أخبار عاجلة

همجي في آسيا هنري ميشو

لقد زرت عشرات العواصم. لكن كالكوتا هي أشد المدن اكتظاظا في العالم. تصوروا مدينة كل ساكنيها كهنة، سبعمائة ألف كاهن (وسبعمائة ألف امرأة يلزمن بيوتهن. ولا يخرجن) لا مكان في الخارج إلا للرجال. مدينة لا يقطنها إلا الكهنة. ذلك أن البنغالي يولد كاهنا وكل كهنة كالكوتا يمشون حفاة (باستثناء الأطفال الصغار الذين يحملون)، يجوبون الشوارع والأرصفة بنحافتهم وقاماتهم الطويلة. لا أوراك لهم ولا أكتاف، يسيرون في هدوء ولا يضحكون. هكذا هم: كهنوتيون مشاءون. يرتدون ملابس متعددة الألوان. وبعضهم شبه عراة. ربما كان العراة منهم أكثر وقارا. وبعضهم يرتدون ثيابا فضفاضة بذيل أو ذيلين مطروحين الى الخلف، ذات ألوان بنفسجية ووردية وخضراء، وآخرون يرتدون ثيابا بيضاء. يملأون شوارع المدينة. ويمشون وهم واثقون من أنفسهم. نظراتهم صافية وصدقهم مخاتل وصفاقتهم نابعة من شدة التأمل، وسيقانهم متقاطعة.

يسيرون بنظرات ثابتة ومستقيمة لا تشوبها شائبة. ولا يساورهم أي شعور بالتفوق، تبدو عيونهم وكأنها لأشخاص نائمين، وحين ينامون تبدو وكأنها لأشخاص واقفين لا ينثنون ولا ينحنون. كأنهم مربوطون بشبكة. لكن، أية شبكة؟ حشود كثيرة تحاصر بعضها، أو بالأحرى كل يسلك وجهته على حدة. حشود وقحة لكنها حين تهاجم على حين غرة تغدو جبانة وبلهاء. كل يعيش في كنف دوائره السبع، وزهوره وسماواته، وصلواته صباح مساء في "كالي" بكل ترو وتفان. إنهم حريصون على تفادي كل القذارات: الغسالين والدباغين والجزارين وصيادي السمك والإسكافيين وأنفاس الأوروبيين اللاهثة (التي مازالت بها رائحة الضحية) وما لا يحصى من المسوغات التي تمرغ الإنسان في الوحل اذا هو لم يحترس.

حذرون وبطيئون ومحروسون ومختالون (في المسرحيات والأفلام هندية الأولى كان الخونة الذين يفتضح أمرهم ومأمور الراجا الغاضب الذي يمتشق سيفه، لا يتصرفون بشكل مباشر، بل كانوا يحتاجون الى بعض الثواني كي "يقمطوا" غضبهم).

منكمشون، ولا يخرجون الى الشارع، ولا يندمجون في فيض الوجود إلا بمشقة، مبطنون من الداخل ومغلفون ومحتدون، ولا يعرفون الخور أبدا، ولا يستنفدون انفهسم سدي بل ثابتون وصفقاه.

يجلسون حيثما طاب لهم، إذا ما أعيقهم قفة وضعوها أرضا واستراحوا. واذا ما صادفوا حلاقا

في الشارع أو عند ملتقى طرق قالوا: "حسنا، فلنحلق رؤوسنا في الحال" وسط الشارع، غير مكترثين بحركة المارة. يجلسون أينما اتفق، في الطرقات، أمام المقاعد فوق رفوف البضاعة في دكاكينهم، فوق العشب في عز الشمس (منها يقتاتون) في قلب الظل (منه يقتاتون) أو بين الظل والشمس، يتصنتون الى حديث الزهور في الحدائق، أو يجلسون بجوار كرسي ما أو قبالته (كيف لنا أن نعرف أين سيجلس القط؟) تلك هي حال الهندي. آه كم هي خربة مروج كالكوتا!

حتى أن الانجليز لا يقوون على النظر الى عشبها دون أن ترجف دواخلهم. لكن، لا البوليس ولا المدفعيون بقادرين على منع الهنود من الجلوس حيثما شاؤوا. فهم جامدون، ولا ينتظرون شيئا من أحد. من أراد منهم الغناء غنى ومن أراد الصلاة صلى بصوت عال، وهو يبيع فلفل التنبول أو أي شيء آخر. كالكوتا مدينة تكتظ بالمشاة يوجدون في كل مكان، وبالكاد يستطيع المرء أن يشق له سبيلا حتى في أوسع الشوارع. انها مدينة الكهنة، والبقرة فيها سيدة الجميع في الوقاحة والاستهتار. البقرة والقرد هما الحيوانان المقدسان الأكثر سفاهة. وثمة في كل مكان من كالكوتا أبقار تسير في الشوارع، وتسترخي بطولها على الأرصفة فتعرقل حركة السير، وتروث أمام سيارة خليفة الملك وتفتش المتاجر وتعرض المصاعد الكهربائية للخطر وتقف فوق الدرجات. ولا مبالاتها بالعالم الخارجي تفوق لامبالاة الهندي بكثير. فهي فيما يبدو لا تبحث عن تفسير ولا عن حقيقة ما، كل شيء يبدو لها وهما: العالم وهم كبير يخفي قدرنا الحقيقي، ولا قيمة له، وحين تأكل فإنها تكتفي بلقمة عشب، وتقضي سبع ساعات في تأملها. في كالكوتا تكثر الأبقار، تتسكع وتتروى في كل مكان. وهي تشكل جنسا مستقلا بذاته، مثلها مثل الهندي والانجليزي. ثلاثة شعوب تسكن عاصمة العالم هاته. لا يبالي الهندي، أبدا بما يسببه للأوروبي من حنق. بل ان مشاهدة حشد من الهنوا أو قرية هندية. وعبور شارع يقتعد فيه الهنوا عتبات أبوابهم. كل ذلك يبعث في نفس الأوروبي المقت والقرف. والهنود عادة ما يبدون جامدين ومتراصين، بحيث يستحيل التعود على مرآهم. ويبقى الأمل دائما في أن يشفوا من ذلك في الغد. أما حصر النفس والضغط على الروح، لديهم، فهما أشد إزعاجا. و الأدهى ذلك أنهم يحدقون فيك وهم متحكمون في أنفسهم بثبات غامض. ومن حيث لا تدري يشعرونك بأنهم يتوغلون في أعماق ذواتهم بطريقة تستعصي عليك.

والهندي لا تستميله لطافة الحيوانات على الإطلاق، فهو ينظر اليها شزرا. ولا يحب الكلاب، لأنها لا تركز وتتحرك كثيرا، ولا تتمالك نفسها، ثم من يكون هؤلاء المتنا سخون؟ لو لم يذنبوا لما صاروا كلابا. لعل جريمتهم الشنعا، أنهم قتلوا أحد البراهمة.. (والهندي حريص أشد ما يكون الحرص على الا يكون كلبا أو أرمل). وهو يعشق الحكمة والتأمل.ويشعر بتوافق تام مع البقرة والفيل، لأنهما لا يجهران بأفكارهما ويعيشان في شبه عزلة. كما يحب الحيوانات التي لا تقول "شرا" ولا تبدي الكثير من الخفة والمهارة.

والأرياف الهندية تمتليء بالطواويس ولا توجد بها طيور الدوري. هناك الطواويس والطيور المائية والكثير من الغربان والحداء والجمال والجواميس المائية. والمعروف عن الجاموس المائي أنه يستطيب النوم في الوحل ولا يهمه ما عدا ذلك. واذا ما ربطته، كما يحدث في كالكوتا، فلن يسير بسرعة أبدا، بل سينظر الى المدينة، وهو يمرر لسانه بين أسنانه من حين لآخر، كمن يشعر بأنه ضل طريقه. أما الجمل فهو أسمى من الفرس في الاعتبار الشرقي. لأن الفرس التي تخب أو تركض تبدو دائما وكأنها تزاول الرياضة، وهي لا تجري بل تتخبط. وعلى العكس من ذلك فان الجمل يمضي بسرعة الى الأمام ويخطى موزونة. وبالمناسبة فأنا أكره الموثقين، والأبقار والفيلة من الدواب التي تفتقد الى الحيوية، وهي بذلك تشبه الموثقين.

أول مرة ذهبت فيها الى مسرح هندو ستاني، كدت أبكي من شدة الغضب والخيبة. وقد راودني هذا الإحساس على حين غرة وأنا أستمع الى الهندية، هذه اللغة الحافلة بالكلمات التقية المنطوقة بسذاجة قروية بطيئة وبالمصوتات الثقيلة ذات الذبذبات القاصفة. الكل مقمط وممل ومريح وقنوع. وخال من روح السخرية. أما البنغالية فهي أكثر غنائية. انها أشبه بعقبة، ولها نبرات عتاب هاديء تتقطر طيبة وحلاوة، ومصوتاتها ريانة وتفوح منها رائحة البخور.

يتوافر الرجل الأبيض على صفة أهلته للمضي قدما صوب مراميه، وهذه الصفة هي: الوقاحة. ولأن الوقاحة خالية الو فاض فهي ملزمة بأن تصنع وتخترع وتتقدم. أما الهندي فهو متدين ويشعر بأنه على اتصال بالكل، فيما ليس للأمريكي سوى القليل وهذا فوق ما يستحق. ولذلك لا شيء يوقف الرجل الأبيض.

أما العرب والهنود، وحتى آخر المنبوذين فإنهم يبدون مستشبعين بفكرة نبل الإنسان، وهذا ما يتجلى من خلال هيئاتهم وفساتينهم وعماماتهم وملابسهم حيث يبدو الأوروبيون أمامهم عارضين وثانويين وعابرين.

والتفكير الهندي كله سحر. إذ لابد أن يؤثر الفكر مباشرة على طوية الإنسان وعلى الآخرين. وخلافا لذلك لا تؤثر وسائل العلم الغربي بثكل مباشر، فليست هناك وسيلة تؤثر تأثيرا مباشرا على المنقلة مثلا، حتى الرافعة تعجز عن هذا، ولذا يتعين استعمال اليدين. وإذا كانت الفلسفات الغربية تسبب فقدان الشعر وتقصر حياة الإنسان، فإن الفلسفات الشرقية تنمي الشعر وتطيل العمر.

كما أن جزءا كبيرا من الأفكار الفلسفية أو العقائدية، في الهند، ليس سوى صلوات سحرية Mantras لها قوة مماثلة لمفعول تلك العبارة الشهيرة " افتح يا سمسم " فهذه الكلمات، كما يؤكد ذلك كتاب ( ( khadogya Upanishad إذا قيلت لعصا منخورة تخطت في الحال بالزهور والأوراق واستعادت جذرها. وكل التراتيل، وكذا معظم التعاليق الفلسفية البسيطة، ذات فاعلية. فهي ليست مجرد أفكار للتأمل. وإنما هي أفكار مرصودة للمساهمة في صياغة الوجود والبراهما: (الذات العليا في الفلسفة الهندية). وفضلا عن ذلك فإن الهندي مهووس بالتدقيق، وهذا ما يجعله مشغول البال. والانفصال عن المطلق – هذا الجحيم الذي ستعضون إليه أيها الأوروبيون – يلازم الهندي دائما، تذكروا جيدا هذا المكان الرهيب الذي لا يمكن أن تفكر فيه دون أن تتجمد أوصالنا.

جاء في كتاب الـUpanishad  الذين يغادرون هذا العالم دون أن يكتشفوا Atman الحقيقية، لن ينعموا بالحرية في أي عالم آخر.

وأغلب الهنود الذين تعرفت عليهم، من العاملين في بيوت الإنجليز، كانوا يحفظون وصفة أو وصفتين ناجعتين من هذه الوصفات. كما أن الجنود الهنود يتبرعون دائما في معاركهم بصلوات Matras باعتبارها وصفات سحرية.

في الهند يعتبر التنفس المراقب، لغاية سحرية، بمثابة رياضة وطنية. ذات يوم كنت في محطة القطار " سيرامبور" فطلبت من مرافقي أن يشرح لي هذه الظاهرة. وبعد أقل من ثلاث دقائق أحاط بنا حوالي عشرين مجربا ومستشارا ومطلع وأخذوا يستعرضون علينا نماذج من عمليات التنفس (أربعة زفائر بالمنخر الأيسر يحتفظ بها، مقابل ستة عشر شهيقا متسارعة بالمنخر الأيمن). لم يسبق لي أبدا أن رأيت مثل هذا السيل من الحركات (مع أن الهندي يعيش بدون حركات) حتى البنكي عندما ينهي عمله يصب كل اهتماماته على الصلوات السحرية، وهو الآخر له مرشده الروحي guru يفكر إلا في الحج الى خاصرة الهيمالايا كي يتفرغ للتأمل والتروي. إن الهندي إنسان عملي، بالمعنى العميق للكلمة. ويبحث عن مردودية في كل ما هو روحاني. وهو لا يقيم وزنا للجمال. لأنه يعتبره مجرد وسيط. كما أنه لا يقدر الحقيقة لذاتها بل لفاعليتها. لذلك يلاقي مبتدعوهم نجاحا هائلا في أمريكا ويصير لهم مريدون في بوسطن وشيكاغو.

يتسم الفكر الهندي بالتمهل والتواني، وعبارات الهندي تبدو على لسانه وكأنها متهجاة. كما أن الهندي لا يجري أبدا، لا في الشارع، ولا فكره أيضا يجري في دماغه. فهو يمشي، وينسق كل شيء. لا يحرق المراحل، وليس من عادته أن يقلق أحدا. وفي أشعار الرامايانا ( 125000 بيت) والمهاباراتا (1250000 بيت) ليس ثمة أي تسرع. لأن الهندي لا يتعجل الأمور، ويسوي مشاعره الى أقصى حد. والسنسكريتية (لغة هندية قديمة) من أكثر لغات العالم اتساقا وارباكا. وهي بالتأكيد أجمل ما ابتكره العقل الهندي. إنها لغة جامعة، تطرب الأسماع، تأملية وتحث على التأمل. لغة استدلالية، مطواع ويقظة، متبصرة وزاخرة بالظروف والتصاريف.

جاء في كتاب المهاباراتا أنه حين توفيت " درونا " وعلم الأب بذلك لم يستعجل نفسه، بل إنه طرح على حاملي النعي 240 سؤالا في بطء وتفصيل وثبات، دون أن ينس أحد منهم بكلمة، بعد ذلك أغمي عليه، فروحوه.

وحين استعاد رشده استأنف أسئلته (حوالي 200 أو300 سؤال) ثم توقف. وبعد هذه الحكاية سيشرع أحد الجنرالات في الحكي عن الطوفان بنفس التأني. والمهاباراتا تحفل بالعديد من الحروب القريبة والبعيدة، وتدخلات الآلهة والأبطال، وأبياتها الـ 250000 تقدم لمحات وافية عن كل المسائل المطروحة. وغني عن البيان أنه من الصعب العثور على مركز هذا الكتاب. فالأسلوب الملحمي لا يهمل ولو للحظة. وهو مثله مثل الأسلوب الإيروسي يحتوى على نسبة معينة من الزيف والتكلف، ويسلك خطا مستقيما.

إذا ما قارنتم جنديا باسلا بنمر وسط الأرانب، وقطيع من الفيلة أمام قضيب خيزران غض، أو بإعصار يجرف مجموعة من المراكب، فإن بإمكانكم أن تستمروا على هذا النحو عشر ساعات قبل أن تثيروا اهتمامنا من جديد. لقد بلغنا القمة، ونحن نواصل السير في وجهة مستقيمة.
 
عزيز الحاكم (كاتب ومترجم من المغرب)

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …