مقدمة فـي فلسفة التاريخ

ملخص :
تتطرق هذه المقدمة للتعريفات والجهود التي دارت حول مناهج وطرق كتابة التاريخ بشكل ٍ عام والتساؤلات التي دارت بين العديد من المدارس حول كتابة التاريخ، بداية ً من هيجل الى الحوليات والتاريخ الجديد مرورا ً ببعض المحطات الهامة في هذا المجال، وذلك عن طريق منهج تاريخي زمني.

يعتبر موضوع كتابة التاريخ من المواضيع الإشكالية التي لم يتوقف البحث فيها، والتنظير حولها، بطرق متعددة، ومناهج مختلفة، لذلك نجد ان الكثير من الفلاسفة والمفكرين و الشعراء القدامى والمعاصرين، أولوا اهتماما ً كبيرا ً لموضوع التاريخ ومناهج كتابته.
 ستكون منهجية هذا البحث، منهجية زمنية تاريخية، تبدأ بالفيلسوف الألماني : هيجل (1770م – 1831م) الى الحوليات الفرنسية والتاريخ الجديد، مرورا ً ببعض المحطات التاريخية الكبرى.
تعود أسباب بدء هذا البحث بهيجل الى مجهوداته، وتنظيراته، ودوره المؤثر في كتابة التاريخ ومناهجه، أو كما يقول الفيلسوف الفرنسي: فوكو (1926م-1984م) «إن عصرنا كله يحاول أن يفلت من هيجل»(1). «فالنهج الهيجلي يحتل موقع القلب في فلسفات التاريخ، ذلك انه أدمج البعد الزمني في عمق الأنطولوجيا»(نفس المصدر).
فلسفة التاريخ : دلالات مختلفة
من المعروف ان فولتير(1694م-1778) هو اول من إستعمل عبارة «فلسفة التاريخ»، عندما طالب ان يكون المتمعن في أخبار الماضي مواطنا ً وفيلسوفا ً»(2).
تشير «فلسفة التاريخ» الى منظورين أساسيين:
1) دراسة مناهج البحث: وهي تعني الطرق التي يكُتب بها التاريخ، وكيفية التحقق من صحة الوقائع التاريخية، والكشف عن مدى صدق الوقائع ومناقشة فكرة الموضوعية في التاريخ.
2) النشاط التركيبي : وفيه يقدم المؤرخ او الفيلسوف وجهة نظره عن مسار التاريخ ككل(3).
 في حين يقول «فرانسوا شاتليه» ان عبارة «فلسفة التاريخ» يمكن ان تكتسي ثلاث دلالات اساسية: فبمعنى اول تنطبق العبارة على كل كتابة فلسفية تأخذ بعين الاعتبار السمة التاريخية كصيغة أساسية من صيغ الوجود الانساني تقتضي التفسير والتأويل، وهو ما يتضمن مواقف متضاربة من كتابة التاريخ تختلف باختلاف المؤرخ. وبمعنى ثان ٍ تشمل «مدونة البحوث الصادرة عن المؤرخين والفلاسفة الذين ارادوا منذ قرنين ان يقيموا المكانة التي تحتلها المعرفة التاريخية في نظام المعارف، مع المقارنة بما تقدمه العلوم الدقيقة، وذلك بتحديد موضوعاتها ومناهجها ونمط الحقيقة الذي يمكن ان تبلغه. اما المعنى الأخير فهو تحديد «فلسفة التاريخ (كأنطولوجيا للصيرورة)، وهو الذي يحرص على تأكيد ان مسار الإنسان منذ بداية الزمن، يقوم على وحدة عميقة ويمتلك معنى دفينا ً، ويمكن أن يضبط هذا المعنى في فكرة «القدر الإلهي»(4).
تنقسم فلسفة المؤلفات التي تنعت بفلسفة التاريخ الى ثلاثة انواع(5) :
– الاول : هو الألصق بمفهوم الفلسفة التقليدية ويرمي الى الكشف عن منطق ٍ باطني يوحد أغراض الحوادث ويوجهها نحو تحقيق غاية مرسومة : نذكر من بين أعلامه : أوغسطين، هيجل، كونت…
-النوع الثاني : الذي يعكف على المقارنة بين الوقائع، مميزا المهم منها عن التافه، بالنظر الى مفهوم محوري يمثل قيمة خلقية مثل الدولة او الحضارة او الحرية او العدالة، ومن ابرز ممثليه: ماكيافيللي، فولتير…
-النوع الثالث : يعتمد الاستقراء ولايكاد يختلف عن التاريخ المقارن. يبحث عن الظواهر المتواترة والدورية (الدول والثورات) في أحوال الشعوب والأقوام. ومن المبرزين فيه نذكر : ارنولد توينبي، ألفرد فيبر..
يقودنا هذا التقسيم الى «التاريخ كصناعة لا كمجموع حوادث الماضي، فهو تاريخ البشر للبشر وبالبشر(6)، وهو ما يعني ارتباط كتابة التاريخ بالوعي، وعي المؤرخ وايديولوجيته الفكرية التي توجهه لحظة كتابته للأحداث. فهناك الكثير من الأحداث التي تقع في الحياة دون ان يتم الإلتفات لها او تدوينها فضلا ً عن جعلها حدثا تاريخيا فاصلا. ذلك ان علم «التاريخ بدأ في صورة تحقيب، حيث جاءت المرويات التاريخية عقب الملاحم، فنسجت على منوالها، هذه تحكي أخبار الآلهة والعمالقة وتلك تسوق أخبار الملوك (العروي، مصدر سابق، ج2، ص273).
هيجل : العقل يحكم التاريخ
لا ينفصل وعي المؤرخ عن كتابته للتاريخ عندما يكون معاصرا ً للأحداث التي يكتبها، او باللغة الهيجلية، عن التاريخ الأصلي: وهو ينطبق على تلك الفئة من المؤرخين «الذين اهتموا بصفة خاصة بوصف الأعمال والأحداث، وأحوال المجتمع التي وجدوها ماثلة امام أعينهم والذين شاركوا في روحها، فهم ببساطة قد نقلوا ما حدث في العالم من حولهم، الى عالم التمثل العقلي»(7). ومن هذه الزاوية «تكون المؤثرات التي شكلت الكاتب هي نفسها المؤثرات التي شكلت الأحداث التي تكون مادة روايته، وروح الكاتب هي نفسها روح الأحداث التي يرويها، فهو والحالة هذه يصف مشاهد شارك هو نفسه فيها، او كان على أقل تقدير شاهدا مهتما ً بها» (المصدر السابق، ص69)، في حين ان التاريخ النظري وهو ما يطلق عليه هيجل : «التاريخ البرجماتي (العملي)، هو حينما يكون علينا ان ندرس الماضي، وان نشغل انفسنا بعالم ٍ بعيد عنا، وهو يعتمد على التأملات النظرية التي تكون مثيرة وباعثة للحياة في الأحداث بالفعل، فتتوقف على روح الكاتب، ذلك انها تعُنى باستخلاص التعاليم الأخلاقية من التاريخ، لذلك نجد كثيرا ً ان المؤرخ النظري كأنه يتعسف في ذكر الوقائع التاريخية لأنه يسقط «روح عصره» هو على العصور الغابرة» (المصدر السابق، ص74). يأتي التاريخ الفلسفي بعد ذلك بمثابة روح الإنسان في التاريخ، فهو يعني «دراسة التاريخ من خلال الفكر، ذلك ان ما يميز البشر – بحق – هو الفكر او الوعي او العقل او الروح، ومن هنا فإن هيجل ينبهنا الى ان الفكر مبثوث في كل ما هو بشري» (المصدر السابق، ص40)، فإذا كان التاريخ الحقيقي «للإنسان لا يبدأ الا مع ظهور الوعي وبالتالي فإن المجتمعات الأولى التي كانت تعتمد على الأساطير لا تكون جزءا ً من تاريخ الإنسان فهو في هذه الحالة يكون فيها متحدا ً مع الطبيعة، عاجزا ً عن التعرف على ذاته، إذ لا بد ان ينفصل عنها بحيث يصبح واعيا ً بنفسه حتى لو ظل هذا الوعي معتما ً لفترات ٍ طويلة من التاريخ» (المصدر السابق، ص41). بحسب هيجل يُعتبر «تاريخ العالم مسار تكافح فيه الروح لكي تصل الى وعي بذاتها، أي لكي تكون حرة، ومن هنا فهو ليس إلا تقدّم الوعي بالحرية، وكل مرحلة من مراحل سيره تمثل درجة معينة من درجات الحرية». فالحرية حسب المفهوم الهيجلي تعني التعيّن الذاتي او التحديد الذاتي او الاستقلال، فأنت حر بمقدار ما تكون مستقلا ً لا تعتمد في وجودك على شيء آخر خارج ذاتك. فالروح لكي تكون حرة حرية أصيلة عليها ان تعتمد على نفسها فقط، أعني أنها لا بد أن تكون هي الذات والموضوع في آن معا ً(المصدر السابق، ص48).
ترتكز الفلسفة الهيجلية بالرغم من اتساعها وعمقها وتأثيرها الكبير في طرق التفلسف والكتابة اللاحقة، على ان «المعقول واقعي، والواقعي معقول»(8) وهي تعني بأن كل واقعي او متحقق بالفعل هو دائما ً نتيجة لعمل او فعل معين، فالعقلي يحمل في جوفه القوة التي تجعله يتحقق بالفعل او يتحول من القوة الى الفعل فالعقل ليس مجردا ً ولا هو ملكة بشرية انه قوة (نفس المصدر السابق).
الهيجيلة وصراع التأويلات :
وصفت هذه الرؤية الهيجيلية بأنها مثالية، ذلك ان التاريخ حسب الرؤية الهيجلية هو «تاريخ الأفكار، وبالتالي لا يتغير الواقع إلا إذا تغير الفكر اولا ً» (9)، الأمر الذي أدى الى تشعب الفلسفة الهيجلية الى يسار ويمين – شأنها في ذلك شأن الكثير من الفلسفات العميقة التي تقبل صراع التأويلات – بين مقلد لها بشكل حرفي، ومعارض لها بصورة نهائية، وهو ما أدى الى ظهور الكثير من الفلاسفة اليمينيين واليساريين من رحم الفلسفة الهيجلية في تلك الفترة وهم : فيورباخ (1804م-1872م) وكارل ماركس (1818م-1883م) بالإشتراك الموضوعاتي والتأليفي مع فريدرك إنجلز (1820م-1890م) وغيرهم.
تعتبر اهم مساهمة لفيورباخ هي نقده للدين، «فالدين – حسب فيورباخ- هو حلم الإنسانية الأرضي، وعي الإنسان اللاواعي بذاته. فإذا ما استرد الإنسان وعيه، وانتقل من حالة اللاوعي الى الوعي اختفى الدين، وظهر الإنسان في الطبيعة والمجتمع. الدين اغتراب الإنسان عن نفسه وعالمه وأخذ أهم ما يتصف به الإنسان وهو الوعي بالذات وموضعته خارجا ً عن «الله» فيتعبده ويقدسه. والحقيقة ان الإنسان يعبد نفسه، ويقدس صفاته في صورة جوهر متوهم مفارق، ويرجع هذا الاغتراب الى شعور الإنسان بالعجز أمام القوى الطبيعية والاجتماعية»(المصدر السابق، ص260). مهدت هذه الرؤية التي طرحها فيورباخ لأخذ البعُد الإجتماعي بالحسبان في تفسير التاريخ، الأمر الذي أثر على الهيجليين الشبان اللاحقين ومن ضمنهم «كارل ماركس» صاحب النظرية الماركسية، الذي شن «لاحقا هجوما ً قويا ً على مثالية هيجل لرجعيتها ومحافظتها ولبيان التناقض بين المبادئ المعلنة والوقائع التي تفسرها» (نفس المصدر، ص263)، الأمر الذي جعل هذا الأخير يصرح بأن «الجدلية التاريخية عند هيجل تقف على رأسها مما يتوجب ان نقلبها رأسا ً على عقب» كما جاء في مقدمة «رأس المال» كتاب الماركسية المؤسس.ذلك أن نظرة «ماركس» الى تطور المجتمع هي المادية الجدلية، أي ان هذه هي منهجيته في تحليل التغيّر الإجتماعي. هذه «المادية الماركسية تقلب رأسا ً على عقب المنهج الهيجلي المثالي الذي يأخذ بالأفكار منفصلة عن النشاط الفعلي الذي يبذله الأفراد. رأى ماركس أن فهم العالم يتطلب في البدء معرفة أنشطة الناس، وأهمها العمل، ذلك ان الطبقة هي محصلة حياة الأفراد التي يشكلها سوق العمل، وعليه فإن المادية هي أساس الفهم الماركسي للطبقة الإجتماعية»(10). فتاريخ المجتمعات كلها – كما جاء في مقدمة البيان الشيوعي – حتى يومنا هذا هو تاريخ الصراع الطبقي، بين الطبقتين الأساسيتين في المجتمع : البروليتاريا والبرجوازية. فالأولى «طبقة تعتاش كليا ً من بيع عملها ولا تجني الأرباح من أي نوع ٍ من أنواع رأس المال وتتوقف حياتها أوموتها، لا بل وجودها بأسره، على طلب عملها وترتهن بالتالي بتعاقب الأزمات مع فترات الإزدهار الصناعي»(نفس المصدر، ص9). ثمة علاقة لا تقبل الإنفصال – حسب ماركس وإنجلز – بين قوى الإنتاج والوعي الإجتماعي حيث أن افراد مجتمع ما «يتمتعون في مرحلة تاريخية ما بقوة إنتاجية ترتكز الى معرفتهم ومهاراتهم التقنية المتوفرة لهم (الآلات والمعدات الخ)، والبيئة الجغرافية التي يعيشون فيها. تحدد قوى الإنتاج هذه انماط تحصيل العيش (الصيد، الزراعة، الصناعة) وتعين في الوقت نفسه كيفية ارتباط تلك الأنماط في إنتاج سبل المعيشة وتبادلها.وتحدد هذه الأوضاع المادية (البنية التحتية في المصطلح الماركسي) التي يحيي أفراد المجتمع في ظلها طبيعة أفكارهم وحقيقة مؤسساتهم (البنية الفوقية). وبلغة أخرى «ليس وعي الأفراد ما يحدد كيانهم الإجتماعي، بل على العكس تماما ً: إن كيانهم الإجتماعي يحدد وعيهم» (نفس المصدر، ص25).
مدرسة الحوليات : تجديد
في فلسفة التاريخ
«ليس من باب الصدفة أن تنشأ مجلة الحوليات سنة 1929م، وهي سنة اندلاع الأزمة [الاقتصادية]الكبرى»(11) وليس من باب الصدفة أيضا ً ان تكون الكثير من الأحداث السياسية كالحرب العالمية الأولى 1914-1918م، والتحولات الفلسفية الكبرى السابقة لهذا العام 1929م، بمثابة البواعث الإلزامية لجيل ٍ جديد من الشبان الفرنسيين الذي وجد «أصل تجذره في المعارضة المطلقة وفي الرفض الكلي للكتابة التاريخية المهيمنة والتي تسمى بالوضعية «(نفس المصدر السابق، ص41)، كما تمثلت هذه المعارضة أيضا ً في «رفضهم للسياسة، فاللعبة السياسية والحياة البرلمانية والأحزاب السياسية هي محل هجوم هؤلاء المثقفين. والدولة محل ريبة ومرفوضة كما لو انها خارج المجتمع «لذلك تم تطوير منهج يتمحور حول الإقتصادي والاجتماعي مهملين بصورة كلية الحقل السياسي الذي أصبح بالنسبة لهم هامشيا ً وملحقا ً ونقطة ميتة في افقهم» (نفس المصدر السابق، ص42)، كما ساهم ظهور العلوم الاجتماعية الجديدة، مثل : اللسانيات، والتحليل النفسي، وبشكل ٍ خاص علم الإجتماع الذي يهتم بالمجتمع ويقف على الحدود المباشرة للتاريخ، وعلم الجغرافيا وتطوراته المختلفة. غادرت مجلة الحوليات، التي كانت تصدر في البداية تحت عنوان «حوليات التاريخ الإقتصادي والإجتماعي»، غادرت أرض السياسة و«ارتادت آفاقا ً أخرى كالطبيعة والمشاهد والسكان والديموغرافيا والمبادلات والعادات…الخ.
يتلخص الجديد الذي جاءت به هذه المجلة بالرغم من التغيّرات التي طرأت عليها من حيث العنوان (في البداية كان اسمها : حوليات التاريخ الإقتصادي والاجتماعي، ثم حوليات التاريخ الاجتماعي (1939-1941م)، ثم أمزاج تاريخية (1942 – 1944م) ثم عادت المجلة الى اسمها القديم عام 1945م : حوليات التاريخ الاجتماعي وفي عام 1946م تبنت اسم الحوليات : اقتصاديات – مجتمعات – حضارات)، ومن حيث إدارات التحرير المتعاقبة (لوسيان فيفر ومارك بلوخ 1929 – 1956م، ثم تولى فرنان بروديل رئاستها عام 1969م)، ومن حيث انشغالاتها المتجددة (هيمن الاقتصاد عليها في العقدين اللذين عقبا الحرب العالمية الثانية مثلما هيمنت عليها الجغرافيا في الثلاثينات، في بداية الستينات برزت بوضوح هيمنة الانثربولوجيا البنيوية على المجلة بفعل تأثير عالم الأنثربولوجيا الفرنسي : كلود ليفي – ستراوس، وظهر ما سمي بالتاريخ الجديد عام 1978م، وبرزت اسماء مثل : جاك لوغوف، إيمانويل لو روا لادوري، جورج دوبي، وفرنان بروديل)، في النقاط التالية :
1) قطعت المجلة مع عزوف المؤرخين في بدايات القرن العشرين عن دراسة كل ما له علاقة بالمجتمع والإقتصاد والذهنيات وطالبت ببعث تاريخ جديد يعنى بهذه المسائل، ويولي اهمية خاصة للبنى التحتية، ويعتني بالناس العاديين والمهمشين والمغيبين.
2) دعت المجلة الى الشراكة الدائمة والتعاون الوثيق بين مختلف العلوم الإجتماعية مثل علم الإجتماع والإقتصاد، وركزت على تدعيم الأواصر مع الجغرافيا خاصة.
3) كانت تعتبر حتما ً ان التاريخ مدعو حتما ً الى ان يشمل ما هو غير مكتوب مثل علم الآثار وعلم الأيقونات، وطالبت بالقيام – ما أمكن ذلك – بالمقارنات وعدم التشرنق في التاريخ الفرنسي(12).
في نهاية الستينات أصبحت «الموضة» هي دراسة البنى الفوقية – لا البنى التحتية مثل قوى الانتاج، ووقع التركيز في تلك الفترة على الذهنيات او باللغة الرائجة آنذاك على المخيال، والمخيال ميدان تلاقح بين المؤرخين الماركسيين او المتأثرين بالماركسية والمؤرخين الفرويديين، وظهرت دراسات عديدة حول الموت والعلاقات الجنسية وانماط الحياة اليومية والطقوس الدينية والحب والخوف…الخ.(نفس المصدر، 21).
بروديل : وتعدد الأزمنة
لم يهتم مؤرخو الحوليات بالكشف عن القوانين التاريخية مثلما كان الوضع عند المؤرخين والفلاسفة السابقين، بل اهتموا بالانسان وآثاره : المادية والمعنوية، وهو ما أدى الى وجود تواريخ أي «تاريخ هذا الجزء او ذاك الجزء من الواقع ولم يعد تاريخ الواقع الكلي» (التاريخ المفتت، م س، ص269).
في سبيل فهم الظواهر التاريخية التي نراها ظاهرة امامنا يقسّم المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل (1902-1985م) التاريخ الى ثلاثة أزمنة رئيسية :
1) الزمن الجغرافي : يتسم هذا الزمن بأنه «شبه ثابت، وهو تاريخ الإنسان في علاقته بالمحيط الذي يعيش فيه، وهو تاريخ ينساب ويتغير ببطء، وتتخلله عمليات عودة ملحة ودورات متواترة باستمرار»(13).
2) الزمن الإقتصادي والإجتماعي : وهو تاريخ «تتخلله إيقاعات بطيئة، وقد نعتبرها تاريخا ً اجتماعيا ً، وهو تاريخ المجموعات والجماعات».
3) الزمن السياسي : وهو «التاريخ التقليدي، او ان شئنا : التاريخ حسب مقياس الفرد لا مقاس الإنسان، وهو التاريخ الحدثي».(نفس المصدر، ص23).
تساعدنا هذه التقسيمة للتاريخ التي اقترحها بروديل على فهم الطواهر الإنسانية التي تفاجئنا في حياتنا اليومية، وذلك عن طريق تقسيمها الى مستويات مختلفة، وبشكل ٍ خاص على مستوى الأمد الطويل، الذي يساعدنا على إدراك بعض التصرفات وعمقها التاريخي والمجتمعي.
خاتمة :
مرت فلسفة التاريخ بالكثير من المحطات المهمة التي لم تُذكر في هذه الدراسة، ومنها المساهمة الفرويدية (1856م-1939م) الهامة جدا ً في فهم تصرفات الإنسان التي أرجعها الى اللاوعي والأنا الأعلى والليبيدو، كما لا يمكن هنا تجاوز النقاشات الكثيرة والمعمقة التي أثارها الفيلسوف واللاهوتي الفرنسي بول ريكور (1913م-2005م) وعلاقة التاريخ بالسرد والذاكرة والأرشيف، وعلاقة كل ذلك بتأويل المؤرخ.
كل تلك المساهمات هي روافد في فهم السلوكيات البشرية بطرق مختلفة، طبقا ً للأدوات المتوافرة في كل عصر.

كاتب من عُمان

الهوامش
1- السيد ولد اباه : التاريخ والحقيقة لدى ميشال فوكو، دار المنتخب العربي، ط1، 1994م، ص19.1.
2- عبد الله العروي : مفهوم التاريخ ج1، المركز الثقافي العربي، ط3، ص175.2.
3- هيجل : محاضرات في فلسفة التاريخ : ج 1، العقل في التاريخ: ترجمة : د. إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير، ط2، 2005، ص31، 32.3.
4- السيد ولد اباه : مصدر سابق، بتصرف بسيط.4.
5- العروي : مصدر سابق : ج1، ص176.5
6- عبدالله العروي : مفهوم التاريخ ج1، المركز الثقافي العربي، ط3، ص17 و34.6.
7- هيجل : مرجع سابق، ص68.7.
8- هيجل : موسوعة العلوم الفلسفية : المجلد 1، ترجمة : إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، ط2، ص55.8
9- حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب : مجد، ط3، 2006، ص259.9.
10- انظر : البيان الشيوعي، كارل ماركس وفريدريك إنجلز، منشورات الجمل، ترجمة وتقديم : محمود شريح، ط2000، ص18، هامش 4.10.
11- فرانسوا دوس : التاريخ المفتت، ترجمة : د. محمد المنصوري، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2009، ص35.11.
12- فرنان بروديل : قواعد لغة الحضارات : ترجمة : د. الهادي التيمومي، المنظمة العربية للترجمة، ص19.12.
13- قواعد لغة الحضارات، مرجع سابق، ص22.13.

 
 

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …