هل الترجمة دائما أداة حوار؟ ترجمة النص الديكارتي نموذجا

 حينما حاولت أن أستعرض أسماء الأعلام التي تناولتها الترجمة من الفرنسية إلى العربية في المجال الذي يشغلني، وهو مجال الفلسفة، قفزت إلى ذهني ثلاثة أسماء ربما هي التي استحوذت على الاهتمام في هذا المجال قبل أن ينصرف المترجمون إلى نقل نصوص الفلاسفة الأشد قربا إلينا أمثال باشلار وألتوسير وليفي- ستروس وفوكو ودريدا. هاهي للفلاسفة ديكارت وبرغسون وسارتر. صحيح أن الاهتمام ببرغسون لم يعمر طويلا. لكن لا ينبغي أن ننسى أن معظم مؤلفاته الأساسية قد وجد طريقه إلى اللغة العربية، فقد ترجم كتاب المعطيات المباشرة للشعور، والفكر والواقع المتحرك ومنبعا الأخلاق والدين والتطور الخالق الذي عرف أكثر من ترجمة. لكن على رغم ما نقل من برغسون إلى لغة الضاد كمّا وكيفا إلا أن حضور فيلسوف الديمومة لم يعمر طويلا، حتى أن هذه المترجمات نفسها لم تفرض ضرورة إعادة نشرها. حالة سارتر كما نعلم حالة خاصة . ولا يستطيع أحد أن ينكر قوة حضوره ان لم يكن في مدارسنا وجامعاتنا، فعلى الأقل في مجلاتنا ومنتدياتنا، الا أن سارتر ربما عرف عندنا كأديب، وصاحب نظرية جديدة في الأدب ووظيفته، أكثر مما عرف كفيلسوف. ويكفي أن نقرأ ما كتبه مترجم كتاب الوجود والعدم، عبدالرحمن بدوي، كي ندرك كيف حضر سارتر عندنا. كتب بدوي في مذكراته: «لم أكن أعرف لسارتر قبل 1945 أية علاقة بالوجودية، لقد قرأت له قبل ذلك كتابه الأول في علم النفس وعنوانه التخيل… وآخر كتاب لسارتر في الوجودية هو الوجود والعدم، ولما قرأته وجدته بعيدا كل البعد عن وجودية هايدغر، وخليطا من التحليلات النفسية. ومنذ قراءتي له لم أشعر نحو سارتر بأي تقدير من الناحية الفلسفية وعددته مجرد أديب». نستطيع أن نضيف إلى ما يقوله بدوي هنا ان سارتر لم يحضر في ثقافتنا كنصوص بقدر ما وجد كمثقف،بل كنموذج للمثقف الملتزم. لكل هذه الأسباب استقر لدي الرأي أن أقتصر على من دعي أبا الفلسفة الحديثة. ولعل اختياري يجد دعامته في عدة مرتكزات: أولها أن النص الديكارتي من أوائل النصوص الفلسفية التي نقلت إلى العربية. ثانيها أن أغلب نصوص ديكارت عرف أكثر من ترجمة. وثالثها أنه تغلغل في مدارسنا وجامعاتنا، بل اعتمد منهجا في دراساتنا الفلسفية وحتى الأدبية. إلا أن اختياري لم يقع على ديكارت لهذه الأسباب وحدها، وانما أيضا، وربما أساسا، لأن متابعة كيفية انتقاء نصوصه والتعامل معها من شأنها أن تمكننا ربما من أن نجيب على سؤالنا الأساس عما اذا كانت الترجمة دوما أداة حوار؟ من أجل ذلك علينا أن نبدأ أولا ببعض المعطيات التاريخية: أول كتب ديكارت التي نقلت إلى العربية كما نعلم هو المقال في المنهج. فقد قام محمود الخضيري بتوجيه من الشيخ مصطفى عبد الرازق بنقله إلى اللغة العربية. وهو يذكر في المقدمة التي وضعها لترجمته سنة 1930 سببين دفعاه إلى نقل المقال إلى اللغة العربية: الأول سبب عام ويتمثل في «عظيم العناية في مصر والشرق بالاطلاع على الثقافة الغربية… ورغبة العقلاء في مشاركة الأمم التي فاقتها في الحضارة والمعارف التي يعتمد عليها هذا التفوق». السبب الثاني يتمثل في أن المقال لم يكن مجرد مقدمة لكل النهضات الفلسفية في القرنين السابع والثامن عشر، بل هو عند البعض أساس المدنية الحديثة، اذ جعلوا منه أصل الثورة الفرنسية التي هي عند اميل بوترو وليدة المقال في المنهج لأن المجتمع قد تجدد سنة 1789 باسم مبدأ اليقين العقلي الديكارتي». قبل أن نواصل إثبات هذه المعطيات التاريخية لنسجل هذين الأمرين اللذين أشرنا اليهما هنا، أعني أن ترجمة الخضيري كانت بإيعاز من الشيخ مصطفى عبد الرازق، والثاني أن قصد المترجم هو هذان السببان اللذان وضعهما في مقدمته، واللذان يبدو أنهما يضعان النص الديكارتي في سياقه الأوروبي، ويدركان أهميته التاريخية. نص المقال هذا سيعرف فيما بعد أكثر من اعادة، أولاها هي التي قام بها جميل صليبا ونشرت ببيروت تحت رعاية اليونيسكو سنة 1953 تحت عنوان مقالة في الطريقة. النص الثاني الذي سينقل إلى العربية هو التأملات وقد قام بنقله عثمان أمين سنة1951 أيضا استجابة لرغبة الشيخ. إلا أن فيلسوف الجوانية لا يبرر ترجمته هنا بالإحالة على المدنية الحديثة كما فعل الخضيري، بل هو يرى في التأملات «كتاب العصر اذ فيه ما يدعو أهل الفكر في هذا العصر المادي الصاخب إلى النظر في مشاغل الروح والخلود إلى امتحان النفس». هذا النص سيعرف هو كذلك ترجمة بيروتية، وسيقوم بها كمال الحاج سنة 1971. النص الثالث هو مبادئ الفلسفة وسينقله عثمان أمين سنة 1962. لا ينبغي أن نغفل هنا ترجمة بعض النصوص المقتبسة التي قام بها الأستاذ نجيب بلدي سنة 1959 وضمها لكتابه حول ديكارت، فرغم طابعها التجزيئي، فإن لها أهمية قصوى كما سنتبين فيما بعد. بطبيعة الحال ستظهر فيما بعد ترجمات أخرى مثل كتاب الانفعالات، كما ستتم إعادة لترجمات المقال سيقوم بها يوسف الشارني كانت طبعتها الأولى قد ظهرت في تونس ثم أعادت منظمة الترجمة نشرها منذ سنة على وجه التقريب. كما ستظهر اقتباسات هنا وهناك اما استجابة لحاجات تعليمية مدرسية أو في اطار اهتمام بأحد الفلاسفة المعاصرين الذين تشكل فلسفاتهم حوارا مع مؤسس الحداثة الفلسفية أمثال هيجل وهايدغر وباشلار وفوكو.. في هذا الركام من الترجمات التي امتدت ما يقرب من القرن نستطيع أن نتبين سبلا ثلاثة في التعامل مع نصوص ديكارت: في النهج الأول ورغم نوايا المترجم ومقاصده فان النص الديكارتي لم يكن عند نقله إلى اللغة العربية ليفتح على الآخر بقدر ما كان يرد إلى الذات. أما النهج الثاني فيتمثل في سعي بعض المترجمين إلى الوقوف عند الجدة المنهجية عند أبي الفلسفة الحديثة، وبالتالي في نوع من الانفتاح المهادن، النهج الثالث يتمثل في محاولات انفتحت على النص الديكارتي ولكن لا لتتبناه وتوظفه وإنما لتتجاوزه وتنفصل عنه. وهكذا فنحن نلحظ في البداية أن ديكارت كان يرد المترجمين والمهتمين بنصوصه إلى الفلسفة العربية الاسلامية أكثر مما يفتحهم على الآخر ويحيلهم إلى تاريخ الفلسفة بصفة عامة والأوروبية على الخصوص. ففي سنة 1924 عمد زكي مبارك في كتابه الأخلاق عند الغزالي إلى مقارنة شك ديكارت بشك الغزالي ليرى أن «شك الغزالي كان سببا في جمود الفلسفة في الشرق بينما كان شك ديكارت سببا لنهوضها في الغرب». في سنة 1967 سيعمد محمد شريف في كتابه الفكر الاسلامي منابعه وآثاره إلى إبراز تأثير الغزالي على ديكارت بل على مجموع الفلسفة الحديثة. كما سيعمد عثمان أمين إلى عقد مقارنة بين «انية ابن سينا وكوجيطو ديكارت». وسيرجع ابراهيم بيومي مدكور في كتابه الفلسفة الاسلامية مسألة العلاقة بين النفس والجسد عند ديكارت إلى ابن سينا. هذا الرجوع إلى ابن سينا عبر ديكارت وبفضله نلحظه أيضا لدى: – محمود قاسم في دراسات في الفلسفة الاسلامية. – جميل صليبا في من أفلاطون إلى ابن سينا. – سليمان دنيا في مقدمة تحقيقه لكتاب الاشارات والتنبيهات. هكذا شكل النص الديكارتي وترجمته والاطلاع عليه، لا مناسبة للانفتاح على الآخر والحوار معه، وانما أساسا مناسبة للعودة إلى الذات ومراجعتها اما: – اثباتا لسبق تاريخي. – أو ملاحقة للتأثيرات التي كانت لفلاسفة الاسلام على ديكارت. – والأهم من كل ذلك محاولة لإضفاء المشروعية الثقافية على المفكرين العرب والمسلمين. كأن المقصود من الترجمة، ليس ما جاء في مقدمة الخضيري لترجمة المقال، وانما انعاش الفكر العربي الاسلامي، لا أقول ضخ دماء جديدة في ذلك الفكر، وانما اثبات أن هذا الذي يقوله ديكارت، اما أننا قلناه، أو أنه قاله بفضلنا. كأن قيمة النص العربي كانت في حاجة إلى الترجمة كي تظهر، فكأنما هي لا تُستمد الا من ربطه بنص أوروبي. على هذا النحو مثلا سيتم الرجوع فيما بعد إلى : حي بن يقظان عبر روبنسون كروزوي، وإلى رسالة الغفران عبر الكوميديا الالهية، وإلى لزوميات المعري عبر شوبنهاور، وإلى دلائل الاعجاز عبر دوسوسور، وإلى تهافت الفلاسفة عبر دافيد هيوم، وإلى مقدمة ابن خلدون عبر أغوست كونت. من حسن الحظ أن هناك نوعا آخر من الترجمات ومن اختيار النصوص والتفاعل معها نجده أساسا عند نجيب بلدي في الكتاب الذي أشرنا اليه والذي انتبه فيه إلى أهمية نصوص كتاب قواعد لتوجيه العقل، وكذا بعض الرسائل التي وجهها ديكارت إلى الأب ميرسون. هنا سيتغير منظور الترجمة وتتبدل دواعي الاهتمام، فيتخذ النص الديكارتي أهميته داخل تاريخ الفلسفة في مجموعه، ويُنظر إلى ديكارت باعتباره مؤسسا للعقلانية وصاحب منهج في التفكير جديد يزود الفزياء الناشئة بالمفهومات الفلسفية التي هي في حاجة اليها. هذه الأهمية المنهجية هي ما كان طه حسين قد انتبه اليه فيما سبق حينما دعانا إلى أن «ننسى عواطفنا القومية وكل مشخصاتها، وأن ننسى عواطفنا الدينية وكل ما يتصل بها، وألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء الا لمناهج البحث العلمي الصحيح. ذلك أننا ان لم ننس هذه العواطف وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف وسنلغي عقولنا». موقف ثالث من نقل ديكارت إلى العربية سيظهر فيما بعد، لا يشكل بالنسبة اليه النص الديكارتي مناسبة للعودة إلى الذات، كما لايشكل نموذجا منهجيا أو درسا في العقلانية، وإنما لحظة من لحظات تاريخ الفلسفة وموقفا من المعرفة، من العلم ومن الكائن ينبغي تخطيه، الا أن ذلك التخطي لا يمكن أن يتم الا بالحوار والتملك. سيتم ذلك بطبيعة الحال نتيجة «الدفعة» الفلسفية المعاصرة التي ظهرت في جهات مختلفة من جهات المعرفة، ظهرت في حقل الابيستمولوجيا على يد الباشلاريين، وفي حقل الدراسات النفسية على يد التحليليين، وفي حقل الأنتروبولوجيا على يد ليفي ستروس وفي حقل الفلسفة على يد نيتشة وهايدغر. سيعمل هؤلاء كل في «جهته» على عقد حوار مغاير مع النص الديكارتي، لا يجعلنا نرتد إلى ذواتنا عند نقله إلى لغتنا، ولا نكتفي فحسب بأن نستلهمه في مناهج بحثنا وطرق تفكيرنا، وإنما يجعلنا نقوض الأسس الفلسفية التي تقوم عليها فلسفته فنؤمن أننا «لا نوجد حيث نفكر، وإنما حيث لا نفكر»، كما يجعلنا ندرك أن مسألة المعرفة ليست فحسب مسألة منهجية وانما هي قضية أخلاقية سياسية، وأنها لا تكمن في البحث عن خطاب الحقيقة وتحديد منهج الوصول اليه والقواعد التي توجهه، وانما في تقصي ما يتولد عن الخطابات من مفعولات الحقيقة، فالحقيقة لا تتوقف على سلاسل حجج وانتظام خطاب، وإنما على سياسات المعرفة وعلى «نظام الخطاب».
مفكر من المغرب

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …