من يقرضني ثوبا … يستر لي جسدي ؟  

اليتم الذي كنته، اليتم الذي مازلت فيه، جدران موصدة إذ  لا باب  يفتح كي اطل منه على ضوء، لا أذكر وجه أبي، لا أذكر حناناً تدفق من بين يديه، كنت طفلا  لا أعي الجهات التي اخذته دون عودة، سافر بعيدا صوب ديار تغرب فيها الشمس، لا أدري أي مطر يسقيه لا أدري من تاريخه عدا  ذكريات تناقلها الآخرون، إن أبي كان رجلا طيبا ويحب الفقراء وكان يقف في وجه القوي في قرية مسيجة بالصفاقة والأقاويل، كل من فيها دون مبدأ، طبول فارغة تقرعها الريح ويقذفها الموت كالمهملات … عشت يتيما مصاباً بعاهة في قدمي الأيسر، طفل مشاكس اقرب إلى صورة شيطان،  في المدرسة اقارع الأساتذة وأشتم الطلبة والجيران …. الجيران الذين عشت في ذكرياتهم وأنا أرى صورهم يمزقها حاضر منتهية ولايته، يلعن بعضهم بعضا منهم الزاني الأشيب والديوث والكاذب واللئيم،  ونساء يدعين الشرف بينما يتمرغ العهر في بيوتهن، شجر فاسد الثمر… الجحيم أولى بها   .
أكابرهم ماعلمت لهم من حسنة تذكر عدا أيديهم المشرعة بالطلب كالمتسولين…. يسألون عن أرزاق الناس ولو بوسعهم لأحاطوا بنا كالرب يوزع لعبيده عطاياه بالتقطير…. يسترقون السمع بآذان الآخرين وليس من سماء تصعقهم بشهاب من نار.
قرية صغيرة قطرها كالدائرة زعماؤها الكثر يتناسلون كالذباب كل منهم يحلم أن يمارس وصايته علينا، كبارهم المدججون بالوهم والعظمة الفارغة كفزّاعات  الحقول هشمتها ريح قادمة من مكان بعيد ….
ينفثون تاريخهم الفارغ من كل بطولة في أحفادهم …. صنعوه من وهم معتق بالجهل والخرافة ، أساطير الأولين  حفظوها عن ظهر قلب  جيل ُ ُ بعد جيل .
j j j
حين كنت أعبر الضواحي الماضية في التخوم، التي تشبه الألق كانت صورتك لا تغادر الشجر وإذ كنت وحيدا تنتشل الطين من عمق الساقية آنذاك حفرت ذكرياتك أخدودا كبيرا لا يحس به ولا يراه إلاي، أنا الذي أمشي تنوء  بي كل هذه الأثقال حاولت ومااستطعت أن اجتاز الضفة الاخرى في صباي إليك ……… الآن    ما من طريق من القسوة والضواري التي تحيط بك من كل الجهات، عدا العبور الأخير ربما .
j j j
نرحل الآن كل ُ ُ في طريقه الخاص، العيون زائغة والنفوس لاهثة نحو شيء ما بعيد ننتظره، نبتهل كي نصل إليه، يغمرنا كل مافي الحياة من مآس وقلق، كل ُ ُ في طريقه الخاص يحلم بالقطوف وسماء دانية الزرقة، حتى إذا ما وصلنا ورأينا ابتهالاتنا قد فتحت لها الأبواب، هبت ريح من وراء جدر حسبناها هادئة وتنعش الروح … فاستيقظنا باكرا كي نرى الأحلام تلاشت كالضباب، وإن السماوات التي خلناها قاب قوسين أو أدنى جد بعيدة … فبقينا وحيدين بلا رفيق  أو ذاكرة .
j j j
 غسقك يموج كالبحر شاسع العمق والضراوة، العابرون هذه الساعة سوف تصدمهم جراح تفجرها الذكريات.
j j j
 على أبوابهم يطرق الفجر بازغا عذبا بضيائه يسكرهم حنين يسطع من الأعماق يراوح صداحه بين الجفاف السحيق في المآقي والداخل المهشم بالفراغ .
j j j
 في الليل الذي تسامروا فيه كانت السماء زاهرة بالنجوم  والقمر يسكب فضته على وجوه رجال ينكثون الرمل بأناملهم بينما يعبق من جوفهم رائحة غدر عريق .
j j j
سأترك على الجدار
الذي رممته في صدري
كي يغدو زاخرا  بالبياض
جرحا خضبه الزمن
بأسمال عصية على الوصف
يتدفق أرجوانه
غدرا وخيانات
سأترك هذا الجرح  اللاسع
كلوحة لمأتم
شوهتها وجوه
الجوارح والجبناء.
j j j
هذا الوطن الذي باركه النبي
 وصايا تركناها
بأيدي الكهنة
جذاذا حطمت
وأورثونا
نشيدا حزين الاجل
سنمر
ذات حريق
على منازل  خلناها
قريبة من القلب  
كالعميان باكين
 وسط ركام
الهزائم والرماد
j j j
 قال : سأترك وطناً  ينام فيه الفقراء تحت وسادة تخترقها الهموم.
قالت الأم : صدر الأرض أبيض رغم كل الخضاب والتلاوين .
قالت الزوجة : سأرفد هذا البيت القفر بأشجار وارفة الظلال .
قال الفقراء : .. }إنا وجدنا آباءنا على ملتهم وإنا على آثارهم لمقتدون{
قال اللصوص : مافرطنا في شيء، والفجر مازال بعيدا .
قال الباب العالي: ماذا ينقص الرعاع إلا الحمد والشكر ؟ }ولئن شكرتم لأزيدنكم{
قال الوطن : من يقرضني ثوباًًً….. يستر لي جسدي
j j j
الحزن  الذي تركته مكسورا
شظاياه تناثرت
على جسد بللته الجراح
j j j
الأشياء التي انثلمت في صدري
 تلاشت مع الأيام
 وهي تجرف الوجوه كالفيضان
هذه الشجرة الناهظة كفتنة للحنين
 تسقط آخر أوراقها  في الحريق .
j j j
الطفل يولد على فطرة أسلاف لم يحرثوا له سوى الذاكرة المثقوبة بالفراغ سيرة ملفقة بالزيف والأساطير.
j j j
لك أن تشاهد الكراهية تذوب في الشرايين، الحقد ينبت في الصدور كالسم،  والبغضاء تمور في الداخل مفخخة بالغليان،  بطعنة خنجر أو طلقة غدر كل يشتهي أن يقتل الآخر قبل أن يسقط في غياب لا أوبة منه…. صورة اليتم  المشحونة بالفجيعة.
j j j
غاب منذ الطفولة تاركا لي إرثاً لليتم والجراحات/ وسلالة من الحمقى يتكاثرون كالأرانب/ متردية في الغبار أوهن من بيت العنكبوت ولا يغفرون/ تركت لي قبرك الملفع بالحجارة/  لرجل لا أذكر من بقاياه عدا الأحزان والفقد/ الناضحة قسوة وضياع.
j j j
جدتي  التي سمرتها الأحزان، متكئة على جدار الطين منتظرة إيابك بفارغ الصبر يحدثها عن سيل الذكريات العارم من سماء مشرعة للبكاء برغم البياض المتوج فيه مطوقا بالنحيب …عله يعود تقول : سأترك الباب مفتوحا هذه الليله كي لا يزعجني طرقه آخر الليل .
j j j
البارحة فقط عاد صوتك بين النخيل/ أصخت اليه بكل الجوارح/ وتلاشى في الريح التي طوحته بعيدا، ما مر زمن يا أبي/ إلا وارتديت ذكراك/ حتى عدت مشتعلا بالحنين.
j j j
في هذه الليلة وأنا أكتب رثائي الحزين إليك لقد تأخر كثيرا إذ تركتني وحيدا في الجبال تحت دار قوضتها الصواعق وجدر آيلة للسقوط … لست نبيا كي يتبدى لي ظهر من المعجزات ربما تلك الشجرة الباسقة بالمرارة  وحدها الصامدة التي أطعمتنا الحقد والكراهية بلذة  رغم كل هذا الجفاف .
هذه الليلة وأنا  أراقب سوادها المتدفق من وراء النوافذ، ظلك يرافقني كالتيه الذي ماعلمت له من نفاد بعد حتى عندما أعود منكسرا من غدر الرفاق .
j j j
كان علي أن أقتفي أثرك في كل شيء/الذي دحرج وجهك في المغيب/ لم يبزغ إلا على ذكرى أنقاض هشمها الدهر.
j j j
كلما ارتطمت  بجرح اشتعلت سوادا وبراكين/ ضرجته في دمائي أصلك المؤثث/ بالطيش والحماقات/ غادرتنا الحكمة قبل أن نبتهل للرب ويستجيب .
j j j
الذين يطرقون الباب سائلين عن أقرب الدروب إليك/ وأنت تخفي وجهك في كل عاصفة من حنين/  يرحلون عند مطلع الفجر في سفر جديد .
j j j
أيها المساء تلاطمت في سوادك وجوه أيقظتها الخيانة أضمرت الغدر قبل سطوع النهار/  ذاك المساء الشاهد على  تدفق الضغينة  كان غسقاً يغسله ضياء قمر بازغ/  عاد إلى بيته في الطريق الذي يسلكه كل يوم زاخرا بآخر فجر يقوده إلى الله/ كانا يتربصان به كالفريسة خلف جدار الطين/  في ضاحية مسيجة بالنخيل/ كانا  يرصدان لعمهما طلقتين إكراماً لأيام اليتم/  وإذ ثقبا صدره بالرصاص وسقط مهشما بالعهد والذكريات/ ماانهمر منه من نجيع غزير ليس سوى إباحة للكراهية/ كي ترى الحقد نازفا بالدماء/  كقربان أخير في الضربة القاضية
j j j
الفتح المكتظ بالجبروت/ تركنا نتخبط في الغياهب/مدن مزنرة بالحرائق ينهبها الطغاة/
 من مهد كل هذا الدرب الطويل الى المقصلة ؟
j j j
ما تبقى من ضباب يتحدر على صحراء/ ليس فيها إلا وجوه مزهرة  بالضغينة/ كي أستطيع أن أرسم  ظلك الأخضر على الأرض/ تلزمني سماء أخرى غزيرة بالدموع.
j  نصوص من كتاب (الصّـفاع) الذي سوف يصدر قريبا للكاتب عن دار نينوي بدمشق .

قاص من عُمان

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …