي على الجمهور الحديث، والفن الرائج على الموضة (65)، والمعاصر بصفته بلاهة أو حماقة تتأكد ضدها الحداثة. ان ما يستخلصه بودلير من ذلك هو "تاريخية الجمال أو الجميل" هذه التاريخية المتزامنة مع ما هو خالد فيه. (انظر ميشونيك، ص 113). يقول بودلير: "ان الجميل هو دائما مزدوج التركيب.(66) وهذا شيء محتوم" (الأعمال الكاملة، ص 1154) وهكذا قاوم بودلير عبادة الجديد لانه جديد فقط. يقول ميشونيك شارحا هذا الموقف: "ان الاهتمام ببعد واحد فقط من أبعاد الحداثة، أي البعد النسبي للجميل، يعني الاهتمام فقط بما هو عابر. وهذا يعني اننا سوف نحصل على التاريخانية دون التاريخية. فالتاريخية تفترض الانتقال من فترة الى فترة، تماما كما ان قراءة نص طويل تعني ضمنيا إعادة قراءته الى ما لا نهاية" (ميشو نيك، ص 114).

وهذا التصور يشبه فلسفة التاريخ لدى بنيامين، أي فلسفة الضحايا والمهزومين، لا فلسفة المنتصرين الذين يبررون انتصارهم بغائية داخلية أو خارجية.

ان موقع الحداثة يتموضع في الحياة، في زحمة الحياة، من هنا الاهتمام الذي يوليه بودلير وفنان الحداثة للزي الرائج (أو للموضة). (ومن هنا تنتج ازدواجية النظرة الحديثة التي لم يعد بإمكانها بعد اليوم أن تتجاهل طويلا ان الزي الرائب يندرج أيضا داخل اقتصاد خاضع لقوانين السلعة والاستلاب).(67)

فيما يخص الرسوم او النقوش الرائجة كان بودلير يحلم بمسرح تعود فيه هذه الأزياء الى الحياة من جديد. يقول: "ان الماضي في الوقت الذي يحافظ فيه على المظهر الشبحي يستعيد أنوار الحياة وحركتها ويتحول الى حاضر" (الأعمال الكاملة، ص 1153) هذا هو مسرح الحداثة الذي تدور فيه مسرحياته العديدة بشكل متواصل: أي بدون ان يسدل عليها الستار أبدأ.

ولكن لماذا نوقف المسار المعنوي (أو الدلالي) للحداثة عند بودلير؟ اننا لا نريد ان نقع هنا في التقديس الأعمى لبودلير، وانما نريد أن نلفت الانتباه الى أهمية الانقلاب الذي أحدثه بودلير بالقياس الى ستندال. فقد أحدث القطيعة مع تصور ستندال القائم على التتابع المستمر للحداثات الزمنية وذلك عن طريق إدخال "العنصر الخالد" (68) في طبيعة جمال ما هو حديث.

يقول الشاعر الفرنسي الكبير:

"ان الجميل مشكل من عنصر خالد لا يتغير يصعب جدا تحديد كميته، ومن عنصر نسبي، عابر" وهذا العنصر النسبي سوف يكون بالتناوب أو بشكل متزامن: العصر، والزي الرائي (الموضة)، والأخلاق، والهوى الجارف (…) اني اتحدي أي شخص يستطيع العثور على عينة من الجمال لا تحتوي على هذين العنصرين" (ص 1154).

هكذا نجد أن فكر الحداثة ينطوي على جدل (او ديالكتيك) تلعب تحديداته اللاحقة دورا مهما بشكل اجباري. فإما ان تحترم هذا الديالكتيك، وأما أن تكسره مركزة على هذا البعد أو ذاك من بعديه.(69) نقصد ببعديه هنا: النسبية المؤقتة أو العابرة للحاضر والجديد (أي نسبية الحركات الطليعية المتطرفة)، ثم صفاء المطلق (انظر النزعة الحداثوية لدى س. جرينبرج). يتساءل ب. هاناك قائلا: "من يستطيع أن يدعو الأزمنة الحديثة فترة أو عصرا؟"(70) ان الحداثة تكون عصرا اذا ما شكلت فترة يمكن أن تلقى لها اسما ويمكن أن تطرح الأسئلة على ضوء معاييرها الخاصة ليس من خلال العلاقة العقيمة مع الماضي لم انظر حركات الترميم (71) والعودة الى الوراء)، ولا من خلال العلاقة مع المستقبل لم انظر الحركات الطليعية). وبهذا المعنى فهي ترتفع الى مرتبة الحوار مع الفترات الأخرى، مع الحداثات الأخرى. (72) وربما كانت صورة الملاك، المؤقت والأبدي في آن معا، ناتجة عن ذلك.

ونعلم ان هذه الصورة تلاحق الفن الحديث أو الجماليات الحديثة كالهوس بدءا من ويلكه وانتهاء بريم ويندرن مرورا بكلي وبنيامين وكوكتو.(73)
الهوامش

1- أوكتافيو باز (ovtaviq paz)  هو شاعر وكاتب مكسيكي ولد عام 1914 وتوفي مؤخرا. وقد عاش حياة تسكع في البداية وارتبط بعلاقة صداقة مع السورياليين. يتركز شعره بشكل خاص على الألم والمرارة الناتجة عن الحب. وهو أصلا من الهنود الحمر. ولذلك يختلط فيه تراثان لا تراث واحد: تراث الهنود الحمر والتراث الاسباني الأوروبي. من أهم أعماله "متاهة الوحدة" حيث يبحث بكل وله عن جوهر الشخصية المكسيكية. (المترجم)

2- جاك بريفيو (Jaques prevert) هو شاعر فرنسي (1990- 1977) وقد طبق الدرس اللاذع للسوريالية على مشروعه الشعري الهادف الى تفكيك اللفة. وأدى الى تعرية الخطاب البورجوازي والكشف عن طابعه الامتثالي السخيف. كان متعلقا بالتراث الفوضوي السائد في فرنسا في بدايات هذا القرن وقد عبر بكل نجاح عن انتفاضة القلب العفوية ضد التقا ليد الخانقة والسائدة. ولقيت اشعاره نجاحا منقطع النظير في فرنسا في الخمسينات وتحول بعضها الى أغان مشهورة على يد كبار المطربين. وتميز بالسهولة والشعبية ولذلك يشبها البعض بنزار قباني في الجهة العربية. وقد احتفلت فرنسا مؤخرا بمرور مئة عام على مولده. (المترجم)

3- هناك الحداثة في الشعر، والحداثة في الفلسفة، والحداثة في العلم أو في المجتمع، الخ… وبالتالي فلكي نفهم الحداثة كظاهرة ينبغي أن نبحث عن تجلياتها في مختلف المجالات أو العلوم. فالحداثة حركة عامة تشمل كل شيء، على الأقل في المجتمعات الأوروبية.(المترجم)

4- ان هذا الكتاب مقسم الى جزء أول (مؤلف من الفصل الأول والفصل الثاني). وفيه ندرس التطور التاريخي والنظري لمفهوم الحداثة. ثم يتلوه الجزء الثاني (المؤلف من الفصل الثالث والرابع والخامس). وفيه ندرس المجالات التي ترسخت فيها الحداثة وفكر فيها بصفتها تلك (أي كحداثة).(المؤلف)

5- هذا يعني أن الحداثة لا تتوقف عند حد. فكل عصر له حداثته. انها أفق مفتوح الى ما لا نهاية على عكس التراث المغلق داخل نظام متكامل وراسخ. وهذه الصفة المتغيرة للحداثة هي التي تخيف البعض وتجعلهم ينفرون منها لان القابض عليها كالقابض على الماء: أي على اللاشيء.

وبالتالي فالحداثة تقلق ولا تطمئن على عكس التراث. (المترجم).

6- جورج سيميل (Georg Simmel) هو فيلسوف وعالم اجتماع ألماني (1858- 1918). من أهم كتبه "مشاكل فلسفة التاريخ". كان ممثلا للكانطية الجديدة ولكن على الطريقة النسبية. (المترجم)

7- والتر بنيامين (Walter Benjamin) هو كاتب وفيلسوف ألماني (1892-1918) كان أحد ممثلي مدرسة فرانكفورت الشهيرة بالاضافة الى ادورنو وهوركهايمر. وقد اشتهر بتركيزه على نقد الفن والجماليات، واهتم كيرا بدراسة شعر بودلير. (المترجم)

8- كل هؤلاء المذكورين هم نقاد أو فلاسفة معاصرون ساروا على خط مؤسسي الحداثة الكبار. فالان تورين هو صاحب كتاب "نقد الحداثة" الذي سيرد ذكره لاحقا، وميشيل فوكو هو أحد كبار نقاد الحداثة الغربية، وهابر ماز هو أشهر فيلسوف ألماني حاليا، وجان فرا نسوا ليوتار هو صاحب مصطلح ما بعد الحداثة، وميشونيك هو ناقد أدبي معاصر… (المترجم)

9- عندما يضع المؤلف المرجع هكذا بشكل مختصر بين قوسين فان ذلك يعني انه قد أثبته كاملا في قائمة المراجع الواردة في آخر الكتاب.(المترجم)

10- ايمانويل ليفيناس (Emmanuel Levinas) هو فيلسوف فرنسي من جيل سارتر. كان متأثرا بالفلسفة الظاهراتية لهوسيرل وفلسفة هيدجر التي حاول التعريف بها في فرنسا.(المترجم)

11 – بمعنى ان الجديد يتحول الى تراث أيضا بمرور الزمن. انظر:

– H, Rosenberg: La trodition du nouveau, mnuit 1962.

ولكن ربما كانت مبالغة مقارنة القطيعة التي أحدثها دريدا في تاريخ الفلسفة بالقطيعة التي أحدثها فيلسوف ضخم في حجم كانط. بل هي مبالغة بدون أدنى شك. فدريدا ليست له هذه الأهمية. (المترجم)

12- هكذا شئنا ان نترجم المصطلح الفرنسي (Hermeneutique)وهو يعني حرفيا تأويل النصوص الفلسفية أو الدينية. وهو يشكل فرعا من فروع الفلسفة المعاصرة. ومن أهم ممثليه حاليا في فرنسا بول ويكور (Puaul Ricoeur) (المترجم).

13- بمعنى ان مشروع الحداثة يهدف الى التخلص من قيود التراث أو من هيبة التراث المفروضة بشكل مسبق ومن فوق. فا لحداثة هي التي أوصلت الإنسان الى الاستقلالية: استقلالية العقل، والذوق والارادة.(المترجم)

14- بعد ان تحولت الحداثة الى تراث في الفكر الغربي نظرا لتراكمها منذ مئتي سنة فانهم أخذوا ينقدونها في الآونة الأخيرة. بل ان اهم مناقشة فلسفية تشغل مفكري أوروبا وأمريكا حاليا هي مسألة نقد الحداثة. والكتب الثلاثة المذكورة يرد ذكرها مفصلا في قائمة المراجع في آخر الكتاب.(المترجم).

15 – مسطح الاركيولوجيا شاع كثيرا في الآونة الاخيرة، بعد أن استخدمه ميشيل فوكو بكل ألمعية واقتدار (انظر كتابه "اركيولوجيا المعرفة" أو حفريات المعرفة كما يقول بعض المترجمين العرب خصوصا المقاربة). ومصطلح اركيولوجيا الحداثة هنا يعني البحث عن جذور الحداثة أو بدايات تشكلها الأولى لمعرفة كيف انبثقت لأول مرة.

من هنا تجيء كلمة الحفر: أي الحفر في الأعماق للكشف عن الأمس المطموس لشيء ما، أو لمفهوم ما، أو لعقيدة ما… (المترجم)

16- هكذا نجد ان هناك عدة طبقات للحداثة وهي متراتبة فوق بهضم البعض كما تتراتب الطبقات الاركيولوجية أو الجيولوجية للارض. (المترجم)

– ادوار مانيه: (Edourd Manet) هو رسام فرنسي في القرن التاسع عشر (1832-1883) وهو أحد رواد الحركة الانطباعية والفن الحديث.(المترجم)

– بول سيزان: (Poal Cezanne) رسام فرنسي (1839-1906) كان يمارس الرسم في الهواء الطلق.

– ماهلر: هو جوستاف ماهلر (Gustav Mahler) أحد كبار الموسيقيين النمساويين (1860- 1911). (المترجم)

17- المنهجية الجنيالوجية والمنهجية الاركيولوجية والمنهجية الجيولوجية هي شيء واحد في نهاية المطاف. وكذلك منهجية التحليل النفسي التي اخترعها فرويد لسبر اعماق الذات. ويمكن القول بان نيتشة هو مؤسس المنهجية الجنيالوجية (انظر كتابه جنيالوجيا الاخلاق). ثم أخذها فوكو عنه فيما بعد لانه كان أحد كبار تلامذته أو السائرين على خطاه. وهي تعني حرفيا الكشف عن نصب شخص ما والعودة في الزمن الى الوراء لمعرفة آبائه واجداده حتى آخر نقطة ممكنة. ولكنها تعني مجازيا الكشف عن أصل الأخلاق أو العادات والتقاليد التي تفرض نفسها وكأنها مقدسة بحكم العادة والألفة والبداهة. ولكنها ليست بدهية أو مقدسة إلى الحد الذي نتصوره. وعندما يكشف المؤرخ أو الفيلسوف عن أصلها يندهش الناس بل ويصدمون في اعماقهم. ولكن هذه هي الطريقة الوحيدة للتحرر منها. (المترجم)

18- يقصد المؤلف بان عصر التنوير ليمر إلا لحظة محددة من لحظات الحداثة وليس كل الحداثة. يضاف الى ذلك ان العقلانية التي أسسها التنوير تجمدت فيما بعد وتحنطت كما يحصل لكل شيء على هذه الأرض. ولذلك ظهرت مؤخرا حركات نقد التنوير أو نقد الحداثة. ولكن هذه الحركات ليست مفهومة الا في أرضها: أي في المجتمعات الأوروبية التي شبعت من التنوير والحداثة حتى ملت. واما المجتمعات التواقة الى التنوير والحداثة فلا تفهم كيف يمكن أن ينقد التنوير أو الحداثة ! وهذا اكبر دليل على مدى التفاوت التاريخي بين مجتمعاتنا والمجتمعات الأوروبية الحديثة. (المترجم)

19- مصطلح ما بعد الحداثة (La Poste – modernite) حديث العهد، ويعود الفضل في اختراعه الى الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار (1974). وهو يشغل الآن البيئات الثقافية والفلسفية الغربية. وهو يعني ان الغرب دخل في مرحلة تاريخية جديدة تتجاوز الحداثة وتتخطاها.

20- الحداثة لها تاريخ محسوس وواقعي، وليست مفهوما تجريديا يقبع في الفراغ. فحداثة القرن السادس عشر، كما سيرد، هي غير حداثة القرن السابع عشر أو قل ان هذا الأخير فهم الحداثة بشكل مختلف، بل ومناقض للقرن الذي سبقه. وحداثة القرن السابع عشر غير حداثة القرن الثامن عشر. وقل الأمر نفسه عن القرن التاسع عشر الذي أسس الحداثة بالمعنى الذي نعرفه حاليا والذي تحاول حركة ما بعد الحداثة ان تتجاوزه نحو شيء لم تستبن بعد معالمة بشكل جيد. واذن فللحداثة تاريخيتها: أي ارتباطها بلحظة تاريخية معينة وتجسرها في بيئة اجتماعية محددة. فا لحداثة العربية مثلا غير الحداثة الأوروبية وان كانت تتشابه معها في بعض السمات العامة. (المترجم)

21- ان المراجع المختصرة الواردة بين قوسين على مدار الكتاب تحيلنا الى الفهرسة العامة (الببليوغرافيا) المثبتة في آخرا لكتاب. فهناك يمكن أن يطلع عليها القارئ كاملة غير منقوصة.(المؤلف)

22- ميشيل فوكو (Michel Foucoult) فيلسوف فرنسي معاصر (1926- 1984) اشتهر بنقده الراديكالي للحداثة الغربية ومؤسساتها من خلال دراسته للعلاقة بين المعرفة والسلطة، وكيف ان المعرفة تتحول الى سلطة، وأحيانا سلطة قمعية.. انظر تعريف الاريكولوجية لمؤسسة السجن او المصح العقلي، الخ…(المترجم)

23- انظر مقالة ميشيل فوكو المنشورة في كتاب جماعي مهدى الى جان هيبوليت. عنوان المقالة: نيتشة، الجنيالوجيا، التاريغ، المطبوعات الجامعية الفرنسية، 1971، ص 169.

Michel Foucault: Nietzsche, La genealogie, elistoise in How wage ajear Hyppalite, put, 1791, P.961.) (المؤلف)

24- جاكسون بولوك (Jackson Pollock) هو رسام أمريكي (1912-1956) متأثر بالسورياليين المكسيكيين وبيكاسو وثقافة الهنود الحمر، سكان امريكا الاصليين. (المترجم)

أما ويليام جون كولتران فهو احد كبار العازفين السود لموسيقى الجاز في امريكا (1926- 1967). (المترجم)

اورينت كولمان: هو ايضا احد كبار الموسيقيين السود للجاز في امريكا (1930).(المترجم)

25- المقصود بكلمة معنوية هنا دلالية (Senantique) بالمعنى اللغوي او الالسني الحديث للكلمة.(المترجم)

26- الامبراطورية الكارولينيجية هي التي بعثت قوة الغرب وأعادت اليه اعتباره من عام 800 الى عام 887. وكان من اهم ممثليها شارلمان الذي تراسل مع هارون الرشيد. وقد شهدت تلك الفترة نهضة ثقافية حقيقية ودائمة. (المترجم).

27- في اوروبا توجد نهضتان لا نهضة واحدة: الاولي حصلت في القرن الثاني عشر بعد ترجمة الفلسفة العربية او العلم العربي الى اللاتينية، والثانية حصلت في القرن السادس عشر كما هو معروف. وناسف لان المؤلف لم يذكر دور العرب في بلورة الحداثة الاوروبية الاولى. (المترجم)

فالعرب شهدوا النهضة والحركة الانسانية قبل اوروبا بعدة قرون. ولكنها ماتت عندنا في حين انها استمرت عندهم في الصعود.

28- برنار الشارتري فيلسوف فرنسي مات عام (1130)، وفلسفته المسيحية مستوحاة من افلاطون. وهو يقصد بالاقزام المحدثين، وبالعمالقة القدماء، فالمحدثون يرتكزون على القدماء او يعتمدون عليهم ولولا ذلك لما استطاعوا ان يبنوا شيئا. فالحداثة لا تعني القطيعة المطلقة او ان الاجيال لا تستفيد من بعضها البعض، او انه لا يوجد تراكم في التاريخ. والواقع ان موقف الحداثة موجود في كل العصور، وكذلك موقف التقليد والمحافظة. فالمعري بهذا المعنى حديث، وكذلك الجاحظ، او التوحيدي، او ابن رشد… الخ.. بل انهم اكثر حداثة من الكثيرين الذين يعاصروننا اليوم، وبالتالي فلا ينبغي الاستخفاف بالقدماء..

29- كل المراجع التي يذكرها المؤلف أثناء الحديث ويضعها بين قوسين بشكل مختصر جدا هي مراجع أساسية ترد على مدار الكتاب كله وقد أثبتها بشكل كامل وتفصيلي في آخر الكتاب.(المترجم)

30- غيوم دوماشو (1300 – 1377) هو شاعر وموسيقار فرنسي. كان كاهنا في مدينة رانس. وهو الذي ثبت القواعد الموسيقية والأدبية للفن الغنائي. (المترجم)

31- جير تودي بوندون: هو رسام ومهندس معماري ايطالي (1266- 1337). كان صاحب رؤيا عظيمة في مجال النحت والرسم، واشتهر بابحاثه الابتكارية في مجال الحجم والفضاءات الخاصة بالرسم. ولذا فهم يعتبرونه احد كبار المؤسسين للفن الغربي الحديث.(المترجم)

32- هذا التصنيف للحداثة (او لتاريخ الفكر الاوروبي) يشبه تماما تصنيف ميشيل فوكو في كتابه الشهير: "الكلمات والاشياء". فقد ميز عندئذ بين قطيعتين أساسيتين في تاريخ الفكر: القطيعة الاولي حصلت مع ديكارت وفصلت القرن السابع عشر عن عصر النهضة والقرون الوسطى في آن معا. والقطيعة الثانية حصلت في اواخر القرن الثامن عشر على يد كانط وفصلت الحداثة الحديثة عن حداثة ديكارت. ولكن فوكو يهمل القطيعة التي احدثها عصر النهضة مع العصور الوسطى ويضعهما في "سلة واحدة" اذا جاز التعبير وهذا فيه اجحاف. وهنا يكمن الفرق بين تصنيفه والتصنيف الذي اتبعه مؤلف هذا الكتاب. يضاف الى ذلك ان حداثة القرن التاسع عشر (او الحداثة الحديثة) قد شاخت الآن واصبحت تبدو قديمة بعد ان ارتسمت ملامح عصر "ما بعد الحداثة" في الافق، اقول ذلك وانا اتحدث فقط عن تاريخ اوروبا وليس عن تاريخنا نحن.(المترجم)

33- ولكن ينبغي الا ننسى ان النهضويين هربوا من الضغط القمعي للكهنوت الديني المسيحي لكي يتنفسوا في رحاب اليونان والرومان. فالايديولوجيا المسيحية كانت طاغية وتخنق الانفاس طيلة العصور الوسطى ووصل الامر بها الى حد انها لم تعد تطاق. هذا ما لا ينبغي ان ننساه. (المترجم)

34- فرانسيس بيكون (1561 – 1626) هو احد كبار المفكرين الانجليز الذين دشنوا العصور الحديثة. وقد سبق ديكارت الى الانقلاب على ارسطو وكل الفلسفة السكولاستيكية القروسطية. وكتاب "المنطق الجديد" اراده بديلا لمنطق ارسطو الذي سيطر على البشرية الاوروبية والعربية الاسلامية طيلة قرون وقرون. وبالتالي فبيكون هو احد مؤسسي المنهج العلمي الحديث الي أدى بالانسان الى السيطرة على الطبيعة.(المترجم)

35- فونتينيل (1657- 1757) هو فيلسوف وشاعر فرنسي عاش قرنا كاملا وكان هذا نادرا في ذلك الزمان، اشتهر بايجاد صياغة ناجمة للتوفيق بين العلم والأدب. قدم لمعاصريه شرحا واضحا وتبسيطيا للتقدم العلمي الذي حصل في عصره. ولذلك قال عنه فولتير فيما بعد: "الجاهل يفهمه والعالم يعجب به". (المترجم)

36- بوالو (1636 – 1711) هو كاتب فرنسي مقلد لهوراس في قصائده الهجائية. (المترجم)

37- لافونتين (1621-1695): هو شاعر فرنسي مشهور بحكاياته الاسطورية التي يرويها على لسان الطيور والحيوانات، الخ.. ولا يزال الفرنسيون يستشهدون بها حتى الآن ويحفظونها عن ظهر قلب.(المترجم)

38- لابرديير (1645-1696) كاتب فرنسي اشتهر بتصوير عادات عصره وتقا ليده. وركز على فكرة انحطاط التراث الاخلاقي والديني لدى أناس ذلك العصر. (المترجم)

39- بيرو (1628-1703) كاتب فرنسي انخرط لصالح المحدثين اثناء الخصام الشهير الذي اندلع بين الفريقين في الأكاديمية الفرنسية التي كان عضوا فيها. وقد انتقد المحاجة القائمة على هيبة الأقدمين فقط. وقال بانه ليس كل ما فعله الاقدمون صحيحا، ولا ينبغي أن نقلدهم بشكل أعمى حتى لو كانوا فلاسفة اليونان والرومان أو شعراءهم الكبار. وقال ايضا بان التقدم ممكن في مجال الفن كما هو ممكن في مجال العلم، ويمكن ان نأتي أفضل مما أتى به الاوائل. وقد اشتهر بحكاياته الشعبية التي كان يدعوها "بحكايات الزمن المنصرم"…(المترجم)

40- التقليديون يعتقدون انه كلما قدم الشيء كان أهو، فهناك هيبة للقديم في أعينهم، ولذلك فإن شخصيات الماضي تتخذ هيبة اسطورية، وكلامهم يسجل حرفيا ويعتبر وكأنه صحيح لمجرد انهم قالوه.

41- المقصود بالتقدم الخطي المستقيم ذلك التصور الذي شاع عن التقدم في القرن الثامن عشر والذي كان متفائلا جدا لانه كان يعتقد بأن البشرية سائرة في طريق التقدم الى ما لا نهاية. بعدئذ اكتشفنا من خلال التجربة المحسوسة ان خط التقدم متعرج اكثر مما نظن، بل وقد ينقطع او يعود الى الوراء… (المترجم)

42- هكذا نجد أن العصر الكلاسيكي (أي القرن السابع عشر) قد ثبت القيم: أي قيم الخير والحق والجمال. وقال بانها كونية لا تتغير ولا تتبدل، وهكذا جمد التاريخية (او الحركة) وعطل التطور. فما كان جميلا في هذا العصر قد لا يبدو جميلا في عصر آخر. هذا ما لم يفهمه القرن السابع عشر الفرنسي لانه كان أسير القيم المطلقة والابدية ولا يعرف المنظور النسبي للاشياه. فالقيم التي توصل اليها عن الخير والحق والجمال اعتقد انها معلقة لمجرد انها قيمة، في حين انها تاريخية مرتبطة بلحظة معينة من لحظات التاريخ، وبالتالي فلا توجد قيم مطلقة او دائمة، وانما قيم نسبية متحركة او متجددة. (المترجم)

43- عصر التنوير هو الذي صنع حضارة الغرب الحالية. ولكنه يتعرض الآن للانتقاد وبعد مرور مئتي سنة على تجريبه في الغرب. وهذا أمر طبيعي، فقد تحول الى تراث متراكم (انظر مشاريع نقد الحداثة) (المترجم).

44- هذا المعنى المزدوج للحداثة يطرح ضمنيا مسألة الفرق بين الحداثة والمعاصرة. فلا يكفي ان تكون ابن زمنك لكي تكون حديثا. وانما ينبغي ان تساهم في تقدم المعرفة بالقياس الى الزمن السابق. في الواقع ان هناك فرقا بين الحداثة / والمعاصرة. فقد تكون معاصرا لآخر "صرعة" حديثة دون ان تكون حديثا. يمكنك ان تشهد عام (2000) وعقليتك تعود الى عام (1900) او حتى (1500). وكثيرا ما يعاصرنا أناس زمنيا ونحن أبعد ما نكون عنهم فكريا، بل قد نجد قرابة فكرية مع أناس ماتوا منذ مشات السنين (مع الجاحظ مثلا أو مع التوحيدي او المعري) ولا علاقة لنا بأناس يعيشون بيننا كل يوم.. (المترجم)

45- كلمة كلاسيكي تعني في اللفة الفرنسية معنيين اساسيين: الأول قديم، والثاني حديث. كانت تعني أولا ما يستحق ان يحاكى او ان يقلد. وكانت هذه الصفة تطلق على كبار الكتاب في القرن السابع عشر الذين استمروا في تقليد كتاب اليونان والرومان. وبالتالي فالمعنى سلبي الى حد ما لان كلاسيكي هنا مضاد لحديث. ولكن كلمة كلاسيكي قد تطلق على الكتب او الاعمال التي نجحت واصبحت كلاسيكية، أي مكرسة ومبجلة.(المترجم)

46- كانت فترة قرن في المسيحية تدل على فترة زمنية طويلة جدا دون ان تعني بالضرورة مئة سنة. ولم تكن الفترة محددة. ثم جاء القرن الثامن عشر لكي يحددها بدقة، فأصبح القرن يعني مئة سنة. (المترجم)

47- جان جاك روسو (1712- 1778) هو أحد أهم الفلاسفة والكتاب الفرنسيين في عصر التنوير. مارست كتاباته تأثيرا كبيرا على الثورة الفرنسية والاجيال اللاحقة. نذكر من بينها "العقد الاجتماعي"، "اميل"، وفي التربية". "الاعترافات"… الخ. (المترجم)

48- شاتوبريان (1768 – 1841) هو احد كبار الكتاب الفرنسيين في القرن التاسع عشر. جاء مباشرة بعد روسو وشهد الثورة الفرنسية، وكان مقربا من نابليون لفترة من الزمن. من أهم كتبه "مقالة حول الثورات" و "عبقرية المسيحية". "مذكرات ما وراء القبر"، كان سفيرا ووزيرا للشؤون الخارجية في فترة معينة. وهو على أي حال من اهم كتاب النثر الفرنسي على مر العصور.(المترجم)

49- ستندال (1782 – 1842): من أهم الروائيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر بالاضافة الى بلزاك بالطبع. من اشهر رواياته "الاحمر والاسود". انتقد اخلاق عصره وعاداته بشدة، وبخاصة عباد ته للمال، ومجد العاطفة والحب بشكل رائع. (المترجم)

50- في الواقع انها كانت قد ظهرت قبل ذلك التاريخ على يد بلزاك كما سيرد لاحقا. ولكنها لم تبلور بهذا المعنى الا على يد بودلير. لذلك يقول الناس بان بودلير هو مبلور مصطلح الحداثة بالمعنى الفني او الجمالي، في حين ان مبلورها بالمعنى الفلسفي كان فيفل وكلاهما عاش في القرن التاسع عشر.(المترجم)

51- بودلير (1821 – 1867): هو اهم شاعر فرنسي في القرن التاسع عشر وربما في العصور الحديثة كلها اذا ما استثنينا راهبو. كان مدشن الحداثة الشعرية على المستوى العالمي كله. وقد خلف وراءه ايوانا وحيدا. (المترجم)

52- هوراس والبول (1717- 1797): هو كاتب انجليزي، أكمل دراساته في كامبردج قبل ان يدخل الى البرلمان عام 1741. ولكنه سرعان ما تخلى عن الحياة السياسية لكي يكرس نفسه للأدب والرواية. وقد اشتهر خصوصا بمراسلاته.(المترجم)

53- تيوفيل جوتييه (1811- 1872): كاتب فرنسي معاصر لبودلير وفيكتور فيجو وجيرار دونيرفال.. كان يبحث عن الجمال الخالص ويقول: كل ما هو مفيد قبيح. الجميل لا يفيد شيئا، فقط جماله هو الذي يبرره وكفى.. ولذلك صنف في خانة أتباع الفن للفن. ورفض تسخير الفن من أجل الدعاية الاخلاقية او السياسية، ولذلك لا يمكن تصنيفه في خانة الأدب الملتزم. ومن المعلوم ان بودلير أهدأه ديوانه الشهير "أزهار الشر". (المترجم)

54- من المعلوم ان بودلير كان يكره البورجوازية ولا يطيق قيمها وأخلاقها القائمة على العمل والمنفعة والربح والادخار وتراكم رأس المال. وبعا ان الطبقة البورجوازية هي التي صنعت الحداثة المادية والصناعية في القرن التاسع عشر، فقد كان محتوما ان تصطدم حداثتها بحداثة بودلير القائمة على قيم أخرى غير المنفعة والربو والجشع.(المترجم)

55- هذا يعني ان حركة ما بعد الحداثة التي ابتدأت قبل عشرين سنة في فرنسا تريد تجاوز هذا التناقض او الوجه الازدواجي الذي ينطوي عليا مفهوم الحداثة. فالحداثة كانت تعني التصنيع وتعميم التكنولوجيا وقلب البنى التحتية للمجتمع الريفي الزراعي. وكانت تعني ايضا الاستغلال والجشع واستغلال العمال الفقراء والمسحوقين، هذا من جهة. واما من جهة أخرى فكانت تعني لدى بودلير وأمثاله الهروب من المجتمع وتأسيس قيم الحرية الفردية والتعبير عنها من خلال قيم جمالية جديدة. والآن جاء وقت مصالحة الحداثة مع ذاتها.(المترجم)

56- واضح أن بودلير يعتذر عن اشتقاق هذه الكلمة الجديدة في اللغة الفرنسية (modernits) فالواقع انها كانت تبدو غريبة او شاذة كعادة كل الاشتقاقات الجديدة. ولم يكن يعلم انها ستلقى نجاحا منقطع النظير وتتجاوز حدود اوروبا لكي تصل الى كل انحاء العالم. فعندما نشتق كلمة جديدة في أي لغة من اللغات تبدو بشعة في البداية ثم سرعان ما يألفها الناس او يرفضونها فتحدث بعد فترة من الزمن.(المترجم)

57- هنا تكمن عظمة بودلير او حسه الاستشرافي البعيد المدى. فالواقع ان كل فنان كبير او شاعر مهم كان حديثا في عصره لانه عرف كيف يعانق اللحظة التاريخية التي عاشها وعرف كيف يتجاوزها في آن معا. لقد جمع في شخصا (او في فنه) بين الخالد/ والعابر، بين اللحظة التاريخية، والابدية. المتنبي مثلا بهذا المعنى شاعر حديث بدون شك. (المترجم)

58- بمعنى آخر فان الحداثة قد أصبحت حالة نفسية او حالة فنية قد تنوجد في كل الأزمنة وفي كل العصور. فشكسبير كان حديثا في وقته أو قل ان الحداثة تجسدت في شخصا، مثلما تجسدت في شخص دويستوفسكي او بودلير او رامبو او أبي تمام أو المتنبي أو غيرهم من كبار المبدعين.

59- المقصود بالطليعيين المتطرفين أولئك الذين يعتقدون انه يكفي ان نكون أحدث من حيث الزمن لكي نكون اكفر حداثة ممن سبقونا. انهم يلهثون وراء اللحظة، ويعتقدون ان كل لحظة افضل من سابقتها لمجرد انها أتت بعدها، ولذلك أصبحوا يتمسكون بالصرعات الجديدة كلما ظهرت ثم يتخلون عنها بنفس السرعة اذا ما سقطت او انصرفت الأنظار عنها. لقد نسوا ان حداثة اللحظة لا تكفي وانما ينبغي ان تكملها الحداثة الفنية أو الابداعية (أي عمل حقيقي او انجاز عبقري معين). (المترجم)

60- رامبو (1854 – 1891): هو أهم شاعر فرنسي بعد بودلير، وبعضهم يعتبره أهم من بودلير. كان مثالا على العبقرية المتفجرة التي سرعان ما احترقت بعد ان اشتعلت او توهجت لبضع سنوات فقط. لقد أغنى الرمزية في الفن قبل ان تولد الحركة السوريالية وتحييه بصفته أحد قادتها المبكرين، أو أحد الطليعيين الذين دشنوا الثورة الدائمة للروح. (المترجم)

61- بمعنى ان صورة بيت منهدم في وسط باريس يمكن ان تشكل دليلا على الحداثة إذا ما نظر اليا الفنان بطريقة ما: أي بطريقة تستوعب الحاضر والماضي في آن معا. فالحداثة لا تعني احتقار الماضي، وانما تعني فهم ما كان حاضرا فيه في لحظة ما. والحديثون الحقيقيون هم الذين يعرفون قيمة التراث في الوقت الذي ينفصلون عنه لكي يبدعوا شيئا آخر. انهم أوفياء وخونة في ذات الوقت. (المترجم)

62- قسطنطين جوين ورد اسمه أكثر من مرة وقد آن الأوان للتعريف به (1805 – 1892): كان معاصرا لبودلير كما هو معروف، وقد كتب بودلير نصه الشهير عن الحداثة من خلال التعليق على رسومه معتبرا اياه "رسام الحياة الحديثة". كان يرسم مشاهد الحياة العسكرية والحياة اليومية الباريسية بشكل حقيقي وواقعي. (المترجم)

63- بمعنى ان بودلير كان يحتقر البورجوازيين بشكل عام ولكن هناك بعضهم معن يهتمون بالفن او يشترون اللوحات الفنية معن يحترمهم. لماذا؟ لانهم لا يهتمون فقط بتجميع الفلوس وانما يقدرون ايضا القيم الجمالية الخالية من المنفعة المادية. (المترجم)

64- وهي الخاصية التي سوف يدعيها ب. كلي (P.Kiee) في حركته الرسمية. انظر أيضا كتاب.ج. أجامبين "طفولة وتاريخ" منشورات بايو، 1989. (المؤلف)

G. Agamben: Eniance et listoine, payot, 9891.

65- بمعنى ان بودلير كأي فنان كبير، كان يعرف كيف يتخذ مسافة عن الموضة الرائجة او الصرعات الدارجة التي سرعان ما تتبخر وتزول، كان يعرف ان ينفذ الى أعماق العمل الفني فيرى ما هو حقيقي فيا اذا كان حقيقيا، ويرفضه اذا كان فقط خاضعا للصرعة الدارجة. فهناك فرق كبير بين الحداثة والصرعة الدارجة. (المترجم)

66- بمعنى ان الجميل يحتوي على اللحظة الراهنة ويحتوي على القيم الأبدية الخالدة للفن. ولذلك فهو ذو وجهين، أي مزدوج التركيب بالضرورة، وهذا ما يفرق بين الفنانين الكبار والفنانين الصفار، صحيح ان الجميل تاريخي، أي مرتبط بلحظة معينة من حيث نشوشه، ولكنه خالد او ابدي من حيث انه يحتوي على قيم أبدية تخترق العصور، وهكذا تصبح معادلة الحداثة على النحو التالي: بعد عابر + بعد أبدي. (المترجم)

67- بمعنى ان البورجوازية هي وحدها القادرة على شراء اللوحات الفنية، فالطبقات الشعبية لا تستطيع أن تشتري الفن، بل ولا حتى ان تستمتع به لأنها مشغولة بالبحث عن لقمة الخبز. فالاستمتاع بالفن يعتبر ترفا وحكرا على الطبقات العليا او المثقفة في المجتمع. وهكذا تتحول اللوحات الفنية الى سلعة خاضعة لقوانين السوق والعرض والطلب. (المترجم)

68- بمعنى ان اهمية بودلير تكمن في اكتشافه لازدواجية الحداثة: أي لكونها مشكلة من وجهين، وجه عابر، زائل (هو لحظة الحاضر)، ووجه أبدي خالد يتجاوز كل لحظة حاضرة، صحيح ان للحداثة تاريخيتها، أي ارتباطها بلحظة تاريخية معينة، ولكنها تنطوي ايضا على بعد خالد يتجاوز كل العصور التاريخية. (المترجم)

69- هذا الجدل (او الديالكتيك) الكائن بين العابر/ والخالد هو الذي يشكل جوهر الحداثة كما قلنا. وأحيانا يركز بعضهم على العابر فيتحولون الى صرعات دارجة، وأحيانا يركزون على ما هو خالد فيتحولون الى فنانين كلاسيكيين أو جامدين قليلا أو كثيرا، والفنان العظيم هو الذي يعرف كيف يمزج بينهما بنسبة موفقة وناجحة. (المترجم)

70- انظر كتاب ب. هاناك: "رحلة الى البلد الرنان أو فن السؤال"، جاليمار، 1993.

P. Handke: voyage au pays Sonose ou past de la question, Gailiwasd,  1993 (المؤلف).

71- المقصود بحركات الترميم الحركات التي تريد العودة الى الوراء. وهي عادة تجيء بعد الثورات او الانقلابات الكبرى التي يشهدها المجتمع وتهزه هزا فتحاول ان تعود به الى حالة ما قبل الثورة. ولكن العودة الى الماضي بشكل كامل (أو اعادة الماضي) عملية مستحيلة في الواقع. انظر حركة الترميم الملكية المحافظة التي حصلت بعد الثورة الفرنسية وكيف انها أرادت ان تعود بالمجتمع الفرنسي الى الوراء ولكنها فشلت في نهاية المطاف. فالماضي الميت لن يعود أبدا. ووحدهم الرجعيون – أي الذين يحنون رجعيا الى الوراء- يعتقدون بامكانية ذلك. (المترجم)

72- بهذا المعنى فان مفهوم الحداثة الجديدة (neo- modernisme) لا معنى له الا اذا أخذناه بالمعنى التاريخي. فالحداثة هي معطى بنيوي لا كروندلوجي (أي متسلسل في الزمن). نقول ذلك على الرغم من أنها مؤسسة على تاريخية معينة.(المؤلف)

73- ريلكه (1175 – 1926) شاعر نمساوي كبير. كان حساسا الى درجة المرض بسبب تمزقه الدائم بين الامل / والخوف، بين الرجاء/ والقلق. كان يسعى الى النور والخلاص بكل جوارحه وفي ذات الوقت يحبطه الخوف من الفقر والألم والموت. وعن هذا الصراع المزمن والضاري نتجت أشعاره الخالدة. (المترجم)

– ديم ويندرن: هو مخرج سينمائي الماني ولد عام 1945. اشتهر بتركيزه على موضوعات خاصة: كالوحدة، والهامشية، والضياع…

– بول كلي: (1879-1926): هو رسام وكاتب ألماني. كانت رحلته الى تونس عام 1914 قد فجرت الالهام في داخله بسبب اكتشافه لأنوار الشرق الساطعة وألوانه. وقال عندئذ جملته الشهيرة: "ان اللون وانا لا نشكل الا جسدا واحدا. انا الآن رسام ورسام فقط".(المترجم)

– جان كوكتو: كاتب فرنسي معروف (1889-1963) كان كوكتو مرتبطا دائما بكل ما هو حديث.(المترجم).
 
هاشم صالح (كاتب عربي يقيم في فرنسا)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …