من يعتبر الهوية مجمدة ثابتة أو نهائية لن يفهم الشباب

نشرتم مؤخرا كتابا بعنوان «مراسلة مفتوحة»، وقدمتموها باعتبارها تجربة جديدة في العالم العربي، بماذا يتعلق الأمر بالضبط؟
يتعلق الأمر بمجموعة من الرسائل تبادلناها، أنا وغيثة الخياط، الطبيبة-الكاتبة، لمدة أربع سنوات، فباتفاق مشترك قررنا أن نطلق هذا المشروع، فنفذناه، ونشرناه فيما بعد على شكل كتاب. في الواقع قمنا بهذه المراسلة انطلاقا من موضوع اسميناه: الصداقة، المحبة. وجاءت موضوعات أخرى انضافت، فيما بعد. فالمبادلات التراسلية أخذت شكلا مستقلا، لأنه كانت هناك لحظة خطيرة جدا في حياة غيثة، وهي موت ابنتها الوحيدة، فاتخذ المكتوب (l’écrit) بعدا آخر.
كيف ولدت فكرة تبادل الرسائل؟ وما هي الضرورة التي استدعتها؟
إنه عقد ضمني، بشكل من الأشكال، تركناه مفتوحا على كل الاحتمالات، لكن كانت هناك قبل كل شيء، بالنسبة لنا معا، متعة كبيرة في الكتابة، لأنها هي كاتبة وأنا كذلك، نحب الكتابة والأدب، ونعشق استكشاف مواقع لغوية أخرى في الحياة، ورفع الحجاب عن علاقة الحياة باللغة. نريد بذلك أن نبين بأن الحوار ممكن بين الرجل والمرأة في مجتمع ما زال منغلقا، فيما يخص الحوار بين الجنسين، لأنه لا أحد ينصت للآخر حقيقة. وتجربتنا هي برهان على ذلك، وهي نموذج معين نجعل فيه الحوار ممكنا. بما في ذلك الحوار العلني. وفضلا عن ذلك، فالأمر يتعلق بشيء جديد، فقد أثبت أحد التحقيقات أن هذه سابقة في العالم العربي، أن قرر رجل وامرأة نشر مراسلاتهما وهما أحياء.
و«الكتاب نفسه» أهو أيضا تجربة في هذا النوع من الكتابة؟
فعلا، لمدة خمس سنوات تراسلت أنا وجاك حسون، وهو محلل نفساني، كاتب من أصل يهودي وأنا مغربي من أصل عربي إسلامي. اشتغلنا معا حول المسألة الفلسطينية–الإسرائيلية، بمعالجتها بطريقة أخرى، مؤسسين بذلك إمكانية للحوار. وقد نشرنا هذه الرسائل بعنوان: «الكتاب نفسه»؛ وقد أثار ضجة وقت نشره، أي في سنة 1985؛ وقدمنا كتابنا في ستراسبورغ بحضور الجانب اليهودي والفلسطينيين القادمين من الأراضي المحتلة، وأيضا في مركز بامبيدو، وفي ليون، وفي الدار البيضاء وفاس، حيث اجتمع أكثر من 600 طالب في مدرج.
مراسلاكم معا هما محللان نفسانيان هل هي محض صدفة؟
 إنها صدفة محضة، في الحقيقة لا أدري… أعرف غيثة منذ 30 سنة، كنت قد منحتها حوارا في الوقت الذي كانت فيه طالبة، كانت مترددة فيما يخص مستقبلها المهني، وفي الأخير اتبعت الطب. وبالنسبة لجاك حسون، فالأمر يتعلق بلقاء آخر، قدمته لي صديقة محللة نفسانية، كانت قد قرأت كتبي. وبعد ذلك بقليل قررنا الشروع في عمل يكون في الوقت نفسه متعلقا بالكتابة وبالحوار، ويكون حول مسألة كبيرة، هي مسألة فلسطين وإسرائيل والعلاقة بينهما. فأنا رجل حوار، لكن يجب أن يكون الحوار منسقا. وسواء أكان في ميدان التعليم أم في الحياة فيجب أن يغنيني، وأن يفتح لي آفاقا أخرى. ففي بعض الأحيان يحدث لي أن أكتب أشياء بعد محادثة، كما لو أنني أمدد بالكتابة الحوار. وفي أحيان أخرى يمنحني الآخرون أفكارا، لأن في التبادل هناك اللغة. والحالة هذه، فاللغة تعيش في الجسد، وفي ما أسميه الذكاء الحساس للجسد، ويترجم بالانفعالات، والأحاسيس، وطريقة الكلام، والأسلوب، كل ذلك مصفى بواسطة الذكاء الحساس للجسد؛ وبذلك فإننا نراه في طريقة الكلام، وفي طريقة الكتابة. فالحوار مؤصَّل في الحياة، وفي اليومي.
صحيح أننا نعاني مثل بلدان أخرى من نوع من الصمت، ومن الطابوهات… كيف تُكسر ذلك؟
في سنة 1972 بدأت بالاهتمام بما نسميه الثقافة الشعبية المغربية: الوشم، الحكاية الشعبية، المثل، وكتبت سنة 1974 «جرح الاسم الشخصي» لأن الثقافة الشعبية غنية بالتراث: وهذا صمت يكبته المثقفون أو تحوله المؤسسة إلى فلكلور. لابد من إعطاء هذا التراث قيمته: في الرقص، في الغناء، في الكوريغرافيا، في نسيج الزرابي… توجد العلامات وما بين العلامات، والعلاقة بين اللون والعلامة. ويمكن أن نتعامل مع زربية مثلما نتعامل مع صفحة لأرسطو. فأنا سعيد أن يجد كتابي ورؤيتي تجاوبا بين الباحثين والأكاديميين والطلبة. لقد كانت له آثار غير منتظرة، حتى في المؤسسة الأمازيغية، فبالنسبة إليهم يُعتبر هذا الكتاب أساسيا، لأنه يساهم في التحرر من ثقل كبت الثقافة الشعبية والثقافة الأمازيغية. لقد كتبت عن المغرب والإسلام واليابان والسويد وفرنسا، وحول تمثل الأجنبي عند الفرنسيين، وكتبت في الأدب. فأنا أهتم بالآخرين، وبالعلاقة مع ما نسميه بالهوية والاختلاف، لكن الهوية – كما سبق أن قلت ذلك أثناء ندوة حول الشباب بالرباط – يجب أن تفهم في صيرورة؛ ومن يعتبر الهوية مجمدة، ثابتة أو نهائية، لن يفهم الشباب.
ما ذا تعني هوية في صيرورة أو في حركية؟
الشباب هم في حركة. والهوية في صيرورة بالنسبة للشباب وللمغرب، فهي بشكل عام تاريخه وتراثه، وأيضا ما سيأتي، وما تم تمثله. فحين يستعمل الشباب الحواسيب، الاتصالات عبر الشبكة أو الهواتف المحمولة، فهذا له تأثيرات اجتماعية على تمثلاتهم، وعلى العالم، وعلى العلاقة مع الآخرين. وسآخذ مثالا على ذلك الهاتف المحمول: فاستعماله يُحول العلاقات مع الحياة الخاصة والحياة العامة بين الرجال والنساء، بين العمل عن بُعد والعمل في عين المكان، السرعة التقنية والإنتاج. فغالبا ما نستعمله بطريقة غير مثمرة. أبدا لم نفهم زمنه التقني الذي يجب أن يكون سريعا. والشباب لهم نماذج عبر السينما والتلفزة… إنها نماذج تستهويهم، وهي في وضعية ارتحال دائم.
ألهذا قلتم بأن الشباب في حاجة إلى أصل قوي تتجلى فيه هويته، بعد أن شوشتها عليه التعددية الحزبية شيئا ما؟
أظن أن هناك ثلاثة أنواع من الجماعات: اثنتان منهما أسميهما الجماعة الأساسية، وأعني بذلك الأسرة والمدرسة وفضاء الحي والقرية والدوار، كل ذلك يشكل الفضاء الذي نعيش فيه منذ صغرنا، إنها جماعة الفضاء الأولي؛ ثم هناك الجماعة الأساسية الثانوية، مثل الأحزاب السياسية والنوادي والرياضة والجمعيات بمختلف أشكالها الثقافية والسياسية والنقابات وهلم جرا، وهي ما نسميها بالمجتمع المدني؛ ثم هناك جماعات افتراضية، وقد سبق أن تحدثنا عنها، عبر الشبكة وكل التكنولوجيا الجديدة واستعمالاتها، وكل أنواع العلاقات التي تخلقها للشباب هنا أو هناك.
الشيء الذي ينتج عنه إضعاف الجماعات الأساسية، ويساهم في تغير التوجهات، كيف ذلك؟
هناك أنواع جديدة من العلاقات في العائلة، أو بين الأزواج (Couples)، فغالبا ما أتساءل ما إذا كان مفهوم الزوج (Couple) موجود في المغرب! ماذا يعني الزوج؟ إنني لا أرى سوى عائلات بالأساس، هي التي تهيمن. فبروز الزوج مازال مهمشا جدا. فالعائلة تقتضي بأن هناك فردانية قوية ومؤكدة من طرف كل واحد، وأنهم في الوقت نفسه قادرون على الدخول في حوار والدفاع عن واجباتهم وحقوقهم بخلق شفرة تواصل. إن هذا لجوهري، وإلا سيكون هناك صراع ولا تفاهم. فكل علاقة عاطفية أو ثقافية لا بد أن تتوفر على شفرة.
هل غياب هذه الشفرة يعود لمجتمعنا الذي هو بالأساس أبيسي؟
هذا الفراغ يعود إلى أشياء كثيرة؛ صحيح أن هناك الأبيسية التي تهيمن بطبيعة الحال، لكنها تلقت ضربات حقيقية، وهي الآن في طريقها إلى فقدان ثقلها.
هل تتأسفون لذلك؟
أبدا، فالمرأة خضعت لترويض. لقد عاشت العبودية منذ آلاف السنين. ففي تاريخ مجتمع ما تقيم ميكانيزمات العبودية الإرادية، وتمس النساء كما الرجال، باستثناء أن المرأة تحملت حقيقة ثقل العبودية أكثر. إذن يجب الشروع في العمل على الذات للتمكن من التخلص من هذه الطاعة. أكيد، هناك التعليم والشغل، لكن الطريق طويل، وأنا متفائل. والحالة هذه، فليس بين عشية وضحاها ستتمكن المرأة المغربية من الخروج من العبودية الإرادية، والدخول في غزو ميدان التحرر؛ وليست المدونة الجديدة فقط هي التي ستضمن لها المساواة الدقيقة.
إلى ماذا سنحتاج لتحقيق هذه المساواة؟
هناك خصوصا مبدأ المساواة من خلال ما كُتب في النص، وفي الوقت نفسه، في كل التشريعات كيفما كانت. وبالنظر للمجتمع الذي نعيش فيه، نجد نسبة النساء قليلة في الشغل وفي التعليم، ولا أتحدث هنا عن البادية، فمازالت فئة بكاملها تحت العبودية الإرادية واللاإرادية، مفروضة أو مقبولة! هناك الاتجار في جسد المرأة، هناك الهجرة، هناك كثير من المشاكل الكبيرة التي تهم المجتمع وتوازنه، وتهم الرابطة الاجتماعية على العموم. فالمدونة هي تشريع للتوجيه. وهي خطوة كبيرة إلى الأمام. لكن هناك أيضا العمل الذي يقوم به الناس أنفسهم؛ وهنا يكمن السؤال الكبير، لأنه اشتغال في العمق، ويتطلب وقتا. وفي بعض الأحيان قد يكون التشريع متقدما على المجتمع. وإذا لم يُحترم كفاية نوشك على الرجوع إلى واقع الحال. وعندئذ سنهمش التشريع. إذن يوجد حاليا رهان أساسي.
هل تعنون بأننا نوشك على فقدان كل الإسهامات الجيدة للمدونة الجديدة، إذا لم يكن هناك عمل على الذات؟ هل تعتقدون أنه ما زال الوقت لم يحن لمجيء تشريع جديد لمدونة الأسرة، أو أننا ارتفعنا عاليا عن الحقيقة الاجتماعية؟
بالضبط، إنه مشغل أساسي: لابد من مرافقة على كل المستويات. لابد من أن تشتغل المساطر والمحاكم بجد. لابد من بروز كفاءات ونخب قانونية وغيرها، وإلا فالمجتمع والانتهازيون التقليديون سيفرغون هذا التشريع من جوهره على مستوى التطبيق. فكل نص، وكل قانون، يتوقف على تطبيقه. فهو غالبا صراع أو نوع من حرب التأويلات والممارسة. فالرهان، فيما يخص الخطاب السياسي وحرب التأويلات، هو التمكن من قول نفس الشيء.
كتابكم الأخير أليس طريقتكم أيضا للإسهام في وضع المرأة في المقدمة، فبجعل الحل ممكنا، وتشييد نقاش معين، وبنشر نتائجه، تُقدمون مثالا للتبادل؟
تماما، هناك أمران يتعلقان بملاحظتك. من جهة هناك بطبيعة الحال إرادتي في الدفاع عن المرأة وعن صورتها وما تمثله، والقول بأننا يُمكن أن نتحاور. ومن جهة أخرى كنت دائما أتساءل عن مكانتي فيما يخص علاقتي بالمرأة عموما، أو بأي امرأة على الخصوص. ولابد أن أجيب عن هذا السؤال كل يوم. عندما تكون هناك شفرة للتواصل، سواء أكانت مع الرجل أم مع المرأة، إذ ذاك يُمكننا جعل الحوار يتقدم في المجتمع. وهذا فيما يبدو حيوي لأن هناك إما الصمت أو استغلال للمرأة، لأنه عندما نعرف هشاشتها في الصورة التي تكونها عن نفسها يُمكننا دائما أن نجعلها قابلة للعطب. إذن أولئك الذين يتلاعبون بعلاقتهم مع النساء يتحاشون الحوار؛ فهم يستخدمون هذا الضعف لمصالحهم الخاصة. لكن ليس هذا هو الكتاب الوحيد الذي أتحدث فيه عن المرأة.  
فعلا في كتابكم «حج فنان عاشق» ترسمون صورة لأربع شخصيات نسائية: الصقلية والضاوية امرأة الرايسي والآنسة ماتيس الفرنسية ومرية العاهرة المتأنقة. هل هو قصد منكم لتنويع صورة المرأة؟
كلا؛ هناك أيضا صور للرجال، كالرايسي نفسه وآخرين. لنبق في مسألة المرأة والصور الأربع: فالصقلية في الواقع هي الوجه الرمزي، وتبدو قريبة جدا من بعض قارئات أخبرنني أنهن يفهمنها، بل يجدن أنفسهن فيها.
بالنسبة لي الصقلية هي علاقة الكاتب بالكتابة… فتأويلك مهم. إن صورة الشخصية وُضعت في الوقت نفسه للتحليل والاحتفاء؛ وبالفعل هي طريقة لوصف المرأة، أي كيان المرأة من حيث هي شخص من جميع وجهات النظر. إذن، فهي كُتبت، لكن بالإمكان أن تُصور فيلما، وأن يُحلم بها من خلال رسومات. أشتغل دائما بأقصى ما يُمكن من الإمكانات لوصف مسألة كبيرة أو شخصية مهمة. إنها امرأة متخيلة، مادامت تمر عبر الأدب، ويُمكن أن تتوفر على عناصر من الحياة كما قلت لك، توجد ترجمة للحياة في حياة متخيلة، فشخصية ما تُبنى انطلاقا من الحياة، ومن الكائنات الحية التي تقرأ. فالقراء والقارئات بإمكانهم أن يتعرفوا على أنفسهم، وذلك يتوقف على حساسيتهم في تمثل هذا الكائن. والشعر الذي يكتبه غالبا الرجال يتوجه إلى المرأة. فمن جهة المرأة كانت مستعبدة، خاضعة، مسحوقة، ومن جهة أخرى نجد أن الشعر يحتفي بها… إنها لمفارقة حقيقية. وبالنسبة للأدب، فالأمور معقدة شيئا ما، فهو ليس بأنثوي ولا بذكوري، وهذا هو المهم، إنه مكان مشترك. إذن يُمكننا التواصل عبر الأدب لأنه لا يُمكن أن يُقسم. فاللغة تنتمي للكل، وتسمح بالتعبير والتواصل مع الآخر؛ وبقدر ما نعرف اللغة وتدقيقاتها نتكيف بطريقة ليست أقل دقة مع المجتمع. 
عبدالكبير الخطيبي:
الحوار 2
حاورته جريدة le Matin المغربية

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …