أخبار عاجلة

هي وأنا

(1) أوجاع ظهر مقوس وبائس:-
عندئذ وحين زاد لغط الأصوات المغادرة للمكان أطلتْ بتعال وبصوت صفير خافت بعض الشيء كنت قد عهدته منها في السنوات السابقة حتى تحولتْ إلى نتوء جبل صغير، تمالكتُ أعصابي وهمستُ لها بضراعة ووجل  أنه ليس من اللائق في كل الأحوال  والأعراف أن تبرز نفسها هكذا ، وأن تلفتْ النظر إليها باعتبارها تحتل مكانا يقع على مرمى البصر ولا تخطؤه العيون من بعيد أو قريب ، وأنها بتطاولها هذا تلغيني تماما  كما تلغي الميثاق الذي قضينا الليل بأكمله ونحن نعدل ونحذف ونضيف فيه إلى  أن استقر في مضمونه الأخير على الاتفاق المقْنع  بالسير معا هذا الصباح لقبض المعونة الشهرية شريطة أن يحترم كل منا شخص الآخر وخصوصيته ،سكنتْ قليلا متدثرة بطرف العمامة الكبير الذي تركته يغطي مساحة لا بأس بها  من  منطقة مابين الكتفين .مادة في  الوقت ذاته أناملها لتتحسس الوشم القديم في وسط عينيها والذي حولها إلى كيان  مستقل وعنيد ولكنه قابل للتفاوض في أغلب الأحيان ، وحولنا معا إلى كائنين مدجنيين بكل ما في الكلمة من تماهي للخضوع والسير في ظل الآخر .
عندما اقتربتُ منه ، حذرتها من سلوكها السابق بهز كتفي قليلا ، وكان هو قد أزاح عمامته الحمراء المحكمة اللف قليلا إلى الخلف فبان جبينه أبيض وجميلا فيما سقطت شعيرات متناثرة على أحد جانبيه فتكاثف سوادها مع سواد  الرموش الطويلة المحيطة بعينيه ،اقتربتُ منه بسرعة بعد أن راقبته ينهي آخر معاملات صف البشر المتوسط الطول ، وراقبتها وهي تتنفس برفق تحت طرف عمامتي ، متمسكنة وصامتة ، متحاشيا قدر المستطاع أن يقف شخص ورائي ، ابتسمتُ ، التقطتُ له صورة في ذهني وكدت أن أمد يدي لأصافحه وأسأل عن أحواله ولكني أحجمتُ بعد أن رأيتُه يراقبها هي بفضول جارح  زادها عظمة وغطرسة حتى ارتفعتْ حدة ضحكها وسمعتها بأذني المستشعرة لأدنى حركة تصدر منها  تؤكد وجودها بكلمتها المتكبرة المعتادة
– أرأيت ؟!
لعنتُ ألف مرة اليوم الذي تصالحت فيه معها ،وأنبتُ نفسي على تخاذلي عن عدم اجتثاثها حين واتتني شجاعة نادرة ،سكت وبعد برهة  وأجبتها باقتضاب مفهوم
  – نعم رأيت .
 رأيته  ينكفئ على أوراق بين يده حتى دون أن يرد الابتسامة .
من الداخل تعرقتُ خجلا ، ولكني تماسكتُ حتى لا أكرر ما حدث مع صاحبة النظارة السوداء ، هرشتْ ظهري بعنف ، فكرتُ أن أحك قفاي بالجدار حتى أدميها ولكنها انتهرتني بشدة معلنة في استسلام مصطنع
– قلت لك أن اليوم سيمضي على خير ، وأنا عند كلمتي .  
هدأتُ ، صدقتها ،كنت شخصا يكفر عن ذنب مشوه ومؤذ يرافقه كحمل لا يزول طيلة عمره ، و كانت الأحداث غير مرتبة في ذهني وبدا أن ترتيبها المنطقي سيكون بقدر درجة الألم الذي استشعره منها ، الفتاة بالنظارة السوداء أولا ، تليها الحروف المأكولة بنهم بين أسنان ولسان صاحبي ، ومن ثم أنين آخر الليل الذي يضرب طبوله في أذني ، وهي الرأس الثاني بين كتفي، وأخيرا موظف البنك العابث بالأوراق أمامه .
عندما شعرتُ أنها غفتْ تماما وعدتٌ لأتنفس طبيعيا فتحتُ فمي وأردتُ أن أكلم صاحب العمامة الحمراء  أمامي ، أردت أخباره عن تمردها الأخير أمام المقهى في الشارع المزدحم ، وكيف أنها أصبحتْ  تثقل كاهلي بشدة هذه الأيام ، وكيف باتت تسخر من صاحبي المسكين وأني أصاب بإعياء سريع وآلام في صدري ، ثم أتحول إلى مخلوق لا يمت للشكل الإنساني بصلة ، كنت على يقين أني  قد أصبحتُ في داخلي إنسانا ملغزا وغامضا وأسررتُ في نفسي منذ أيام بعيدا عنها أني سأتحدثْ عما صنفته على أنه ألم كبير وموجع ينزف قيحا ودما إلى كل شيء و أي شيء ،  حتى إلى الجدران والأشجار والناس الغرباء وحين نطقتُ بصوت مبحوح
– بنت حرام هذه الدنيا .
أحسستُ بها تقرصني  بين الكتفين بشدة وترفع طرف العمامة الذي تغطت به لتظهر كرأس أفعى متحفزة للانقضاض ، أردتُ أن أهددها بالكي مساء في وسط وجهها وكدت أن أصرخ بها
– حدبة حقيرة .
لولا أن صاحب العمامة الحمراء قطع حبل الكلام بيننا ونبهني وهو يمد يده إليه
– ثلاثون ريالا .
خرستُ ، تناسيتُ ومددتُ يدي ، كتبتُ اسمي بغير وضوح في الورقة أمامه  ، استلمتُ النقود ابتسمتُ ثانية وسرتُ دون أن أوليه ظهري حتى لا يرى احدى  ثوراتها المفاجئة والغبية  ، بينما شابك صاحب العمامة الحمراء أصابعه وتثاءب بصوت مسموع طالبا من العامل فنجان شاي .
(2) مجرد خيال حدبة متعالية :-
سرتُ خطوتين لا أكثر من ظل المقهى إلى الشارع القريب ، الحر قاتل في هذه الظهيرة والعرق تصبب من كل مكان مني ، ومنها هي بشكل خاص ، تكلمتْ وهي تلهث
– ماذا تفعل ؟ تصهرني ؟! ارجع إلى الظل .
  تجاهلتها بصمت ، توقفتُ لحظة حين أحسست بعينين تراقبان ظهري ، التفتُ راعني قليلا أني لم ألاحظ ازدحام المقهى بالعيون  وراعني أكثر أنها استيقظتْ مع هدير السيارات وأصوات الناس ،اشرأبتْ بعنقها لترى ما حولها، مما اضطرني إلى تذكيرها بحدة إلى كونها رأس ثان ، زائد ولا أهمية له غير تكدير حياتي وشد سخرية الناس إلي والمجاهرة بضآلتي ، تجاهلتني تماما وكزتني بشدة لأحتمي بأي سيارة أجرة في أقصر وقت ، أطعتها وقد أحسس أنه لا مجال للنقاش معها وهي في تلك الحالة وعندما شاهدتُ فتاة بنظارة سوداء تراقبني  من خلف زجاج سيارتها تحركت لا إراديا لأحجب بيدي الرأس الثاني وحاولت جاهدا أن أنفخ في خدي لأفك التصاق اللحم بالعظام البارزة، سمعتُ صفيرها الحاد خلف ظهري وبعدها ضحكتْ بقهقهة كبيرة ،أشاحت الفتاة برأسها عني ،ونكاية بها عدت للوقوف في موقفي الأول وزدت عليه بأن  اتكأت على عمود مصباح الشارع الحديدي الساخن، تأوهت بخدر الألم الكبير ، ابتسمتُ منشيا بالانتصار عليها وتقليص حجمها وأخبرتها بصرامة أني في المرة القادمة سأقتلعها نهائيا من على طهري وأرمي بها في أقرب مكب نفاية ، لم تند منها حركة تأثر صغير بكلامي، أخذت  تصرخ معلنة أنها ستتحول إلى بالون ضاحك يجذب كل العيون إلي واليها ، أخذت تهدديها على محمل الجد ،
– مجنونة ومتكبرة .
– أنت رجل لا تطاق ، وأنا أتحملك على مضض .
وفي الوقت الذي تحركتُ فيه من مكاني تجنبا لتنفيذ تهديها ، وقف هو للحظة بجانبي أمسك راحة يدي وجذبني إليه ولكني قاومت ، رأيته هائجا يحمل أوراقا كثيرة بين يديه ، اعتلى السور القريب من المقهى ،أخذ  يصرخ وهو ينادي الناس ، فتح الصفحة الأولى ، قرأ منها شيئا لم يفهموه ، سمع صوت ضحك منها أولا تلاه صوت همز ولمز من الآخرين ، ابتعدتٌ عنه أنتظر أن ينهي  ما يفعله غالبا ، كان صف أسنانه الأمامية في فكه العلوي قد ظهرت كلها إلى خارج فمه فبانت صفراء وقذرة ، رمى بالورقة الأولى في وجه الحضور بعد أن كورها ، فتح الصفحة الثانية ، اشتعلتْ عيناه نارا وتطاير الزبد من بين شدقيه ، رمى «كمته» فتح جيبه وفي الصفحة  الثالثة شقه ولم يفهم منه إلا كلمة الله ،سمعتُ صوت الفتاة بالنظارة السوداء تقول بتهكم للرجل الواقف بجانبها
– قرد
وللمرة الثانية – بعدها هي – وجدت من يشبه صاحبي  بالقرد ، القرود تملك جهاز كلام مثل الإنسان بل تستطيع أن تدمج صيحاتها لتصبح ذات معنى ، ولكنها ممسكة عن الكلام طوال أجيال جنسها مما جعل ذلك الجهاز يضمر ويتعطل عن لغة الكلام . وصاحبي يمضغ الحروف ليخرج صوتا لا تفهمه إلا القرود كما قررت هي بأكيد لم أجد اتجاهه  حجة مقنعة لأجادلها بها ، رجمه أحد الحضور بحجر وشج رأسه ، سال الدم على الجدار والأوراق ، تهاوى من على الجدار  تعالت ضحكات الفتاة بالنظارة السوداء ، وقال مبتعدة مصوبة نظارتها إلي
– قرد تافه .
تضاعف حجمها هي حتى أصبحت بحجم صخرة صلدة وعاتية ، أرهقتُ ، شعرت بعظامي تتكسر تحت جبروتها  ، ضحكتْ أكثر ، سرتُ على أطرافي الأربعة  مقتربا من صاحبي ، تمرغتٌ في التراب انتقاما منها ، تحلق الناس حولنا ، شاهرين أصابعهم إليها  كانت هي تقفز بحرية كاملة لتحتل عمودي الفقري ، صارخة في وجهي بخيلاء
     – أرأيت ؟!
(3) رؤيا ساق انحسر عنها الغطاء  :-
عريت ظهري ، أنا وهي وجها لوجه أمام الكون ، سرتْ في أوصالي قشعريرة انتقلت إلي منها ، سألتني وهي تراقب بحذر القضيب المحمى  في النار
– ماذا تنوي أن تفعل أيها المجنون .
وعندما ابتلعتُ لساني ولم أرد عليها ، انكمشتْ وأصبحتْ في حجم حصاة صغيرة ، ثم في حجم الفراغ ، أوليت ظهري لأمي ، انحنيت أمامها ، برز مكانها جليا ،ناولتها سكينا لامعة ، أشرتُ إليها بقرف واضح ، مررتْ أصابعها عليها وحينما لامسها حد السكين البارد ،كانت تبكي بنشيج مكبوت ،صحتُ من أعماقي الملتهبة
– ماكرة 
 جدلتُ أعصابي في وجه الخوف ،تصبب ظهري ألما وعرقا أخبرتها أن تبدأ بالأطراف ، أن تجثها من العروق تماما وأن لا تأبه لي أبدا ، كل تلك السنوات وأنا أحمل قنبلة موقوتة على ظهري، أشاطرها أدق تفاصيل حياتي ، أمثل الرهينة المحبوسة دون نور ، أعرفها بليدة ودبقة ، شكلها مخاطي وشديدة الالتصاق ، أقرضها  من أطرافها فينمو رأسها، أشوه رأسها فيكبر فمها ، مؤخرا أصبحت فما مسلطا على تصرفاتي ، تعترض حتى على طريقة استحمامي وجلوسي ،اعترضتُ  على طريقة الالتصاق المفتعل منذ سنوات بيننا  سحبت أمي القضيب المحمى ووضعته على منتصف جبهتها تماما ، صرختْ ، صرختُ ، صرخنا معا بصوت حيوان معقور ، بالسكين أخذت قطعة منها ، مني ، من كل شيء يمت بصلة لي ، قالت أن هذا من فعل الشيطان اللعين ، استسلمتْ ، تركت القضيب يبرد وأزاحت السكين بعيدا ، بكيت ، بكتْ ، أصابنا تشوه في موضع القلب تماما ، راح وجهها ينطفئ مثلما تأكل النار نفسها حتى الرماد، نسيت أمي ومن بين دموعها حاولت أن تحضن ظهري، أن تحضنني  جفلت عندما رأتها بوجه أسود كالح ،تجمد جسدي ،  يحدث بعد الألم الكبير خدر للشعور فترقد الأعصاب كالقبور وتفقد الأشياء وجودها المنطقي والفعلي ، نمت على بطني هدني تآكل لحمها ، لحمي ولحم الوجود ، تناومت بإطباق جفني على العدم ، أشاحت بوجهها أشحت بظهري أخبرتها في المنام القلق أني مقطوع من أشجار  الدنيا دون رأسي الثاني وأن قدمها التي انحسر عنها الغطاء لا ترافقني في الأحلام التي سرت فيها منتصبا ودون يكون هنالك تكتل قميء يجثم على كتفي ، فمنذ أسبوع أصبحت تئن هكذا كانت كمن ذبح وأبقي لها عرف وحيد لترى منه الحياة  ،رأيتها تقاوم ، تقف وتسقط ، تنكسر ثم تعود مرنة ولينة ،  في كل  الأوقات برفقتها كنت كالمريض الذي يريحه الكلام الدائم عن المرض من جهة إلا إنه من جهة ثانية يقوده إلى انقطاع الرجاء في التغلب عليه . بعد أذقتها  طعم الحديد الملتهب وأفصحت عن نيتي بالتخلي النهائي عنها ، استشرت ومدت جذورها إلى أعضائي الحيوية .
بعد شهر كانت تسير بأكثر من قدم ، مدتْ لي يدها بكاز ، انحنى ظهري ، وبرزت هي كقمة جبل شامخة ، تعالت وهي  تحيي الناس الذي رفعوا أكف الحب والاحترام إليها ، فيما  أشاروا إلي بأحذيتهم  وألسنتهم  ، اقترب أحدهم منى بصق في وجهي الذي حاذي الأرض وانصرف، أعترف لها ضمنا أني خيال كائن من دونها ،مجرد فم يشكي ولا يملك قدر مستقل ،  ابتسمت بوهج انتصار كبير في عينها ، زحفت إليها أسترضيها
– أرجوك لا تتركيني .
ركلتني ثم  علا صفيرها هي وضحكت قائلة
– أرأيت ؟! 
 رحمة المغيزوي
قاصة من عُمان

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …