من القرية إلى العالم: القصيدة الأجَدّ والمحبة والأمل

حاتم الصكَر


1
من أين للكلمات مهما بلغت أوتبالغت، وأفصحت أو تفاصحت ، أن تلمّ هذا الذي في الروح، هذا الذي نسجته أيامُ ستة عشرَ عامًا من صحبةٍ دائمة معه، وقربٍ من نبض قلبه المتوجس مما يأتي ، وروحه التي أسرتها صنعاء وكبَّلتها بمحبتها، فغدت (عاصمة الروح)، وفاضت في ثنايا قصائده ودفء كلماته ناقدًا ،وألفَتِه معلمًا وراعيًا لأجيال من الأدباء في وطنه وخارجه؟
ذلك أن عبدالعزيز المقالح تجتمع في شخصه خصال الإنسان والشاعر والكاتب والمعلم. يقترض من هذا لذاك ليكون في الوقت نفسه موجودًا بشمائله كلها حضور مشع في قلب أدب وطنه ولغته وتراثه ومستقبل حداثته. ولا غرابة في ذلك فهو الصوت الحداثي الريادي في اليمن والجزيرة العربية في الهبّة الثقافية التي توهجت منتصف الخمسينيات وما تلاها.
إنسانياً هو قريب من الناس، وبعيد عن المكائد والضغائن. زاهد بما يغري الآخرين ويبدد خطاهم في طرق الحياة.وإلا فأين الشاعر الذي سجَّل في ألبوم شعري وجوه سبعة وسبعين شاعرًا وكاتبًا في (كتاب الأصدقاء): لكل منهم كتب قصيدة أشبه بالبورتريه، لكنه مبنيٌّ من شعوره وعاطفته هو، ومن ملامح الصديق الذي أدرج في النصف الثاني من كل قصيدة مجتزِءًا من نصه، كأنما ليقرن صفاتهم بكلماتهم.
وكان (كتاب الأصدقاء) بهذا الصنيع الفني والجمالي نموذجًا لوفاء نادر لم يُسبق إليه.

2
تبلغ روح المقالح من الرهافة أن يرى القصيدة عاجزةً عن احتواء الألم الإنساني الأكبر من كل خطاب ،فيقول:
عبثًا تحاول أن تكون قصيدةً
في عالم أعمى
يجوع إلى رؤى المعنى
ويحلم بالرغيف

وكأنه يريد أن يقيم عدلًا مفقودًا أوقف حياته وشعره ليبشر به ويأمله. وهو لا ينحبس في حدود وطنه الذي أحبه وآلمته أحزانه، بل ينطلق إنسانيًا ليؤاخي أزمات البشر في مواطنهم المختلفة. في (كتاب المدن) يبسط فرحه بمرائي الأمكنة التي زارها في شطر حياته الأول قبل أن يلازم صنعاء تمامًا، يجول بقلبه وعينيه وكلماته ليرسم صورًا لإحدى وعشرين مدينة يمنية وعربية وغربية ،عاش فيها أو مرَّ بها، ويلامس خلف شواهدها شيئين لا تراهما إلا العين المبصرة: تاريخها، وناسها.
القصيدة عنده كائن  سماوي، غموضه يشي بعراقته وبهائه.فيتساءل في ( صعود القصيدة):

من أيّ ضلع في دم الإنسان
تنشق القصيدةْ؟
وبأي شمس يكتبون ظلالها
ويداعبون جوادها الفضّي
وهو يطيرُ
يركض نازفًا
كي يقبض الشمس البعيدةْ؟

خلْق أشبه بكينونة البشر أنفسهم ، يحاكي ما جُبل عليه هو ذاته من صفاء وتواضع وسمو.

3
يمكن لعارفي المقالح وأدبه أن يصفو جهده بأنه تمثيل ثقافي لشعرية الكفاح، لا بالمعنى السياسي، رغم أن له مواقف واضحة في قضية الحرية ووحدة وطنه وتحديث حياته وثقافته.
لكن الكفاحية التي توصف بها شعرية منجزه المتنوع تعود لسيرته المقترنة ثقافيًا بالكد الشخصي، والنحت في صخر التخلف زمن الإمامة ، وانتزاعه فرصة التعليم في أشد مراحل الظلام والبؤس والمضايقات التي تعرضت لها أسرته، خارجًا بزوّادته وكتبه مشيًا لساعات كل يوم  إلى المدرسة، من قريته المسماة باسم عائلته، والمنزوية في واد خفيض يطل عليه جبل سمارة، يسند روحه كلما وهنت، وتغشاها الظلام الذي يحيط بالأزمنة والأمكنة من حوله.
يكتب لها من بعد (كتاب القرية) بلوحاته الشعرية  السبع والسبعين أيضًا وزنًا ونثرًا، ويمجّدها نموذجًا للبراءة والنطفة الأولى والتمتمة الشعرية والتعرّف على العالم.كان يصحبنا ذات زيارة إلى قرية المقالح ويرينا كعاشق يتقصى آثار حبيبته معالمَها وصورها وإشاراتِها البسيطة ،ولكن البالغة الرهافة والعمق.ثم يراها:
جسدها عارٍ إلا من الأعشاب والأشجار
سياجها الجبل
وحدودها الأفق الذي تطلع منه الشمس

القرية ستهبه للعالم، فيخرج ليكمل دراسته  في السودان ومصر، ويعود ليوقد شعلة التنوير في بلده ، مفتتحًا التعليم الجامعي فيها وحريصًا على رفد مؤسساتها بكفاءات عربية تركت آثارها في الحياة الثقافية والعلمية في اليمن..كان المثقفون اليمنيون والعرب يلتفون حوله  ليمضوا معه في مشروعه التحديثي ، مخففًا عن سواه ما عانى منه صغيرًا، فيطلق  فضاء التعلم في أنحاء قصية من اليمن المترامي الأطراف.

4
نقديًا حرص المقالح على تقديم أدباء  وطنه  وتراثه بأنواعه  إلى الثقافة العربية ، فعرَّف بشعر الشباب، وبواكير الرواية والنقد، ودرس بصبرٍ ودقة نتاج المخيلة الشعبية، وما تركته من نصوص لم تُدرس من قبل.
وهو يحافظ على حداثةٍ وصفها النقاد بأنها (حداثة متوازنة) تلخيصًا لاعتدالها ، لكن ذلك  الاعتدال لم يمنعه من الحماسة للجديد والأجد .وتطوَّر موقفه غير المتحفظ أو الرافض لقصيدة النثر حتى كتب  بها بعض أشعاره في العقود الأخيرة. وزاوج بين الوزنية والإيقاعية  الطليقة في كثير من الكتب الشعرية التي نشرها. ودعا إلى المضيّ في التجريب الذي وصفه في أحد حواراته بأنه (ضرورة لابد منها للارتقاء بالفنون والآداب واكتشاف الأنساق والبُنى الجديدة)، محترِزًا من التجريب المجاني الذي لا ينم عن دراية وإدراك جمالي كافٍ بالقول (ن ذلك التجريب لا يصنعه إلا الأدباء الناضجون).

5
وهكذا أراه منذ عرفته:
كلَّ فجر يحاور ( طفلة البن)
ويسألها ميلادا آخر.. ويراها
تجتث قاتها ، وتفرقه (عشبًا للصداقة)
ويعلم أنْ سيطول السفر..
ولكن ( لابد من صنعا)
زمن لوضاح هربت ساعاته من تقويم آلامه
وسكنت في قصائده متدثرة بنبضه الخجول.

شاهد أيضاً

مراسلات المقالح الأدبية – أرشيف الهموم الوطنية والقومية للأمة

م . أ لكل أديب عالمي أرشيفه الخاص من المراسلات الأدبية التي تعكس بلا شك …