نداهة أخرى

  لا اعرف اذا كان زيزا ام صرصورا من صراصير الليل فلست ضليعا في امور الحشرات ولكن من المؤكد ان روحا شيطانية كانت تتلبس ذلك الكائن ليبدأ في (العزف) تماما في نفس اللحظه التي اضع فيها رأسي على الوسادة تهيؤا للنوم بعد منتصف الليل بساعة او ساعتين.. كما افعل عادة.

والحقيقة انني كنت سعيدا قبل ظهوره في ان الصدفه السعيدة قادتني الى استئجار ذلك البيت في احدى ضواحي العاصمة، بيت شبه ريفي تطل شبابيكه على بستان واشجار تكون محشوة بالعصافير في هذا الوقت من السنة بحيث افيق صباحا وانا استمع الى زقزقات العصافير وغناء ذلك الكناري والذي لم اتمكن قط من معرفة ما اذا كان بريا ام انه يعود الى ذلك الرجل الغامض جارنا العقيد المتقاعد والذي هو اقرب جار لنا من الجهة الغربية.

لم انم تلك الليلة عندما بدأ صاحبنا بالعزف المنفرد – واسميه عزفا من باب السخرية اذ ان الصوت الذي كان يصدره هو اشبه بمنشار حاد تمر عليه دون توقف جيئة وذهابا قطعة صلبة من الحديد بحيث كنت احس ذلك الصوت يضرب في اعماق دماغي ..

و الذي زاد الامر سوءا هو ان ذلك الزيز او الصرصور او الشيطان لم يتوقف لحظة عن اصدار ذلك الصوت المزعج المثير للاعصاب .. والاغرب من ذلك انه كان يتوقف عندما افقد اعصابي وانهض من السرير واقفا امام الشباك.. فكأنه كان يعرف حركاتي.. وذات مرة، وبعد اكثر من ساعتين من ابتداء وصلته فكرت بقذفه بشيء في متناول يدي فلم اجد الا فردة (شبشب) قذفتها بأقصى سرعة باتجاه مصدر الصوت، الامر الذي ايقظ زوجتي والتي هبت من نومها مذعورة تسألني عما يحدث فقلت لها انه الزيز.. فسألت ماذا باستنكار فعدت اؤكد لها بأنه زيز مزعج لا يدعني انام.. ولما فهمت المسألة اشاحت بيدها وعادت الى النوم وهي تقول بلا مبالاة ! زيز ! يا لك من رجل قليل العقل..  حاول ان تنساه ..ولكن كيف انساه وهو لا يكف عن الحفر في راسي دون كلل او ملل ..

عدت وقذفته بالفردة  الأخرى من (الشبشب) فصمت وهنا اعترتني السعادة اذ عرفت انني ارهبت ذلك الزيز المزعج، ولكن ما هي الا لحظات حتى واصل معزوفته وكأنني لم اقذفه بزوج من الشباشب..

وهكذا تأكدت انني اتعامل مع روح شريرة سلطها احد علي وليس مع زيز او صرصور.. وتسللت من غرفة النوم بعد ان لبست ملابسي وخرجت حتى اقضي عليه مهما كلف الثمن..

مشيت بحذر شديد وانا انتعل حذائي المطاطي حتى اصبحت قريبا من مصدر الصوت او هكذا خيل الي وعندما تناولت حجرا وقذفته صمت.. ولكن لم يدم الامر لحظات حتى عاد الى اصدار نفس الصوت ولكن بعيدا قليلا عن المكان الاول.. وكلما وصلت الى مصدر الصوت كنت اكتشف انه يبتعد كأنه (النداهة) او (منبه الليل).. وسحبني خطوة خطوة وانا اتتبع صوته الى ان وجدت نفسي امام سلك شائك يحيط به العقيد المتقاعد حديقته المنزلية.. وعرفت ان الزيز تجاوز السلك واصبح في الحديقة كأنه يحتمي بها.. ولكنني لم اتراجع، وفي اللحظة التي كنت احاول فيها تجاوز الاسلاك الشائكة انتصب العقيد امامي وهو يحمل بندقية صارخا «ماذا تفعل ايها الحرامي في انصاص الليالي» .. ماذا تريد ان تسرق.. فضربت معي لخمة وانا أحاول ان اقول له: انني اتتبع الزيز..

ماذا تقول  زيز .. تتبع زيز! ها ها اذن، اذا لم تكن حراميا فأنت اكيد مجنون.. انتظر لحظة ولا تتحرك فالبارودة معبأة وسأطلق النار اذا قمت بأية حركة، وعلى الفور اتصل بتلفونه الخلوي بشرطة النجدة التي حضرت بعد دقائق حيث رأيته يختلي بالضابط المسؤول الذي لم يتردد في التوجه الي ووضع الكلبشات الحديدية في يدي.. وفي الطريق الى المخفر كنت اتساءل :

ما الاخف ضررا .. حرامي ام مجنون !

اذ انه لم يكن امامي خيار ثالث.
 
رسمــي أبو عـــلي شاعر وكاتب من فلسطين

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …