مقتــل رغبـــة

  كان ذاك اليوم عادياً، من أيام الصيف؛ والعامراب.. تلك القرية التي لا يميزها عن بقية قرى النيل شيء، لولا أنه يحتضن نصفها الأعلى وهي مستلقية في وداعة طفل متشبث بثديي أمه، فيما يطلق ظهرها لتنهشه الريح وحر الشمس ووحشة الليل خلف الخط الحديدي المحاذي للجانب الشرقي له، هي وما حولها من قرى تنتظر بواكير الخريف لتعود إليها نضارتها، وقد ملَّت هجمات الرمال شتاء، حتى الضفاف باتت عطشى والمياه تغوص إلى أسفل قبل أن يبلغ النيل أدنى انحسار له. وشريط اليابسة المتمد غربي الخط الحديدي، الذي لم تحتله جيوش الرمال بعد، يبدو بائسا في ذلك الوقت، سوى من بعض محصول  «أب سبعين»، تناثر هنا وهناك، يبلل بندى خضرته تلك التربة المتجهمة.

بمزاج غير رائق وبهجة روح مفتفدة فشلت في العثور عليها، نهضت أم مبارك قبل أن تلوح بيارق الصبح. وقبل أن توقد نار الشاي، كانت قد أنهت صلاتها بالدعاء بالصحة والعافية لولدها وإبنتها وبالمغفرة والرحمة لزوجها الذي رحل منذ أكثر من عام. استغفرت ربها وهي تمسح تلك الدمعة التي غازلت عينيها، مستغربة لتلك الحالة التي تلبستها لثوانٍ، ولكنها نهضت بعد أن أكملت أورادها وهي لاعنة إبليس.

ألحت عليها تلك الحالة متصاعدة إلى فكرة لتصيبها بتوتر، مما جعل الجزء الأيسر من شفتها العليا يرتعش، وكلمات فكي حاج العوض دائرة حولها متعلقة بزيل تفكيرها كما خيوط العنكبوت، فشلت تماماً في التخلص منها. تمنت لو أنها لم تحتاج إلى الذهاب مساء لدكانه. لفها بنظرة ارتعدت لها أجزاء من جسدها وهو يقول لها :  «لماذا لا تتزوجين يا بنت الماحي؟!» لم ترد عليه وهي التي دائماً ما تتجاذب معه أطراف الحديث، بل خرجت مسرعة وهي تلملم ارتباكها وحاجياتها التي اشترتها.

التردد وكثير من الخجل منعاها من تقديم شاي الصباح إلى جد أبنائها، كيانها منقلب الآن وتخشي أن يتسرب ذلك الإحساس وتلك الأفكار التي تبذل جهدها لدرجة التعرق في طردها، لكن دون جدوى. آثرت البقاء في مطبخها تنتظر إبنتها مريم لتتخفى خلفها، وأغلقت النافذة الوحيدة التي تخترق من خلالها أشعة الشمس المكان خوفاً من نقلها إلى خارج إطارها وتتناقلها الألسن. تملكها شعور بأنها إن خرجت الآن فإن جسدها المنهك وروحها المتعبة سيفضحانها، وكل شيء ستكشفه نظراتها.

 «لابد من فعل شيء ينتشلني من ذلك الوحل الذي أخوض فيه» هكذا فكرت لتزيد من استغفارها ولعنها لإبليس وتقرر اللجوء إلى شيخ اللالوبة، ستزور القبة وفي أقرب وقت، بل اليوم، لتأخذ من بركاته وتجلب معها بعض تراب من قبره للتمسح به علَّه يزيل عنها الغم الذي يتلبسها. لقد قطعت على نفسها وعداً بأن ترعى أطفالها دون أن تلتفت إلى نفسها، وقد هالت كل ما هو متاح لتطفئ جذوة رغباتها في تصميم وهي مدركة حجم غواية جسدها الفاتن، الذي يمكن أن يجتذب الكثيرين من رجالات العامراب وما حولها. لشدة ما كانوا يحسدون منصور على زواجه منها بعد معركة طويلة استطاع أن يكسبها.

بعضهم يرغب فيها الآن، ولكنهم لا يتجاسرون على الحديث صراحة وقد ظلت منذ انقضاء عدتها، بعد وفاة زوجها، حديث مجالس خاصة يصلها طرف منه دون أن تكترث كثيراً لذلك. ولكن أن يصرح بها الفكي حاج العوض جعلها تنظر إلى دواخلها وتلتف حول نفسها ليصيبها بعض التردد. بل وذهبت إلى أكثر من ذلك وهي تتحسس جسدها مطلقة شهقة خافتة عندما بلغت يداها موضعاً أسفل صدرها، وكأنما أطلقت عقال مارد ظل حبيس أدراج شهوتها، ولكنها سرعان ما أعادتها وأحكمت إغلاقها.

دخلت عليها مريم ليزداد اضطرابها متوجسة من نظرات إبنتها، التي لا تحمل بين ثناياها فكرة محددة، فهي وبرغم ثمارها التي بدأت تبعث بالأكلان في مواضع نموها، لكنها مكسوة -لا تزال- بطفولتها التي لا تذهب بعقلها بعيداً. وربما تفكر بأنها ستتزوج يوماً ما، مثلما تفعل رفيقاتها بصوت مسموع أوقات خلوتهن، دون أن تلامس أفكارهن بعد رغبات أنثى مصابة بحمى الرغبة. رغم ذلك اضطربت أم مبارك متحاشية النظرة المباشرة إلى وجه إبنتها، وهي تضع لها إبريق الشاي ساخناً لتحمله إلى جدها قبل شروق الشمس، ليتوجه إلى مزرعته. الموسم موسم تحضير، ولابد أن يشرف عليه كل يوم قبل أن تزاور الشمس ذات الشمال فالعمل لا يُحتمَل أثناء النهار الملتهب.

لم تشأ أم مبارك أن تخبر أحداً بمقصدها وهي تقطع أزقة العامراب الرملية متوجهة جنوباً قبل منتصف النهار، مضطرة إلى الكذب وهي تلتقي بعض النساء خاصة جارتها سعاد التي استطاعت التخلص منها بصعوبة. وما أن تجاوزت الخط الحديدي إلى الجهة الشرقية حتى لمحت إبنها مبارك يخرج من جوف مجرى السيل الخالي الذي يقطع الخط الحديدي ويمر جنوب العامراب في طريقه للنيل قبل أن يصب مياهه هناك أثناء موسم الخريف.

كان مبارك قادماً من اتجاه المحطة، قررت أن تتفاداه ولكنها بعد أن فكرت في زيارة بنات خالتها في حلة (-) القريبة من القبة بعد انتهاء زيارتها الأساسية، فضَّلت أن تصطحبه معها وأن ترجئ زيارة ضريح شيخ اللالوبة إلى ما بعد الظهر.  «ذلك سيبدو مناسبا» رددت في نفسها، وأقنعته، رغم تذمره، بضرورة مصاحبتها إلى خالاته. سار إلى جوارها بخطوات اكتسبت ثقتها من ذلك الجسد القوي الذي يوحي لمن لا يعرفه أنه قد تجاوز العشرين، ولكنه لم يبلغ الرابعة عشرة من عمره بعد.

والشمس ترمي بعمق ظلها شرقاً، غادرت أم مبارك بنات خالتها، وفي داخلها تعتمل أحاسيس مضطربة فشل ذلك العرق المتصبب على صدرها في إطفاء اضطرامها. الأشياء باهتة أمامها متشربة برائحة القبور التي تقترب منها، بعد أن فارقت إبنها الذي رفض مرافقتها إلى الضريح. ارتاحت هي لذلك ولكنها طلبت منه انتظارها في المحطة ليرافقها إلى الحلة، وكأنها تريد امتلاك كل بركات الشيخ وتسخيرها للخروج من مأزقها.. لا تريد أحداً يشاركها اليوم في اهتمامات الشيخ، ولا في استجاباته للدعاء. وبالرغم من تراجع توترها قليلاً أثناء المسافة الطويلة التي قطعتها لزيارة بنات خالتها، إلاَّ أن ذلك الشيء المتعلق بحبال أسفل حلقها يعيد ذبذبات القلق إلى حالها إلى أن بلغت أطراف محيط المقابر التي يتوسطها ضريح الشيخ.

تسعة وتسعون من أجداد الشيخ دفنوا في هذا الضريح، إضافة لأبيه، إلى أن انقطع نسل العائلة فيه ولم يتزوج هو حتى يخلف ذرية قبل أن يموت منذ أكثر من سبعين عاماً. ظل ضريحه مزاراً لكل القاصدين المنطقة. يقول الرواة أن جده الأول كان من أولياء الله الصالحين الذين لا ترد لهم دعوة حين يرفع يديه ويفتح قلبه للسماء. وسار في طريقه خَلَفَه من أبنائه، بعض الخبثاء يشيعون أن أكثر هؤلاء الأجداد كانوا يعيثون في الأرض فساداً، ولكن كانت تحميهم بركة جدهم الأول الذي وفد إلى العامراب من منطقة بعيدة، يعتقد البعض أنها من مناطق المغرب ويصر آخرون على أنه قدم من الحجاز. ولكن الجميع يشهدون بصلاح الشيخ الذي يعتقدون أنه ورثه من جده الأول دون شك. ويخشون أي حديث أو حتى تفكير في الإساءة إليه حتى الخبثاء منهم. ورغم أنهم يشكون في صلاح والده ويتقولون بأنه كان فاسداً ويقولون أنه جمع مرة بين ست زوجات في وقت واحد دون أن يبالي بحرمة ذلك. هذا غير العابرات.

رغم ذلك خرج في تشييع جنازته قوم لا حصر لهم ولا قبل لأهل المنطقة بهم لايدرون من أين أتوا ولا إلى أين ذهبوا بعد ذلك، مما جعلهم يتوجسون خيفة من الاقتراب من المقابر بعد دفنه. حتى أنهم هجروها وصاروا يدفنون موتاهم ردحاً من الزمن في مقابر قرية (-) قبل أن يتوفى ابنه الرجل الصالح شيخ اللالوبة، ليدفن مع أجداده وبجوار أبيه. بنى له أهالي القرى حول المحطة، وبمبادرة من أهالي العامراب، ذلك الضريح الذي يزورونه حتى اليوم في المناسبات، وكل ما ألمت بالواحد منهم ضائقة.

وها هي أم مبارك تقدم رجلاً وتؤخر الأخر، قبل أن تخترق الطريق الضيق بين القبور المحيطة بالضريح قبل أن تصله. طقس مفعم بالموت لف حواف روحها في تلك اللحظة، وانطفأت تلك الجذوة التي ظلت تؤرق جسدها منذ ليلة أمس. شيءٌ غريب بدأ يحدث وكأن حركة داخل القبور، التي صارت تحيط بها من كل جانب، تحاول أن تلفت انتباهها، إلى أن مرت بقرب قبر زوجها. صعقت وهي تراه أمامها يبتسم وعيناه مليئتان بالعتاب لأنها لم تزره منذ زمن. كادت أن تصرخ بأعلى صوتها  «منصور.. أبو مبارك!! » ولكنها شعرت بالأرض تميد من تحتها، وألفت نفسها جالسة على حافة القبر قبل أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتحمل نفسها على النهوض لتواصل سيرها بعد أن رفعت الفاتحة على روح زوجها.

مع اقترابها من الضريح تراءت لها كل الأشياء.. منفتحة أمامها بوابة كبرى من الحقيقة.. مدفوعة هي إلى تجاوزها الآن، لا سبيل للتراجع رغم الخوف الذي يسيطر عليها ويضيق خناقه من كل ناحية. سائرة بلا جسد يحملها.. عارية تماماً إلاَّ من حقيقة كون روحها النبيلة مشبعة بالوفاء والعرفان، وما زالت تسبح في نقائها. هذا ما سيجعل قلب الشيخ ينفتح على بوابات السماء وتستجاب دعواتها. ولكن الحقيقة المنفتحة أمامها الآن تجبرها على الارتفاع درجة بالتطهر وغسل ذلك الدرن الذي تعلق جسدها وجعلها تحس برعشة اللذة مساء أمس.. عليها أن تتطهر حتى لا يتعلق ولو جزء منه بتلك الروح النبيلة السائرة الآن، عليه أن لا يتجاوز الجسد، فعذاب الجسد أهون كثيراً من عذاب الروح.

 «محاسن بنت نفيسة بنت آمنة بنت ست النفر.. واقفة أنت اليوم أمام الحقيقة الكبرى. انسي ما فات فباب الرحمة أوسع من كل الأبواب، ولكن عليك أن تفعلي شيئاً قبل فوات الأوان حتى تسلكين بقية الدرب طاهرة نقية». الصوت أضخم من الاحتمال، ولكنها بلا جسد الآن وروحها صافية لا حجر يحرك سكون بركتها، ومعها ست النفر تلك القشة المعلقة بنسل الشيخ. لتجد نفسها وسط أهلها وعلى رأسهم زوجها كلهم واقفون بوجوه متهللة مرحبة بها، وهي سابحة في عالمها اللا نهائي.

ينسرب ضوء باهت في ذلك الفضاء، وهي سابحة مرة ومحلقة أخرى. ونشوة غامرة معلقة بأطرافها. تلمح من وجودها العلوي شيخها داكن البشرة بلحيته البيضاء وجسده المهيب، ليتردد صوت في داخلها تمدد صداه إلى البعيد  «إنه مبارك .. إنه إبني». ويزداد إحساسها بالنشوة والفخر. يقف الشيخ على حافة الضفة الشرقية للنيل، وترتفع مياهه رويداً رويدا، لتصل إلى قمة الضفاف. يفرد الشيخ  «فروته» ويرفع بصره إلى أعلى ويلوح لها قبل أن يمتطي  «فروته» ليعبر إلى الضفة الأخرى ذائباً في فورة المياه ليختفى بعد عبوره بين تلك الأشجار الكثيفة على الضفة الأخرى.

وكأنما رعدة أصابت الكون عند انحسار المياه عن الضفاف مرة أخرى.. السماء غطَّاها سواد شفيف يسمح للبصر -في صعوبة- باختراقه ليفتقد زرقتها الصافية.. والكثبان الرملية متحركة حول مركزها في بطء منذرة عن عاصفة لا مثيل لها. والأشجار تمايلت في سرعة تساقطت على إثرها كل الفروع المتيبسة والأوراق التي ضربها حتى بعض اصفرار، لتبقى تلك المخضرة فقط متمسكة بأهداب أغصانها اليانعة التي قاومت بشدة فعل العاصفة. ويعود الشيخ بذات الطريقة من رحلة القرون التي اخترق خلالها كل الحواجز، ويهدأ كل شيء.

ومحاسن ملتصقة بالضريح، متمسحة بالحائط الدائري والعرق متصبب من كل مسامات جسدها، لتشهق في عمق وهي تشتمُّ رائحة الموت من كل ناحية. ولكنها شعرت بارتياح عظيم داسَّةً في طرف ثوبها بعض التراب الذي أخذته من أرض الضريح، قبل أن تحمل جسدها على قدميها عائدة بذات الطريق الذي سلكته، متحاشية الاصطدام بحواف القبور المنتشرة حول الضريح.

لم يعد يؤرقها ذلك الهاجس، بل إحساسها بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن كاهلها جعلها تنطلق في خِفَّةٍ صوب المحطة قبل مغيب الشمس. إنها نشوة الموت وطريق الاحتضار هو الذي تسير فيه، لتقطع تلك المسافة التي ستلتقي فيها بابنها مبارك تحت شجرة النيم الكبرى في وسط باحة المحطة.

ظل الموت طقساً اعتيادياً في العامراب، يلف أهلها بالحزن والأسى قليلاً، ولكنهم يستغلون أيام إقامة سرادقه في تدبير شؤونهم الحياتية، وهي شبيهة بأيام الأعياد التي يتوافد فيها أبناؤها من مختلف المدن ليدفعوا بين أوصالها دفقاً من الحياة وحراكاً إنسانياً يكسر حدة الرتابة والسكون الذي يكتنفها، وكذا الموت يبعث بالحياة في أهلها وبين أزقتها التي يتجول فيها كثيرون من أبنائها كانوا قد انقطعوا عنها لأسباب مختلفة.

ولكنه هذه المرة جاءهم في محاسن وبتلك الصورة الفاجعة. وها هي سائرة خلف ابنها مبارك، لاهثة لتلحق به في ذلك المنعطف محاولة أن تعبر إلى الجانب الغربي من خط السكة حديد، قبل أن يتجاوزها القطار الذي تحرك لتوه من المحطة. حلم الضريح سيطر عليها وهي في منتصف طريقها لتجاوز الخط الحديدي. صرخ فيها مبارك بأن تسرع في العبور، لكنها تسمرت في مكانها، شيء ما شدَّها إلى البقاء في ذلك الوضع لا تحرك ساكناً. وتراءى لها شيخ اللالوبة وذلك المشهد المهيب الذي عاشته بتفاصيله. وروحها، في انجذابها لعوالم مبهمة ملامحها، تمارس التطهر محلقةً بعيداً في غمرة ذلك الضوء.. باسمة.

حاول ابنها جذبها من يديها لإخراجها من وسط الخط لكنه ارتبك متردداً وهو يراها مبتسمة وعيناها تشعان بضوء غريب. وكان القطار أسرع من إمهاله وقتاً للتفكير.. دهسها في منتصف المسافة بين المحطة والعامراب. وتناثرت أشلاؤها جزءاً جزءاً ليتصاعد دمها رغوةً بيضاء قبل أن يلامس الأرض أحمر.ش
 
أمير بابكــر عبــدالله كاتب وروائي سوداني

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …