من إقليم كيبيك (كندا) – نصوص قصصية مترجمة

إدريسية بلفقيه


أنتَ لا تقول لي أبدا إنني جميلة

جيل أرشمبولت (1)

أنت لا تقول لي أبدا إنني جميلة.
لو كان مارْك يتوفر على القليل من روح الرد السريع، لكان قد جاوب سيلينْ أن هذه الجملة قد وُضِعَتْ بشكل سيئ في معظم المحادثات التي أجرياها مؤخرا. المشاجرات تعقب الاستياءات بوتيرة منتظمة. على عكس النساء الأخريات اللواتي كان قد عاش معهن من قبل، هي لم تغادر البيت. حتى أنها كانت تبحث عن ذريعة لتوافق على تركه وحيدا في إحدى الليالي. الكراهية بدت لها علاقة ضرورية أكثر من الحب.
ماركْ لم يكن متنبها جدا. كان يعرف ذلك. أما بالنسبة لجمال رفيقته، فقد بدا له ذلك واضحا لدرجة أنه لم يعتقد أنه من الحكمة ذكر ذلك. لقد اعتاد على رؤية الجمال يحوم حوله. بالتأكيد، هو يلاحظ جيدا صلابة فخذيها حينما تتعرى قبل أن تذهب إلى السرير أو رغبة التحبيب في عينيها. لكن { يجب} تذكيرها بذلك؟ هذا يمكن أن يكون نوعا من اللغو. هكذا فقط، و قبل المجامعة، لو كان لديه كلمة في حق نهديها، الرشيقيْ الاستدارة. كانت ستنظر إليه في مظهر من الامتنان، كما لو أنها توقعت منه أن يمتدح جزءا آخر من جسدها، أنفها على سبيل المثال، الذي كان قد وجده الآخرون مثيرا للغاية. لكنه كان يصمت بسرعة، مشغولا بمداعبتها، للوصول بأسرع ما يمكن إلى ما يتوقعه الجميع، كما كانت تكرر ذلك لزميلاتها في العمل.
لماذا لا تقول لي أبدا إنني جميلة؟ أَصَرَّت.
لا أعرف، قال، كما لو كان يخرج من حلم.
لم يكن الجواب الذي كانت تنتظره. و متحفزة آنفا للهجوم عليه:
إذا كُنْتَ لا تعرف، سوف أعلمك. الخلاصة هو أنك مشغول جدا بِشَخْصِكَ التافه لرؤيتي. أنا أوجد أمامك، أتحرك في المنزل، أفتح باب الثلاجة، أرفع كبسولة الجعة، لكنك لا تراني. أنتَ في مكان آخر.
وهو يتظاهر برباطة الجأش، ويريد أن يثبت لها أنه كان يستمع إليها قليلا، قصد الثلاجة، تناول شراب برادور، وأفرغ محتواه في كأسين. محاولة للتقارب، مقدرا.
نظرت إليه بسخرية. هي لا تُشْتَرى بِكَبْسولة جعة.
لستِ عطشانة؟ الجو حارٌّ مع ذلك.
ما أريده، هو أن تخبرني أنني جميلة.
أنت تعرفين أنني أجدك أجمل فتاة في العالم. قلتها لك مائة مرة. أنا لا أنظر إلى النساء الأخريات. يجب أن تريني في الشارع، مثل رجل أعمى، أنا. ولكن إذا تَوَقَّفْتِ فقطْ عن إثارتي بغضبِكِ.
لقد ندم على الفور بعد نطقه بهذه الكلمات. لم يكن معتادا على العدوانية. في شعارهما الثنائي الذي يشكلانه، كانت هي التي تُبادر بالهجوم. كانت قد طَوَّرَتْ، من جهة أخرى، خلال عام من علاقتهما تقنية قابلة لأي اختبار. وبما أنه لم يكن الرجل الأول الذي عاشت معه، يمكن أن نعتقد أن لا حيلة كانت غريبة عليه.
لأنني لن يكون من حقي أن أغضب الآن ! فكرة جيدة، هاته. لكن انظر إلى نفسك إذًا ! أنت قبيح، يا رَجُلي المِسن الصغير المسكين. وأنت تعرف جيدا لماذا لا تقول لي أبدا إنني جميلة. هل تريد مني أن أذكرك بذلك؟ ذلك لأنك قبيح.
كانت مستشاطة غضبا ولم يكن لديها ذاك العبوس الذي كانت تتبناه حين لم تكن عدوانيتها محسوبة العواقب، منصورة برغبة زائفة قليلا في القيام بالأذى. لأول مرة، كانت غاضبة. أخذت بعض الوقت لتدرك أن العيون المصوبة نحوها في تلك اللحظة مترعة بالعاطفة. وكان ماركْ مفتونا.
اسمح لي، ليس لدي الحق ….
أرادتْ سيلينْ أن تقترب من الرجل الذي كان ينظر الآن إلى الأرضية الخشبية، تَعَثَّرَ على الأريكة، كاد أن يسقط. ظَنَّتْ هي أنه كان يضحك من أجل لا شيء. لم يكن لديه بعد الآن، طَعْمُ الالتهاء.
كان يركن في نهاية أريكة ذات نوعية سيئة التي كانت ماري قد تركتها له. تلك التي كانت قد سبقت سيلينْ في حياته، ما لم تكن سوزان، لم يعد يتذكر هذا الأمر جيدا. جميعهن يغادرن بعد فترة من الوقت، وهن يعطين الانطباع بأنهن وصلن إلى مستوى معيشي أفضل. المهجور، لم يكن سواه. سنبقى صديقين حميمين، يَدّعينَ. الأسابيع الأولى كان اللقاء يحدث، ثم كان يحصل أن يدركَ الجميع أنّ مواضيع المحادثة كانت نادرة. خاصة وأن الرجال الذين تمكنوا منهن كانوا يشعرون بالغيرة بسرعة. إذًا ماركْ، الذي لم يكن يحبذ الوحدة، انتهى به الأمر إلى العثور على فتاة تعتبر نفسها شاغرة. الأريكة؟ بالطبع، مارتينْ هي التي أعطتها له. هدية سيئة للغاية، لون شاحب ينسحب نحو الأخضر، ما لم يكن نحو الأزرق، في تقليد الجلد هذا، خياطات تنفتح واحدة فواحدة.
أَنْتِ مُحِقَّةُ في وصفي بالقبيح، قال. أعرف أنني قبيح. كنتُ قد نسيت ذلك. من الجيد أن تذكريني بذلك.
لم أكن أريد أن أُسمعك ما يؤذيك، لقد أغضبتني، لم أكن أعرف ماكنت أقوله، هذا كل شيء.
امتنع عن إخبارها أنه بسببها استطاع أن يتصرف كرجل لايخاف النظر إلى نفسه في مرآة، أن امرأة جذابة كمثلها توافق على العيش معه تحت سقف واحد كان يُنْسيهِ هذه الحقيقة الأساسية، الدمامة الضئيلة لقسمات وجهه. وليس فقط هي أكثر جمالا، أكثر ذكاء منه أيضا، هي أكثر راحة في المجتمع، وسريعة البديهة. المستهزئ، الذي لا يعرف أبدا ماذا يفعل بجسده، كان هُوَ. لم يكن ينظر إلى وجهه في المرآة، لأنه كان يكره الصورة التي ترجعها إليه. كان لديه الكثير من الاحترام للجمال، لجمالها هي، لدرجة أنه لا يستطيع أن يجعل منه موضوع محادثة. كان معجبا بها.
سأذهب للنزهة. لبعض الوقت.
تريد أن أرافقك؟
شكرا. أود أن أكون وحدي كان صوت مارك أكثر وداعة من المعتاد.
لا تَعُدْ متأخرا جدا ، ينتظرك الاستيقاظ الباكر.
ذكرته هذه الملاحظة بالنصائح التي لم تتوقف أبدا أمه عن توجيهها إليه. نَظَرَ إليها مبتسما.
– أنت جميلة جدا.
سيّارَةٌ صَدَمَتْهُ على بُعْدِ أمتار من منزله. السائقُ اِدَّعى أُنَّهً عَبَرَ ببطء الشارع في ضوء أحمر.
لِمَرَّةٍ واحدة، ماركْ، هو الذي خَدَعَ شَراكَةَ إِحْدى شَريكاتِهِ.

أَمواجٌ وصَخَبٌ

كرستين إدي (2)

من السهل أن يبتسم المرء. يجعل الشَّفَة السفلي تنفرج ثم سائر الوجه يستقر في أرجوحة. ابتسمتُ. مُحَفَّزةً بالدعوة اللبقة، يانْ قامَ بإفراغ زوادته اليومية من القفشات فارِضًا التجويد في كل ركن من أركان حكيه، كما لو كان سيكشف عن بعض الغموض الذي سيمنح معنى للحياة أو سيغير العالم. البارحة…تلفزة… تتذكرين؟… مدير، لا ولكن…نصف ساعة …على العكس من ذلك… تتحدثين إنني قلت له طريقتي في التفكير! طريقته في التفكير يمكن التنبؤ بها، لكن من السهل أن يبدو المرء مهتما. نَرْفَعُ الحاجب من خلال تركيز أعيننا على عيون الآخر، ثم على الفم الذي تخرج منه هذه اللائحة الطويلة من الأشياء المكشوفة العجيبة، ثم من جديد على الأعين، مُصْدِرينَ أصواتا استفهامية صغيرة أو تشجيعات: هَنْ؟ هانْ-هانْ، هوووووونْ ! بَدَوْتُ مهتمة. بينما هو يكشف لي قصصه، المكرورة على مدار اليوم، ومُقَدَّمَة ككنوز مكتملة، بقيتُ مسمرة على طاولة المطبخ، هنْ؟ هانْ-هانْ، هووووونْ !، حبيسة منولوج لا نهائي الذي لم أستوعب موضوعه. سيكون الأمر بالنسبة لِيانْ مؤلما إذا عرف المدى الذي وصله استخفافي بحديثه. عشر مرات عددتُ إلى ما يصل العشرين ثم بمجرد أن يسمح تردد بتسجيل بداية صمت، نظرت إلى ساعتي: كُنْتُ سأخرج، موعدي مع كَلْمانْ هناك بقايا أكل في الثلاجة، لا تنتظرني، سننهي الحديث لاحقا. من السهل جدا أن يكذب المرء. وضع يانْ قبلةً على خدي ولم يطرح أي سؤال، مشغولا بالفعل بجدول برامج التلفاز، اليد على باب الثلاجة. يانْ لا يسأل أبدا.
في الخارج، كانت قد أمطرت وكان انتعاش المساء الرطب ينسجم مع مزاجي الرمادي. تنفستُ جيدا مَلَلي. أعتقد أنه كان عليَّ أن أجد العالم والحياة المثيرة. أعتقد أن الكائنات البشرية قد أثارت في ذات يوم فضولا صادقا، الاهتمام وبالتأكيد الأمل حتى. الأشجار تتحرك في مهب الريح، أنظر إليها تتصادى، باهرة، على الأرصفة المبللة. إنه من السهل جدا المشي. حينما، فتاة صغيرة، وَ صَلَتْ إلى سن حيث فجأة لم يعد مسموحا بأي شيء يجلب المتعة –مَصًّ الإبهام . البكاء عندما نتألم، الضحك عندما يكون الأمر مضحكا أو تناول ثانية التحلية. بدأت أخرج. في منتصف الليل لأتجول بين مجموعة من البيوت. لا إخوتي ولا والدي أدركوا ذلك مرة واحدة وربما لن يُصَدِّقوني إذا أخبرتهم بذلك. يمكننا في وقت مبكر جدا أن نتعلم فَنَّ الاستتار.
في الجادّة التي تُنَصِّفُ المدينة إلى قسمين، هاتفت كَلْمانْ من مخدع هاتفي، لأُخبره أن الفصلين اللذين كنت أنوي تركهما له ليقرأ ليسا جاهزين بعد. من النبرة المبهجة لصوته، شعرت بخيبة أمل أستاذي القديم وأردت بذلك أن ألغي موعدا بأسرع وقت. أتخيله في السترة الزرقاء التي أهديته في عيد الميلاد، مطيبا بعطر الكولونيا الذي يستعمله في لياليه الكبيرة، النّفاذ جدا إلى درجة أنه يهاجمك على بعد ثلاثة أمتار من باب مكتبه. لكنني كنت مرتاحة. كنت أراني، أنا أيضا، في وضع محزن وأنا أقوم بدُوُر المغناجة، في كل مرة كُنت أشعر بخيبة أمل لعدم العثور في عناق أي شخص على بعض فتات خلاصي. لأجل رغبة جسدية عابرة وخاصة، الخوف من رؤيتها تختفي بمجرد ظهورها، كُنّا قد ابتعدنا لفترة طويلة جدا عن علاقة فكرية كانت بالفعل جميلة. عزلة كل واحد منّا، على العكس، قد أسكنتنا في عَبَثٍ أصبح عاديا جدا. تخلصتُ منه بسرعة.
بالطبع، بتحطيم قلب كَلْمانْ المنهوك، كنتُ أُخَرّبُ فرصتي الأخيرة للتدريس في يوم من الأيام بالجامعة. كنت أعرف واحدة ستقلق بهذا الشأن :«يمكِنكِ أن تفعلي أفضل بكثير من ذلك»، تُكَرِّرُ دائما على مسامعي أمي الحازمة التي لا تفهم أننا بإمكاننا الجلوس أمام رزمة ورق للبحث فيها عن إضاءة محتملة لتبرير خمس وثلاثين سنة من الاضطراب غير المنقطع. أمي تجد أنني أَكْبُر بشكل سيئ. وهي تعتقد أنه إذا قَبِلْتُ في أحيان كثيرة أن أغض الطرف عن شوائب العالم، سيتوقف الملل عن تسميمي حتى في نومي. أمي لا تعرف أنني، منذ زمان، لا أستطيع النوم دون الحبوب المنومة وما زالت تُقَدِّمُ لي وقاء الازرقاق الدائري حول العين، وتنصحني بقصة شعر جديدة وتدعو الله لأمنحها أحفادا. هي تكره أن يصل إلى علمها أن يانْ عِنِّين وأن رجلا يبلغ من العمر السنتين يمكن أن يكون والد أطفالي.
العُقَدُ التي كانت تربطني بكل من يانْ و كَلْمانْ. انفكت. لماذا هذا اليوم بالذات، وليس البارحة أو السنة الماضية؟ هذا الخميس قد يكون، من جميع النواحي، يشبه الأيام الخوالي الأخرى. كان يانْ قد استقيظ قبلي، مختالا كما هو الحال دائما في بهجة واضحة. كان قد أعد القهوة وحَضَّرَ عصير البرتقال وهو يُنَغِّمُ لحن موزارت بالصفير. حينما انضممت إليه في المطبخ، كان متنكرا في جلد مولع بالأخبار، عَيْنُهُ مسكوبة على الجريدة، أذنه ملتصقة بالمذياع، إذا كنتُ قد سمحت له بذلك، فأنا أعلم أنه كان سيتابع، في نفس الوقت، الأخبار في التلفاز. هذا التمويه الصباحي، هو يخفي بشكل سيئ الرعب الكبير لِيانْ من سماعي نطق -بمجرد استيقاظي- لكلمة صادقة يمكن أن تُشَتِّتَ إلى مِزَقٍ دَرَقَةَ الرجل السعيد التي يعتمرها. كنتُ أعلم دائما أنه في اليوم الذي سينفِجر فيه يانْنحيبا، فإن دموعه لن تفشل في إغرائنا أنا وهو وأن تأخذ المنزل في سيل من الطين. في هذه الأثناء، هو قد خدعني ويجب أن أعترف أنني لم أترك أبدا مكاني، أنا كذلك، في هذه الملهاة الزوجية الصغيرة.
يانْ وأنا عشنا كل هذه السنوات حتى لا نُغْضِبَ أحدا ولأننا لم نكن نعرف كيف نسبح. أسباب أخرى، مصطنعة مثل بعضها البعض، كانت قد انتهت بتوطيدنا: الرهن العقاري، مسيرته المهنية، التوافقات. أخيرا، يمكنني فقط التكهن هنا، يانْ وهو يرفض بشكل قاطع الخوض في هذا الموضوع، من أجل عدم المخاطرة لزعزعة المرقى العملاق التي وضعنا عليه نحن الإثنان. أنا، تصيبني الارتفاعات بالدوار لكن، أحيانا، الخوف من السقوط يكفي لحشرك في منتصف القاعدة حيث تقوم بأداء وصلة راقصة البالية الموسيقية عند الطلب، بدون تفكير، بذراعين في الأعلى لإخفاء بؤسك.
في المرة الأولى التي أعلنتُ فيها لِيانْ أنني سأتركه، كنا في إجازة على ضفة النهر، وانكسر اثنان من ضلوعه أثناء المشي على الصخور، عشرون دقيقة بعد أن حدثته في الموضوع. في المرة الثانية، بعد سنوات، يقاطعني ليخبرني، مزهوا، بتعيينه في {مدينة} ميلانْ وانتقالنا الوشيك، المدفوع بالكامل من قبل «الشؤون الخارجية». لم يكن هناك مرة ثالثة، واجِهَتنا كبيرة مثل سور الصين وأن أولئك الذين لم يسمحوا لأنفسهم أبدا بتجميع الغسيل القذر يرمونني بالحجر الأول.
ذلك اليوم، بين اللحظة التي غادر فيها للعمل والتي عاد فيها، فإن صورة الثنائي الذي نشكله كانت قد استحالت بوضوح متصلبة. لكن لم يكن هناك ما يوحي بأنها ستتمزق من تلقائها في غضون ساعات قليلة، على امتدادها كله. أنا بنفسي، قد أظهرت في بداية هذا الصباح حالة من عدم اليقين النسبي، مدفوعة بهذه الآليات التي تسيرك من غاسلة الأطباق إلى الغرفة وماكينة القهوة الكهربائية ومجفف الشعر. عندما أردت غلق الراديو لأكب على المحاضرة التي عليَّ كتابتها، صوت مهيج انطبق على وصف مجزرة في الجزائر واعتذرت، مثل كل صباح، عن عدم السماح له بمعرفة المزيد. ثم أخذت من الأرض الصحف الدموية التي بعثرها يانْ تحت الطاولة.صورة طفلين دون سن الرابعة على جميع الصفحات الأولى، بصيص من الذعر في العيون يحثني على تجنب رميها في سلة المهملات، حتى بحنان قدر الإمكان، دون قراءة حكاية المجزرة. حينما اتصلتْ بي أمي في التاسعة والربع لمعرفة أحوالي، نظرت إلى أسفل، لا، لم أكن حاملا ولم أبع نسخة واحدة زِيادَة منذ البارحة، من كتابي الثاني. بعد لحظات من الضيق، الذي تتدبق فيه العديد من أخطائي، بدلا من أن يقدم لي يد المساعدة ويخرجني من المستنقع، أطلق فجأة:»ولكن متى ستقررين أخيرا أن تصبحي شخصا بالغا؟››نبرة تخون خيبة الأمل هذه حتى أنه، في الصمت الذي أعقب، يمكن للمرء أن يسمع دزينة من المفرقعات الملينة تنفجر بصوت عال، دون أي شرارة تذكر بالألعاب النارية المنتظرة. رَنَّ جرس الهاتف من جديد واعتقدتُ أَنَّ أمي كانت قلقة من إيذائي. تخلصت بحنق من مخاطبتي من شركة استبار تحاول معرفة رأيي في منتوج ياغورت جديد.
أن تصبحي راشدة … صدى المفرقعات النارية لايزال يتردد، كنتُ أود أن أتصرف كما لو أنني لم أسمع ما قاله، لكن طبلتيْ أذني كانتا مليئتين بالأصداء. رفضت فتح علبة الرسائل، خوفا من عقاب جديد لن أتمكن من الرد عليه. قطعت جميع الخيوط التي تربطني بالعالم الخارجي. أخذت حماما من رَغْوَةِ الصابون وأنا أعد الثواني التي يمكن أن أحفظ خلالها رأسي غاطسا في الماء. في الثلاجة، أحتفظ بعلبة من سجائر جيتانْ دون فيلْتَرْ لترفع معنوياتي في بعض الأحيان، في بعض الليالي التي يجافي فيها الكرى عيني. دخنت منها عدة، الواحدة تلو الأخرى، وأنا أنفث دخانها عبر النافذة حتى لا تزعج الرائحة يانْ. لكن الحياة لا تزداد إلا ثقلا. كنتُ شخصًا آخر، سِرًّا غامضا قد حولته متعذر الارتياد عادة المظهر الخداع. كنت أستمع إلى أقنعتي وهي تتحطم واحدا تلو الآخر، بقسوة، على البلاط. أخرجت من خزنتي ألبومات الصور، وعقود الزواج، والتأمين والملكيّة المشتركة. ولا تبادلاتي التراسلية الملفوفة بعناية فائقة تجعلنا نتصور أنها تحتوي على كلمات الحب، الخداع يمكن ممارسته حتى أدق التفاصيل . شغلت جهاز التسخين في بهو الصالة الذي كان كافيا لتدفئة المنزل طوال اليوم. غَيَّبْتُ تقريبا كل ما قرأته وشاهدته. مَحَوْتُ من حاسوبي مئات الملفات الخاصة بي التي تشهد على سنوات من البحث التي، وفوق ذلك، لا أكتشف فيها أي شي أساسي. كتبتُ رسالة إلى أمي أخبرتها فيها أنني في الخامسة والثلاثين من عمري وأخرى ليانْ وضعتها تحت وسادته. في البنك، أغلقت حسابي. أرسلت رسالتي إلى أمي ووضعت كيسَ سَفَر صغير في خزنة السفر بمحطة القطار. هذه التفاصيل هي دون أهمية، لا أعرف لماذا أرويها لكم، السفينة التي تقطع حبالها وتُحْدِثُ موجات وصَخَبا، وخاصة عندما تقتلع الرصيف، لكن لا الأمواج ولا الصخب هما اللذان يقذفان بها بعيدا عن الشاطئ.
حينما يرجع يانْ من عمله، لن يجد، في المنزل، أَثرًا للمرأة التي كان قد تَزَوَّجها قبل خمسة عشر عاما. كنت خائفة من أن يذهب هذا الغياب بنور عينيه، فليكن، كانت لديه نظرة هادئة لأولئك الذين لا يرون أي شيء . كان من السّهل أن تبتسم له، تَكَّلُف الاهتمام والكذب عليه مرّة أخيرة . غادرت بعد أن دسست المفتاح تحت ممسحة الأرجل، مشيت قليلا قبل أن أتصل بِكَلْمانْ. قطاري سيغادر في الساعة العاشرة. كنت متعبة ولكن هادئة. كانت الأوراق تسقط بلطف من الأشجار. في الحديقة، رجل ينام على مقعد خشبي طويل، ومن الجانب الآخر من الشارع، أمّ تُوَبِّخُ صغيرها. مازلت لم أشعر بأي شيء. أفكاري لم تذهب إلى أي شخص على وجه الخصوص، لم تخطر على بالي أي ذكرى قبل المغادرة. لا فرح ولا حزن ارتجف في طريقي.
رفعت عيني إلى السماء. قمر كبير يرسل نوره الأبيض عبر الغيوم. أنا لم أتحرك، فوجئت جدا أنني لا أزال على قيد الحياة. وعزمي مشدد قليلا، حضنني الليل بين ذراعيه قبل أن أركب سيارة الأجرة. سمحت له أن يفعل ذلك. لم أكن أعرف الوجهة التي كنت أقصدها ولكن ربما سأصلها آمنة وسليمة.

شاهد أيضاً

جواستابينو

أندريس باربا ترجمة: أحمد عبداللطيف لا نعرف شيئًا والتاريخ أكذوبة والحب لا وجود له؛ لكن …