موعد غراميّ ببلد في حالة حرب

لويس سيبويلبيدا(1) ترجمة: أحمد الويزي


«أنا رجل شريف. أنا خائف».
خوسيه مارتي

كنتُ مسرورا ذلك المساء، لأنّي عقدتُ موعدا. موعدا مع شخص ألمسه، أراه وأتحدّث إليه. موعدا أنسى فيه الموت، الذي صار خبزنا اليوميّ.
أعجبتني المرأة، وراقتْ لي مذ رأيتها في المقهى، ببّاناما سيتّي. يومها، كانت ترافق رجلاً ضخم الجثّة، أعطانا تعليمات، وكشف لنا عن كلمة السّر، التي تسهّل التحاقنا بكوستاريكا، والوصول من هناك عبر السّاحل الشّمالي، إلى التّجمع الذي يضمّ أغلب أفراد فرقتنا.
كان بابلو برفقتي، يومها. وما إن غادر صاحبانا اللّذان يسّرا لنا الاتّصال بالفرقة، حتّى شرعنا في احتساء كؤوس الكوكتيل.
– إنّها أعجبَتْك! قال لي.
– بالطّبع! وإلاّ، أليس هذا طبيعيّا؟! ثمّة نساء يعجبننا، دوما!
– حذار، يا صاح! من الأفضل أن تنساها.
– أنا لم أقل إنّي أُغرمتُ بها.
– هذا أفضل. لا تعد إلى التّفكير فيها.
بعد ذلك اللّقاء بأيام، وما إن عبرنا الحدود، حتّى مات بابلو، فشعرتُ ببعض الفرح لكوني لم أرافقه، حين حدث له ما حدث. بلغني موته عن طريق بلاغ عسكريّ، ومن فم أحد الرّفاق الذي حكى لي في ما بعد، تفاصيل الواقعة.
استطاعتِ الفرقة التي كان بابلو ضمن أعضائها، أن تتقدّم لعدّة كيلومترت في اتّجاه مدينة ريباس، التي تقع بناحية باناس بلانْكاس. ولمّا هبط اللّيل، عثر أفراد الفرقة على كوخ مهجور، فقرّروا قضاء اللّيل بداخله، بعد عملية تمشيط واستطلاع كاملة للمكان. ولولا الصّدفة السّعيدة التي حالفت النّاجي الوحيد، الذي حكى لي القصّة، وأنقذته من الموت المحقّق، لمات جميع الأفراد. إذ تمّ كلّ شيء من حوله، بسرعة: عثر البعض على حطب بالكوخ، كان الجيش النّظامي قد لغّمه. وحين أُضْرمتِ النّار في الحطب، انفجر كلّ ما تلغّم بقوة، فأودى بحياة الجميع.
لكنّي حين سِرتُ في اتّجاه المكان، حيث عقدنا موعدنا، لم أكن أفكّر في بابلو، وإنّما في تلك المرأة بالذات. ذلك أنّ شهورا بأكملها مضتْ عليّ، لم أعانق خلالها جسدًا ناعمًا ودافئًا، ولا نادمت فيها شخصًا لطيفًا، يطرح عليّ أسئلة، ويجيب عن أخرى، أستفسره بشأنها. أجل، مضى عليّ زمن طويل، لم أتلقّ فيه رقّة ولا حنانا، ولا منحتُ منهما شيئا لأحد، أنا أيضا. إذ في الحرب، لم يكن يتوفّر سوى ما يكفي من الوقت، لتحويل المرء إلى وحش!

كنّا في ريباس، وكانت هذه هي المرّة الثّالثة، التي نسيطر فيها على هذه المدينة، في أقلّ من شهرين. وبذلك، بدا لنا بأنّ الجيش النّظامي أخذ يضعف، فصار من المتعيّن قضاء فترة قصيرة هناك، قبل مواصلة التّحرك باتّجاه بْلين، المكان الذي سنتوزّع فيه، لمداهمة خينوتيبّه ورانادا، في وقت واحد.
تحدّثتْ هي إليّ، حين وقفنا في الطّابور، ننتظر دورنا لاستلام حصّتنا في الذخيرة، فقالت:
– نحن نتعارف. أتذكر؟
– بالتّأكيد، أذكر هذا. ويمكن لي حتّى تذكيرك بعدد القوائم، التي كانت تقف عليها منضدة المقهى، ببّاناما سيتّي. رددتُ عليها، فضحكتْ.
– أحيانا، لا تكون الذّاكرة بالصّاحب الطّيب، الذي ينبغي الوثوق به. علينا أن نحسن النّسيان، بسرعة.
بعد استلام نصيبنا من الذّخيرة، ذهبنا سويا إلى السّاحة، لنتفيّأ بعض الظلّ.
– من المفترض أن تكون ريباس مدينة جميلة، حين لا تبقى ثمّة حرب. يمكن الاستفادة فيها من مشهد الغروب، وشمِّ نسمات البُحيرة الآتية من الخلف.
– هي مدينة جميلة بالفعل، وأنا منها.
– ألديك عائلة، هنا؟
– أفضّلُ عدم الخوض في هذا.
– طيّب، كما تشائين… لكن، اسمحي لي بسؤال أخير: أين هو ذلك الرّفيق، الذي كان بصحبتك، في بّاناما.
– مات، ردّتْ. توصّل بأمر التّقدم نحو الجهة الشّرقية، كي تغلق فرقته الطّوق بإحكام على مدينة بلوفييلدز، وتشدّد حصارها. كانت قوّات باستورا تهاجم عبر سان خوان ديل نورْتي، وهو على معرفة جيّدة بهذه المنطقة، لأنّه حارب بين تلك الجبال، لمدّة سبع سنوات. وعلى الرّغم من تعرّض فرقته لبعض المناوشات، فإنّها احتلّت مع ذلك خويگالبا، وانطلقتْ من هناك باتّجاه راما، حيث ظلّ الجيش النّظامي يترصّد أعضاء الفرقة، ليوقع بهم في الفخّ، وذلك عن طريق إرغامهم على الانسحاب إلى منطقة سبخة، تملؤها المستنقعات. وبعد عدّة هجمات بطيران سوموزا، أُلقي القبض على صاحبنا، مع فئة قليلة من النّاجين كانت برفقته، فسُحلتْ جلودهم وهم أحياء، قبل أن يلفظوا الأنفاس حتّى.
– أنا آسف. هذا كلّ ما بالوسع قوله.
– وأنا كذلك. حتّى ولو لم نعد نعيش مع بعضنا. قالت بهدوء.
– أتعيشين لوحدك، الآن؟
ودون التّلفظ بكلمة واحدة، أفهمتني بأنّها كذلك. ولمّا لمستُ خدّها، أغلقتْ عينيها.

كانت أشعّة الشّمس تضغط بقوة، حين وصلتُ إلى مركز الحراسة المقرّر لي، وكان هذا أفضل، وإلاّ جنّنني ذلك الباعوض غير المُحتمل. ولم يكن مركز الحراسة سوى حجرة صفيحيّة، استخدمها الجيش النّظامي لحجز الأسرى، فاستعملناها نحن أيضا لنفس الغرض، ومن المفترض أن تصير الحرارة بداخلها خانقة إلى أقصى حدّ. وقد تلخّصَتْ مهمّتي في حراسة معتقل واحد، سيتمّ إخضاعه للمحاكمة، في صبيحة اليوم الموالي. كلّ ما عرفته عنه أنّه واشٍ، ظلّ يعمل لفائدة الجيش النّظامي، وبسببه سقط الكثير من رجالنا، وكذلك الكثير من ساكنة ريباس، لا لشيء سوى لأنّهم يعيشون هناك، وحسب.
أسندتُ بندقيتي إلى جدار الحجرة الصّفيحية، وجلست فوق الأرض الملأى بالحصى. شعرتُ بالعطش، فأخرجت من جيب القميص، وأنا حريصٌ على ألاّ يراني أحد، قنينةً بها بعض الرّوم. ظلّ الكحول ممنوعا على المقاتيلن، صوريّا على الأقلّ، لأنّ ثمّة إمكانية دائمة لتوفّر شيء منه، يحتسيه المقاتل. وكان ذلك الرّوم بالذات الذي وضعته في قنينتي، شرابا نيكارغويا جيّدا وغنيّا بالكحول، به عذوبة نسبية، ويبقى منه بعد الشّرب، مذاقُ قصب السُّكر في مؤخّرة الحلق.
أحببْتُ شراب الرّوم، وما أحببْتُ أبداً أن أكون موجودا هناك. وكانت قنينتي شبه الفارغة تقريبا، من النّوع المسطّح الذي يحمله سكّان المدن الهادئة معهم، وهم يتردّدون إمّا على حلبات السّباق، أو على السّفر. لا، لم أكن أحبّ الوجود هناك، لحراسة ذلك المعتقل الذي أُغْلق عليه في حجرة الصّفيح السّاخنة، وأنا مستغرقٌ في أحلام اليقظة، التي أذكتها عندي قنينة الشّراب. وإنّما كنتُ أحبّ على ما أظنّ، وأنا جالس هناك، أن أكون موجودًا لدى مانولو: المقهى الذي يقع ببداية شارع أمازوناس، في مدينة كيتو. هناك، كنّا على ما يرام. وكان بمقدورنا الجلوس إلى منضدة، تظلّلها مظلّة عليها إشهارٌ لسجائر كامِلْ، وشرب الويسكي مع قطع الثّلج، والبقاء هناك لساعات مديدة، ونحن نقرأ في صحيفة ما. وأحيانا، كان يقترب منّي أحد المعارف، ويسألني وهو ما يزال على الرّصيف:
– ماذا ستعمل هذا المساء، يا ترى؟
– لا أعرف. ليس لدي برنامج.
– رائع! لنلتقِ فيما بعد إذن، في مطعم الشّاربونتييه أو بالأورْس بولير.
– وهو كذلك. إلى الملتقى، إذن!
كنّا نأكل جيّدا لدى الشّاربونتييه، بينما ظلّ لورس بّوليرْ محلّا شعبيّا، يتردّد عليه بعض المغنّين ومصارعي الثّيران، في طريق العودة إلى المدينة. ومع ذلك، بقي محلاً مناسبا جدّا لوضع نقطة النّهاية، لطوافنا اللّيلي بين الحانات، حيث كنّا نشرب فيه بعض دورات الرّوم الأخيرة.

أشعلتُ سيجارة، فطفق الرّجل يتحدّث إليّ:
– أبمستطاعك أنْ تمدّني بسيجارة، يا أخي؟
كرهْتُ حاسّة الشّم، التي تميّز هذا الشّخص. لم يتبقّ لي من السّجائر إلاّ القليل، ومن يدري ما إذا كنتُ سأجد ما سأدخنّه، حين تنتهي كلّها. لكنّ المرء لا يستطيع منع سيجارة ما، طلبها الغير. وقد جرّبت السّجن أنا بالذّات، وعرفتُ بأنّ حالة الاعتقال تفتح الشّهية للدّخان. زد على ذلك، أنّ صاحبنا هذا يعيش ساعاته الأخيرة.
– تفضّل. قلتُ، وأنا أمرّرُ له سيجارة مشتعلة، من تحت دفّة الباب.
– شكرا لك، أخي.
– لا تسمّيني أخاك.
– إنّما نحن إخوة. فقابيل وهابيل كانا أخوين!
– اصمتْ!
لم يعد السّجين إلى الكلام بعد ذلك، وكان هذا أفضل.
بعدها، سرح بي التّفكير في اتجاه تلك المرأة. تناولنا طعام الغذاء معا، ببيت يتمّ الولوج إليه من خلال ثقب بالجدار، أحدثته إحدى القذائف. كانت هي من قادتني إليه في منتصف النّهار، فوجدتُ بداخله امرأتين عجوزين بفم أدرد، ابتسمتا لي في مكر، لمّا وقعتْ نظراتهما عليّ.
– رفيقنا ليس من هنا. علّقتْ إحداهما.
– لا. من الجنوب. من النّاحية الجنوبيّة البعيدة، نسبيًّا. أجبتها.
هيّأتا لنا سويا التّورْتيّاسْ وصحنيْ الجُلبّان، ثمّ تركتانا لوحدنا.
– ليس هنا غير الماء، للأسف.
– أنا عطشان، قلت. وأخرجتُ القنينة التي بها ما تبقّى من الرّوم.
– أتستطيع شرب الرّوم، وأنت تتناول الطّعام؟
– لا. ولا أقوى كذلك على شرب الماء، وأنا آكل! هذا يسبّب لي بعض الطّفيليات.
– انتظر! أعتقد بأنّ بعض القهوة ما يزال بالإبريق.
وبينما كانت هي تنحني على الموقد، أمسكتُ بها أنا من جهة الخصر. تشمّمتُ ظهرها، وقد ألصقتُ به صدري، ثمّ طبعتُ قبلةً على قفاها.
– كن حذرا! من الممكن أن ترانا العجوزان!
– وماذا في ذلك؟ من المفترض أنّنا نصنع الثّورة، لنتحرّر. ألم نخض كلّ هذه الحرب القذرة، لأجل هذا بالذات؟
– أنت لا تفهم!
– وماذا عليّ فهمه؟!
قبّلتْني، ثمّ دفعتْ بي إلى أن أعِدَها بعودتي، بعد أنْ يهبط اللّيل.

ظلّت الشّمس تضغط بقوّة. وكنتُ من وقت لآخر أفكّر في السّجين، الذي يتشوّى بداخل تلك الحجرة الصفيحيّة، ثمّ ما ألبث أنْ أبعد هذه الفكرة عن ذهني، فورا. إذ لم تكن تلك قضيتي، ولا أحببتُ أن أكون هنا، بالذات. لعنتُ هذه الحرب التي تطوّعتُ فيها، هذه الحرب اللّعينة التي بقيتْ أشواطها تمتدّ باستمرار، وتطول مع توالي الوقت، أكثر ممّا ظننّاه. لذلك، انتهيتُ بمفاتحته في الكلام:
– أتريد أنْ تدخّن؟
– إذا دعوتني إليه، يا أخي.
– طلبتُ منك ألاّ تدعوني بأخي.
أشعلتُ سيجارتين، ومرّرتُ له واحدة، من تحت الباب.
– شكرا، أخي.
انفجرتُ بالضّحك.
– لا عليك، أخي. خذْ! قدّمت له القنينة من خلال الشّعاع الضّوئي، الذي يقع أسفل الباب. اشرب لك قليلا، وإيّاك أن تأتي على كلّ شيء!
– شكرًا لك، أخي. أنا لا أشرب.
– وهل يمكنني معرفة السّبب، أخي؟
– لأنّي قِسّ أنجليكانيّ، أخي.
– إلى الجحيم، إذن!
كان قميصي يلتصق بجلدي، وجزمتي تسومني العذاب، كالعادة. حاولتُ الانشغال بالتّفكير في شيء آخر، وفي أمكنة أخرى، حتّى لا أشعر بالحرارة. فكّرتُ على سبيل المثال، في أنّ الأمر سيكون أجمل، لو اتّخذتُ لي قاربا، وشرعتُ في التّجديف إلى أن بلغتُ جزر سولينتينام. إلاّ أنّ هذا كان حلما عبثيّا، لأنّ عناصر الجيش النّظامي تقوم ليل نهار، بدوريات الحراسة حول البحيرة، ويُطلق القنّاصة الرّصاص من السّفن، على كل من يتحرّك فوق الماء، بدقّة شيطانيّة رهيبة.
بعدها، وجّهتُ فكري صوب كوستاريكا، وبالتّحديد وجهة ذلك الرّكن الأوربيّ منها، الذي أطلعني عليه إيستبان ذات يوم، ويقع على بُعد كيلومترات من مورافيا. كان أجَمَة من نصف هكتار، يخترقها سيْلٌ مائيّ تسبح فيه التّورتة. وكلّما استطعنا إليه سبيلا، نذهب معا للاصطياد هناك، فنستمتع بأكل سمك التورتة المقليّ، وشرب النّبيذ الشّيلي، ونحن نتفيّؤ تحت ظلال الأجمة.
– أخي…
– ماذا تريد؟
– متى سيعدمونني؟
– لستُ أدري. ألم يخبروك؟
– لم يقل لي أيّ شيء، يا أخي. إنّما لا عليك. أنا أعرف بأنّهم سيطلقون عليّ الرّصاص، عمّا قريب. وأنا أستحقّ هذا.
– تبّا! إذا كنتَ ترغب في طقس الاعتراف، فسأنادي لك على قسّ!
– لا. شكرا، أخي! فقد قلتُ لك قبل قليل، بأنّي قسٌّ أنجليكانيّ.
لا شكّ أنّ هذا شخص مجنون، تبخّر دماغه بحقّ وحقيقة، قلتُ في نفسي. لم أره أبدًا من قبل، لكنّه بدا لي ما يزال شابّا، من خلال جرسه الصّوتي!
– أتعرف لماذا أنا هنا، أخي؟
– لأنّك جاسوس واشٍ!
– طيّب. لكنّي فعلتُ ذلك بدافع الحبّ!
– بدافع الحبّ؟!… بدافع الحبّ كنتَ تُبلّغ عن الآخرين، وترسل منهم العشرات إلى الموت؟! لا شكّ أنّ لديك تصوّرا غريبا عن الحبّ!
– في بعض الأحيان، تختلط البغضاء والمحبّة مع بعضهما، فلا يقوى المرء على تبيّن الفرق بينهما. لذلك، لا تحقد عليّ، يا أخي.
– أنا لا أحقد عليك. ثمّ إنّي أتوسّل إليك بربّ السّماء، أن تكفّ عن مناداتي بأخي!
عكّر حديثي مع هذا السّجين مزاجي، وكان آخر العنقود في كدري، فراغ القنينة من الشّراب. لكنّ ساعة الغروب حلّت، فحملتْ معها بعض النّسمات العليلة القادمة من البحيرة، وخلاصي النّسبي بحلول لحظة استبدال دور الحراسة.
– هل من جديد؟ قال لي الرّفيق، الذي حلّ مكاني.
– لا شيء!
– إنْ أسرعتَ، سيكون بإمكانك أكل بعض اللّحم!
وكيف لا ينبغي لي أن أسرع، وقد مضتْ عليّ أسابيع بعينها، لم أتذوق طعم اللّحم بالمرّة، خلالها؟!
كنتُ منخرطا في الأكل، لمّا جلس بقربي، شخصٌ يحمل رتبة عقيد. قال:
– أهو جيّد؟!
– يؤكل، على العموم. في الأنتركونتينونتال، نأكل ما هو أفضل.
– هذا مؤكّد. سنتأكّد من ذلك، حين نصل إلى ماناغوا.
– لسوف نرى !
– أكنتَ تحرس السّجين؟!
– أجل. طول فترة المساء.
– وهل تحدّث إليك بشيء ما؟
– لم تخرج من فمه ولو كلمة واحدة.
– إنّه ابن زانيّة حقيقيّ. أؤكّد لك هذا، أخي!
– مؤكّد، أخي!
وبعد العشاء، حاولتُ تدبّر أمر السّجائر، فحالفني الحظ. بقي الكشك الموجود بالسّاحة مفتوحا ومضاء كذلك، وكأنّ الحرب بعيدة عن هذه البقعة. وما قدّم لي صاحب الكشك السّجائر وحدها فقط، وإنّما وجدتُ لديه قنينة روم، وعلبة عصير المانغ. وبعد التّبضع، تحسّن مزاجي، فشربتُ جعّة مثلّجة، برفقة رفيقتين من المقاتلين. ولاحظتُ أنّ الحرب سرعان ما تختفي على نحو غريب، في اللّيل المرصّع بالنّجوم! لذلك، تركتُ نفسي أصغي إلى المرأتين، وهما تتحدّثان عن المستقبل بطلاقة وخفّة، أدهشتاني في البداية، ثمّ ما لبثتُ أن انتهيتُ بعدها، إلى الإحساس بالضّيق والضّجر. كانتا متفائلتين على نحو رهيب للغاية، بينما عادما ما أتوجّس أنا خيفة، من هذا النّوع من البشر الذي لا ينفكّ يتفاءل. زد على ذلك، أنّ بابلو قد أخبرني من قبل، بأنّهما تجلبان النّحس!

ثمّ سرتُ مدفوعًا بالعتمة، صوب بيت العجوزين. وما هي إلا لحظات، حتى استقبلتني إحداهما قائلة، وهي تضحك ضحكة صغيرة وماكرة:
– ها إنّ صاحبنا الجنوبيّ قد عاد!
– أجل، عدت.
– تفضّل بالدّخول، إذن. فإنّ ثمّة من ينتظر قدومك.
اختفت العجوز، دون التّوقف عن الضّحك، على نحو خافت وماكر. ولمّا توغّلتُ بداخل المحلّ، ألفيتُ المرأة التي كنتُ على موعد معها، وقد انهمكت في إسدال ناموسيّة فوق أرجوحة، تُتّخذ سريرا.
– كيف قضيتَ فترتك المسائيّة؟ سألتني.
عثرتُ في إحدى الخزانات على كأسيْن، فصببتُ شراب الرّوم فيهما، ومزجته بعصير المانغ، ثم قلت:
– على نحو سيّئ. كنتُ في حراسة السّجين.
– أهاه!
– أتعرفينه؟ قيل لي إنّه أيضا، من هذه المدينة.
– أفضل عدم الخوض في هذا.
– معك حقّ. لنكفّ عن التّحدث عنه. امسكي. يمكننا أن نقول إنّه كوكتيل إكواتوري. أتحبّين الكوكتيل؟ إذا كُتِب لنا الوصول إلى ماناغوا أحياء، فسأدعوك إلى شرب المارتيني درايْ، وسأترك لك حبّة زيتوني، لتأكليها. أعدك بهذا.
شددتُها من خصرها، وأنا أناولها الكأس. وحين حاولتُ تقبيلها، لاحظتُ بأنّها تبكي.
– أيمكنك أن تخبريني بما يحدث؟
– لاشيء. لا شيء هناك.
– لاشيء؟ اسمعي: فلتكن الأمور واضحة بيننا: أنا أريد أن أكون معك. أتفهمين؟ إنّك أعجبتني، وأرغب في أن أكون برفقتك، هذه اللّيلة. لا أنتِ تعلمين، ولا أنا، بما سيحدث لنا، غدا. أفهمت؟ الشّخص الوحيد الذي يعلم ما ينتظره في المستقبل، بهذه المدينة اللّعينة، هو ذلك السّجين. إنّه يدرك جيّدا بأنهم سيقتلونه، مع مطلع الشّمس. ثمّ إنّي سئمتُ هذه الحرب اللّعينة، ولا رغبة لي في شيء آخر، عدا أن أكون برفقتك، إنّما بقليل من الابتهاج والفرح، إن أمكن. أتستطيعين فهم هذا؟ وإلاّ، سأنصرف الآن، إذا شئتِ. أجل، إذا شئتِ أن أنصرف، ما عليك إلا مصارحتي. وأعدُك بأنّي لن أعود إلى الحديث عما جرى بيننا، أبدا!
قلتُ ذلك، وكنتُ على أهبة الانصراف، إلا أنّ المرأة استبقتني.
– لا بأس، لا بأس. اجلس هنا، بقربي. أنتَ أيضا أعجبتني. منذ اللقاء الأول، رُقْتَ لي، حتى ولو أنّا لم نتبادل أيّ كلام بيننا. ثمّ إنّي تعبت كذلك، وسيّان عندي ما قد يقع غدا. أنا أرغب في أن أكون برفقتك هذه اللّيلة أيضا، إنّما عليّ أن أفاتحك قبل كلّ شيء، بأمر خاص. ينبغي أن أحدّثك عن أحدهم. واسمح لي باستعمالك للتّفريغ عن مكروب الدّواخل، وهذا أشبه بالقيء. إنّ ما سأخبرك به سيكون شبيها بالقيء، لكن على المرء أن يتقيّأ في بعض الأحيان، ليُخرج من جوفه ما أسن بالدّاخل، وتعرّض للتّعفن. لذلك، استمع إليّ، دون مقاطعة. وأكرّر: هذا أشبه ما يكون بالتّقيؤ… ذلك الرّجل، وأقصد السّجين الذي حدّثتني عنه، زوجي! ما يزال زوجي. أنا لا أحبّه، ولم أكن قد أحببته، قطّ. مجرد إبليس صغير هو، وليس حتى بذكيّ بما يكفي، ليكون شرّيرا. غادرته منذ أربع سنوات. انضممتُ إلى صفوف المقاومة، وغادرته بصحبة الرّفيق، الذي تعرّفتَ إليه في باناما. وحين وقع منّي هذا، جُنّ جنون زوجي السّجين، فشرع في الوشاية بكلّ من يعتقد أنّه يتعاطف مع الجبهة، ويتحالف معها. واليوم، رأيته لأول مرّة، بعد أربع سنوات على مغادرتي له. أتعرف ماذا قال لي؟ قال إنّه فعل ما فعله، بدافع الحبّ! بدافع حبّه لي! أتدرك هذا؟ أتستوعب ما أشعر به؟
– قال لي نفس الشّيء. قلتُ لها، بعد لحظة تردّد.
ثمّ إذا بصدى طلقات مدوّية، يصل إلينا. رفعتْ المرأة عينيها في اتّجاهي، ونظرت إلي بعينين حمراوين، كانتا عيني أرملة!

شاهد أيضاً

جواستابينو

أندريس باربا ترجمة: أحمد عبداللطيف لا نعرف شيئًا والتاريخ أكذوبة والحب لا وجود له؛ لكن …