نصــوص

حكاية رقم ١

بلا ايقاع محدد، الحركة خلقت اطارها العام، الأكف تلعب بالطار، الصرناي يرسل الأنين، كان عازف الصرناي العجوز منفوخ الأوداج مغمض العينين، كان عازف الدف ينقر على دفه بحركة آلية. كان عازف العود يحتضن عوده كأمٍ تحتضن وليدها البكر.

كانت الرؤوس تتمايل في نشوة لا إرادية..

كان المنشد الأعمى يخلط الأنين بافراح الآخرين..

كان المنشد الأعمى يردد كلمات لا يعرف معناها..

كان المنشد الأعمى يمزج في عويل قصائد المديح بالهجاء..

كان المنشد الأعمى يختم كل أغنية بالصلاة على المصطفى الهادي البشير..

كان العازف مستغرقاً في ملكوت الذات..

كان العازف يحرك الأوتار في قسوة.. هل كان يعرف أن للأوتار معاناة أقسى من معاناته؟

أم ان العازف كان يجلد الذات!!

لم يصمت المنشد الأعمى.. ولم يتوقف العازف عن العزف..

كان الفرح قائماً.. الوحيد الذي غاب ولم يحضر حفل تنصيبه- العريس-

كيف اكتشف فجاة أن العروس قد هربت مع حبيبها؟

ما زال المنشد الأعمى يحرك رقبته في حركات هيستيرية..

وما زال يردد كلمات لا يعرف معناها «صبرت حتى مل مني الصبر»..

ما زال احدهم يحلم بأن تعود العروس الى احضان عريسها

وما زال المنشد الاعمى يردد «صبرت حتى ملّ مني الصبر».

وما زال العريس يبحث عن عروسه!!

حكاية رقم (٢)

لا اعرف على أي ارتفاع كانت تحلق الطائرة، لا اعرف عدد المضيفات، كل ما اعرفه انني أحسست بما يشبه الاختناق.. الرائحة النفاذة للخلطات المحلية، أقبلت سيدة مثقلة بكل النوايا السيئة، آه انها رفيقتي إذا في الرحلة، وستحتل المقعد الذي بجانبي، تطلعت إليها.. اكتشفت منذ اللحظة الأولى انها قد عطرت سنوات عمرها بكل ما هو قبيح.

سيدة قطعت مشوار العمر الافتراضي بسنوات، ولكنها كانت مصرة على أن توقف عقارب الزمن بساعاته ودقائقه وثوانيه.. لا أدري لماذا؟

كان صمتي، هل لأنها مارست اللامبالاة في اقسى درجاتها عند دخولها الطائرة نظرت الى رسغها.. كانت تلبس ساعة غالية الثمن، مرصعة بالأحجار الكريمة.. ولكن لماذا لا تكون ساعتها مغلفة بالخداع مثل هذه المتصابية؟ التقليد والتزوير في كل شيء.. «ما علينا».

تطلعت إليّ  بلا مبالاة ثم اصدرت أوامرها العسكرية «قم، أبغي اجلس عند الدريشة» هكذا دون مراعاة لشعوري، كنت احاول الرد، ولكن ماذا أقول؟ وكيف أرد؟ ثم هل تعتقد ان بمقدورها ان تشتري الانسان كما تشتري ثمن تذكرة السفر؟! قمت مهزوماً.. شعرت انني قد هزمت نفسي، إن أقسى الهزائم ان تشعر بهزيمتك، ولجت الى الداخل، رمت بثقلها على المقعد.. لا ادري لماذا تذكرت «بشار بن برد» ورائعته؟ «إن في بردي جسما ناحلا، خلعت حذاءها.. ثم تطلعت إليّ.. حاولت أن أشاغل الزمن بذاتي، ولكن الفضول دفعني إلى التلصص، فتحت حقيبة يدها؛ وكأنما تريد أن تثير غريزتي لاكتشاف المجهول.. أخرجت المساحيق، كانت تريد – بلاشك- أن تمحو آثار الزمن… في مراقبتها للمسافرين، والتأكد من ربط أحزمة السلامة، اكتشفت المضيفة ان هذه السيدة لا تلتزم بشروط السلامة، فهي لم تلتزم بربط حزام الأمان.. قالت لها المضيفة بما يشبه التوسل: «لو سمحت اربطي حزام الأمان».. لم ترد السيدة، كررت المضيفة الطلب، قالت السيدة: »…وي.. يعني إذا ما اربط الحزام الطيارة تطيح!!» ولم تبال بالأمر. بل تطلعت الى الجهة الاخرى.. أصرت المضيفة.. ولكن السيدة لم تنهزم أمام توسلات المضيفة..

شاركت في الحدث قلت لها:

– «يا أمي.. انها تطلب» وقبل ان أكمل ألجمتني..

– «أنا امك.. يا جليل الحيا أنا أمك!! ثم ما دخلك أنت؟!.. هل تعتقد انني طرشاء؟ هل تعتقد أنني لم أسمعها؟».

(صمت) رسمت ابتسامة لا أدري كنهها.. ولكن بلاشك انها صورة للمكر والبلاهة والغباء، في آن واحد، نظرت اليها بطرف عيني.. كانت المضيفة تضحك.. أما هي فقد سحبت أطراف الحزام.

انشغلت بقراءة الصحيفة.. شعرت بأنها تريد ان تخوض غمار حوار ما.. استبعدت فكرة مشاركتها في الحديث.. لم تيأس.. قالت بهدوء أكثر: «أنا أمك»..

(صمت) لم أكن مستعداً لاثارة الموضوع.. أحسست انها مسكينة.. هل شعرت بوخز الضمير تجاه المضيفة؟.. هل اكتشفت فجأة الحقيقة؟.. قلت: ربما أرادت فتح حوار ما.. كثيراً ما نخلق حوارات لقطع الطريق.. الإصرار على الصمت من قبلي.. والإصرار على المحاورة من قبلها، خلقت حالة لكلينا.. أمام صمتي قالت بما يشبه الاحتجاج..

– كنت أعتقد اننا متقاربان في السن.

– ….

– من اين أنت؟

– من وطني..

– أعرف «هذا اللي الله قدرك عليه؟ ولكن قل من اين؟»

– أرض الله واسعة.

– اسمع، انتهى عصر الفلاسفة.. أنت خليجي أليس كذلك؟

– كيف توصلت الى هذا الاستنتاج العظيم؟… كيف عرفتي؟

– لم أعرفك من ملامحك.. ولكني اكتشفت الأمر من خلال ملابسك.. أهل الخليج عادة لا يبالون بالثمن.. ملابسكم غالية جداً.. ولكن بلا ذوق.

– وللناس فيما يعشقون مذاهب..

أوه.. انت إذا شاعر..

– في هذه اللحظة أشعر بالبؤس..

– لم تقل لي ماذا تعمل؟

– عاطل.. «تابعت قراءة الجريدة»

كان الممر في الطائرة قد تضمخ بعطرها النفاذ.. كنت أتطلع الى السقف.. قالت كي تعيد الحياة الى حوارنا: «لا أدري لماذا تقوم شركات الطيران بمنع التدخين عبر الرحلات.. إنه لأمر مزعج».

– ….

– ان التدخين أمر شخصي.. لماذا يقيد الانسان بالقرارات الجائرة؟!

– ….

– «من الواضح انك لا تريد التحدث معي.. بلاشك قد سمعت باسمي.. «أنا أم دلال» هل سمعت بهذا الاسم؟.. ضحكت.. ثم أردفت: «أشهر من نار على علم.. فتحت حقيبة يدها، أخرجت كارتاً بلقبها وأرقام هواتف عدة».. مدت يدها بالكارت.. ثم اردفت.. «إذا احتجتني فارجو الاتصال بي»..

– شكراً سيدتي..

– الحمدلله.. أخيراً نطقت.. هل أنت متزوج؟

– نعم..

هل تحب زوجتك؟

– هل هذا تحقيق؟!!

– أنا أعرف الناس بالرجال.. انهم يهربون من….

– كيف..؟

– هل أثرت فضولك؟ أعرف ان الفضول قد دفعك الى التساؤل.. هل تريد حقاً الاجابة على سؤالك؟.. أرجو الاتصال بي حتى أستطيع الاجابة..

– …..

– أنا «أم دلال».. لدي القدرة على إثارة الآخرين وتعريتهم..

– ….

– هل تعرف لماذا أنت صامت لا تجيب؟… سوف أقول لك لماذا؟ عندما يستبد القلق بالانسان يبحث عن أجوبة لأسئلة ساذجة.. أسئلة لا معنى لها..

أعلن الطيار اننا على وشك الهبوط.. أصرت «أم دلال» على التوديع.. ثم قالت بضحكة خبيثة.. «خدماتنا على مدار الساعة!!»

حكاية رقم (٣)

يصحو من نومه.. يتأمل المكان من حوله.. يتطلع الى اصابعه.. يحاول أن يفعل شيئاً ما.. ولا يدري ماذا يفعل.. يلفت نظره بقايا مرآة في ركن من الغرفة، يتطلع الى سحنته عبرها.. يحاول أن يتذكر من علّق المرآة في زاوية الغرفة؟ ومتى؟.. يضحك دون داع.. يلقي نظرة أخرى على ارضية الغرفة.. يتساءل بدهشة وهو يتأمل ذاته.. هل حقاً هذا أنا؟!

يتذكر ان هذه السحنة سحنته.. لأنها ليست غريبة عليه.. بالتأكيد انها سحنته.. يحاول مرة أخرى ان يزيل ما التصقت بأنامله الهزيلة من بقايا الورنيش.. يتطلع مرة اخرى الى المكان.. العتمة تغلف المكان.. يتطلع الى أمه.. آه انها تنام في ركنها المعهود في وداعة.. كعادته يفتح الباب بهدوء.. يتسلل خارجاً.. يحاول قدر المستطاع أن يحجب اشعة الشمس من التسلل عبر شقوق الباب… هذا الباب البالي المتآكل بفعل المطر والحر.. يقف لحظات.. يفكر.. ها هو خارج من هذا الاطار المتهالك والمسمى- تجاوزاً- بالباب.. هذا الباب الذي لا يسد الريح.. أو يمنح الأمان.. باب مقلق وموحش في آن واحد… مقلق لأن أمه تنام في هدوء ودعة.. وموحش لان خلف هذا الباب تكمن المأساة.. مأساته.. مأساة أمه.. مأساة الحياة.. صراع الانسان مع ذاته والآخر.. ولكن هل عليه أن يعيد هذه الصور في كل يوم؟ هل عليه أن يكرر المشهد في كل لحظة؟!! عليه الآن أن يبدا رحلة اخرى.. يوماً جديداً ورحلة جديدة.. معاناة أخرى.

لا يتذكر من سنوات عمره إلا بقايا صور… يتذكر بعض الملامح من صورة ابيه.. يعرف ان الصراع من أجل لقمة تسد الرمق مُقدر عليه منذ ان رحل والده… ولكن حتى في وجوده كان الأمر سيان.. الآن يعرف ماذا يريد.. وماذا يفعل.. وكيف يواجه الحياة؟ منذ الصباح الباكر يتأبط صندوقه الصغير.. عالمه محصور بين هذا الشر الذي يحمله.. والأرصفة.. يجوب الأماكن.. يلتقط الفتات.. ما يجنيه لا يسد الرمق.. ولكن عليه ان يستمر .. أن يبدأ رحلته اليومية.. في كثير من الأحيان يمني النفس ان ينطلق في الفضاء، كطائر حر.. يمارس في براءة طفولته.. ولكن سرعان ما يجد ذاته محصوراً بواقعه..

عندما يعود الى المنزل عبر الأحياء الفقيرة… يرى الأطفال يمارسون في براءة بعض الألعاب.. يحاول ان يندفع معهم.. يتذكر كيف ارتبط منذ طفولته بهذا الصندوق..

في كثير من الأحيان يسترجع شريط الماضي… يطرح على ذاته بعض الاسئلة… لماذا رحل والده؟ لماذا تركهم.. جبان… لا.. ليس جباناً.. لا يهم ماذا كان.. ولكن برحيله يشعر انه قد فقد كل شيء.. يعود الى طفولته.. ويتذكر كيف كان ينطلق عبر الحواري… ويجاري رفقاء الحي ألعابهم.. الآن عليه ان يكمل المشوار.. ولكن دون سند.

لماذا اختطف الموت والده؟.. ظل يكافح ويكافح.. ولكن فجأة طار به ذلك القادم المجهول.. ما معنى الموت؟… غامض.. هذه الاسئلة… قال بعد تفكير: «لا يهمني كيف ولماذا ومتى؟»… الحياة هكذا…

يشعر في معظم الاحيان بفقدان الذات.. يشعر بالوحدة وهو يتحدى الحياة.. لا صديق.. لا سند… منذ فقد والده أصبح عبئاً على ذاته…

يتذكر… نعم.. ما زال يتذكر أحلام أمه… كانت تقول سوف يكون له دور في الحياة.. انها مثل أي أم تحلم.. تحلم بأن ترى فلذة كبدها يحتل مكان الصدارة… لكن أحلام كليهما قد تحطمت على صخرة الرحيل المفاجئ… اذا كان هو قد رحل فان بقاءها صورة اخرى للرحيل… إنها تصارع من أجل البقاء.. مجموعة من الأسقام.. وصراع يومي بين الموت والحياة.. ولكنها تصر على البقاء من اجله… هكذا تقول دائماً.. لذا فيومه صورة من أمه… هذا اليوم لا يختلف عن بقية الأيام والشهور..

عبر الصغير بصندوقه الشارع الاول.. الثاني.. وساوسه تدغدغ ذاكرته المحصورة بالحزن.. شعر بالجوع.. تطلع الى محلات بيع الأطعمة السريعة.. صرخ في وجهه أحدهم من داخل المحل وأشار اليه بالابتعاد.. ابتعد قليلاً.. جلس على الصندوق الخشبي أمام المحل.. الاحساس بالجوع دفعه الى الاقتراب من المطعم مرة أخرى.. خرج أحدهم.. مدَّ إليه قطعة من بقايا سندويتش.. ألقاها في جوفه وهرول مبتعداً عن المكان.. فجأة شعر بعطش شديد… اقترب مرة أخرى من المطعم… آه.. كم هو بحاجة الى قطرة من الماء… شاهده أحدهم.. اندفع كثور اسباني خارج المطعم.. يحمل عصا المكنسة.. اندفع هو بلا وعي يحمل صندوقه الصغير…

لم يشعر بشيء.. صوت ارتطام.. سخونة ولزوجة وبرودة في آن واحد.. همهمات.. لا يعرف من اين تأتي.. أصوات متداخلة… «أعمى.. هو الغلطان.. لص.. حرامي… سارق ولا شك.. المسامح كريم.. أولاد الشوارع».. أغمض عينيه.. وقبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير همهم قائلا: «لماذا لم يشعر بي احد..؟ أنا كائن.. اسمي الانسان!! ».
 
حســـن رشيــــد
كاتب وأكاديمي من مصر

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …