نشيد إلى الأم فـي صباحها الأول بعد الترمل

كلما كشفتِ عنا غطاء النسيان
آنسنا من جانب الوردة
زرقة الدمع على عينيك
أيتها الأم

كلما غسلنا أعناقنا بالماء
لوتِ الريح رقابنا
وانزاحت وجوهنا بعيدا عنك
أيتها الأم
أليني لنا الريح
لكي لا تفضي جذور الشجرة
بعيداً عن الحصى والتراب.

أيتها الأم
ليكن لك حباب الماء وشهيق الغرقى
لتكن لك بالونات أعياد الميلاد
ومعاجين الكريمة الطازجة
على ضفاف المائدة

أيتها الأم
لترفعينا قليلاً كي لا نبلل السمك
المندهش من فرحتنا المنقوصة

ستزرَّقُ شفاهنا
في سبيل محبتك أيتها الأم
وسنفرح كرمل يشاغب عمود إنارة
كلما اكتشفنا
بقايا أظافرك في أعيننا

تركنا الشواهق للخلطاء
ورجعنا بك للبرية
كي نمرِّن ألسنتنا في مديحك
وكي نعصر عن ملابسنا دبق الزيت
تركنا أطفالنا هناك
في عرباتهم
يُعَلِّمُونَ الطيورَ
في الحدائق والمتنزهات
كيف تنفصل النافورة عن ظلها

علمينا أيتها الأم
كيف نخاف هشاشة المعنى
والتباس التشابه
 بين عنق الوردة
   وعنق الزجاجة
علمينا سر الطبيعة
والفارق الجارح بين السوسنة والبصلة

لا تكشفي عنا أيتها الأم
سكينة التابوت وتواطؤ الماء
دعي أذن الغفلة
تنزاح قليلا
عن زوائد البشارة
كي نشبع منك
وكي نُحِسَّ بعظامك
وهي تعيد إلينا ألفة الأَسِرَّة
ودفء العشاء على المائدة

ولأنَّ الحَنينَ
لا ينمو دائماً أعلى من أعناقنا
لذا تركنا الزعفران
يسبقنا إليكِ
ويلقي عنا النشيد
ويزيح عن كاهلنا عناء الرحلة
ويشرح للغبار
ما تكنه عظامك
حين تغفرين خطايانا
وحين نموت

عند مصاب الأودية
نرى أصواتنا
أكثر شباباً
والحجارةُ مِنْ ليونتها وشفافيتها
نكادُ نُبْصِرُ بِكَارَةَ المعادن فيها
هناك امنحينا أيتها الأم
ما يليق بنا من زرقة
نحملها بديلاً عن أسمائنا

الفجرُ مغرفةُ مثقوبة
والليلُ طاهٍ أعمى
فلمن تتركين أطفالكِ الجياعَ
أيتها الأم؟

كلما ذكرناك
انطلقت جيادٌ بِلاَ رؤوسٍ
تلهثُ في أحَلاَمِنَا
لتنسى الجيادُ حدواتها البهية
على آذاننا
ولتعودي إلينا أيتها الأم
لتعلمينا
كيف نحتاط من القناديل
التي تحرس نومنا
والتي إنْ اغتبطتْ بالريح
أحرقتنا بلارجعة إلى حِضْنك الملتهب

أيتها الأم
أيتها السدرةُ الصاعدةُ مِنْ صَخْرِ الوادي
لا نريدُ مِنْكِ سوى أن تبقي خضراء
وأنْ نَسمعَ من البعيد
صوتَ الريحِ وهي تَتَكَسَّرُ بين أغصانك

أيتها الأم
أيتها السدرةُ البهيةُ في الأزمنة
سيذكرُ مُوتانا
طراوةَ وَرَقِكِ الجافْ
وَهُمْ في أكفانهم الأبدية
وسنميِّزُ طَعْمَ ثِمَارِك في حليبِ شِيَاهِنَا
كلما ارتحلنا بعيداً عنك.
أيتها السدرة الأم
لا تباركي خوفنا من الصياد
تحت ظلالك
باركي الدماء على وجوهنا
والخدوش على سواعدنا
ونحن نستبق بكارة أغصانك في الفجر

سيأخذنا الحنين بعيداً
حين ترفعين المائدة
وسيكون سقفُ دمعكِ عالياً
حين نذكرُ أنَّ الوردة
أظلتْ طُفُولتَنَا في الليل
وأنَّ النارَ التي نسيناها في الطفولة
خاصمتنا في معنى الشاي
واشتقاقات الزنجبيل
كانت الأشياءُ
أصغرَ من راحاتِ أيادينا
وكُنْتِ تُقلَّمينَ الشجرَ النابتَ فوقَ صُدورنا
كُنْتِ تَخَافينَ علينا من الحمامة
وهي تفطمنا عن الهديل

أيتها الأم
لك بهاءُ الصلفِ الصاعدِ فوق القبر
ولك خبطة المجرفةِ فوق جماجمنا
جمامجمنا التي حملها الوادي
في طريقه إلى البحر

شاهد أيضاً

«الحنين العاري» لدى عبد المنعم رمضان

يعد الشاعر المصري «عبدالمنعم رمضان» المنتمي لجيل السبعينيات شاعرًا إشكاليًّا، تشكل قصائده حالة من الحجاج …